شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
مسيحيو سوريا: «تصحّرٌ روحي» في مهد المسيحية (2/2)

في مقالٍ أول خُصِّص لرصد أوضاع مسيحيي الشرق، قدّمنا صورةً ديموغرافية واجتماعية قاتمة للمجتمعات المسيحية في سوريا. أما هذا الجزء الثاني، فيستعرض الرهانات الروحية والثقافية والتاريخية التي تواجهها. في تعليق على تقرير مؤسسة L’Œuvre d’Orient حول المجتمعات المسيحية في سوريا، والذي أُنجز في صيف ٢٠٢٥ (راجع المقال السابق)، سلّط المطران هيوغ دي ويلمون، مدير الجمعية، الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه الجمعيات الأهلية والخيرية المسيحية لصالح المجتمع السوري ككل، لا سيما في مجالات المصالحة، وتمكين المرأة، والتعليم. وجاء في التقرير: «إنَّ التعددية الدينية والإثنية هي إحدى ثروات سوريا. ومع ذلك، فبعد نصف قرنٍ من الديكتاتورية، وأربعة عشر عاماً من الحرب، وأعمال عنف طائفية في مرحلة ما بعد الأسد، يبدو جلياً أنَّ هذا التنوع الديني والإثني في سوريا بات يعاني هشاشةً شديدة ويواجه تهديداتٍ حقيقية». ويعلّق المطران دي ويلمون قائلاً: «فضلاً عن ذلك، تؤكد تقارير أممية عديدة على الرهان المحوري الذي تمثله حماية الأقليات في ضمان الاستقرار ومنع النزاعات. إلّا أنَّه يتبيّن أنَّ المساعدات وآليات الحماية الحالية على المستويين الأوروبي والدولي لا تراعي بشكل كافٍ مدى هشاشة هذا النسيج المتكامل وضعفه». ويتابع مدير "مؤسسة L’Œuvre d’Orient: «نطمح بشكل خاص إلى إنشاء صندوق مخصّص لدعم التنوع الإثني والديني، وإرساء منصة وطنية للحوار بين مختلف المكوّنات. كما يمكن لهذه الأدوات الوطنية والدولية المختلفة أن تحظى بدعم وكالات أممية وأوروبية متنوعة. فبعيداً عن تكريس الطائفية، من شأن هذه المبادرات أن تساهم في دعم الانتقال السياسي وترسيخ وجود هذه الأقليات في صلب مجتمعاتها، ضماناً لاستقرار البلاد وتعزيزاً لاحترام حقوق الإنسان للجميع». التنوع والذاكرة الثقافية ويضيف مدير المنظمة غير الحكومية: «إنَّ هذه المسألة تمسّ توازن الشرق الأوسط وتنوعه وذاكرته الثقافية، كما أنها تضع أوروبا أمام مسؤوليتها التاريخية. إنَّ وجود هذه المجتمعات هو ضمانة للتعددية والديمقراطية؛ فبدون دعمٍ مكثّف، ستُغلق المدارس، ويهجر الشباب أوطانهم، وتتشتت العائلات، لتتهاوى هذه الفسيفساء الدينية. ومن شأن تخصيص يوم عالمي أن يسلط الضوء على أزمة صامتة، ويقدّم دعماً ملموساً للمؤسسات التعليمية والصحية، ويعيد بناء الجسور بين الشرق والغرب». وبالنسبة لفنسان جيلو، ممثل المنظمة في لبنان وسوريا والأردن، فإنَّ هذا التراجع في أعداد المسيحيين ليس مجرد معطى ديموغرافي عابر، بل هو «صدعٌ تاريخي وثقافي ذو أبعاد لاهوتية». وبعبارة أخرى، فإنَّ هذا التراجع يُنبئ بشيءٍ عن حضور الله في التاريخ. واستحضاراً لتعبير البابا بندكتس السادس عشر، نحن أمام «تصحّر روحي» في مهد المسيحية، واستبدال حقيقة عن الإنسان بأخرى. إنَّ غياب يسوع على المستوى الاجتماعي ليس أمراً حيادياً؛ فهو يعني غياب تلك الطريقة الخاصة التي أحبَّ بها الله العالم في يسوع، وغياب معرفة الذات التي أسبغها هذا الإله على الإنسان، وبالتالي انهيار رؤية أنثروبولوجية بأكملها. إنه المعادل الشرقي لـ«موت الله» في الغرب، وفقدانٌ لا يُعوَّض لحقيقةٍ عن الإنسان لا يمكن لأي فكر آخر أن يحلّ مكانها. تُبدي السلطات الكنسيّة المسيحيّة حساسيّةً بالغة إزاء هذا التهديد الذي يتربّص بالتعدديّة. وتعقيباً على هذه المعطيات، يقول المطران جاك مراد، رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك: «إن التنوّع الديني والإثني لطالما وُجد في سوريا، ولا يمكننا أن نتخيّل وطناً لا يشبه وطننا». ويضيف المطران، في معرض تأمّله في تداعيات وصول تنظيم هيئة تحرير الشام الأصولي إلى السلطة: «لم يكن السوريون يوماً متمسّكين بإسلامٍ تقليديٍّ»، خاصة وأنَّ المناخ الاجتماعي والثقافي الذي عاش فيه المسيحيون لعقود من الزمن قد تغيّر. «لنعد إلى أرض الواقع» يقول فنسان جيلو: «لنعد إلى أرض الواقع؛ إنَّ ١٨ مليون يورو لتمويل ألف مشروع ليس بالمبلغ الطائل. فاليوم، يعتمد الدعم بشكل شبه حصري على مانحين غربيين من القطاع الخاص عبر المنظمات المنضوية تحت لواء روآكو* (ROACO)، وهو أمرٌ غير كافٍ على الإطلاق» ويضيف: «لقد آن الأوان لكي يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته ويتحرّك بشكل ملموس لصالح المكوّنات الإثنية والدينية في هذه المنطقة من العالم، والتي بات وجودها اليوم على المحك. فبدون دعمٍ مكثّف، ستنهار الفسيفساء الدينية. إنَّ وجود هذه المجتمعات هو ضمانة للتعددية والديمقراطية في عالمنا؛ ومن شأن تخصيص يوم عالمي أن يسلط الضوء على هذه الأزمة الصامتة، ويقدّم دعماً ملموساً للمؤسسات التعليمية والصحية، ويعيد بناء الجسور بين الشرق والغرب. إننا ندعو إلى تحرّكٍ فوري، ليس من أجل الحفاظ على ماضٍ جامد، بل للإبقاء على حضورٍ حيّ يساهم منذ ألفي عام في توازن الشرق الأوسط». ويشدد جيلو قائلاً: «إنَّ هذه المجتمعات المسيحية هي شاهدٌ لا يُستبدل على المسيحية المبكرة. فالأماكن المقدسة هنا؛ هنا مشى يسوع ورسله. صور وصيدا، اللتان تقعان اليوم في لبنان، ذُكرتا في الأناجيل؛ والقديس بولس اهتدى على طريق دمشق؛ والقديس بطرس توجّه إلى أنطاكيا؛ والأردن يضم الموقع الذي تعمّد فيه يسوع على يد يوحنا المعمدان. ومع ذلك، نشهد مسيحيي هذه المناطق وهم يحزمون حقائبهم للرحيل. وهو أمر مرفوض. طبعاً، رحيل المسيحيين لا يمسُّ حقيقة قيامة المسيح، ولكن ألا يُعدّ حرمان هذه المجتمعات من الوصول إلى أماكنها المقدسة صدعاً لاهوتياً بحد ذاته؟ فضلاً عن ذلك، فإنَّ رحيلهم ليس خسارة لهم فحسب، بل لنا نحن الغربيين أيضاً؛ لأنَّ جزءاً من جذورنا وحضارتنا، بهويتها الثقافية والحضارية والدينية، يمتدُّ إلى هنا. وهي خسارة للمسلمين أيضاً. لذا، يجب مساعدة دول الشرق الأوسط في الحفاظ على فسيفسائها». ترسيخ الأقليات ويخلص فنسان جيلو إلى القول: «بناءً على ما تقدّم، توصيL’Œuvre d’Orient بالإسراع في إرساء آليات لدعم المصالحة وتحقيق عدالةٍ تلائم جميع السوريين. كما توصي بوضع آليات دولية وتمويلية لضمان إعادة إعمار شاملة، فضلاً عن حشد المجتمع الدولي بشكل مستدام لتعزيز التنوع الإثني والديني في سوريا». ويختم جيلو حديثه بالقول: «إنَّ هذه المبادرات، وبعيداً عن تكريس الطائفية، من شأنها أن تساهم في دعم عملية الانتقال السياسي وترسيخ هذه الأقليات في صلب المجتمعات التي تعيش فيها، ضماناً لاستقرار البلاد وتعزيزاً لاحترام حقوق الإنسان للجميع». *روآكو (ROACO): رابطة المؤسسات المعنية بمساعدة الكنائس الشرقية، وتضم منظمات مثل Aide à l’Église en détresse، وMiséreor، والبعثة البابوية، وL’Œuvre d’Orient. اقرأ في الموضوع ذاته: سوريا و«التصحّر الروحي»: قراءة في المشهد القاتم (1/2)

الولايات المتحدة وإيران: معالم الصراع المتوقع

المواجهة الإيرانية الأمريكية تذكرنا باقتباس للمخطط العسكري الصيني صن تسو (القرن الرابع – الخامس قبل الميلاد): «أسمى فنون الحرب هو إخضاع العدو دون قتال». يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يتبنى استراتيجية تستند إلى هذا الاقتباس، وهو يتعمد إبقاء الغموض للحفاظ على سرية أهدافه الاستراتيجية وتفكيره العسكري. ضربات، حرب واسعة النطاق، تهديدات مستمرة (من الجانبين) قد تتفاقم في أي لحظة... التكهنات تتوالى. تركيز وسائل الحرب الأمريكية في الشرق الأوسط هائل ولا يدع مجالاً للشك بشأن الأضرار الجسيمة التي يمكن أن تحدثها هذه الوسائل لإيران. وفي هذا الصدد، وبتحدثه عن سفنه الحربية، صرح الرئيس ترامب للصحفيين الأسبوع الماضي: «عليهم أن يبحروا في مكان ما. طالما يبحرون بالقرب من إيران». ومع ذلك، فإن استراتيجية الرئيس ترامب القائمة على اقتباس صن تسو لا يمكن تطبيقها في حالة إيران حيث يفضل الملالي والحرس الثوري الأيديولوجية على حساب الحقائق الموضوعية. علاوة على ذلك، سيفعل النظام كل ما في وسعه للبقاء، حتى لو أدى ذلك إلى سقوط المعبد عليه وعلى خصومه. تاريخياً، لم تنحنِ إيران الخمينية إلا مرتين، وكان ذلك بعد ضربات مؤلمة: الأولى، بعد تدمير جزء كبير من البحرية الإيرانية بواسطة البحرية الأمريكية، والخسائر الفادحة التي تكبدتها أمام الجيش العراقي، وبعد ضغوط اقتصادية شديدة، وافقت طهران أخيراً على القرار 598 الصادر في يوليو 1988، والذي اعتمده مجلس الأمن قبل عام وينص على وقف الحرب مع العراق. المرة الثانية كانت في يونيو 2025 بعد 12 يوماً من الضربات الإسرائيلية وقصف أمريكي مكثف ضد المنشآت النووية؛ عندها وافق الملالي فوراً على وقف إطلاق النار الذي اقترحه الرئيس ترامب عبر قطر. غارات الطيران الأمريكي من المرجح جداً أن يؤدي تصميم إيران على تخصيب اليورانيوم المشع ومواصلة تصنيع الصواريخ الباليستية، بالإضافة إلى وجود الأسطول الأمريكي في المنطقة، إلى مواجهة مسلحة وخيمة العواقب على إيران، ولكن أيضاً مع مخاطر حقيقية من خسائر أمريكية. في الواقع، في 23 فبراير الجاري، أعرب البنتاغون للرئيس ترامب عن مخاوفه بشأن مخاطر حملة عسكرية طويلة الأمد ضد إيران، خاصة فيما يتعلق بالخسائر في الأرواح. هذا ليس مفاجئاً، ولكن هل من المرجح أن تكون الضربة الأمريكية ضد إيران طويلة الأمد؟ وماذا نعني بـ «طويلة»؟ بين مارس ومايو 2025، في بداية السنة الأولى من ولاية الرئيس ترامب الثانية، شنت الولايات المتحدة ضربات ضد الحوثيين لم تتوقف إلا بوقف هجماتهم ضد الملاحة الدولية. في يونيو 2025، أسقطت قاذفات B2 التابعة للقوات الجوية الأمريكية على إيران حوالي اثنتي عشرة قنبلة، تزن كل منها 10 أطنان، مما تسبب في أضرار جسيمة للمواقع النووية الإيرانية. ثم في ديسمبر 2025، ردت الطائرات الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، مستهدفة 70 هدفاً، وفي الشهر نفسه استهدفت الصواريخ الأمريكية تنظيم الدولة الإسلامية في نيجيريا. في أوائل عام 2026، تم القبض على مادورو وتسليمه إلى عدالة نيويورك، ومنذ ذلك الحين، سجلت عشرات الضربات من قبل البحرية الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وحركة الشباب في الصومال. الحصيلة: صفر قتلى أمريكيين ونجاحات عسكرية وسياسية لا جدال فيها لواشنطن. كسب الوقت لقد أوفى الرئيس ترامب حتى الآن بوعوده الانتخابية: انتهت الحروب التي لا نهاية لها والتي تتورط فيها الولايات المتحدة. من المؤكد أنه حريص على الاستمرار في الوفاء بوعوده لعدة أسباب، منها انتخابات منتصف المدة، وسمعته الشخصية، ورغبته في الحفاظ على سيادة الولايات المتحدة ليس فقط في القارة الأمريكية، كما تنص استراتيجيته الوطنية لعام 2025 وفقًا لمبدأ «مونرو»، ولكن في جميع أنحاء العالم. إيران الخمينية من جانبها شهدت تعاقب ثمانية رؤساء في واشنطن، ثلاثة منهم واجهوا طهران: كارتر وريغان وترامب. اكتفى الآخرون بالعقوبات التي لم تمنع إيران من تطوير قوتها العسكرية الهائلة، ودعم ميليشياتها المتحالفة، والتوسع في المنطقة، مما يشير إلى ثغرات هائلة في هذه العقوبات، خاصة فيما يتعلق بتصدير النفط. لطالما اتبع الملالي استراتيجية تهدف إلى كسب الوقت، واستغلال الدبلوماسية للتقدم في برامجهم النووية والباليستية، وإطالة أمد أي مفاوضات. كان الرؤساء الأمريكيون الثمانية مشغولين للغاية في الداخل وفي العالم للتركيز على إيران. الأزمة الحالية مختلفة. حتى لو كانت واشنطن ترغب في إنهاء الصراع باتفاق وفقاً لشروطها الخاصة – وهو أمر غير مرجح – فإن تركيز القوات العسكرية، والموقف الإيراني المتصلب بشأن تخصيب المواد الانشطارية وتصنيع الصواريخ، بالتوازي مع الخطابات النارية من الجانبين، يؤدي مباشرة إلى مواجهة. في مواجهة هذا الخطر، ووفقاً لـ نيت سوانسون في مجلة Foreign Affairs بتاريخ 24 فبراير الجاري، «يعرض البيت الأبيض ثقة واسعة النطاق في قدرة الرئيس دونالد ترامب على إدارة عواقب مثل هذه المواجهة. هذه الثقة تندرج ضمن اتجاه يشكل تفكير ترامب منذ سنوات». وبالرغم من ذلك، ستضع الأيام والأسابيع القادمة حداً للتكهنات، وتشير عدة مؤشرات إلى أن ضربة أمريكية محتملة جداً ستكون «محدودة»، علماً بأن هذا المصطلح نسبي جداً. من المؤكد، نظراً للتهديدات الإيرانية بالانتقام ضد العشرات من القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج وكذلك ضد سفارات الولايات المتحدة، وتهديدات زرع الألغام في مضيق هرمز واستخدام الحرس الثوري الإيراني لصواريخ مضادة للسفن تفوق سرعة الصوت، فإن الضربة أو الحرب الأمريكية ستستهدف في الساعات الأولى البحرية الإيرانية لتأمين هرمز، والبطاريات المضادة للطائرات لضمان السيطرة على الأجواء، ومواقع الصواريخ المضادة للسفن من البر إلى البحر لتأمين المناورات البحرية، وقبل كل شيء مراكز القيادة، ناهيك عن تفعيل الوسائل السيبرانية والكهرومغناطيسية لإعماء رادارات المراقبة الإيرانية. إذا بدت هذه الضربة هائلة للبعض، فهي محدودة نسبياً بالنظر إلى أن إيران يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة وتمتد على مساحة 1.6 مليون كيلومتر مربع. رد/تصعيد إيراني؟ تورط أمريكي؟ ربما! لكننا بعيدون عن حرب فيتنام، وحرب العراق. لا توجد قوات أمريكية برية في إيران، هذا أمر مؤكد، باستثناء عمليات دقيقة جداً وقصيرة الأمد، مما يجنب التعرض لحرب عصابات. الوسائل غير المتكافئة لإيران وحلفائها في المنطقة لن تصمد في السياق الحالي، وقد أظهرت تقلبها في الحرب ضد إسرائيل. يبقى أن أياً كانت النتيجة، حرب أم لا حرب، سقوط النظام أم لا، فإن إيران لم تعد كما كانت عليه خلال العقدين الماضيين.

سوريا و«التصحّر الروحي»: قراءة في المشهد القاتم (1/2)

أمر خطير يحدث بصمت في الشرق الأوسط، مهد المسيحية. المنطقة تفرغ من مسيحييها. لوحظت هذه الظاهرة سابقًا في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وفي الأراضي المقدسة. والآن، أصبحت حقيقة أيضًا في سوريا. «الانفصال هنا وجودي»، يقول ڤنسنت جيلو، ممثل مؤسسة L’Œuvre d’Orient في لبنان وسوريا والأردن، وهي جمعية غير سياسية مرتبطة بالكنيسة في فرنسا، تقود حاليًا حملة لإطلاق يوم عالمي لمسيحيي الشرق الأوسط. مستعينًا بسوريا كمثال، يؤكد ڤنسنت جيلو: «خلال أربعة عشر عامًا من الحرب (2011–2025)، فقدت البلاد نحو 80٪ من سكانها المسيحيين». واستنادًا إلى تقديرات موثوقة، لا يزال بين 300 و400 ألف مسيحي سوري يعيشون في البلاد، التي يُقدَّر عدد سكانها بنحو 26 إلى 27 مليون نسمة، بحسب جيلو. وفي حلب، لم يتبقَّ سوى سدس المسيحيين الذين كانوا موجودين قبل حرب 2011. في دير الزور، التي دُمّرت بنسبة 75٪، لم يتبقَّ من المسيحيين سوى أربعة أشخاص فقط، بينما كان عددهم 7 آلاف قبل الحرب. وبالطبع، الأرقام الإجمالية مبنية على تقديرات وليس على إحصاء رسمي. ووفقًا لمصدر موثوق في أمانة الكنيسة الأرثوذكسية، الكنيسة الأكبر في سوريا، فإن هذه التقديرات لا تعكس الواقع بالكامل. إلا أن هذه الجهة لم تصدر أي أرقام رسمية. في كل الأحوال، بحسب مصدر مقرّب من رجال الدين الموارنة، سيستمر النزوح السكاني ما لم يعد الاستقرار السياسي