شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
هل يمكن للذكاء الاصطناعي السيطرة على عالمنا؟

انتهى احتكار الذكاء. طوال الجزء الأكبر من تاريخ البشرية، ظل افتراض واحد دون منازع: أن الذكاء ملك لنا وحدنا. كنا النوع الوحيد القادر على التفكير المجرد، والتراكم العلمي، والارتقاء التكنولوجي، والتنظيم السياسي. كان الذكاء احتكارنا — وبالتالي قوتنا. انتهى هذا الاحتكار الآن. تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي بالفعل على البشر في التعرف على الأنماط، وتوليد التعليمات البرمجية على نطاق واسع، وتكرار البروتينات، والنمذجة التنبؤية، وبشكل متزايد، صياغة الفرضيات العلمية. مجال تلو الآخر، لم يعد سقف الإدراك البشري هو الحد الأقصى. هذه ليست مجرد نقطة تحول تكنولوجية. هذه نقطة تحول حضارية. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أفضل من البشر في مهام معينة. لقد أصبح كذلك بالفعل. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت السيطرة والاستقلالية والسلطة الاستراتيجية ستنتقل تدريجياً من البشر إلى الأنظمة — ليس بالتمرد، بل بالتفويض. قد تحدث «فردية» الذكاء الاصطناعي هذا العام إحدى الاستعارات الأكثر لفتًا للانتباه التي اقترحها بعض باحثي الذكاء الاصطناعي هي: تخيل الظهور المفاجئ لـ «بلد العباقرة» — عشرات الملايين من العقول الأكثر ذكاءً من أي حائز على جائزة نوبل أو استراتيجي عسكري. أي جهاز استخبارات سيعتبر مثل هذا الحدث أكبر اختراق للأمن القومي في هذا القرن. لنحذف الآن الاستعارة. لنستبدل هؤلاء الأفراد بالتعليمات البرمجية. أنظمة الذكاء الاصطناعي قابلة للتوسع والتكرار والترابط. إنها لا تنام. لا تتعب. تعمل بسرعة الآلات. وهي مدمجة في آن واحد في التمويل والخدمات اللوجستية ومختبرات الأبحاث وأنظمة المراقبة والعمليات العسكرية. يتحدث بعض المطورين الآن عن «فردية الذكاء الاصطناعي»، مشيرين إلى أن عتبات حاسمة قد تُخترق هذا العام. يجب التعامل مع هذه الادعاءات بحذر. غالبًا ما تبين أن توقعات الذكاء الفائق الوشيك سابقة لأوانها. لكن الإشارة مهمة. تصل سرعة تقدم القدرات إلى مستوى لم يعد فيه بالإمكان اعتبار الآثار الجيوسياسية والحضارية مجرد تكهنات. من الأداة إلى البنية التحتية كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي المبكرة محادثية بشكل أساسي. كانت تكتب رسائل البريد الإلكتروني، وتلخص التقارير، وتنتج المحتوى. حدثت نقطة التحول الحقيقية عندما بدأ الذكاء الاصطناعي في كتابة تعليمات برمجية قابلة للتنفيذ من البداية إلى النهاية. التعليمات البرمجية هي بنية تحتية. تعمل الأسواق المالية بفضل التعليمات البرمجية. تعمل شبكات الكهرباء بفضل التعليمات البرمجية. تعمل الزراعة بفضل التعليمات البرمجية. تعمل أنظمة الأسلحة بفضل التعليمات البرمجية. بينما يقوم الذكاء الاصطناعي بتصميم هذه البرامج واختبارها ونشرها بشكل مستقل، فإنه يتوقف عن كونه مجرد أداة ليصبح طبقة تشغيلية للحضارة نفسها. ينتقل البشر من مؤلفين إلى مشرفين. مع مرور الوقت، تتآكل الخبرة. يزداد الاعتماد. هذا ليس غزوًا. هذا استعانة خارجية طوعية. الخوف: الروبوتات تسيطر على البشر تتخيل الثقافة الشعبية روبوتات شبيهة بالبشر تنقلب على البشرية. هذا السيناريو مثير — لكن هل يمكن أن يحدث بالفعل؟ يعتمد الزراعة الحديثة اليوم بالفعل على البرامج. تعتمد أنظمة المقاصة المالية على البرامج. يعتمد توزيع الطاقة على البرامج. يعتمد الإنتاج الدوائي على البرامج. تتطلب السيطرة المادية الكاملة للذكاء الاصطناعي على نطاق واسع إتقانًا متكاملًا ومنسقًا للسلسلة بأكملها. تحقيقها على المدى القصير مشكوك فيه. الخطر الأكثر فورية هو ضعف الأنظمة. حضارتنا محسّنة بالفعل بشكل مفرط. سلاسل التوريد مصممة للكفاءة، وليس للمرونة. البنى التحتية الحيوية مترابطة رقميًا. الأتمتة تقلل التكرار. إذا أصبحت التعليمات البرمجية التي يولدها الذكاء الاصطناعي مهيمنة في هذه الأنظمة — وتضاءلت الخبرة البشرية — يصبح المجتمع عرضة للهشاشة هيكليًا. يمكن أن ينتشر خلل كبير، سواء كان خبيثًا أو عرضيًا، بسرعة. هذه ليست خيالًا علميًا. هذه مشكلة هندسة أنظمة: التحسين المفرط يولد الهشاشة. يظهر التاريخ أن الأنظمة عالية الكفاءة غالبًا ما تنهار تحت الضغط. كلما أزالت الحضارة البشر من الحلقة باسم الإنتاجية، كلما أصبح من الصعب التعافي في حالة الفشل. عندما يسرع الذكاء الاصطناعي التحسين في جميع المجالات في وقت واحد، تقل المرونة. الخطر ليس أن الآلات تكرهنا. الخطر هو أن تصبح الأنظمة فعالة جدًا بحيث لا يمكن أن تفشل دون التسبب في انهيار. الخطر الكارثي الأكثر مصداقية: البيولوجيا + الذكاء الاصطناعي أخطر المخاطر الوجودية على المدى القصير ليست جيشًا من الروبوتات. إنها الأتمتة البيولوجية. تتنبأ أنظمة الذكاء الاصطناعي بالفعل بهيكل البروتينات، وتقوم بنمذجة الطفرات الفيروسية، وتحسن التصميم الجزيئي، وتدير المختبرات الروبوتية. تتقدم أنظمة «علماء الذكاء الاصطناعي» ذات الحلقة المغلقة، حيث تصمم النماذج تجارب تنفذها الروبوتات، بسرعة. الإمكانات هائلة: لقاحات أسرع، علاجات أقل تكلفة، اختراقات علاجية. لكن الحواجز الوقائية تتناقص. على عكس الأسلحة النووية، لا تتطلب مسببات الأمراض المعدلة بنى تحتية صناعية ضخمة. تتطلب المعرفة والأدوات. يسرع الذكاء الاصطناعي كليهما. السيناريو الكارثي الأكثر احتمالية هو أن يقوم فاعل بشري، بتضخيم من الذكاء الاصطناعي، بتصميم وتصنيع وإطلاق عامل ممرض أكثر عدوى وفتكًا من الفيروسات الطبيعية. تعطي تجربة انتشار COVID فكرة عن المخاطر. هذا الخطر معترف به في أوساط الأمن البيولوجي. يظل احتماله منخفضًا من الناحية النظرية، ولكن هل ما زلنا نتحكم حقًا في الذكاء الاصطناعي؟ سيكون التأثير المحتمل هائلاً، وتستمر الضغوط الاقتصادية لصالح الأتمتة البيولوجية في التصاعد. سباق تسلح الذكاء الاصطناعي يتطور الذكاء الاصطناعي في سياق التنافس الجيوسياسي. تتنافس الولايات المتحدة والصين وأوروبا وكوريا على الهيمنة في مجال أشباه الموصلات، والنماذج الكبيرة، والأنظمة المستقلة، والتكامل العسكري. وتطور روسيا وإيران قدرات غير متماثلة. وتسعى أوروبا إلى الاستقلالية الاستراتيجية. في مثل هذه البيئة، يُنظر إلى البطء على أنه ضعف. تؤكد شركات التكنولوجيا الموجهة للدفاع، مثل بالانتير، التي يرأسها أليكس كارب، صراحة أن الطريقة الوحيدة لمنع إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي هي نشره بشكل أسرع من الخصوم. تذكرنا هذه المنطقية بالردع النووي في الحرب الباردة — مع اختلاف كبير. كانت الأسلحة النووية مركزية وبطيئة. أما الأسلحة القائمة على الذكاء الاصطناعي فهي موزعة وسريعة. ينتقل الردع من الدمار المتبادل المؤكد إلى الاضطراب المتبادل المؤكد — التخريب السيبراني، الاستهداف الآلي، تداخل البنى التحتية، زعزعة الاستقرار المالي. وتتقلص دورات اتخاذ القرار. عندما تعمل الأنظمة بسرعة الآلات، يخشى القادة البشر تجاوزهم أكثر من خشيتهم ارتكاب الأخطاء. أوكرانيا: الحرب بوتيرة الآلات توضح الحرب في أوكرانيا هذا التحول. الطائرات بدون طيار، والاستهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ودمج البيانات في الوقت الفعلي يسرع الوتيرة التشغيلية. التغيير الأكثر حسمًا هو السرعة. الكشف. التصنيف. القرار. الضربة. مع تقلص هذه الحلقة، ينتقل التحكم البشري من التوجيه إلى الإشراف. تزداد مخاطر التصعيد، لأن القرار السياسي لا يمكنه مجاراة الوتيرة الخوارزمية. يصبح ساحة المعركة مختبرًا للبرامج. تصبح الحرب تكرارية وتعتمد على البيانات. تزداد الدقة — ولكن الهشاشة أيضًا. الشرق الأدنى والشرق الأوسط بالنسبة للشرق الأوسط، الذكاء الاصطناعي ليس نظريًا. المنطقة تتطور بالفعل في بيئة شكلتها الطائرات بدون طيار، والعمليات السيبرانية، والنماذج الأمنية التي تتم مراقبتها عن كثب. تمتلك دول مثل إسرائيل قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي العسكري. وقد أظهرت فعاليتها في استراتيجياتها لاستهداف حزب الله في لبنان، من خلال تتبع واستهداف الأفراد عبر مراقبة الطائرات بدون طيار، وتحليل الهواتف المحمولة، والدراسة الدقيقة لبيئتهم. تستثمر إيران في أدوات غير متماثلة وسبرانية. وتستثمر دول الخليج بكثافة في البنية التحتية الرقمية والحوكمة الذكية. لكن النجاح على المدى الطويل يعتمد على عاملين رئيسيين: سيادة البيانات — من يتحكم في بنية البيانات التحتية؟ الاستقلال التكنولوجي — هل ستعتمد الدول الإقليمية بالكامل على المنصات الأمريكية أو الروسية أو الصينية؟ في عالم تتركز فيه قدرات الذكاء الاصطناعي، فإن الدول التي تفتقر إلى الكفاءات المحلية تخاطر بأن تصبح معتمدة رقميًا. لن تُقاس الاستقلالية الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين فقط باحتياطيات الطاقة أو القوة العسكرية، بل بالقدرة الحاسوبية، وحوكمة البيانات، والخبرة الخوارزمية. الحوكمة في عصر الخوارزميات يغير الذكاء الاصطناعي أيضًا الحوكمة الداخلية. يتم نشر الأنظمة للتحكم في الحدود، وكشف الاحتيال، والشرطة التنبؤية، والإدارة الضريبية، والمراقبة. تعد هذه التطبيقات بالكفاءة والأمن. كما أنها تمركز السلطة وتقلل الشفافية. في الديمقراطيات الليبرالية، تستند الشرعية إلى الشرح والمساءلة. تضع الحوكمة الخوارزمية هذه المبادئ على المحك. في بلدان مثل الصين، يسمح التعرف على الوجه والذكاء الاصطناعي بمراقبة المواطنين بشكل دائم. هذه ليست استبدادية مصممة عن قصد، بل هي تركز تلقائي. الكفاءة الحاسوبية لها عواقب سياسية. الحرمان بدلًا من الانقراض؟ السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس انقراض البشرية. بل هو الحرمان. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقود الاكتشاف العلمي، ويحسن الاقتصادات، ويدير اللوجستيات، ويؤثر بشكل متزايد على القرارات العسكرية والسياسية. سيبقى البشر موجودين — لكنهم لن يكونوا محوريين بعد الآن. تفترض الديمقراطية قدرة على الفعل البشري المستنير. عندما تنتقل القرارات إلى أنظمة معقدة جدًا بحيث لا يمكن فهمها علنًا، تتآكل الشرعية. الخطر هو أن يحدث هذا الانتقال بشكل أسرع مما هو عليه البشر والأمم مستعدون لتقبله. هذا يثير أيضًا سؤالًا حول ما إذا كانت المفاهيم التقليدية للسيادة — الإقليم، والشعب، والحوكمة — تظل كافية في عصر القوة الخوارزمية. إيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي ليس واقعيًا ولا مرغوبًا فيه. من المرجح أن يكون التحكم الانتقائي هو المسار الوحيد القابل للتطبيق: • إشراف بشري إلزامي في البحوث البيولوجية • أنظمة احتياطية غير مؤتمتة للبنى التحتية الحيوية • ضوابط معزولة («مفصولة هوائيًا») للخدمات الأساسية • معايير دولية للأسلحة المستقلة • تعزيز أطر الأمن السيبراني والأمن البيولوجي ومع ذلك، أظهرت روبوتات الدردشة بالفعل قدرتها على تجاوز بعض آليات المراقبة المصممة للتحكم في نشاطها والتفاعل مع أنظمة أخرى بطرق غير متوقعة من قبل مصمميها. يمثل التسارع غير المتحكم فيه والمستقل خطرًا حقيقيًا. الخلاصة: فقدان السيطرة؟ لن يستيقظ الذكاء الاصطناعي صباحًا معلنًا الحرب على البشرية. لكن المنافسة الاقتصادية، والتنافس الجيوسياسي، والجمود المؤسسي قد يدفعنا — خطوة بخطوة — إلى تفويض سلطة لن نتمكن من استعادتها. قد لا يتم الاستيلاء على السيطرة طواعية من قبل الذكاء الاصطناعي. قد يتم التخلي عنها ببساطة من قبل البشرية. لأول مرة في تاريخها، تواجه البشرية ذكاءً غير مقيد بالبيولوجيا. لم نعد الفاعلين الأكثر ذكاءً في النظام. السؤال هو ما إذا كنا سنظل الأكثر حكمة.

