شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
متحف اللوفر أبو ظبي، جسر بين الحضارات (2/2)

يقع متحف اللوفر أبو ظبي في صميم استراتيجية طموحة تتبعها الإمارات العربية المتحدة لكي تصبح مرجعية ثقافية عالمية. فهو يجسّد رغبة أبو ظبي في أن تكون جسرًا بين الحضارات والشعوب، بهدف تجاوز المعتقد السائد عن المجتمع الإماراتي على انه مجتمع "نفطي بحت"، وإبراز هويته المنفتحة على الثقافة العالمية. يُعدّ المتحف من أبرز المتاحف الفنية، وقد تم تصميمه كمتحف عالمي يسلّط الضوء على الإبداع الإنساني العابر للثقافات، والحضارات، والأديان، والعصور. التصميم والسينوغرافيا تُعرض الأعمال الفنية في اللوفر أبو ظبي وفق سينوغرافيا مميزة تقوم على سرديات عالمية متقاطعة كالإبداع والديانات والسلطة والتفاعل بين الشعوب...) عوضاً عن التقسيمات الجغرافية المعتمدة إجمالاً، وهذا غير مألوف في المتاحف الفنية. تقسم التحف في اللوفر أبو ظبي بحسب مواضيع او ازمنة محددة بحيث تُعرض اعمال من بلدان مختلفة جنبًا إلى جنب في حوارٍ ثقافي يتناغم مع رؤية أبو ظبي للانفتاح والحوار بين الحضارات. وقد استفاد القيّمون على المتحف في أبو ظبي من الخبرة الفرنسية في مجال المتاحف. يُعدّ اللوفر أبو ظبي أوّل متحف عالمي في العالم العربي يقدم قراءة شاملة ومقارنة لتاريخ الفن والحضارات، بعيدًا عن السرديات الوطنية أو الأفكار المسبقة. المجموعات الفنية يضم المتحف مجموعة متنامية تضم أكثر من ستمائة عمل فني وتحفةٍ استثنائية تغطي تاريخ الإنسانية بأكمله، بعضها مستُعار من متحف اللوفر باريس وأكثر من ثلاثة عشر مؤسسة فرنسية أخرى. يعمل المتحف باستمرار على تجديد القطع الفنية المعروضة وذلك من اجل تنويع التجربة الثقافية للزوار بشكل دائم، مما يجعله متحفًا حيوياً وجذاباً. يقوم نموذج التعاون في اللوفر أبو ظبي على شراكة طويلة الأمد بين حكومة أبو ظبي ومتحف اللوفر باريس، تشمل إعارة الأعمال وتبادل الخبرات العلمية ودعم البرامج والمعارض المؤقتة المشتركة التي تُنظم احياناً بالتعاون مع متاحف أوروبية عدة. إعارات بارزة من اللوفر باريس ومتـاحف فرنسية أخرى اعار اللوفر باريس نحو ثلاثمائة تحفة فنية بالتعاون مع أكثر من ثلاثة عشر مؤسسة فرنسية خلال السنوات الأولى لافتتاح المتحف. من بين هذه الأعمال: "الجميلة الفيرونيّة" لليوناردو دا فينشي، و"نابليون يعبر ممر سانت برنارد الكبير"، تحفة جاك لويس دافيد، و"محطة سان لازار" لكلود مونيه، والصورة الذاتية لفنسنت فان غوخ، بالإضافة إلى أعمال لمانيه وكاندنسكي وماتيس وروثكو وآندي وارهول ودورر وتيتيان، على سبيل المثال لا الحصر. كما تضمّ المجموعة قطعاً تاريخية، مثل كوب ذهبي من الإمبراطورية الأخمينية وسفينة شراعية. في عام 2025، اضاف المتحف على مجموعته مقتنيات جديدة وإعارات دولية، منها توابيت مسيحية ولوحات فنية حديثة. الأعمال الفنية التي اقتناها المتحف بين عامي 2023 و2025، عزّز المتحف مصداقيته الأكاديمية من خلال شراء مجموعة جديدة من الأعمال الفنية الدائمة. ومن بين هذه الأعمال، تمثال ذو رأسين من عين غزال يعود إلى نحو 8000 عام، وتمثال نصفي ضخم لرمسيس الثاني من العصر الفرعوني. كما أضاف المتحف واحدة من روائع الفن الباروكي، وهي لوحة "الطفلة مع الموقد" لجورج دو لا تور، بالإضافة إلى عدة تماثيل لرودان وأعمال متنوعة لكندنسكي وجياكوميتي ولوحات لبيكاسو. خدمات تعليمية وتعاون مع الجامعات والمدارس يتجاوز المتحف دوره الثقافي إلى كونه مركزاً تدريبياً وتربوياً دائماً في خدمة التعليم في الإمارات. فهو يقدّم برامج تعليمية ودورات تدريبية للمدرّسين حول كيفية استخدام الفضاء المتحفي كأداة مكمّلة للمناهج التعليمية ولتنمية التفكير النقدي لدى الطلاب. وقد اقام شراكات مع جامعات منها جامعة نيويورك أبو ظبي NYU(عبر مذكرة تفاهم)، وجامعة Sorbonne/École Du Louvre لتقديم ماجستير مهني في "مهن المتاحف"، وهو الأول من نوعه في منطقة الخليج. يجدر التنويه هنا بمبادرة مهمة للمتحف، إذ يقدّم ضمن برنامج "اللوفر أبو ظبي للجميع" أنشطة خاصة موجهة للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة. في الختام، يشكّل اللوفر أبو ظبي متحفًا عالميًا متكاملاً يجمع بين الثقافة والتعليم والبحث الأكاديمي والدبلوماسية الثقافية. وهو يؤدي دورًا محوريًا كصرحٍ تراثي ومركزٍ تعليمي ومنصة دولية للإمارات العربية المتحدة.