ولم تتحقق انتعاشة اقتصادية قوية. كانت جميع الطوائف المسيحية تشكل نحو 15٪ من سكان البلاد عام 1905، أي حوالي ثلاثة ملايين شخص. مقابل 10٪ قبل اندلاع النزاع في 2011. وبحسب الأرقام التي تقدمها مؤسسة L’Œuvre d’Orient، تقل هذه النسبة اليوم عن 1٪. «هذا تراجع عنيف لا يمكن مقارنته إلا بحوادث الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي»، يقول مسؤول L’Œuvre d’Orient. «من النادر جدًا أن تختفي جماعة محلية أصيلة بهذا الشكل السريع والعنيف، وهنا المقصود المسيحيون». ويضيف: «من بين 20٪ من المسيحيين المتبقين، يغلب على المجتمع كبار السن، حيث يزيد عمر أكثر من نصف أعضائه عن الخمسين. وبذلك، يظهر هرم عمري معكوس، مع تراجع حاد في عدد الشباب مقارنة بكبار السن». جماعة «مهجورة» يقول ڤنسنت جيلو: «عانى المسيحيون في سوريا الحرب مثل باقي السكان، لكنهم شكلوا أيضًا هدفاً مباشراَ لتنظيم داعش. لم تكن لديهم أي قوة مسلحة ولا دعم طائفي إقليمي، لذلك تُركت الجماعة دون حماية، وهذا يفسر مغادرتها بهذه الطريقة المفاجئة والعنيفة». ويُظهر الهجوم الذي استهدف كنيسة القديس إيليا الأرثوذكسية في دمشق في 23 حزيران 2025، وأسفر عن مقتل 25 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 60، هشاشة الوضع بشكل مأساوي. تفاقم نزوح المسيحيين بفعل ثلاثة عوامل إضافية: تداعيات زلزال 2023، العقوبات الدولية المفروضة على نظام الأسد، والخدمة العسكرية الإلزامية التي طالت جميع الشباب السوريين حتى سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024. يدير ڤنسنت جيلو، البالغ من العمر 37 عامًا والمقيم في لبنان منذ عشر سنوات مع زوجته وأولادهما الأربعة، نحو ألف مشروع تدعم النسيج الاجتماعي في الدول الثلاث التي يشرف عليها. ولم يأتِ إلى الشرق الأوسط بطريقة رسمية. وكتبت الصحفية Guyonne de Montjou على موقع Aleteia: «عندما كان عمره 23 عامًا، وبمبلغ ضئيل من المال، انطلق بمفرده على متن سيارته الرينو ليلتقي بعالم مسيحي على شفا الانقراض. من سهول نينوى إلى أطراف أفغانستان، امتدت رحلته لما يقرب من عامين، وكانت بمثابة تحول كامل في حياته». ومنذ ذلك الحين، تقدم في مناصبه، ويخصص في إطار عمله ضمن مؤسسة L’Œuvre d’Orient، نحو 18 مليون يورو سنويًا للمنطقة التي يشرف عليها، لدعم المستشفيات، والمدارس، والعيادات، ومراكز استقبال اللاجئين، ومجموعات النقاش، وحاضنات الطلاب، وضمان استمرارها. الدور المركزي للمؤسسات المسيحية لا يمكن قياس عدد المسيحيين في سوريا بمجرد النظر إلى أثرهم الاجتماعي والثقافي، فالمؤسسات التي تديرها الجماعات المسيحية لا تخدم المسيحيين وحدهم، بل توفر أيضًا فضاءات للحوار بين الطوائف وتعزز التماسك الوطني. واختفاؤها سيضعف النسيج الاجتماعي بأكمله ويحدّانفتاحه على الحداثة. يشير تقرير صادر عن مؤسسة L’Œuvre d’Orient في صيف 2025 إلى «تراجع عميق يرافقه شعور بالخوف وانعدام الأمان المستمر» يعاني منه المسيحيون في سوريا. ويقدّم التقرير توصياته للمجتمع الدولي. وجاء في التقرير: «رغم وضعهم الهش، يواصل المسيحيون خدمة بقية المجتمع بلا كلل. من خلال مستشفياتهم الأربعة الكبرى، و57 مدرسة الموزعة في أنحاء البلاد، وشبكتهم الجمعوية النشطة، يساهمون في دعم السكان وتسهيل عودتهم إلى العمل».

الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من منظور نظرية الألعاب

في شباط/فبراير 2026، يشهد الخليج توتراً يوشك أن ينفجر. في حركة عسكرية نادرة لم تشهدها المنطقة منذ الحرب الباردة، أكمل الأسطول الأميركي الخامس نشر قواته. تتناوب أسراب القاذفات الاستراتيجية على القواعد الأمامية، بينما تواجه تل أبيب تشويشاً متقطعاً في إشارات نظام تحديد المواقع (GPS). وتتراوح الأخبار بين توقعات بـ«حرب عالمية ثالثة» وسرديات درامية عن «تحالف صيني‑روسي يتهيأ للدفاع عن طهران حتى الرمق الأخير». يراقب العالم عبر شاشات الرادار الشرارة التي قد تشعل الصراع. بعيدُا عن الضجيج الإعلامي، تبقى هذه المواجهة جديرة بالتحليل من منظور أكثر واقعية: نظرية الألعاب. تُعنى نظرية الألعاب، وهي أحد فروع الرياضيات التطبيقية، بدراسة التفاعلات الاستراتيجية حيث تتوقف نتائج كل طرف على قرارات الآخرين. لا يتعلق الأمر بالأخلاق أو الخطاب، بل بالحوافز والقيود والتوازنات. وعند النظر إلى الأزمة من هذا المنظور، تظهر أقل فوضوية وأكثر انتظاماً كنتيجة لتعديل قسري للديناميات الكلية. النتائج الجيوسياسية يشكّل تفعيل القوة العسكرية أكثر الوسائل بروزاً لتسوية المنازعات الجيوسياسية المثيرة للجدل. فمسألة «الهجوم أم التريث» هي في جوهرها مجرد اختيار لطريقة التسوية – بالوسائل العسكرية أو عبر التفاوض. ومع ذلك، قد لا يغيّر ذلك النتائج الجيوسياسية. لفهم التوازن الذي يسعى النظام الدولي لتحقيقه، لا بد من تحديد ما هو على المحك لكل طرف. الولايات المتحدة أهداف واشنطن واضحة: – القضاء على القدرة النووية الإيرانية الحدية. – تفكيك القدرات الصاروخية الهجومية المتوسطة والبعيدة