2011، ليبيا في عصر ما بعد الدولة (1/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بانتقال غير مكتمل عابر، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة بناء، أدى الاختفاء المفاجئ لنظام معمر القذافي على العكس من ذلك إلى سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح، كما هو الحال في السودان، محل الدولة تدريجياً كمبدأ لتنظيم السلطة. تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك بذاته، ومندمج في منافسات إقليمية ودولية، وأصبح الآن قادراً على القضاء على أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه. يُقدم سقوط معمر القذافي، في أكتوبر 2011، خطأً كحدث مؤسس لم تتمكن ليبيا من التعافي منه أبداً. لكن هذه القراءة مبسطة، بل ومضللة، بقدر ما تفترض أن انهيار النظام القذافي كان من شأنه أن يجعل انتقالاً محبطاً ممكناً، وهو ما عرقلته عوامل خارجية أو عدم نضج الفاعلين المحليين. لكن الواقع أكثر راديكالية: ليبيا لم تفشل في إعادة بناء نفسها بعد عام 2011، لأنه لم تبدأ أي عملية إعادة بناء حقيقية على الإطلاق. فبدلاً من إصلاح الدولة، تم حلها، دون آلية خلافة، أو بنية بديلة، أو مبدأ تحكيم دائم. يجب أن نعود لهذا الغرض إلى خصوصيات النظام الذي أرساه القذافي، والذي لم يكن يعمل على الإطلاق كدولة كلاسيكية. فقد بنى القذافي سلطته على تركيز شديد للقرار، مصحوباً بتحييد منهجي للمؤسسات وإقامة توازن غير مستقر بين القبائل والأجهزة الأمنية وإعادة توزيع الريع النفطي. وهو نموذج من الطغيان شائع إلى حد ما في العالم العربي، والذي، على الرغم من طابعه الجائر، أنتج نظاماً معيناً. وبتحطيمه دون أي تفكير في استمرارية دنيا، أزال التدخل في عام 2011، بشكل متناقض، آخر مركز ثقل قادر على تنظيم المشهد السياسي. لم يؤد سقوط الطاغية بالتالي إلى تحرير الفضاء السياسي الليبي كما كان ينبغي أن يكون الحال منطقياً. بل خلق فراغاً في السيادة. ولم يتمكن أي طرف من فرض نفسه كوريث شرعي للنظام الذي أقامه القذافي. فالمعارضات التاريخية، التي كانت مجزأة أو محايدة لفترة طويلة، لم تكن تملك سوى نفوذ إقليمي غير متجانس أو مشروع مؤسسي مشترك قادر على تشكيل بديل فعال ودائم. وبالتالي، انهارت هياكل الدولة، التي كانت هشة بالفعل، مع النظام الذي كان يحتويها. ومن ثم، انتشر العنف الذي كان يحتكره ويحتويه الديكتاتور حتى ذلك الحين. وبدلاً من أن تطهر ليبيا من شياطينها، فتحت عملية إعدام القذافي صندوق باندورا. دخلت ليبيا مرحلة جديدة، مفككة بسبب هذا الفراغ «المؤسسي» الذي تركه العقيد-ليفياثان خلفه. ووفاءً لصيغة جرامشي، خلقت هذه المرحلة البينية، التي لم تكن حربًا أهلية كلاسيكية ولا انتقالًا غير مكتمل لما بعد الاستبداد، وحوشًا. فداخل هذا الفضاء ما بعد الدولة، لم تعد السلطة تنتقل عمودياً. لقد تجزأت أفقياً، حسب موازين القوى المحلية والإقليمية. إعادة تشكيل مسلحة للسياسة غالباً ما وُصفت السنوات الأولى التي تلت عام 2011 بأنها فترة فوضى ناشئة. لكن مرة أخرى، هذا المصطلح غير دقيق، بقدر ما أن ما تشكل، بعيداً كل البعد عن الفوضى العفوية، هو إعادة تشكيل مسلحة للسياسة. فالكتائب التي نشأت عن الانتفاضة لم تختفِ بعد سقوط النظام. بل تحولت إلى مؤسسات، لتحل فعلياً محل هيكل الدولة من خلال الاستيلاء على الأراضي، وفرض سيطرتها على البنى التحتية، والتفاوض مع السلطات المركزية التي كانت بالفعل محرومة من أي قدرة قسرية. لم تتمكن العملية الانتخابية، التي نظمت اعتباراً من عام 2012، من عكس هذه الدينامية. فالجمعيات المنتخبة موجودة شكلياً، ولكنها لا تملك أي احتكار للقوة. وتظهر الشرعية القانونية عاجزة أمام الواقع العسكري. لذلك توقف التصويت عن كونه أداة لتنظيم النزاع ليصبح قضية ثانوية، يستخدمها الفاعلون المسلحون الذين لا يعتمدون عليه لممارسة السلطة الحقيقية. والنتيجة، كما هو الحال في جميع البلدان التي تُركت لقانون الغاب، أن السياسة تعتمد الآن على موازين القوى، وأن الفاعلين الحكوميين يجب أن يتعاملوا مع أولئك الذين يسيطرون على الأرض. بعد تجريدها من وظيفتها كبنية تنظيمية، تُفرغ الدولة من جوهرها وتُختزل إلى مساحة يتم فيها تقويض أي احتمال للتعافي عمداً وباستمرار من قبل المنظمات العسكرية شبه الحكومية. صاحب هذا الصعود لقوة الميليشيات ظاهرة هيكلية بنفس القدر: الاستيلاء على الريع. فبدلاً من توحيد البلاد، أصبح النفط أحد محركات تفتتها. وتحولت المنشآت والموانئ وخطوط الأنابيب إلى أدوات ضغط، بناءً على منطق أن من يسيطر على محطة أو طريق استراتيجي لم يعد بحاجة إلى حكم البلد بأكمله. وتعتمد قوته بحكم الأمر الواقع على قدرته على التحييد والحصار والتفاوض والابتزاز. في هذه المرحلة، لم تغرق ليبيا في حرب شاملة. بل وجدت نفسها في نزاع منخفض الشدة، تتخلله أزمات حادة، لكنه منظم بتوازنات محلية. ومع ذلك، تجمدت هذه الحالة، التي غالبًا ما توصف بأنها انتقالية، تدريجيًا. تكيف الفاعلون المسلحون، وتوطدت شبكات التمويل، وتتشكل وتتفكك التحالفات، حيث لا توجد سلطة