في مواجهة الأسطول الأمريكي الهائل، تحاول إيران كسب الوقت

بعد نشر الأسطول الأمريكي الهائل بالقرب من السواحل الإيرانية، تلوح في الأفق عدة خيارات عسكرية إذا قرر البيت الأبيض التدخل. في الوقت الحالي، لا يزال الصراع مع نظام الملالي شفهيًا بشكل أساسي: بيانات، تحذيرات، واستعراضات للقوة تحدد وتيرة التصعيد. مع كل تشديد في لهجة دونالد ترامب، ترد طهران بتهديدات بانتقام واسع النطاق. من الجانب الأمريكي، يبدو أن هناك يقينًا واحدًا يفرض نفسه: لا يُنظر في أي تدخل بري. ومع ذلك، يرى العديد من المراقبين أن الرئيس الأمريكي سيبحث أولاً عن حل دبلوماسي قبل اللجوء إلى القوة. من الجانب الإيراني، لا يزال الغموض التام سائدًا: إلى أي مدى يمكن للنظام أن يقاوم المطالب الأمريكية الجديدة؟ متى يمكن أن يتراجع؟ مطالب أمريكية مشددة، رفض إيراني مؤكد مساء الخميس، صرح الرئيس الأمريكي بأنه «يأمل ألا يضطر لاستخدام هذه القوة» العسكرية المنتشرة، بعد أن دعا في اليوم السابق إلى إبرام «اتفاق عادل ومنصف - بلا أسلحة نووية». ولكن منذ ضربات يونيو 2025 ضد المنشآت النووية الإيرانية، «ارتفع الثمن المطلوب من إيران للتوصل إلى اتفاق بشكل كبير»، حسبما يرى فرزان ثابت، المتخصص في الشأن الإيراني في معهد جنيف للدراسات العليا، في تصريحات لوكالة فرانس برس. يوضح قائلاً: «تطالب واشنطن الآن بحظر كامل لتخصيب اليورانيوم، وتقييد القدرات الباليستية الإيرانية، بالإضافة إلى «تفكيك أو فرض قيود صارمة على “محور المقاومة”»، الذي يضم على وجه الخصوص الحوثيين في اليمن وحزب الله اللبناني». بالنسبة لطهران، فإن مثل هذا العرض يعادل «شكلًا من أشكال الاستسلام»، كما يؤكد ديفيد خلفا، المؤسس المشارك لـ منتدى الأطلسي الشرق الأوسط (AMEF). ووفقًا له، فإن دونالد ترامب «سيختار الخيار العسكري»، لا سيما لإظهار قدرته على فرض خطوطه الحمراء. الوسائل العسكرية الأمريكية المنشورة أكد دونالد ترامب، متبعًا «أخلاقه الخاصة» كبوصلة وحيدة، الأسبوع الماضي أن «أسطولًا ضخمًا» كان في طريقه إلى الخليج. جاء هذا الإعلان بعد دعمه العلني للمتظاهرين الإيرانيين، الذين قمعت حركتهم بعنف، مما أسفر عن سقوط عشرات الآلاف من القتلى وفقًا للمنظمات غير الحكومية. تضم هذه القوة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ، وطائراتها الثمانين، بالإضافة إلى حراسة من ثلاث مدمرات مجهزة بقدرات مضادة للصواريخ وصواريخ توماهوك كروز. وعادة ما تكون المجموعة الحاملة للطائرات مصحوبة بغواصة هجومية، وهي أيضًا قادرة على ضرب أهداف برية. خيار الضربات المحدودة يمكن لدونالد ترامب أن يستهدف السفن المصدرة للنفط الإيراني، كما فعل ضد فنزويلا، بهدف خنق اقتصاد البلاد والحصول على «صفقة»، وفقًا لفرزان ثابت. يمكنه أيضًا أن يشن «إما ضربات محددة، أو حربًا محدودة بأهداف مقيدة، مما يسمح له بالقول إنه فرض خطه الأحمر دون الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، ويمكنه إعلان النصر»، كما يوضح. تستهدف هذه العمليات بشكل أساسي أنظمة الدفاع الجوي، منصات إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار، على غرار الضربات الإسرائيلية في يونيو. وفقًا لإيفا كولوريوتيس، المحللة المستقلة لشؤون الشرق الأوسط، يمكن أن تستهدف هذه الضربات الحرس الثوري وقوات الباسيج المتورطة في القمع. وتوضح