المدى. – إضعاف أو تفكيك شبكات الأذرع الإقليمية لطهران. يمكن للولايات المتحدة التعايش مع نظام الملالي – بشرط أن يوقف سياساته المزعزعة للاستقرار الإقليمي وأن يزيل التهديد الوجودي الذي يشكّله لإسرائيل. وقد كلف الانتشار العسكري الأخير في الشرق الأوسط مئات الملايين من الدولارات. ويجب الآن تحويل قدرة الردع المكتسبة إلى نتائج استراتيجية ملموسة. وتسعى واشنطن لتأمين الممرات الطاقية وتحرير الموارد والقدرات الاستراتيجية لإعادة توجيهها نحو منطقة الهند–المحيط الهادئ. إسرائيل بالنسبة لإسرائيل، المعادلة مسألة وجودية. يشكّل البرنامج النووي الإيراني وبنيته التحتية الصاروخية خطاً أحمر. فكل قدرة نووية حدية متبقية تُفقد مصداقية الردع طويل المدى. هدف إسرائيل ليس مجرد احتواء رمزي، بل تفكيك فعلي للقدرات التي قد تتيح التدمير الشامل. الدول العربية الإقليمية بالنسبة للدول الملكية الخليج والدول العربية الإقليمية، تكمن الأولوية في الحفاظ على الاستقرار. تعتمد اقتصاداتها على صادرات الطاقة المستمرة وعلى أمن التجارة البحرية عبر مضيق هرمز. وأي حرب ستعرّض البنى التحتية الحيوية للخطر – من محطات النفط ومرافق تحلية المياه إلى المراكز المالية. هدفها واضح وبسيط: منع التصاعد المنهجي للصراع. الصين وروسيا لدى بكين وموسكو أهداف أكثر دقة وتعقيدًا. فهما لا ترغبان بأن تسيطر الولايات المتحدة بشكل مباشر على احتياطيات الطاقة الإيرانية، ولا ترغبان في أن يُمحى دور إيران أو تُدمج ضمن المجال الغربي. تلعب إيران دورًا محوريًا على الصعيد الجيوسياسي: – تستقطب الاهتمام العسكري للولايات المتحدة. – تزود الصين بالنفط بأسعار منخفضة. – تُرسّخ نفوذًا متعدد الأقطاب في المنطقة. إن أصبحت إيران مُسالمَة تمامًا ومتوافقة مع الغرب، ستتمكن الولايات المتحدة التحوّل بشكل حازم نحو منطقة الهند–المحيط الهادئ، وهو السيناريو الذي تسعى بكين لتجنبه. النظام الإيراني وحرس الثورة الإسلامية بالنسبة لنظام الملالي وحرس الثورة الإسلامية، الهدف هو البقاء. فالبرنامج النووي والقدرات الباليستية ليست مجرد أدوات استراتيجية، بل أصول تمنح الشرعية، إذ تبرر احتكار حرس الثورة للموارد الاقتصادية والسلطة السياسية. أي استسلام غير مشروط سيُفكّك البنية الداخلية للسلطة، وقد يثير تمردًا داخل صفوف الحرس. الأذرع الإقليمية يواجه حزب الله والحوثيون والجماعات الموالية الأخرى واقعاً أكثر قسوة: البقاء تحت وطأة الاستنزاف. فبدون دعم لوجستي وعسكري مستمر، تتدهور هذه القوى لتتحول من قوات شبه تقليدية إلى ميليشيات متجزئة. كما ينخفض نفوذها الاستراتيجي بسرعة في غياب استمرار سلاسل الإمداد. لماذا لا يمكن التوصل إلى «حل وسط شامل» على المستوى الظاهر، قد يُتصوّر وجود صيغة بسيطة: نزع السلاح مقابل التطبيع الاقتصادي. لكن عند النظر إلى الحوافز بعين الدقة، يصبح التوصل إلى إجماع سلس أمرًا بعيد المنال. – لا يمكن للخامنئي توقيع أي وثيقة «تسلبه كل أدوات القوة» دون أن تثير معارضة في صفوف حرس الثورة. – لا تستفيد الصين وروسيا من إيران مُسالمَة تقع تحت السيطرة الأميركية، إذ ستتمكن الولايات المتحدة من توجيه قواتها نحو آسيا. – لا يمكن لحرس الثورة الإسلامية قبول نزع السلاح دون الحصول على تعويض مناسب. لذلك، لا يمكن أن يتحقق التوازن على شكل سلام مطلق. يجب أن يكون مضبوطًا بعناية. التوازن المصوَّغ بدقة أكثر الحلول منطقية للتقارب لا تكمن في استسلام كامل، بل في استئصال استراتيجي عالي الدقة – أي تقليص محدد لبعض القدرات مع الحفاظ على قدرات أخرى. يستقر النظام الدولي حول ثلاثة محاور أساسية. 1 – تحييد القدرة النووية الحدية لا مجال للغموض. لا يمكن السماح بأي سيناريو جزئي مثل «59.9%» على طريقة شرودنغر. تُفكك أجهزة الطرد المركزي عالية الأداء، وتُزال المخزونات المخصّبة من الأراضي الإيرانية، مع اعتماد آليات تحقق صارمة ولا رجعة فيها. تحصل إسرائيل والولايات المتحدة على حماية فعلية، بينما تحتفظ إيران بسردية الاستخدام النووي المدني والسلمي. 2 – ضبط نطاق الصواريخ الباليستية تم تدمير الصواريخ الباليستية متوسطة وطويلة المدى القادرة على الوصول إلى إسرائيل وأوروبا، بينما تم الإبقاء على الصواريخ المجنحة المضادة للسفن الساحلية. يحافظ هذا على القدرة الدفاعية التكتيكية لإيران في مضيق هرمز، ويضمن عدم قدرة الأسطول الأمريكي الخامس على مغادرة ساحة العمليات بسهولة. وبذلك، تحافظ كل من الصين وروسيا على موطئ قدم استراتيجي يبقي الانتباه الأميركي موجهًا جزئيًا إلى الخليج. 3 – تقليص قدرات شبكات الأذرع الإقليمية تم قطع سلاسل توريد الذخائر الموجهة بدقة والروابط المالية. يتحول حزب الله والجهات الفاعلة الأخرى من قوات إقليمية استراتيجية إلى كيانات محلية محدودة التأثير. وتحظى إسرائيل بأمن ملموس على الحدود، بينما تحافظ طهران على نفوذها الخطابي عبر رواية «محور المقاومة». لماذا قد يوافق الحرس الثوري على هذا؟ يكمن الجواب في تبديل الأولويات الداخلية. ترتكز الأنظمة الاستبدادية على آليات التعويض: عندما يتوقف التوسع الجيوسياسي الخارجي، يزداد استحواذ النظام على الموارد الداخلية. مقابل التنازل عن الطموحات النووية وشبكات الأذرع الإقليمية، قد يحصل الحرس الثوري على: – الحق في إدارة الأموال التي تم تحريرها. – حقوق إدارة حصص صادرات النفط. – توسيع احتكاراته الاقتصادية داخل البلاد. ستكون التحوّلات جليّة: من زعيم حرب جيوسياسية إلى وصي أوليغارشي داخلي. كما سيؤدي تخفيف العقوبات والإيرادات النفطية إلى كسب ولاء النخب. «التوازن الزومبي» لن تكون التسوية النهائية لهذه الأزمة على شكل انتصار أو هزيمة، بل على شكل ترتيب مستقر هيكليًا، لكنه غامض أخلاقياً –«توازن زومبي». – تقضي الولايات المتحدة وإسرائيل على الخطر النووي الوجودي بشكل كامل. – تحافظ الصين وروسيا على نقطة طاقة خارج النفوذ الغربي. – ينجو النظام الإيراني، مركزاً اهتمامه على الداخل ومرتبطاً بمعاملات اقتصادية انتقائية. تتوقف إيران عن كونها لاعبًا مراجعيًا يسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لتصبح موصلًا للطاقة ضمن نظام متعدد الأقطاب. تُستخرج «أسنانها» – العتبة النووية، الصواريخ الاستراتيجية، وشبكات الهجوم المحيطية – بينما تبقي على «مخالبها» – الجهاز الأمني الداخلي والقدرة على حجب الحركة البحرية. في هذه المرحلة، قد لا تهدف المقاتلات التي تقلع من حاملات الطائرات إلى تغيير النتيجة بقدر ما تهدف إلى تشكيل رافعة للتفاوض. السؤال الأساسي ليس فيما إذا كانت الضغوط ستفرض تغييراً هيكلياً، بل فيما إذا كانت الأيديولوجيا ستُستبدل بالمصلحة بالبقاء، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوضع الاقتصادي والمالي الراهن لإيران سيؤدي على المدى الطويل إلى تراجع قوة النظام ثم انهياره. لهذا السبب، فإن المفاوضات طويلة ومتوترة وتُدار بعناية فائقة. ففي هذه اللعبة، يكون التوازن واضحًا من الناحية الرياضية، حتى لو بقي غير مُعَبَّر عنه سياسيًا.

وضع العراق يكشف إيران
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

ليس ما يكشف بداية النهاية للنظام القائم في إيران أكثر من الوضع في العراق. في العراق فشلت "الجمهوريّة الإسلاميّة" في فرض شخصية موالية لها في موقع رئيس الوزراء. كان كافيا وضع الرئيس دونالد ترامب "فيتو" على عودة نوري المالكي إلى موقع رئيس الوزراء، كي يصبح وضع المالكي معلقا. من العراق، كانت الإنطلاقة الجديدة للمشروع التوسعي الإيراني بعد اسقاط إدارة جورج بوش الإبن نظام صدآم حسين البعثي – العائلي. من العراق، يبدو أن المشروع التوسعي الإيراني يقترب من نهايته. الأهمّ من ذلك كلّه، أن عدم قدرة إيران على إيصال المالكي إلى موقع رئيس الوزراء يكشف الأزمة العميقة التي يمرّ فيها النظام العراقي الذي قام بعد 2003. يتضح، شيئا فشيئا، أن في العراق أزمة نظام، نظام غير قابل للإستمرار. ما بني على باطل لا يمكن أن يستمرّ، خصوصا في بلد متنوّع الديانات والمذاهب والقوميات. أرادت "الجمهورية الإسلاميّة" في إيران نقل تجربتها الفاشلة إلى العراق. إذا كان نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة"، الذي في أساسه نظرية "ولاية الفقيه، فشل في إيران نفسها، كيف يمكن له النجاح في البلد المجاور الذي اسمه العراق؟ ما لا بدّ من تذكّره دائما أن الحرب الأميركيّة على العراق جاءت مباشرة بعد الحرب على أفغانستان نتيجة كارثة 11 أيلول – سبتمبر 2001. يومذاك نفّذ تنظيم "القاعدة" الإرهابي، الذي كان على رأسه أسامة بن لادن "غزوتي" واشنطن ونيويورك. كان لا بدّ، أوّلا، من التخلّص من نظام "طالبان" في أفغانستان، وهو النظام الذي وفّر ملجأ لأسامة بن لادن وعصابته. أسقطت إدارة بوش الإبن التي كان يتحكّم بها "المحافظون الجدد"، نظام "طالبان". لكن ليس معروفا إلى اليوم لماذا قرّر الرئيس الأميركي، وقتذاك، الإنتهاء من نظام صدّام حسين فيما لا يزال الجيش الأميركي في خضم حرب أفغانستان؟ ذهب الأميركيون إلى العراق من دون خطة واضحة ومن دون حليف حقيقي في المنطقة غير "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران التي لعبت دورا محوريا في توحيد المعارضة العراقيّة من أجل التخلّص من النظام القائم في بغداد ووراثته. ذهب الأميركيون إلى العراق حاملين أفكارا ساذجة من نوع أن شيعة العراق عرب ومرجعيتهم في النجف وليست في قم. لم يكن هناك إدراك أميركي لوزن الميليشات الشيعية العراقيّة التي ادخلها الإيرانيون إلى بغداد على دبابات المحتلّ الأميركي! شاهدت بأمّ عيني التنسيق الأميركي – الإيراني في اثناء انعقاد مؤتمر لندن للمعارضة العراقيّة في كانون الأوّل – ديسمبر 2002. جاء معظم اركان المعارضة، من شيعة وأكراد، إلى لندن في طائرة واحدة أقلعت من طهران. كانت التعليمات الإيرانيّة إلى زعماء المعارضة الشيعية، الذين كان يمثلهم الراحل عبد العزيز الحكيم، واضحة. قضت تلك التعليمات بالموافقة على الطرح الأميركي في المؤتمر. الأهمّ من ذلك كلّه، كان البيان الذي صدر عن مؤتمر لندن الذي يتحدّث للمرّة الأولى عن "الأكثريّة الشيعية" في