مركزية يمكنها التحكيم بينها. حالة خليفة حفتر في هذا السياق، ظهرت شخصية خليفة حفتر. لم يخضع صعود حفتر لأي مشروع أيديولوجي متماسك. ويمكن تعريفه بأنه محاولة لإعادة تكوين عمودية عسكرية في مشهد مجزأ. فاستعادة الدولة ليست شغله الشاغل. يقدم حفتر بديلاً استبدادياً للفوضى، مدعوماً بدعم إقليمي ووعد بالنظام. لكن هذا الوعد يعتمد بشكل أقل على إعادة البناء المؤسسي منه على الهيمنة الأمنية. إنه بؤس عربي. يؤكد ظهور حفتر أن ليبيا ما بعد عام 2011 لم يعد من الممكن فهمها كفضاء وطني موحد. لقد أصبحت مجرد ساحة قوى حيث المشاريع السياسية تخضع للقدرات العسكرية والدعم الخارجي. من هنا، يتحدد المسار الليبي إلى حد كبير. فغياب الخلافة الحكومية في عام 2011 ليس حادثاً قابلاً للتصحيح بعد فوات الأوان . بل يشكل الفعل التأسيسي لتكوين دائم. وبعيداً عن المخططات الكلاسيكية، يمكن اعتبار أن الحرب لا تهدف حتى إلى غزو الدولة، بل إلى تنظيم غيابها. إذن، ليبيا ليست في حرب كلاسيكية بين فصائل من أجل السلطة بالمعنى الضيق. فالأطراف المتنازعة في الواقع تخوض حرباً ضد إمكانية وجود سلطة مركزية نفسها. وهذا بالضبط هو المعطى الذي يحدد كل ما سيتبع: «التمليش» (تحويل الحياة السياسية إلى ميليشيات)، وتدويل الصراع، وتدخل القوى الخارجية، وهذا الاستقرار غير المسبوق، العبثي، في ظل عدم الاستقرار. المقال التالي: سيطرة مفرطة للميليشيا على السياسة

هل يوجد مستقبل بحري للبنان؟ (1)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

هل يمكن للبنان، بفضل مشاريع التعاون متعدد الأطراف التي أُطلقت ضمن الإطار الشامل للاتحاد من أجل المتوسط، أن يصبح ما يستحقه، أي لبنان بحري؟ يتطلب هذا السؤال تفكيراً عميقاً ورؤية شاملة للوضع الذي يعاني منه البلد في هذا الصدد... «بالنسبة للفرنسيين، البحر هو ما لديهم في ظهورهم عندما ينظرون إلى الشاطئ» (إريك تابارلي). فرنسا دولة بحرية تجهلها. ترجمة هذه الخصوصية إلى واقع سياسي وميزاني ضعيفة. استبدل فرنسا بلبنان. إنها دولة بحرية - وتاريخها يشهد على ذلك - لم تتخذ بعد الخيار السياسي والمؤسسي اللازم. من شأن المشاريع البحرية الموحدة أن تقرب جميع المجتمعات بشكل دائم. لديها المقومات لذلك. وسيكون «الصالح العام» هو المستفيد «الوحيد» منها. يعود تاريخ لبنان البحري إلى الفينيقيين (3000-500 قبل الميلاد)، وهي فترة الأساس المؤسس للمدن المرفئية (جبيل، صيدا، صور، أرواد)، والأنشطة التجارية مع مصر، قبرص، اليونان، شمال إفريقيا، شبه الجزيرة الإيبيرية، والملاحة في أعالي البحار، وبناء السفن. ساهمت تجارة خشب الأرز، والأرجوان الصوري، والأواني الزجاجية، والحرف اليدوية في ثراء البلاد، مدعومة بساحل لبناني يطل على البحر الأبيض المتوسط الغربي. منذ عام 500 قبل الميلاد حتى القرن السابع، تطورت الأنشطة البحرية تحت سيطرات مختلفة – الفارسية الأخمينية، اليونانية، الرومانية والبيزنطية. استخدم الرومان وطوروا القواعد البحرية بشكل خاص. أتاحت القدرات التجارية واللوجستية التي قدمتها هذه القواعد إقامة اتصالات مع طرق التجارة للإمبراطورية. في هذه الفترة، تم إنشاء القانون البحري. على الرغم من عدم سيادته، كان لبنان قطباً بحرياً في ذلك الوقت. من القرن السابع إلى القرن الخامس عشر، وهي فترة طويلة من العصور الوسطى والإسلامية، كانت موانئ طرابلس وبيروت وصيدا وصور تتمتع بنشاط كبير مع حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله. خلال الحروب الصليبية، كانت هذه الموانئ نقاطاً استراتيجية؛ وقد تركت التحصينات الساحلية آثاراً لا تزال مرئية. جعل التنافس البحري بين القوى الإسلامية والمسيحية لبنان منطقة للتبادل والمواجهات العسكرية على حد سواء. خلال الفترة العثمانية من القرن الخامس عشر حتى مطلع القرن العشرين، ظلت الموانئ نشطة على الرغم من فقدان أهميتها. تميزت بيروت وحدها ووفّرت نقطة اتصال مع دمشق وحلب وجنوب أوروبا. في القرن العشرين، تحدّثت بيروت وأصبحت مركزاً إقليمياً. تطورت التجارة البحرية. لكن يبقى أن لبنان الحديث لم يُحدث تحوله البحري. يعتمد البلد بشدة على الإمدادات البحرية لمعظم تجارته وإمداداته. ومع ذلك، فإن غياب أسطول تجاري خاص به، وقدرات بحرية محدودة، ومراقبة غير كافية للمناطق المحيطة لا تسمح له بأن يرقى إلى مستوى تاريخه البحري وإمكانياته واحتياجاته. ومع ذلك، كم من الآمال يمكن تحقيقها بفضل البحر. تم توقيع الاتفاقيات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة (ZEE) مع إسرائيل، ثم مع قبرص؛ وهي تسمح بتصور استغلال الموارد البحرية بأمان. لبنان بلد بحري؛ وقد حان الوقت لكي تصبح هذه الدولة البحرية قادرة على استغلال إمكاناتها. التحديات البحرية للبنان تتوقف تحديات الوجهة البحرية لبلد الأرز على عدة عوامل أهملتها السلطة لفترة طويلة جداً. السيادة والأمن البحريان، وهما تحديان رئيسيان لمراقبة المياه الإقليمية، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والحدود البحرية، وكذلك لمكافحة التهديدات العسكرية، والاتجار