قائلة: «تتمتع أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بدعم من الموساد الإسرائيلي، برؤية واضحة لهذه القوات». فرضية الضربات المكثفة سيناريو أكثر جذرية يتمثل في ضربات قطع الرأس التي تستهدف «جميع أركان النظام الإيراني، بدءًا من قمة الهرم، المرشد الأعلى علي خامنئي»، ثم القوات المسلحة، وقيادة الحرس الثوري، وكبار المسؤولين السياسيين، وفقًا لإيفا كولوريوتيس. وتضيف: «يشمل ذلك أيضًا تحييد القواعد العسكرية الرئيسية، وبرنامج الصواريخ، وما تبقى من البرنامج النووي». يوضح ديفيد خلفا: «الهدف الأمريكي هو زعزعة استقرار النظام. لذلك، هناك استراتيجية تهدف إلى شلّه وتفكيك سلسلة القيادة». ويضيف أن هذا النهج «يمر عبر تصفية خامنئي، ومستشاريه المقربين، والعقول المدبرة لقيادة الحرس الثوري». لكنه يتحفظ قائلًا: «النظام قوي ومرن نسبيًا، ولن يكون الأمر سهلًا»، خاصة وأن «الحرس الثوري قد توقع هذا السيناريو». في هذا المنطق، «الفرضية الضمنية لواشنطن هي أن “القوات على الأرض” ستوفرها المجتمع الإيراني نفسه»، يضيف. ومع ذلك، يؤكد فرزان ثابت أنه لا يوجد ما يشير، في هذه المرحلة، إلى أن واشنطن تفضل صراحة تغيير النظام. قدرات الرد الإيرانية على الرغم من تضررها بشكل كبير جراء ضربات خريف 2024 ويونيو 2025، لا تزال القدرات الإيرانية على الرد قائمة. فلدى طهران ما بين 1500 إلى 2000 صاروخ باليستي متوسط المدى قادرة على ضرب إسرائيل، وفقًا لفرزان ثابت. تمتلك إيران أيضًا صواريخ باليستية أقصر مدى، «أكثر دقة بكثير»، بالإضافة إلى صواريخ كروز وصواريخ مضادة للسفن من شأنها أن تعطل الملاحة بشكل خطير في الخليج، ناهيك عن زوارقها السريعة المزودة بصواريخ. كما أعلن قائد الجيش الإيراني أن الأفواج القتالية قد تم تزويدها بـ «1000 طائرة مسيرة استراتيجية». بالنسبة لإيفا كولوريوتيس، فإن قرار طهران بالرد من عدمه «سيعتمد على طبيعة وحجم الضربة الأمريكية». الدور الرئيسي للقواعد العسكرية الأمريكية بالإضافة إلى المجموعة القتالية لحاملة الطائرات أبراهام لينكولن ، توجد ترتيبات عسكرية أمريكية كبيرة في المنطقة. ردًا على التهديدات الأمريكية، ذكرت إيران أن العديد من القواعد الأمريكية في مرمى صواريخها. في البحرين توجد منشأة الدعم البحري، التي تضم الأسطول الخامس الأمريكي والقيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية. يستضيف الكويت عدة منشآت رئيسية، بما في ذلك معسكر عريفجان، مقر القيادة الأمامية للمكون البري لـ القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) . كما يضم الإمارة مخزونات من المعدات المعدة مسبقًا، بالإضافة إلى قاعدة علي السالم الجوية، حيث يتمركز الجناح الجوي الاستكشافي 386. وتنتشر هناك أيضًا طائرات بدون طيار، بما في ذلك طائرات MQ-9 Reapers. تجمع قاعدة العديد الجوية في قطر مكونات متقدمة من القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، وقواتها الجوية، وقواتها الخاصة. وتستضيف الجناح الجوي الاستكشافي 379 وهي أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة، مع أكثر من 40 ألف عسكري أمريكي وبريطاني وفرنسي. وأخيرًا، تستضيف قاعدة الظفرة في الإمارات العربية المتحدة الجناح الجوي الاستكشافي 380 الأمريكي، المكون من عشرة أسراب ويتضمن أيضًا طائرات MQ-9 Reapers بدون طيار.