العراق الذي سيكون دولة "فيديرالية". كان الهدف من إدراج كلمة "فيديراليّة"، بتفسيراتها الكثيرة، استرضاء الأكراد في ضوء الحذر الذي كان يبديه مسعود بارزاني أمام المشهد الدائر أمامه. شارك بارزاني وقتذاك في مؤتمر لندن. كان يعلم، على حد قوله، أن قطار إسقاط صدّام حسين "انطلق" وأنّ لا مكان في العراق الجديد لمن لا يلتحق بهذا القطار. كانت الكلمة التي القاها مسعود بارزاني في مؤتمر لندن أفضل الكلمات على الإطلاق، إذ حذر من "الإنتقام" مشيرا في الوقت ذاته إلى جرائم النظام الصدامي في حق الأكراد وفي حق أفراد عائلته! لم يكن من مستفيد من كلّ ما حدث في العراق منذ 2003 غير إيران. ما حدث كان زلزالا غيّر موازين القوى في المنطقة بعدما صار العراق في جيب "الجمهوريّة الإسلاميّة". فشل الخميني طوال ثماني سنوت، بين 1980 و 1988، في ابتلاع العراق. حقّق له الأميركيون حلمه في 2003. خاضوا عمليا حربا من أجل خدمة مصالح إيران لا أكثر. يحاول الرئيس دونالد ترامب الآن، عن طريق التحذيرات التي يبعث بها، إلى كلّ من يعنيه الأمر في العراق، إصلاح خطأ إستراتيجي عمره نحو ربع قرن. بدأ الخطأ بقرار خوض حرب العراق قبل الإنتهاء من حرب أفغانستان والإعتقاد أنّ ثمة فارقا بين الإرهاب السنّي والإرهاب الذي تمثله التنظيمات الشيعية المواليّة لإيران والمنتشرة في كلّ انحاء المنطقة، بما في ذلك العراق. ثبت، من خلال الممارسة، فشل النظام الذي قام في العراق في العام 2003. لا قدرة في بغداد على فرض نوري المالكي رئيسا للوزراء، خصوصا في ضوء تهديد واشنطن بفرض عقوبات على العراق في حال عصيان رغبات دونالد ترامب. أكثر من ذلك، ليس ما يشير، إلى إشعار آخر، أن في الإمكان انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة. أمّا بالنسبة إلى "الفيديراليّة"، لا يزال هناك أكثر من مفهوم لها. بات على العراق البحث عن نظام سياسي جديد بعيدا عن الهيمنة الإيرانيّة. سيتوقف الكثير على نتيجة المواجهة بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لكنّ السؤال الذي يظلّ في الواجهة، هو ذلك المرتبط بإيران نفسها التي تمددت في المنطقة انطلاقا من العراق، العراق الذي بات يرمز، في الوقت ااراهن، إلى أفول المشروع التوسّعي لـ"الجمهورية الإسلاميّة"!

سَلْمى مِرشاق… المقاومةُ بالأنوار
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

كان ذلك في الرابع من شباط/فبراير 2021، في صباحٍ شتويٍّ ثقيلٍ كأنّه يجرّ خلفه تعب قرنٍ كامل. عُثر على جثمان لقمان سليم، المثال الأوضح للمثقف الملتزم في زمن الرداءة، داخل سيارته، مثقلاً بالرصاص. مسمارٌ آخر يُدقّ في نعش لبنانٍ نخره العفن حتى العظم، تحت وطأة غطرسةٍ إجراميةٍ يمارسها حزب الله بلا رادع ولا حياء. لم يكن خطف لقمان في اليوم السابق ثم اغتياله حدثاً معزولاً أو شاذاً عن السياق؛ فمنذ أكثر من نصف قرن، كلّ من يجرؤ في لبنان على مساءلة النظام التوتاليتاري القائم يصبح هدفاً مشروعاً للتصفية. والمثقفون، على وجه الخصوص، هم الحلقة الأكثر عُرضةً للاستهداف، لأن اختفاءهم لا يستنفر عصبيةً وطنية ولا يوقظ حميةً طائفية ولا يستدعي ولاءً عشائرياً؛ فهم لا يقودون جموعاً ولا يتكئون على قطعانٍ تهتف باسمهم، ولذلك يُستباحون بسهولة، لا لأنهم أضعف، بل لأنهم أعلى من منطق الحشد والغوغاء. وكان لقمان، منذ أعوام، يجمع في شخصه كلّ ما يزعج قتلة الحزب الموالي لإيران. من قلب الضاحية الجنوبية، التي أصرّ على البقاء فيها رافضاً مغادرتها، كان يتحدّى سطوة حزب الله بالكلمة وبقلمٍ يمسكه كما يمسك المبارز نصلَه الرفيع. وبرغم التهديدات المتكررة التي تلقاها، كسر جدار الصمت حول انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020، مشيراً بوضوح إلى مسؤولية الحزب والنظام السوري في الجريمة، في وقتٍ كانت الرواية الرسمية، المروّجة بلا كلل، تختزل الكارثة في “إهمالٍ مافيويّ”. ودفع حياته ثمناً لذلك. وسط هذه المأساة، اكتشف معظم اللبنانيين سلمى مرشَق، كما لو أنّها خرجت من “الطرواديات” لأوربيديس، هكوبةً معاصرة، تعلن، بلا نزعة انتقام، وباحتشامٍ مهيبٍ نادر، أنّ موت الابن لا يُقاس بمقياسٍ بشري. في ذلك اليوم، انكسر نظام العالم واستمراريته في قلب أمّه، كما ينكسر الزمن حين يفقد منطقه. “هناك آلامٌ لا تبكي”، كتب فيكتور هوغو بعد غرق ابنته ليوبولدين. لكن سلمى مرشَق، بمزيجها الآسر من الإنجليزية والعربية المصرية، وبحكمتها الهادئة الصلبة التي يعرفها أصحاب المقامات الرفيعة، أولئك الذين لا يخشون النظر إلى الموت في عينيه، حوّلت الألم إلى مقاومة فكرية. مثلما كانت الأم، كان الابن. قلّ أن حُمِل فقدُ ابن — وليس أيّ ابن — بمثل هذا الحياء وهذه الكرامة. في مواجهة الهمجية العمياء، واجهت القتلة بثقافة حياة، وارتقت بضياء غناها الداخلي فوق هوّة اللامسمّى. أمٌّ وقدوة لم تُختزل سلمى في صورة “الأمّ المكلومة”، ولم تكن مجرّد “ماتَر دولوروزا” أيقونية تجرّها الأحداث إلى الضوء. لقد كانت، لأبنائها، مدرسةً أخلاقيةً ومعرفية، وسيطةً بين ضفتين، حارسةً