

الزمن بخيل. لم يعرف لبنان والشرق كثيرات يُشبهن سلمى مرشاق سليم، والدة المفكر الشهيد لُقمان، التي رحلت وهي تشتاق لُقياه قبل أن ترى عدالة الأرض تنزل بقاتليه. عاشت بالضبط خمس سنوات بعده، دموعها تسيل في قلبها العامر بالحزن ونادراً ما بللت خدّيها. وظلّت حاضرة لا تنكسر، مع ابنتها رشا الأمير وزوجته مونيكا برغمان ورفاقه، دفاعاً عن قيَم الحوار وقبول الآخر والعلم والثقافة والتنوير.
الأُم الباحثة المثقفة ما اتهمت أحداً رغم أن ابنها لُقمان سمّى قَتَلَته قبل ارتكاب جريمتهم ببيان مكتوب، حمّل فيه زعيم "حزب الله" آنذاك شخصياً مسؤولية أي ضرر قد يلحق به وببيته وعائلته، بعدما تظاهرت مجموعة من الحزب في حديقة منزل جدّه الأكبر في حارة حريك، وقد أبى أن يغادره، تماماً كما فعلت الوالدة سلمى التي أوصاها زوجها النائب محسن سليم بأن تحافظ عليه. علّق المتظاهرون على سور الحديقة عبارة "المجد لكاتم الصوت"، وعلّق لقمان: "لن يسكتونا".
اغتيل لقمان بعد ستة أشهر على اغتيال بيروت بجريمة تفجير المرفأ. الأرجح لأنه تجرأ على فضح مرتكبيها بوقائع ورواية مترابطة أبطالها نظام الأسد وحلفاؤه في لبنان. وقتها وعدت الحكومة التي ترأس جلستها الرئيس ميشال عون باستكمال تحقيق شفاف خلال خمسة أيام ومحاسبة المسؤولين عن التفجير الكارثي الذي أوقع نحو 230 قتيلاً و7000 جريح ودمّر مناطق شاسعة في العاصمة ومحيطها. لكن الحزب عطّل التحقيق بوقاحة يُشهَد لها. أما لُقمان فأسرع إلى إعلان الحقائق كما جمعها ورآها، ومضى إلى الاستشهاد.
يروي آليكس راول في كتابه الصادر عن "دار الجديد" التي تديرها رشا الأمير بعد اغتيال أخيها، والمُعنوَن في النسخة العربية "بالروح بالدم... الناصرية ومواريثها"، أن سلمى والدة لقمان كانت أول من لاحظ أوجه الشبه بين اغتياله واغتيال صاحب جريدة "الحياة" الصحافي كامل مروة عام 1966. تَوافقَ كامل ولقمان، مع فارق السن بينهما، على معاداة الأنظمة الكليّة (التوتاليتارية). وقد خِيضت ضدهما حملات ممنهجة وسَمتهما بالخيانة والعمالة للغرب وإسرائيل، في صحافة ديدنها القتل المعنوي. هما لبنانيان شيعيّان يؤمنان بالتعدد والانفتاح، قُتلا برصاصات أُطلقت من مسافة قريبة؛ هذه التقنية هي بصمة أجهزة تأتمر بأوامر دول، وهي دليل يقطع الشك بيقين تورطهم.
ومن سخريات القدر ومصادفاته أن عائلة كامل مروة وكّلت والد لقمان الراحل محسن سليم، المحامي الجزائي والبرلماني لدورة واحدة عن دائرة بيروت الثانية، لمؤازرتها والمطالبة بحقوقها. أُلقي القبض يومها على اثنين من القتلة. وحين وافق محسن سليم على الدفاع عن كامل مروة وعائلته، هُدد بدوره بالقتل. وقبل عقود من استهداف ابنه لقمان، انفجرت قنبلة أمام مدخل دارته، استهدفت إسكاته، ولربما اغتياله.
يضيف راول: من شرفة الطبقة الأولى من "الدارة البيضاء"، تُريني سلمى، أرملة محسن ووالدة لقمان، المدخل حيث وقع الانفجار قبل أكثر من نصف قرن.