انهيار السودان: الحرب من أجل الحرب (1/4)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

تحليل مركز على حرب السودان، التي أسفرت منذ عام 2023 عن عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، مع تكلفة بشرية باهظة بشكل خاص في دارفور، حيث اتخذت أعمال العنف الجماعي والحصار والتهجير القسري بعدًا يصفه العديد من الفاعلين الدوليين الآن بأنه إبادة جماعية. لم ينهار السودان ككتلة واحدة. لقد تفكك على مراحل متتالية، بوتيرة حرب لا تهدف إلى الاستيلاء الدائم على السلطة ولا إعادة بناء نظام سياسي، بل إلى الإرهاق التدريجي لما تبقى من الدولة. منذ أبريل 2023، أصبح العنف نظامًا قائمًا بذاته، محولًا البلاد إلى فضاء مجزأ حيث يكتسب الوقت الطويل للصراع أهمية أكبر من أي انتصار عسكري مؤقت. المواجهة بين القوات المسلحة السودانية (SAF)، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع (RSF) بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، ليست سوى السطح المرئي لعملية أعمق، تفجرت في الفراغ السياسي الذي خلفه سقوط عمر البشير في أبريل 2019، عندما انهار التحالف الظرفي بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع حول مسألة السيطرة على الجهاز العسكري، ودمج الميليشيات، والتقاسم الفعلي للسلطة في دولة فقدت شرعيتها بشكل عميق. يجدر التذكير في هذا السياق بأن قوات الدعم السريع تجد أصولها المباشرة في الجنجويد، وهي الميليشيات العربية ذات السمعة السيئة، التي حشدها نظام البشير في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لسحق التمردات في دارفور. لقد حول النظام عنف الميليشيات إلى أداة للدولة، عبر إضفاء الشرعية على الجنجويد كقوات مساعدة في مكافحة التمرد، وإعادة هيكلتها، بدءًا من عام 2013، تحت اسم قوات الدعم السريع، ودمجها قانونيًا في الجهاز الأمني السوداني، مع ترك استقلالية استثنائية لها. قوات الدعم السريع هي إذن نتاج استراتيجية متعمدة من نظام البشير، تهدف إلى تفويض العنف المفرط لقوى هامشية، منفصلة اجتماعيًا وجغرافيًا عن المركز، للحفاظ على الجيش النظامي من التعرض المباشر لجرائم جماعية. يمكن القول بصراحة إنها آخر هدية مسمومة من الديكتاتور لبلاده. لا يوجد مشروع سياسي منظم ومع ذلك، سيكون من الوهم قراءة المواجهة الحالية على أنها مبارزة محاكية داخلية بحتة بين «تابيوكا» آخر و«ألكازار» آخر. فخلف النمط الكلاسيكي لـ«الجنرالين المجنونين»، لا يصمد أي من هذين الجهازين المسلحين، ولا يستمر ولا يتوقع مستقبلاً إلا لأنه جزء من تشكيلات دعم خارجية مميزة، والتي تحدد سير الحرب وتورطها على حد سواء. يواجه الصراع جهازًا عسكريًا تابعًا للدولة تدعمه بشكل رئيسي مصر والمملكة العربية السعودية - بدعم قدراتي انتهازي من إيران - قوة شبه عسكرية تعتمد إلى حد كبير على شبكات مالية وتجارية ولوجستية تُنسب إلى الإمارات العربية المتحدة. ما يعزز القراءة الكلاسيكية للمبارزة المحاكية بين شخصين مصابين بجنون العظمة يرتديان الزي العسكري، هو أن أياً من الطرفين لا يحمل مشروعاً سياسياً منظماً. لكن أليس هذا هو السمة المميزة للمنطقة بأسرها؟ من جانب أو آخر، لا يدور الحديث عن حكم دولة أعيد تأسيسها، ناهيك عن إعادة بناء عقد اجتماعي. فالرهان يكمن في مكان آخر. إنه يتعلق بالحفاظ على مساحات قابلة للاستغلال، وتأمين التدفقات، والحفاظ على القدرات على الإضرار، أو منع الطرف الآخر من تحويل ميزة عسكرية إلى هيمنة حصرية. في هذا الإطار، فقدت الخرطوم وظيفتها كعاصمة سياسية. فلم يغير غزوها أو استعادتها المنطق العام للصراع؛ لقد أزاح فقط التوازنات التكتيكية دون المساس بالبنية العميقة للحرب. أدركت قوات الدعم السريع مبكرًا أن الاعتراف الدولي ليس حاسمًا. لذا، تعتمد استراتيجيتها بدلاً من ذلك على الاستمرارية، وعلى الاندماج في الدوائر الإقليمية لتسليح وتمويل، وعلى استخدام العنف الشديد الذي يهدف إلى إحداث آثار لا رجعة فيها. دارفور، وخاصة منطقة الفاشر، تجسد هذا