لاستمراريةٍ مشرقيّةٍ دقيقة بين مصر ولبنان، شاهدةً على وطنٍ ظلّ، حتى في القاع، يتكلّم لغة الثقافة والحرية والرابطة الإنسانية. وُلدت في مصر، لأبٍ سوريّ الأصل من النبك في القلمون، وأمٍّ لبنانية من جون في الشوف، ونشأت بين انتماءين متكاملين. درست الصحافة في الجامعة الأميركية في القاهرة، حيث تأثرت بوجهٍ خاص بالأديب والصحافي والمترجم وديع فلسطين، المثقف العصامي الذي ذاق السجن في عهد عبد الناصر، وكان امتداداً حيّاً للفكر النهضوي. هناك، على الأرجح، تشرّبت فيروس الحرية وولع الثقافة. وفي زيارةٍ صيفية إلى لبنان، تعرّفت إلى محسن سليم، المحامي الجزائي اللامع، المناضل في صفوف الكتلة الوطنية إلى جانب ريمون إدّه، المعارض للناصرية والمدافع الشرس عن الدستور والحريات. رجلٌ لا يساوم، لا يساكن الطائفية، ولا يساير الإقطاع السياسي. ومن هذا الاتحاد، وُلد هادي ورشا ولقمان، ثلاثة أبناءٍ مشبعين بثقافة العدالة والتمرّد الأخلاقي. التفكير كي لا نموت بينما كان محسن سليم يخوض معاركه في المحاكم وفي البرلمان، مدافعاً عن كامل مروّة في وجه طُغْيَان عبد الحميد غالب، ومؤازراً جميل دعبول وفاروق الممقدّم، وخائضاً سجالاتٍ ملحمية مع سليم اللوزي، ومقاوماً الشهابية في جبيل وبيروت، كانت سلمى تنسج مسارها الخاص: مسار العالمة. في عام 1973، انصرفت إلى دراسة هجرة “الشوام” إلى مصر، تلك الدياسبورا المشرقية التي غذّت الصحافة والفكر والحداثة العربية بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين. واهتمّت بشخصياتٍ كنيقولا حداد وإبراهيم المصري، رمزين للعلاقة الخصبة بين مصر وبلاد الشام، ولقدرة المثقف الشامي على بناء الجسور بين اللغات والمجتمعات. كانت تدرك أنّ الزمن يميل إلى ابتلاع المعاني، وأنّ الإرث النهضوي لا يُحفظ إلا بالعمل الدؤوب ضدّ النسيان، رغم “الشقاء العربي” الذي وصفه سمير قصير بدقّة جارحة. وليس صدفةً أن يؤسس لقمان لاحقاً مركز “أمم للتوثيق والأبحاث”، موثّقاً ذاكرة الحرب الأهلية، وكاشفاً فظائع السجون السورية. كلّ عمل سلمى، في هذا المعنى، كان مقاومةً للموت بالفكر. لكن الموت، الكامن في الظلّ، كان يترصّد، كأنّه يسعى إلى معاقبتها على هذا “التجديف” ضدّ العدم. الأنوار وليل حارة حريك كتب مكرم رباح أنّ في “البيت” بعداً رمزياً عميقاً في التجربة اللبنانية. وعند سلمى، لم يكن البيت ملجأً خاصاً، بل كان، في زمن انهيار الدولة وتآكل مؤسساتها وتلعثم عدالتها وتزوير تاريخها، جمهوريةً مصغّرةً قائمة بذاتها: مكتبةً لا تُحرقها العتمة، صالوناً لا يُخرسه الخوف، حديقةً تتحوّل إلى ضريحٍ وبيانٍ في آنٍ معاً. في تلك الدار في حارة حريك، في قلب الظلام، كان البيت فضاءً مدنياً للحوار والقراءة، حتى حين كانت الذئاب تحيط به. كانت المكتبة، بتراصّ كتبها، إعلاناً صامتاً بأنّ المعرفة لا تُهزم بالرصاص. هذا المعنى يلتقي مع الروح التي دافع عنها الأب سليم أبو خلال الوصاية السورية: لا مقاومة سياسية بلا عمود فقري ثقافي يقوم على الحرية وحقوق الإنسان. كثيرون من خصوم لقمان لم يفهموا أنّه لم يكن يساوم، لأنّ سلّم القيم لديه واضح: إنسانيةٌ كونيةٌ ونهضةٌ عقلانية. وهكذا، حمل لقمان الشعلة — شعلة أبيه المتمرّد وأمّه العالمة — ورسم مساره الخاص، مستقلاً، شجاعاً، بلا حسابات نجاة. “الفكر لا يُقتل بالرصاص…” المفارقة القاسية أنّ اغتيال لقمان هو الذي أدخل سلمى إلى الضوء العام. وما اكتشفه اللبنانيون فيها لم يكن فقط الحزن، بل وقفةً أخلاقيةً صافية. كما فعل غسان تويني بعد اغتيال ابنه جبران، رفضت سلمى مفردات الانتقام. لم تستسلم لمنطق “العصبية” حول الدم. سألت، بهدوءٍ يكاد يكون كتابياً: ماذا أفادهم ذلك؟ ماذا ربحوا؟ بهذه الأسئلة جرّدت العنف من ادّعائه القوة، وأعادته إلى مفارقته الداخلية: قوةٌ قادرة على القتل، لكنها عاجزة عن حماية نفسها من عدوى الحرية والمعرفة. أُلقي النرد. الحضارة تنتصر في النهاية على البربرية. “الفكر لا يُقتل بالرصاص”، كانت تكرّر. وقد كانت على حق. كما انكسر العالم في قلبها، انكسر من قبل في قلوب جان وليلى قصير، وغسان تويني، وأمين وجويس الجميّل، ومحمود وسامير عيد، وسواهم من أهالٍ رأوا جثمان ابنهم أمام أعينهم — أو حُرموا حتى من ذلك العزاء الهشّ، كما حصل مع غسان تويني. لكنّ أقوى فعل مقاومة قامَت به سلمى وعائلتها كان رفضهم مغادرة حارة حريك. ترك المكان يعني ترك السرد للآخرين. كان عليهم أن يواصلوا الطريق ذاته: الكتابة، الكلام، حماية المؤسسات التي نذر لقمان حياته لها. تحوّلت الحديقة إلى قبرٍ ورمز. ظنّ القتلة أنّهم أنهوا خصمهم، فإذا بهم يصنعون شهيداً خالداً، مزارُه مزروعٌ في قلب الضاحية. وحين تختفي الميليشيا ذات يوم، سيبقى القبر شاهداً، مزهراً. “لا نتعافى من موت ابن. نتعلّم فقط أن نتنفّس بطريقةٍ أخرى”، كتبت فرانسواز دولتو. سلمى لم تتنفّس بطريقةٍ أخرى فحسب. تنفّست عن اثنين. حتى آخر نَفَس. نَفَس مقاومة، إنسانية، ثقافة، وسلام. وها هي تمضي، عبر الغابة، عبر الجبل، إذ لم تعد تحتمل البقاء بعيداً عن لقمان .