عصر ذلك اليوم من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2021، الشديد الحرارة والرطوبة، جلست معنا ابنتها رشا، وأدارت علينا كؤوساً من النبيذ المثلج. تقول سلمى: «أيام الانفجار كانت بواباتنا خشبية»، ومن بعده استبدلها زوجها ببوابات الحديد التي نراها اليوم. تأخذ نفساً عميقاً وتتنهد: «كم من تهديد تلقينا».
اعتادت سلمى -على غرار زوجها وابنها الراحلين- ملاعبة الخطر.
هي امرأة استثنائية؛ يوم التقيتُها كانت في مطلع عقدها العاشر، تتذكر طفولتها في مصر البريطانية والملكية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. بعد التحاقها بالكلية الأميركية للبنات في القاهرة (التي أصبحت اليوم كلية رمسيس)، درست الصحافة في الجامعة الأميركية بالقاهرة. تتلمذت على يد ويلتون وين، وهو -بحسب وكالة «رويترز» يوم وفاته- «من أبرز صحافيي أميركا في القرن العشرين»، كما تتلمذت على يد سمير سوقي، مراسل مجلة «نيوزويك» في القاهرة، الذي اقترح عليها وهي في عامها الدراسي الأخير العمل متدربة في المجلة، ما أتاح لها بعد تخرجها عام 1956 الالتحاق بها بدوام كامل.
شهد ذلك العام حرب السويس، وأخذ الضباط الثوريون حديثو العهد بالسلطة في مصر يضيّقون على الصحافة الأجنبية وسائر الحريات العامة. وفي عام 1957 بلغت الرقابة أقصاها، مما حدا مجلة «نيوزويك» إلى إغلاق مكتبها القاهري، فالتحقت سلمى بمركز عملها الجديد جوار مديرها في بيروت بحي القنطاري، «باريس الشرق» الحرة والساحرة ببحرها وجبلها، بحسب الروايات المتفائلة.
ما إن وصلت سلمى إلى بيروت حتى اندلعت «أحداث» عام 1958، التي أسفرت شهراً تلو الآخر عن مقتل المئات. وفي ظل الاستقرار النسبي الذي أعقب ذلك، نالت سلمى درجة الماجستير من الجامعة الأميركية في بيروت، وتتلمذت على أيدي شخصيات لامعة، مثل الأستاذ مالكولم كير (الذي اغتيل في الحرم الجامعي عام 1984). بعد زواجها من المحامي الناجح محسن، الذي انتُخب عضواً في البرلمان اللبناني عام 1960، انخرطت سلمى في الحياة الاجتماعية الراقية؛ وفي تلك المناسبات التي اشتهرت بها المدينة، التقت كامل مروة.
وبلهجة قاهرية لم تتغير رغم سكنها عقوداً في بيروت، قالت عنه: «إنسانٌ ودود قريب للقلب، يطيب الكلام والنقاش معه».
ظنَّت سلمى مرشاق سليم، يوم غادرت القاهرة لتقول "لا" للديكتاتورية العسكرية، أنها قد نجت بنفسها. ظنت أن وقوف زوجها مُتَّهِماً قتلة كامل مروة ومُشعلِي أحداث 1958 ومفجّرِي مدخل بيتها سيُبعد عنها الكأس المُرّة، بيد أنَّ قدراً اسمه "ناصر" كان لها بالمرصاد.
وبالرغم من احتراق قلبها أوصلت رسالة الحوار والتفاعل مع الآخر. حفظت الأمانة ورحلت بشجاعة المثقفين المتنوّرين.
* تُقام الصلاة لراحة نفسها يوم الخميس الواقع فيه ٢٦ شباط ٢٠٢٦ الساعة الحادية عشرة في الكنيسة الإنجيلية الوطنية - بيروت، قبالة السرايا الكبيرة.
تُقبل التعازي يوم الخميس من العاشرة إلى السادسة مساءً ويوم الجمعة من الحادية عشرة إلى السادسة مساءً في صالون الكنيسة.