المنطق. فالحصارات المطولة، والتدمير المنهجي لمخيمات النازحين، والعرقلة المنظمة للمساعدات الإنسانية، والعنف الجنسي الجماعي، هي أقل من فوضى غير خاضعة للسيطرة وأكثر من أسلوب يهدف إلى تفكيك المجتمعات المحلية بشكل دائم، وكسر التضامن المجتمعي، وإحداث نزوح سكاني يصعب عكسه. حرب مصممة لتستمر تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن تقارير المنظمات الدولية تفيد بمئات حالات الاغتصاب التي ارتكبت ضد الأطفال والنساء والفتيات في سياقات الغارات. وبهذا المعنى، فإن العنف الممارس ليس عقابيًا فحسب، بل هو هيكلي، بقدر ما يعيد رسم التوازنات البشرية للمنطقة، ويغير موازين القوى المحلية، ويحول الحرب إلى أداة للهندسة الديموغرافية. فدارفور، على سبيل المثال، لا تشكل هامشًا منسيًا للصراع؛ بل هي قلبه المظلم، المكان الذي تُجرّب فيه أشكال الحرب الأكثر راديكالية المصممة للاستمرار. وبالتالي، في مواجهة هذه الديناميكية، يجب ألا نخدع أنفسنا: فالجيش السوداني بعيد عن تجسيد مشروع استعادة الدولة. إنه لا يمثل أكثر من بقاء جهاز منكمش على معاقله التقليدية في الشمال والشرق، ويتركز حول بورتسودان، التي أصبحت عاصمة حرب وواجهة لا غنى عنها للاعتراف الدولي. وهكذا، سمحت الاستعادة الجزئية للخرطوم في عام 2025 باستقرار عسكري نسبي، لكنها لم تستعد سلطة الدولة، ولم تعكس ديناميكية تجزئة البلاد. ما نلاحظه، في الواقع، هو تحول السودان إلى فضاء تديره الحرب، مع تحول الدولة إلى علامة تجارية متنازع عليها، إلى قشرة مؤسسية مفرغة من أي قدرة على الإسقاط السيادي. الحرب لم تحل محل الدولة؛ لقد أفرغتها من جوهرها ببساطة. في هذا السياق، يتقدم التقسيم الفعلي دون أن يتم إضفاء الطابع الرسمي عليه أبدًا. ففي الغرب، تعزز قوات الدعم السريع سيطرتها الإقليمية، بينما في الشرق والشمال، ينسحب الجيش إلى سودان ساحلي ونيلي مقلص إلى وظائفه الدنيا. بينهما تمتد مساحة من العنف المنتشر والاتجار بالبشر والسكان المحاصرين، حيث لا يوفر الانتماء السياسي أي حماية. وهكذا، يوضح الصراع السوداني تحولًا أوسع في الحروب المعاصرة: حروب بلا أفق سياسي، بلا انتصار حاسم، حيث لا يكون الهدف هو إنهاء الصراع بل التحكم في ريوعه. وطالما ظل اقتصاد الافتراس هذا مربحًا، فإن الحرب محكوم عليها بالاستمرار إلى أجل غير مسمى. المقال التالي: البحر الأحمر والخليج والقرن الأفريقي: إقليمية الصراع السوداني

متحف اللوفر أبو ظبي، في قلب «القوة الناعمة» لدولة الإمارات العربية المتحدة (1/2)

متحف اللوفر أبوظبي هو متحف فني عالمي يقع في جزيرة السعديات، التي سُميت عن حق جزيرة السعادة، والتي تهدف إلى أن تصبح المركز الثقافي الجديد لدولة الإمارات العربية المتحدة. من خلال معارضه المؤقتة التي تُنظم بالتعاون مع كبرى المتاحف الفرنسية وخطابه «العالمي»، يساهم المتحف في تعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة وإعادة تعريف مكانة العالم العربي في الدوائر الفنية والتراثية الدولية. الأصول متحف اللوفر أبوظبي هو ثمرة اتفاق حكومي دولي بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، والذي يسمح للأخيرة باستخدام اسم «اللوفر» حتى عام 2047. يروي المتحف، الملقب شاعرياً بـ “لوفر الرمال”، قصة الإنسانية من خلال أعمال فنية من حضارات مختلفة، تمتد على فترة من عصور ما قبل التاريخ إلى الفن المعاصر.​ في البداية، أثارت فكرة ترخيص اسم أكبر متحف في العالم موجة من الاعتراضات في فرنسا. وقد تطلب الأمر الكثير من الجهد وما لا يقل عن مليار يورو لإقناع المعارضين. في المقابل هذا المبلغ الهائل، ينص العقد على استخدام علامة اللوفر لمدة 30 عامًا، بالإضافة إلى استعارة أعمال فنية من متاحف فرنسية مختلفة، بالتوازي مع معارض مؤقتة وتعاون في إدارة المتاحف وتدريب الموظفين في الموقع. افتتح المتحف أبوابه رسمياً للجمهور في 11 نوفمبر 2017، بعد عقد من الأعمال، مع حوالي 600 عمل فني عُرضت خلال الافتتاح. تصميم المتحف صُمم متحف اللوفر أبوظبي بواسطة