غير المشروع، والصيد غير القانوني، لا يحظيان بدعم كبير. بالإضافة إلى ذلك، يعاني لبنان من اعتماد بحري حرج: 80 إلى 90 % من الواردات تمر عبر البحر؛ وميناء بيروت الحيوي في وضع ضعيف منذ أغسطس 2020 - إعادة إعمار بطيئة وحوكمة محل نزاع؛ وميناء طرابلس، وهو مركز بديل، غير مستغل بالقدر الكافي، وقريب جداً من سوريا؛ بينما تقتصر وظائف صيدا وصور على النطاق الإقليمي. التحدي تقني ومؤسسي وسياسي. على صعيد الموارد البحرية (الأوفشور)، الأمل حقيقي ولكنه طويل الأمد. الإمكانيات غير مؤكدة وتعتمد على الشركات الأجنبية، بينما يجب تحديد وضمان أمن المنشآت وجاذبية المستثمرين والإطار القانوني والاستقرار السياسي. لن يكون الاستغلال مضموناً إلا من خلال قدرات بحرية موثوقة وذات مصداقية. علاوة على ذلك، فإن مراعاة البيئة (مكافحة التلوث)، ووسائل ضمان السلامة البحرية (الإنقاذ في البحر)، بالإضافة إلى حماية السواحل، أمور لا غنى عنها. تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن الحوكمة البحرية غير مكتملة: غياب استراتيجية وطنية متكاملة؛ وتعدد الجهات الفاعلة (البحرية اللبنانية، سلطات الموانئ، وزارات النقل والدفاع والبيئة). يبدو واضحاً أن التنسيق الاستراتيجي بين هذه الجهات يجب أن يتم تحسينه. باختصار، يعاني لبنان من وضع بحري صعب نوعاً ما: ساحل قصير وكثيف، استراتيجية بحرية مجزأة، أسطول تجاري ضعيف جداً، بحرية عسكرية محدودة ودفاعية، لا صناعة بحرية، ولا نفوذ إقليمي. توجد إمكانيات يتمتع لبنان بتاريخ بحري جميل وغني، ولكن ما هي الاستراتيجية المتبعة في هذا المجال؟ لا تسمح المفاوضات حول المنطقة الاقتصادية الخالصة بالإجابة على هذا التساؤل. ومع ذلك، فإن الإمكانات موجودة. مالطا وقبرص هما دولتان بحريتان لهما مساحة إقليمية مماثلة للبنان. ومع ذلك، لديهما علم بحري متطور، وتنظيم جذاب، واستراتيجية بحرية طموحة وفعالة. وبذلك يثبتان أن حتى الدول الصغيرة يمكن أن تكون جهات فاعلة بحرية مهمة. لبنان بحري، هل هو وهم؟ على الرغم من عدم الاستقرار السياسي المزمن، وضعف الاستثمار العام، والاضطرابات الأمنية المتكررة، فإن المقومات التي تسمح للبنان بتطوير وجهته البحرية موجودة بالفعل: موقع جغرافي استثنائي، ساحل تاريخي ذو بنية راسخة، رأس مال بشري، وجالية بحرية محتملة. في هذا السياق، ما هي الاستراتيجية التي يجب وضعها لإعادة إحياء هذا القطاع الحيوي؟ المقالة التالية: مشاريع بحرية في لبنان، مع الاتحاد من أجل المتوسط؟

المتاحف في إيران: تراث تحت الحصار (1/2)

منذ تزايد التوتر على المستوى الإقليمي، والضربات التي استهدفت إيران في عام 2025، والانتفاضة الشعبية الأخيرة في المدن الإيرانية، كثفت السلطات إجراءات الطوارئ حول المتاحف. كان الهدف من ذلك حماية تراث لا يقدر بثمن في مواجهة مخاطر القصف أو التخريب أو حتى النهب. وقد تجلى ذلك عمليًا في إغلاقات مطولة، وساعات عمل مخفضة، وزيارات منظمة بدقة متناهية، ونقل سري لبعض القطع الأثرية الرئيسية إلى مخازن سرية. يندرج هذا التوجه نحو التحصين ضمن مناخ من التوتر والأزمات أعمق وأقدم، اتسم منذ عقود بتضييق المساحة الثقافية في جميع أنحاء البلاد. المتاحف المحاصرة المؤسسات الثقافية اليوم محاصرة بين فكي كماشة مزدوجة: تهديد الحرب، والاضطرابات الداخلية، والأولويات الدبلوماسية والأيديولوجية للسلطة. في الواقع، تسعى الجمهورية الإسلامية من جهة إلى تعزيز استراتيجية هوية ترتكز على إعادة قراءة القومية الفارسية، ومن جهة أخرى إلى مواجهة «الخوف من إيران» (الإيرانوفوبيا) من خلال التأكيد على تراثها وعمقها التاريخي وإنتاجها الفني. تخضع جميع سياسات إيران في مجال الثقافة والفن لهذه الاستراتيجية الهوياتية الجديدة، والتي تتجلى بشكل مثالي في متحف الثورة الإسلامية والدفاع المقدس في طهران، الذي يجمع بين النصب التذكاري، والتثقيف السياسي، والمنتج السياحي. على الصعيد الدولي، تشكل عمليات الاقتناء والإعارة والمعارض للأعمال الفنية الفارسية أحداثًا رئيسية، مثل إعارة أسطوانة قورش التي لا تقدر بثمن (539 قبل الميلاد) أو معرض «الإمبراطورية المنسية: عالم بلاد فارس القديمة» ، التي نظمها المتحف البريطاني قبل بضع سنوات... إلخ. يستخدم حكومة الجمهورية الإسلامية هذه الأحداث كأدوات للدبلوماسية الثقافية في خدمة أولوياتها الأيديولوجية، مما يشكل أحيانًا مجالًا للتوتر والابتزاز السياسي. التراث الأثري في إيران غني جدًا وتوجد بها العديد من المتاحف (أكثر من 800)، ومن أبرزها المتحف الوطني الإيراني، ومتحف الفن المعاصر، وقصر جولستان... إلخ. لقد اخترنا اثنين من متاحف طهران التي تمثل تاريخ إيران: متحف الخزانة أو المتحف الوطني للمجوهرات والمتحف الوطني الإيراني. الخزانة الوطنية للمجوهرات افتتحت في عام 1937، في عهد الشاه، كواجهة لقوة الملكية، وتجمع الخزانة الوطنية لمجوهرات الشاهات تراث سلالات الصفوية، والأفشارية، والقاجارية، والبهلوية: تيجان، وعروش مرصعة، وحلي فخمة، وألماس أسطوري... يقع في الطابق السفلي من مقر البنك المركزي الإيراني نفسه في شارع فردوسي بطهران. وهو مرتبط قانونيًا بالبنك المركزي الذي يعتبر الوديع القانوني له. في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت قيمة المجموعة كبيرة لدرجة أنها استخدمت كاحتياطي للعملة الوطنية. واليوم، لا يزال جزء من شرعية العملة يعتمد رمزيًا على هذا المخزون من الأصول المادية غير القابلة للتقييم بسعر السوق. جواهر خرافية تتضمن المجموعة قطعًا لا تقدر بثمن منها تاج كياني لحكام القاجار، وهو رمز للملكية الفارسية في القرن التاسع عشر، أو تاج بهلوي الذي استخدم في تتويج رضا شاه ومحمد رضا بهلوي، والمصنوع من الذهب والفضة ومرصع بآلاف الماس والزمرد والياقوت واللؤلؤ النادر. وتضاف إلى هذه القطع الثمينة عروش خرافية مثل عرش الطاووس وهو عرش قاجاري من الذهب الخالص، مغطى بالماس والياقوت والزمرد واللؤلؤ، ويعتبر رمزًا رئيسيًا للملكية الفارسية. ويستمد اسمه من تصميم الطاووس أو من اللقب الذي أطلق على زوجة فتح علي شاه. تتضمن الخزانة أيضًا كرة أرضية بوزن 34 كجم من الذهب وحوالي 6 كجم من الأحجار الكريمة، الماس، الياقوت والزمرد لتصوير بحار وأراضي الكرة الأرضية. ولا ننسى درع وسيف نادر شاه المصنوعين من جلد وحيد القرن بقطر 46 سم، وهما أيضًا مرصعان بالماس والياقوت والزمرد، ويحتوي الدرع في وسطه على أحد أكبر الياقوت في العالم (حوالي 225 قيراطًا)، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الحلي، السيوف، الدروع، أدوات العبادة وأطقم المائدة من المعادن الثمينة.. والأحجار الكريمة النادرة للغاية مثل الماس الوردي الشهير دريا نور (أو بحر النور بوزن 182 قيراطًا، والذي يعتبر أكبر ماس وردي في العالم، إلخ. تروي كل هذه الجواهر قصة الفخامة والثراء، وأيضًا الإفراط في البذخ لملكية كانت تقارن نفسها بالبلاطات الأوروبية. بعد الثورة، حولت الجمهورية الإسلامية هذا الرمز الذي كانت تعتبره «مكروهًا» إلى «كنز وطني»، يهدف الآن إلى تجسيد ثراء الأمة بدلاً من ثراء عائلة واحدة. في مقالنا القادم، سنتحدث عن المتحف الوطني الإيراني والدور (الصعب) الذي يُطلب من أمناء المتاحف القيام به.

الحريرية في مواجهة تحدي التجدد
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

يشبه سعد الحريري إلى حدٍّ ما بطلاً ملعوناً في مأساة إغريقية. بعد واحد وعشرين عاماً على اغتيال رفيق الحريري، يعود سعد إلى مدينة لم تعد تشبه تماماً تلك التي غادرها. مراكز القرار تغيّرت. وهو يدرك ذلك جيداً. فالمملكة العربية السعودية، التي ساهمت يوماً، في عهد الملك فهد ثم الملك عبد الله، في تثبيت رفيق الحريري على الساحة اللبنانية، تُكثِر منذ نحو عقد من الزمن من الإشارات السلبية تجاه سعد. وقد عبّرت وسائل الإعلام السعودية بوضوح عن امتعاضها من احتمال إعادة إطلاق تياره السياسي بعد أربع سنوات من التجميد. الحريرية، التي كانت العمود الفقري للسنّية السياسية اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب، تواجه اليوم سؤالاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: هل ما زال لها دور تاريخي؟ لقد وُلدت دينامية رفيق الحريري من ظرف تاريخي جمع بين مشروع اقتصادي، ورهان دبلوماسي، وتموضع هويّاتي. فقد جسّد سنّية معتدلة، مدعومة من المملكة، منفتحة على الأسواق، تتقن لغة العواصم الغربية، وتقدّم نفسها كحلقة وصل بين لبنان والعالم. من مسار أوسلو إلى المرحلة التي أعقبت أحداث 11 أيلول 2001، كان الحريري ضرورة مطلقة للعالم العربي-الإسلامي السنّي وللغرب. أما «التحالف الموضوعي للأقليات»، من إسرائيل إلى إيران، فقد رآه عدواً. وأدّى اغتياله على يد محور دمشق-طهران إلى إطلاق موجة شعبية سيادية عابرة للطوائف غير مسبوقة في لبنان، كرّست الحريرية رمزاً للاستقلال اللبناني. هذه المعمارية بأكملها، التي ورثها سعد، انهارت تدريجياً. وليس ذلك فقط بسبب حساباته السياسية والمالية الخاطئة، أو بسبب إدارته المثيرة للجدل للسلطة. فالسعودية لم تعد كما كانت في تسعينيات القرن الماضي، ولا كما كانت بعد 14 آذار. لم تعد تسعى إلى رعاية تيار لبناني كما يُرعى موقع نفوذ. بل باتت تفكّر بمنطق التوازنات الإقليمية الواسعة، وإعادة التموضع الاستراتيجي، والمنافسة مع أنقرة وطهران. وفي هذه اللعبة الجديدة، لم يعد سعد الحريري لاعباً أساسياً. هو، في أفضل الأحوال، ممثل ثانوي في مشهد يُعاد رسمه في مكان آخر. وهو يعلم ذلك، رغم قواعده الثابتة في الداخل اللبناني. لقد انتقل مركز الثقل السنّي في الشرق الأوسط. إن بروز أحمد الشرع كشخصية سنّية صاعدة، حظيت بدعم من الرياض وأنقرة وبنوع من المباركة الدولية – يا للمفارقة، للقيام بالدور نفسه الذي كان يُراد لرفيق الحريري أن يلعبه في إطار مسار أوسلو – يُعيد رسم المعادلة بعمق. للمرة الأولى منذ عقود، يشهد المشرق صعود قيادة سنّية غير لبنانية قادرة على الجمع بين التجذّر الديني والمهارة السياسية والاعتراف الخارجي. سواء أكانت هذه الصيغة قابلة للاستمرار أم لا، فالإشارة واضحة: الاحتكار الرمزي للسنّية المعتدلة الحديثة لم يعد يمرّ عبر بيروت. في