جان نوفيل، نجم المهندسين المعماريين في الخمسين عامًا الماضية. استخدم نوفيل الهدوء الناتج عن تلاعب الظلال والضوء لإنشاء مساحة ترحيبية تتكامل مع تاريخ وجغرافية البلاد. إنه متحف نموذجي لدولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن أن يكون له مكان في باريس أو لندن أو نيويورك. لم يكن يريد بأي حال من الأحوال متحفًا ذا عمارة أوروبية بحتة يُقام في أبوظبي. مستوحياً من عمارة وتقاليد الإمارات، أنشأ نوفيل إطاراً رائعاً لمتحف اللوفر أبوظبي يحترم القيود الفنية الأساسية للمتاحف الحديثة. ولهذا، بنى مدينة-متحف تمتد على مساحة 24000 متر مربع تقريباً، منها 8000 متر مربع للمعارض، وتبدو وكأنها تطفو على الماء. قاعات المتحف المختلفة عبارة عن مبانٍ بيضاء ومنخفضة نموذجية للمنطقة يمكن للزوار التجول بينها. صُمم المتحف كمدينة عربية، يمكن الوصول إليها عن طريق البحر والبر، ويضم مساحات مخصصة لمجموعة متنوعة من الأنشطة (التجديف بالكاياك، عروض الأفلام، المؤتمرات...) بالإضافة إلى صالات العرض الفنية. القبة تغطي المباني المختلفة قبة فضية ضخمة من الفولاذ والألمنيوم، وهي تحفة معمارية حقيقية. على الرغم من خفتها الظاهرة، تزن القبة حوالي 7500 طن (نفس وزن برج إيفل) ويبلغ قطرها 180 مترًا. مستوحاة من القبة المميزة للعمارة العربية، القبة هي هيكل هندسي معقد يتكون من 7850 نجمة بأحجام مختلفة، تتكرر أنماطها على ثماني طبقات متراكبة. تسمح هذه الأنماط بتسرب الشمس من خلال ثقوبها وتوريقاتها. إنها قصيدة للطبيعة والعناصر التي تعكس نخيل أبوظبي. تمامًا مثل أوراق النخيل في الواحات، تعترض القبة ضوء الشمس الساطع، وتنثره وتفرقه على الأرض، مما يخلق «مطرًا من الضوء» يتغير مع مرور الساعات. هذا العملاق الفولاذي مستوحى من المشربيات العربية التقليدية ويوفر للزوار مناخًا مرئيًا وحراريًا في آن واحد. على الرغم من حجمه الهائل، يبدو وكأنه يطفو على الماء لأنه يستند على أربع نقاط دعم غير مرئية. تكييف طبيعي التحدي التقني الرئيسي لمتحف اللوفر أبوظبي هو المناخ، حيث يجب الحفاظ على ظروف إضاءة ودرجة حرارة صارمة للحفاظ على الأعمال الفنية التي لا تقدر بثمن. ولكن، بعيداً عن جمالها، تشكل القبة مناخاً بيئياً دقيقاً بفضل تقنيات التصميم السلبية المستوحاة من العمارة الإقليمية التقليدية. تسمح ثقوب السقف بإضاءة طبيعية دون حرارة أو تدفق هواء زائد، وتسمح المواد المستخدمة في الأرضيات والجدران بالاحتفاظ بالهواء البارد في جميع ساعات اليوم. يستخدم المتحف، علاوة على ذلك، تقنيات توفير المياه والطاقة السلبية، بالإضافة إلى أنظمة تكييف وتهوية وإضاءة متطورة. المقالة التالية: اللوفر أبوظبي، جسر بين الحضارات

تدخل إنساني في طهران ودفاع شرعي في كاراكاس!

من لم يرحب بإطاحة نيكولاس مادورو، الديكتاتور الذي دفع ثمانية ملايين من مواطنيه إلى النزوح، أي ربع سكان فنزويلا؟ ولكن هل هذا يعني أن الإدارة الأمريكية كانت على حق في شن هذه الغارة الجريئة بالقرب من كاراكاس؟ وفقًا لميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 الذي يقدس السيادة الوطنية ويضمن السلام بين الأمم، لا يجوز لدولة اللجوء إلى القوة المسلحة إلا في حالتين، وهما الدفاع عن النفس واعتماد قرار من مجلس الأمن يجيز لها ذلك. ومع ذلك، يمكن لدولة أن تتدخل في أراضي دولة أخرى استجابة لطلب ملح من حكومتها الشرعية: ألم يهبط مشاة البحرية الأمريكية على سواحلنا عام 1958 بطلب من الرئيس كميل شمعون؟ الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 صوت آخر: وافق برونو ريتيلو، السيناتور الفرنسي، على عملية 3 يناير بحجة أن الرئيس الفنزويلي كان متواطئاً مع مهربي المخدرات. في نظره، لم يكن القبض على مادورو وزوجته من قبل الولايات المتحدة سوى عملية دفاع عن النفس وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. من الصعب الموافقة على هذه الأطروحة: لا يشكل الاتجار بالمخدرات، في نظر الفقه الدولي، عملاً من أعمال «العدوان المسلح» الذي يبرر الدفاع عن النفس المذكور. كان من الأفضل لزعيم الجمهوريين أن يستشهد بتدخل إنساني، كما لن يتأخر دونالد ترامب، المرعوب من القمع السائد في إيران، عن فعله. هل هناك التزام بالتدخل على عاتق الدول؟ يتعدى التدخل الإنساني بسهولة مبادئ سيادة وسلامة أراضي دولة ثالثة، كما كان الحال في البوسنة والهرسك (1992-95)، وكوسوفو (1999). نفذت عمليات عسكرية هناك، ليس بطلب من حكومة شرعية كما في لبنان عام 1958، بل ضد الحكومة المذكورة. لهذه «الحرب باسم الإنسانية»، يقدم جان-باتيست فيلمر التعريف التالي: «استخدام القوة من قبل دولة بهدف وقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد أفراد ليسوا من مواطني الدولة المتدخلة ودون موافقة السلطات المحلية». ويبرر مؤيدو هذا المبدأ ذلك باسم الضرورة الملحة. ويمكن للولايات المتحدة أن تتصرف على هذا النحو في إيران؛ فقد تستند إلى الإدانة التي أصدرها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في 23 يناير الماضي، لما وصفه بـ«القمع غير المسبوق» الممارس في بلاد آيات الله. في ذلك التاريخ، أدت أكثر من 5000 حالة وفاة و25000 عملية اعتقال بالمفوض السامي فولكر تورك إلى دعوة طهران لإعادة النظر في موقفها وإنهاء «قمعها الوحشي، وخاصة المحاكمات السريعة والعقوبات غير المتناسبة». لكن منذ ذلك الحين، ازداد عدد الضحايا ويتحدثون عن أكثر من 30 ألف قتيل! «ضربة إنسانية» باسم الحرية! هل يمكن لحجم انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية أن يبرر التدخل الإنساني لآلة الحرب الأمريكية؟ نظريًا، لا يُفرض التدخل إلا في مواجهة انتهاك واسع النطاق ومستمر لحقوق الإنسان. إذا لم يكن الأمر كذلك، فهل يجب الامتناع عن العمل ما دامت الفظاعة لم تصل إلى سقف معين، وهو، على سبيل المثال، 50000 ضحية؟ من المفهوم أنه إذا جاءت «ضربة إنسانية» لمساعدة المتظاهرين الإيرانيين، فإنها ستكون مشوبة ببعض الانتهاكات للقانون، وهي انتهاكات لن يتردد فقهاء القانون المدققون في انتقادها. ولكن ماذا عسانا نفعل، فالأمر يتعلق بالخلاص ولا مجال للتأنق! لا نمنح الشك لمن يدوسون القانون، ولا نمنح الحرية لأعداء الحرية!

قراءة في حدث شاذّ: ثورة أم اضطراب عابر؟

إنّ القمع الوحشي الذي يمارسه الملالي والحرس الثوري (الباسداران) لإجهاض الثورة الشجاعة التي أطلقها المواطنون الإيرانيون يحمل في طيّاته السمات الملازمة لكل ديكتاتورية. أكثر من ثلاثين ألف قتيل، وأربعون ألف معتقل لا يُعرف حتى اليوم مصيرهم، وعدد لا يُحصى من المفقودين، والأرقام مرشّحة للارتفاع كلما تكشّفت الحقيقة المروّعة. سرعان ما حلّ الرعب مكان الأمل بالتغيير المنتظر منذ زمن طويل. يبدو أن النظام أعاد فرض “النظام”، ولكن بأي ثمن، والأهم: إلى متى؟ في غياب معارضة موحّدة، أصبح النظام الديكتاتوري، المتخلّف والفاسد، طليق اليدين ليحرق ويدمّر كل ما يتحرّك. يفعل ذلك بشكل منهجي، خبيث، ووحشي، من دون أي وازع أو ضمير. طوق النجاة الوحيد الذي تتشبّث به غالبية الإيرانيين يتمثّل في احتمال تدخّل أميركي، لكن أحداً لا يعرف مسبقاً عواقبه، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي. صحيح أنّ النار ما زالت تحت الرماد، غير أنّ الاشتعال لن يعود إلا إذا تهاوى النظام تحت ضربات الضغط الأميركي. وفي الأثناء، تُحصى الضحايا يومياً، فيما العالم لا يزال ساكناً. لا مظاهرات في شوارع العواصم الكبرى، ولا انتفاضات طلابية في الجامعات، ولا مواقف حازمة لسياسيين على شاشات التلفزة الدولية؛ فقط عتاب خجول، وإدانات على استحياء، ونوبات غضب عقيمة. ومع ذلك، لم يمضِ وقت طويل حتى كان العالم بأسره يهتزّ من أجل غزة، هي أيضاً ضحية مجزرة ممنهجة. ما يدعو إلى الحكّ في الذقن وطرح الأسئلة: أهي ازدواجية المعايير؟ وهل هناك قمع يُدان بأعلى الصوت، وآخر يُتقبَّل ولا يحظى برفض عالمي؟ لكن لننتقل إلى لبنان. عند تمحيص الثورة الإيرانية بعدسة مكبّرة، يحقّ لنا أن نتساءل عمّا إذا كان مصطلح «ثورة» يليق حقاً بالأحداث التي هزّت بلدنا عام 2019. أهو توصيف دقيق؟ أم مبالغ فيه بعض الشيء؟ أم حتى خارج السياق؟ لا شكّ أن السخط الشعبي الناتج عن غلاء المعيشة الخانق، والهدر الهائل للدولة، وغياب العدالة الفاضح، والفساد المستشري، والنقص الفادح في الخدمات على مختلف المستويات، وانعدام الأمن السائد، كلّها عوامل برّرت تماماً رفض شعب شبه كامل أن يُداس كرامته يومياً من قبل دولة فاشلة. لكن عند التدقيق أكثر في أيام تشرين الأول/أكتوبر 2019، ألا يمكن القول إن ما حصل لم يكن سوى انتفاضة، أو هبّة، أو صدمة عابرة، سرعان ما تبيّن أنها بلا نتائج؟ صحيح أنّ الاشتباكات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، ولا سيما الوحشية المنفلتة لحرس نبيه بري، أسفرت عن عدد كبير من الجرحى، بعضهم في حالات خطرة. غير أنّ الدم، بخلاف المأساة الإيرانية، لم يسِل بغزارة. لم تُسجَّل وفيات، ولا دمار واسع، ولا حالات اختفاء أو أحكام تعسّفية. وبالمحصّلة، كانت هبّة تحوّلت كل مساء إلى مهرجان شعبي موسيقي، ثم ما لبثت أن تلاشت. عندها يحقّ لنا أن نتساءل: لماذا أخفقت المعارضة اللبنانية وتعثّرت؟ لمعالجة ذلك، تتبادر إلى ذهني أسئلة كثيرة. هل يقوم وجود “وحوشنا” المحليين على قبولنا نحن بالخضوع لهم؟ هل نحن، في غالبيتنا، محكومون بالبقاء ضحايا مافيا هرمية تتحكّم بمصائرنا بلا رادع؟ هل نعاني من متلازمة ستوكهولم؟ مهما تعدّدت الذرائع لتفسير فشل 2019 وتهدئة ضمائرنا، من محسوبيّة وزبائنية وطائفية وغياب مفهوم المواطنة، والفردانية، والانتماءات الحزبية والطائفية، وغياب سردية وطنية جامعة، والسلاح الميليشيوي غير الشرعي، وانعدام هدف واضح وقيادة موحّدة… يبقى، برأيي، أنّ عنصراً أساسياً كان مفقوداً لقلب طغيان أقلية وتحقيق التغيير الذي تطمح إليه كلّ المجتمعات المتحضّرة. لعلّ الإجابة نجدها لدى إتيان دو لا بويسي في كتابه «خطاب في العبودية الطوعية»، الذي كُتب بين عامي 1546 و1548: «كونوا أحراراً بأن تكفّوا عن الخدمة، فإذا بكم أحرار». عبارة في غاية الوضوح والحسم. فبحسب الكاتب، إن الطغيان ممكن لأن الشعب يرضى بعبودية لا تعود أسبابها إلى نقص في الشجاعة، بل إلى غياب الإرادة. هذا الاتهام القاسي، الذي لا يزال صالحاً في لبنان اليوم، يستحق أن يوقظ فينا التفكير. فالدفاع عن حريتنا لا يتطلّب سوى التوقّف عن خدمة هذه الأقلية. وعندما نكفّ عن طاعتها، تفقد قوّتها. صحيح أنّه لا يمكن صنع عجة من دون كسر البيض، وأن مخاطر العنف ليست مستبعدة. لقد ذقنا منها القليل قبل ست سنوات، لكن عودة أشدّ وأكثر دموية تبقى احتمالاً قائماً إذا قرّرت الإرادة الشعبية أن تمسك بزمام مصيرها. وللساخرين الذين قد يتهكّمون على مثل هذا الطرح، أقدّم مثالاً بسيطاً. لدينا فرصة لتوحيد غالبية الشعب حول قضية مشتركة، عزيزة على الجميع، تتجاوز الانتماءات الدينية والسياسية، وأعني بها الفضيحة المالية التي جرّدت معظم المودعين من مدّخراتهم، على اختلاف فئاتهم. في أي بلد يحترم نفسه، كانت الشوارع لتحسم الأمر جذرياً لو لم تبادر الدولة سريعاً إلى الحل. وهذا ما لم يحصل لدينا. في البرلمان، ذلك القصر الحقيقي للعار، يُنوَّم الشعب منذ ست سنوات بوعود جوفاء. وفي الحكومة تُطرح علينا حلول مهينة وغير عادلة، تستخفّ بكرامتنا وعقولنا. إذا وُجدت إرادة شعبية ووطنية حقيقية لتغيير الواقع، عندها فقط يمكن الحديث عن ثورة، ثورة لا ينبغي هذه المرّة أن تُجهَض أو تُهدَّد أو تُخنَق على يد حزب الله وسائر الميليشيات التي فقدت أصلاً بريقها وقدرتها على الإيذاء. على الرغم من الأخطار المحدقة، وبسلاح الإرادة وحده، انخرط الإيرانيون الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه بشجاعة في المسار الثوري، فاستحقّوا تقديرنا واحترامنا. صحيح أنّهم أُسكتوا مرحلياً، لكن ذلك ليس سوى تأجيل. فكل ديكتاتورية، مهما بلغت شراستها، محكوم عليها سلفاً بأن تُرمى في مزابل التاريخ. أما في لبنان، فقد أضعنا الفرصة منذ عام 2019، ولم نخرج بعد من المأزق. غير أنّه لم يفت الأوان بعد لفعل الصواب.