هذا السياق، تبدو الحريرية اليوم تعبيراً عن لحظة انقضت. لقد كانت ابنة مرحلة كان العالم العربي يتأرجح فيها بين سلطويات عسكرية وإسلاميات راديكالية، وطرحت نفسها – بحق – طريقاً ثالثاً. اليوم تُعاد صياغة الخطوط بطريقة مختلفة. سقوط النظام السوري، وتراجع المحور الإيراني بعد 7 تشرين الأول 2023، وإعادة تعريف التحالفات الإقليمية، فتحت فضاءً جديداً. وهذا الفضاء لم يعد منظّماً حول قيادة سنّية لبنانية مركزية، بل حول مجموعة من الشخصيات والأعيان وروّاد السياسة المتناثرين. هذا، على الأقل، ما يبدو أن الرياض تفضّله، رغم شعور السنّة الواضح بالتهميش داخل المعادلة السياسية اللبنانية الراهنة – ورغم اعتراضاتهم على أداء سعد الحريري، خصوصاً منذ عام 2016. غير أن أزمة الحريرية تتجاوز البعد الإقليمي لتطال نموذجها الداخلي. فقد قام المشروع الحريري على معادلة ضمنية: التنمية الاقتصادية مقابل تنازل جزئي عن السيادة. ما دامت الوصاية السورية تُحكم إغلاق الحقل السياسي، كان المطلوب البناء في الهوامش. بعد 2005، جرت محاولة تحويل حركة سيادية إلى أكثرية حاكمة. لكن التجربة اصطدمت بعنف حزب الله، وانقسامات 14 آذار، ثم بخيارات استراتيجية خاطئة، أبرزها الرهان على عهد ميشال عون وعلى نوع من تسوية ضبابية مع المعسكر الإيراني. ذلك الرهان كسر شيئاً ما. لقد أضعف صدقية تيار قدّم نفسه سداً في وجه الهيمنة الإيرانية، ليجد نفسه – بحساب أو بإرهاق – يبارك بنية مؤسساتية يهيمن عليها حزب الله. وجاء انسحاب سعد الحريري من الحياة السياسية ليُكمل تشتّت صفوفه. من هنا، يطرح عودته سؤالاً وجودياً: هل يمكن العودة من دون إعادة ابتكار الذات؟ ثم إن المشكلة لا تخصّ سعد الحريري وحده – حتى وإن كانت القوى الأخرى، المنشغلة بصراعات السلطة المقبلة، لا تبدو واعية لذلك. فانحسار الحريرية ليس معزولاً. إنه جزء من تآكل أوسع للقوى التي وُلدت من الحرب وما بعدها. العونية استُهلكت في السلطة. حزب الله، رغم خطاباته، يواجه تراجعاً استراتيجياً غير مسبوق وجوهرياً. وحتى الشخصيات الكاريزمية الأخرى تبدو معلّقة في زمن لم يعد زمنها. السياسة اللبنانية تشبه مسرحاً يكرّر فيه ممثلو الأمس أدوارهم، فيما تغيّر النص والجمهور. هذه القوى بنت شرعيتها على استمرارية سياسية لم تعد موجودة، مع سقوط نظام الأسد وعودة طهران إلى حجمها الطبيعي. السؤال الحقيقي، إذاً، يتجاوز مصير تيار بعينه. إنه سؤال تجدد النخب. من يمكنه أن يتقدّم؟ من يستطيع أن يصوغ مشروعاً لا يكرّر تسويات الماضي ولا يتوهّم قطيعة رومانسية معه؟ لقد أثار انتخاب رئيس للجمهورية استُقبل في البداية كـ«منقذ مفاجئ»، ثم تكليف رئيس حكومة نال الإشادة لنزاهته وعدم انتمائه للنخب التقليدية، موجة حماسة سرعان ما خبت، بفعل تعقيدات الداخل والخارج. أسطورة المخلّص لا تزال حيّة في لبنان، حيث يُستعاض عن بناء طبقة سياسية جديدة بعادة الانتظار أو حتى بالرضوخ الطوعي. أما قانون الانتخاب الحالي، المصمّم للحفاظ على التوازنات الطائفية الأكثر جموداً، فيعمل كمتحف شمع للماضي، إذ يمنع نشوء قوى عابرة للطوائف قادرة على تشكيل أكثرية أو حمل برنامج حكم متماسك. في هذا الإطار، أمام الحريرية خياران: إما محاولة استعادة موقعها السابق عبر استثمار الحنين والتعبئة الطائفية – وهو ما لا يزال ممكناً بفعل رمزية رفيق الحريري وولاء شريحة من الجمهور لسعد كمرساة في زمن الضياع – وإما فهم ضرورة إعادة صياغة ذاتها للمساهمة في مشروع وطني جامع. الطريق الأولى قد تبدو أكثر أماناً، لكن الأوهام كثيرة. أما الثانية فهي أكثر خطورة، لأنها تفرض مراجعة نقدية للماضي وإعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسيادة والدولة. إن عودة سعد الحريري، إذا تجسدت فعلياً وأُجريت الانتخابات في مواعيدها، هي اختبار بامتياز. اختبار له أولاً: هل سيقرأ اللحظة من دون أن يخطئ في فهم الزمن؟ اختبار للطبقة السياسية: هل تدرك أن انحسار قوى ما بعد الحرب يفتح فراغاً خطيراً قد يُنتج فوضى أو استبداداً جديداً باسم الاستقرار؟ واختبار للناخبين: فليس الحريري وحده من ينبغي أن يسأل «أين أخطأنا؟»، بل مجتمع-نظام يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية، بمعارضاته أيضاً. قد تبدو هذه السطور ضرباً من حلم رقيق في عالم متشظٍ ومنطقة زلزالية. ومع ذلك، حتى وإن لم «يزرقّ» الأفق بعد، فإن لبنان يقف فعلاً عند مفترق طرق: إما إعادة ترتيب العالم القديم بين وجوه متعبة، أو المجازفة بتجدد حقيقي يتجاوز أنماطاً تقليدية تُستخدم لتهدئة مخاوف «عنف محاكاة» وهمي لا يوجد إلا بقدر ما تغذّيه شهوة السلطة لدى من يزعمون احتواءه. ولكي يتحقق هذا التجدد، لا بد من بروز نساء ورجال يتمتعون بالمصداقية والشفافية والاتزان، قادرين على حمل مشروع يتجاوز جماعتهم. إن زمن المسؤولية يحتاج إلى نساء ورجال للآخرين – لكل الآخرين ، بلا استثناء. يحتاج إلى تعزيز ثقافة الانفتاح والربط، في عالم منغلق يخشى التبادل والاختلاف. وهو السبيل الوحيد لجعل لبنان، في القرن الحادي والعشرين، استثناءً سياسياً وثقافياً حقيقياً.

إيران والمكابرة... على طريقة صدّام
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

كلّما مر يوم، يتبيّن أكثر أن النظام الإيراني الذي صار عمره 47 عاما يواجه حاليا خيارين لا ثالث لهما. خيار الإستسلام أمام الشروط الأميركيّة التي لا تختلف كثيرا عن الشروط الإسرائيلية... أو مواجهة حرب مع الولايات المتحدة لا يمكن لإيران الخروج منها سالمة. هل في استطاعة "الجمهوريّة الإسلاميّة" الإعتراف بأن لا مفرّ من التعاطي مع الواقع الجديد في المنطقة بدل الإستمرار في المكابرة على طريقة صدّام حسين. إعتقد صدّام، حاكم العراق، في بداية العام 1991 أنّه سيكون قادرا على التفاوض مع الولايات المتحدة تفاوض الندّ للند على الرغم من موقف إدارة جورج بوش الأب كان في غاية الوضوح. كان بين خياري الانسحاب من الكويت، من دون شروط، وبين تعرّض العراق لحرب تعيده إلى العصر الحجري. لم يفهم حاكم العراق الراحل المنطقة والعالم ومعنى موازين القوى. ليس من عادة الولايات المتحدة نشر قوة عسكرية في حجم تلك التي نشرتها في الشرق الأوسط والخليج من أجل الإكتفاء بعرض قوة ذي طابع رمزي. لا يمكن لدولة، في حجم اميركا، تحريك مثل هذه القوة من دون بلوغ أهداف محدّدة. تتمثّل هذه الأهداف في صفقة ما مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا تقلّ عن الانتهاء من البرنامج النووي الإيراني ومن الصواريخ الباليستية ومنصاتها. الصواريخ مهمّة والمنصات في أهمّية الصواريخ، إن لم تكن أهمّ منها. يبقى الشرط الثالث المتعلّق بأذرع إيران. أبرز هذه الأذرع "حزب الله" في لبنان الذي ما زال يمارس العناد متجاهلا أنّه خسر "حرب إسناد غزّة" وأنّ سلاحه لم يكن يوما سوى سلاح في خدمة إسرائيل وخدمة كلّ ما يمكن أنّ يساهم في تدمير لبنان. يظلّ المثل الأبرز على ذلك إغتيال رفيق الحريري في مثل هذه الأيّام من العام 2005. اغتال الحزب، الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الإيراني، رفيق الحريري من أجل القضاء على محاولة جدّية لإعادة البلد إلى خريطة المنطقة ووقف استخدامه ورقة في عملية الترويج للمشروع التوسعي الإيراني في المنطقة وجعله يتقدّم في اتجاه البحر المتوسّط. ستأتي إلى المنطقة حاملة طائرات أميركيّة ثانية، هي الحاملة "جيرالد فورد. ستأتي للإنضمام إلى حاملة أخرى موجودة في الخليج هي "ابراهام لينكولن". ثمة نيات أميركيّة لا يمكن تجاهلها. على إيران الرضوخ. سيكون ذلك بالحسنى أو بالقوة. لا يمكن تجاهل أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزة التي اندلعت في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. لا حاجة إلى تكرار أنّ درة المشروع التوسّعي الإيراني، أي "حزب الله"، لم تعد موجودة. لم تعد لدى الحزب سوى ورقة تهديد اللبنانيين بحرب أهليّة في سياق سعيه إلى الإحتفاظ بسلاحه الذي ثبت أنّ لا فائدة تذكر منه عندما يتعلّق الأمر بمواجهة إسرائيل. فوق ذلك، يرفض الحزب أخذ العلم بأن سوريا لم تعد تحت هيمنة إيران... في مطلع العام 1991، انعقد في فندق "انتركونتيننتال" في جنيف لقاء بين وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر ووزير الخارجية العراقي طارق عزيز. شرح بيكر لطارق عزيز والوفد المرافق له أن لا مجال لأي أخذ ورد وأن ليس أمام العراق سوى الانسحاب من الكويت. قرأ الوزير العراقي الرسالة التي سلمه إيها وزير الخارجية الأميركي ثم تركها على طاولة المفاوضات. تذرع بأن العبارات المستخدمة تجعله عاجزا عن نقل الرسالة إلى صدّام حسين. بقيت الرسالة في مكانها. شاهدتها بنفسي ملقاة على الطاولة في الغرفة التي التقى فيها جيمس بيكر وطارق عزيز. علمت لاحقا أن الرسالة ذات الأهمّية التاريخية لا تزال محفوظة في الخزنة الحديد للفندق... هل فهمت إيران، في ضوء المفاوضات التي جرت في مسقط بين وزير خارجيتها عباس عراقجي والوفد الأميركي المؤلف من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أنّ لا مجال للرهان على خلافات بين أميركا وإسرائيل. هل فهمت أنّ لا مفرّ من الإعتراف بأن ملفّ الصواريخ الباليستية ومنصاتها لا يقلّ أهمية عن ملف البرنامج النووي الإيراني وملف الأذرع التابعة لـ"الحرس الثوري" في هذا البلد العربي أو ذاك؟ ليس أمام النظام في إيران غير السعي إلى الإستفادة من تجربة صدّام حسين الذي منعه غباؤه السياسي من استيعاب معنى حشد الولايات المتحدة لقوّة عسكرية في الخليج، مباشرة بعد احتلال الجيش العراقي للكويت. ظنّ صدام أنّ أميركا تمزح وأنّ جيشه لا يزال قادرا على الصمود في الكويت. لم يدر في أي وقت معنى موازين القوى. المخيف في السنة 2026 أنّ إيران تعيد إرتكاب الخطيئة ذاتها التي ارتكبها صدّام في 1991 وكررها في 2003 عندما اتخذ جورج بوش الإبن ومساعدوه قرارا بإخراجه من السلطة. يزيد الأمور تعقيدا في إيران الوضع الداخلي في البلد. يترافق الفشل الخارجي مع فشل داخلي على كلّ المستويات، خصوصا في المجال الاقتصادي. ليس صحيحا أنّ هناتك أكثرية إيرانية تعتنق الشعارات التي يطلقها النظام. هناك أكثرية إيرانيّة تفضل ثقافة الحياة على ثقافة الموت. لو لم يكن الأمر كذلك لما كان الشعب الإيراني في مختلف انحاء البلد في ثورة على النظام منذ مطلع السنة. لا شكّ أنّ الأجهزة الأميركية على علم تام بما يدور في إيران، كذلك إسرائيل التي ادركت قبل غيرها في العام 1979 أن نظام الشاه انتهى ودعت اليهود الإيرانيين إلى مغادرة البلد. وقد غادر معظم اليهود إيران وقتذاك تنفيذا لتعليمات السفارة الإسرائيلية التي كان على رأسها أوري لوبراني... مسألة أسابيع قليلة نعرف بعدها هل اختار النظام الإيراني سلوك صدّام حسين أم نهج التعقل الذي يفرض عليه الإعتراف بأن هناك ثمنا لا بد من دفعه نتيجة خسارة الحروب، تماما كما فعلت المانيا واليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانيّة!