شعار Levant Time

العالم الجديد

"الحرس" يضع يده على إيران
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مارس 10, 2026 - 12:15

وضع "الحرس الثوري" من خلال فرض مجتبى خامنئي "مرشدا" خلفا لوالده نهاية لنظام قام في أساسه على رفض التوريث. يكفي للتأكد من ذلك التوجيه الأوّل الذي صدر عن مجتبى بعيد الإعلان عن توليه موقع "المرشد" الذي يمثل السلطة العليا المطلقة في "الجمهوريّة الإسلاميّة". جاء في التوجيه الذي يعكس رغبة "الحرس" في التصعيد الآتي: " أولاً: نمنح القوات المسلحة تفويضاً كاملاً ومطلقاً لاختيار الزمان والمكان والوسيلة المناسبة للرد على أي اعتداء طال أو يطول أمننا القومي. - ثانياً: إن حماية المنشآت الحيوية والنووية هي خط أحمر، وأي تجاوز له يمنحكم الصلاحية لضرب أهداف استراتيجية في عمق أراضي المعتدين وحلفائهم دون انتظار إذن مسبق. - ثالثاً: إن الرد يجب أن يكون حازماً ومزلزلاً، ليفهم الاستكبار العالمي أن تغيير القيادة في إيران لا يعني ضعفاً، بل هو اشتعال لروح الانتقام والتحدي". يبدو أن "الحرس" قرّر اعتماد التصعيد في كلّ الإتجاهات، بما في ذلك دول الخليج الجارة انطلاقا من "روح الإنتقام". ليس مجتبى خامنئي، في نهاية المطاف، سوى أداة من أدوات هذه اللعبة التي كان والده صانعا لها... لا يمثل اختيار مجتبى خامنئي نجل "المرشد" الراحل ليحل مكان والده مفاجأة. يعود ذلك إلى أن علي خامنئي عمل منذ وصوله إلى موقع "المرشد" إلى تكريس سيطرته على مرافق الدولة بمشاركة "الحرس الثوري". بات "الحرس" يمثّل السلطة... وقد مارس هذه السلطة بالفعل عندما قرّر أن يكون مجتبى "المرشد" بهدف واحد وحيد يتمثل في حماية المصالح المشتركة بين السلطة العليا، ذات الصلاحيات المطلقة، في إيران من جهة و"الحرس" نفسه من جهة أخرى. تحوّل "الحرس" في عهد علي خامنئي، الذي عمّر 37 عاما، بين 1989 و2026 إلى العمود الفقري للنظام، بل إلى وحش لا مجال لضبطه. تبيّن في ضوء الأحداث الأخيرة أنّ من يحكم إيران هو "الحرس الثوري". يؤكّد ذلك أنّ الكلام الذي يصدر عن رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان كلام لا قيمة تذكر له. عمليا، لم تعد في إيران توازنات معيّنة بين الإصلاحيين والمتشددين. لم تعد، في ظلّ الحرب الدائرة، فائدة من هذه اللعبة التي كان خامنئي الأب يتقنها ويجعلها تصبّ في خدمة النظام ومناوراته. مع غياب علي خامنئي، كان لا مفرّ من استمرار دولة "الحرس الثوري" عبر نجله. تماما مثلما لم يكن ممكنا أن يخلف حافظ الأسد أحد غير نجله بعدما امضى الرجل ثلاثين عاما في السلطة. كان مطلوبا بعد وفاة حافظ الأسد بقاء السلطة والثروة داخل العائلة نظرا إلى التلازم بين هذين العاملين. مارس علي خامنئي، بصفة كونه "الوليّ الفقيه"، أي ظلّ الإمام الغائب على الأرض، السلطة على نحو مطلق. استطاع، عبر "الحرس"، أن يكون صاحب حصة كبيرة في الاقتصاد عبر شركات معيّنة وعبر مؤسسات تابعة لـ"المرشد". لم يكن النشاط الاقتصادي لـ"الحرس" بعيدا عن مجتبى الذي خصص معظم وقته لتكوين سلطة خاصة به عبر جمع الثروة... على غرار ما فعله بشّار الأسد في سوريا طوال ربع قرن، قبل اضطراره إلى الفرار إلى موسكو. يرمز اختيار مجتبى خامنئي لموقع "المرشد"، على الرغم من عدم امتلاكه الثقافة الدينيّة والمواصفات التي تؤهله لذلك، إلى دخول النظام الإيراني مرحلة جديدة هي مرحلة التوريث. يفرض اختيار مجتبى خامنئي ليحل مكان والده، في "جمهوريّة إسلاميّة" قامت على أساس رفض التوريث، طرح سؤال محدّد. يتعلّق هذا السؤال بمدى التزام مجتبى للسياسات المتشددة التي كان يتبعها والده. معنى ذلك، هل "المرشد" الجديد نسخة عن "المرشد" الراحل... أم أنّه شخص برغماتي يعرف أنّ حماية النظام القائم تقوم فقط على بقاء "الحرس الثوري" في السلطة. إلى أي حدّ يبدو مجتبى، الذي يبلغ الـ56 من العمر، مستعدا لإيجاد صيغة تفاهم مع إدارة ترامب ومع بنيامين نتانياهو وحكومته. يعرف "المرشد" الجديد، قبل غيره وفي ضوء ما حلّ بوالده في الثامن والعشرين من شباط – فبراير الماضي، أن الخيار أمامه بين العيش تحت الأرض وبين التعرّض للإغتيال. سارع "الحرس الثوري" إلى اطلاق دفعة جديدة من الصواريخ في اتجاه إسرائيل بعيد الإعلان عن إختيار مجتبى "مرشدا" جديدا. الأكيد أنّ مثل هذا التصرّف يستهدف إنقاذ ماء الوجه. المسألة مسألة أيام قليلة يتبيّن بعدها هل مصلحة "الحرس الثوري" في متابعة الحرب أم إيجاد طريقة للإستسلام من منطلق أن الأولويّة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بما في ذلك الصناديق الماليّة والإستثمارات التي يديرها مجتبى وآفراد العائلة؟ طريق الإستسلام واضحة. توجد شروط معروفة لا يمكن للأميركيين والإسرائيليين التراجع عنها، بدءا بالبرنامج النووي وانتهاء بالأذرعة الإيرانية مرورا بالصواريخ الباليستية والمنصات. ظاهرا، لا يمكن للنظام الإيراني القبول بهذه الشروط. لكنّ عليه في الواقع التكيف معها عن طريق مساومات تفرضها الحاجة إلى البقاء في السلطة بأي ثمن. في النهاية لم يجمع علي خامنئي ونجله مجتبى و"الحرس" كلّ تلك الثروة سوى من أجل البقاء في السلطة. السلطة تأتي بالثروة والثروة تخدم البقاء في السلطة. لم تخدم الظروف على خامنئي، لكن ليس ما يشير أنّ مجتبى، من خلال المعلومات المتوافرة عن سلوكه، من هواة الإنتحار. قد يكون مختلفا عن والده، بل مختلفا جذريا عنه، خصوصا أنّه تعرّف على كيفية جمع ثروة كبيرة وكيفية وضع هذه الثروة في خدمة السلطة، سلطة "الحرس" الذي يريد من مجتبي أن يكون أداة طيعة لديه لا أكثر... هل يحول تحوله إلى أداة في خدمة "الحرس" دون الإنتحار الذي تسير "الجمهوريّة الإسلاميّة في اتجاهه بخطوات حثيثة؟

أي نوع من مجلس التعاون بعد الحرب ضد إيران؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مارس 8, 2026 - 10:13

يشير الموقف الموحد لأعضاء "مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة" تجاه الإعتداءات الإيرانيّة التي تعرضت لها دول المجلس الست، إلى نوع من عودة الحياة لهذا التكتل، أقلّه ظاهرا. لا بدّ من الإعتراف بأن المجلس تعرّض منذ الشهر الأخير من العام 2025 لهزة داخلية قويّة في ضوء الخلافات السعودية – الإماراتية في اليمن، وهي خلافات خرجت إلى العلن قبل ذلك في السودان. ثمة من يعتبر أنّ البداية كانت في ليبيا. أدّت الخلافات إلى تعطيل المجلس، بل إلى أزمة داخلية تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ هذا التكتل الإقليمي الذي بات عمره 45 عاما. كان الخطر الإيراني في أساس قيام "مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة". إختيرت التسمية التي أطلقت على المجلس ذي الدول الست بعناية. بدا الهدف عدم استفزاز إيران عبر تفادي استخدام عبارة "الخليج العربي" التي تعتبر من المحرمات الإيرانيّة. كان هناك سعي لدى الخليجيين، على رأسهم الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، إلى إحتواء الخطر الذي شكله شعار "تصدير الثورة" الذي رفعه آية الخميني مؤسس "الجمهوريّة الإسلاميّة" في العام 1979 بعيد إسقاط نظام الشاه. استضاف الشيخ زايد القمّة الأولى لمجلس التعاون في فندق "انتركونتيننتال" في أبو ظبي. مهّد يذلك لمسيرة طويلة تحت عنوان عريض هو خلق مظلة تحمي من العدوانية الإيرانيّة التي ظهرت من خلال رفض وقف الحرب مع العراق بغض النظر عن مسؤولية البادئ بتلك الحرب. شكّل مجلس التعاون الذي تأسس في أبو ظبي في أيار – مايو 1981، إذا، مظلة حماية للدول الست الأعضاء في ضوء اندلاع الحرب العراقيّة الإيرانيّة في أيلول – سبتمبر 1980. نجح المجلس، إلى حدّ كبير، في الحؤؤل دون توسّع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، على الرغم من أنّها استمرت ثماني سنوات من جهة وإصرار إيران على الإنتقام من دول المجلس، مع تركيز خاص على المملكة العربيّة السعوديّة والكويت من جهة أخرى. ليس سرّا أن دول مجلس التعاون دعمت العراق طوال الحرب. كان سقوط العراق، البوابة الشرقيّة للخليج، سيشكل سقوطا للخليج كلّه وذلك بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبها صدام حسين، الرئيس العراقي وقتذاك. يمكن الحديث عن أخطاء عراقيّة إذا أخذنا في الإعتبار أن صدّام، بثقافته السياسية المحدودة وتهوّره، لم يستوعب منذ البداية أنّ بدء الحرب مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" وقوع في فخ الخميني الذي كان يبحث عن عدو خارجي يساعد في استثارة الروح الوطنية الإيرانيّة والعصبيّة الفارسية. ليس سرّا أيضا سعي إيران إلى الإنتقام من السعوديّة عن طريق محاولة تسييس موسم الحج وافتعال مشاكل خلال وجود مئات الآلاف في مكة خلال الموسم. كان التركيز الإيراني على الكويت أيضا عبر محاولة اغتيال امير الدولة الشيخ جابر الأحمد وافتعال احداث امنية في مناسبات عدة. نجحت السعودية في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمة الإيرانية. كذلك، نجحت الكويت في حماية نفسها وحماية استمرار تصدير نفطها. شمل ذلك رفع العلمين الأميركي والسوفياتي على الناقلات الكويتية ردّا على مهاجمة إيران هذه الناقلات. تعرضت كلّ دولة من دول مجاس التعاون لإعتداءات إيرانية. لم توفّر "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا البحرين ولا دولة الإمارات التي لعبت دورا في بلورة موقف خليجي موحد يستهدف وقف الحرب آخذة في الإعتبار ما يمكن أن يترتب على سقوط العراق في يد إيران في تلك المرحلة. صمد مجلس التعاون أمام الهزات التي تعرّض لها، بما في ذلك الاحتلال العراقي للكويت في 1990. عمل على استعادة الكويت وإعادتها إلى أهلها. في مرحلة لاحقة، في 2003، استوعب مجاس التعاون نتائج الزلزال العراقي، أي تسليم إدارة جورج بوش الإبن العراق إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة" مع ما عناه ذلك من اختلال للتوازن الإستراتيجي في المنطقة كلّها. ترافق اختلال التوازن مع سقوط سوريا نهائيا في يد إيران... ومعها لبنان. في فترة "الربيع العربي"، لعب مجلس التعاون دورا حيويا في حماية البحرين حيث استثمرت إيران في لعبة إثارة الغرائز المذهبيّة. لعب التدخل المباشر لدول مجلس التعاون دوره في القضاء على محاولة إيرانيّة مكشوفة لقلب النظام في هذا البلد المسالم. شئنا أم ابينا، عاش مجلس التعاون، منذ قيامه، على وقع الحدث الإيراني، بل الخطر الإيراني. سيولد من رحم الحرب الأميركية – الإسرائيليّة على إيران شرق أوسط جديد وخليج مختلف وإيران أخرى. هل يولد أيضا مجلس تعاون خليجي جديد؟ أي دور لمجلس التعاون ودوله في مواجهة تحديات جديدة سيفرضها التغيير الكبير في إيران، خصوصا في ظلّ مخاوف من تفكّك هذا البلد الذي سعى منذ ما قبل قيام "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى الهيمنة على الخليج. ستكون أمام مجلس التعاون إيران مختلفة يصعب التكهن منذ الآن بالشكل الذي ستتخذه أو بطبيعة النظام فيها. الأمر الوحيد الأكيد أن النظام القائم، نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة" انتهى. لا يدل على ذلك أكثر من الإعتداءات التي يشنها "الحرس الثوري" على دول مجلس التعاون لأسباب واهية كاشفا الوجه الحقيقي للنظام. شملت الإعتداءات سلطنة عُمان التي حافظت في كلّ وقت على علاقات ودّية مع إيران. انتهجت السلطنة مدرسة سياسية قائمة على أن لا مفرّ من علاقات ودّية مع إيران، كجارة، بغض النظر عن طبيعة النظام في طهران... في حال وضع إيران جانبا، يبقى السؤال: ماذا عن العراق الذي لا بدّ أن يتغيّر والذي شكلّ منذ اليوم الأول لولادة "مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة" مصدر قلق لكلّ دولة من دول المجلس، أكان ذلك في عهد صدّام حسين أو في مرحلة ما بعد سقوطه ورحيله؟...

لبنان وتحدي فكّ الإرتباط... بالإنتحار
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مارس 3, 2026 - 09:40

أقلّ ما يمكن أن يوصف به إقحام لبنان في الحرب التي تستهدف "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران بأنّّه جريمة في حق البلد وفي حق أهل الجنوب تحديدا. يبدو مطلوبا الإنتهاء من لبنان في وقت قررت فيه الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، التخلص من النظام الإيراني. ما الفائدة من ربط مصير لبنان بمصير النظام في إيران، وهو نظام يريد أن ينتحر؟ ما العمل عندما ستتوسع رقعة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب ويزداد عدد النازحين منه، وحتّى من بعض مناطق البقاع؟ هل المطلوب، إيرانيا، أخذ لبنان إلى أزمة داخلية لا يستطيع الخروج منها يوما عبر تحويل جنوب البلد إلى غزّة أخرى؟ الأهمّ من ذلك كلّه، هل يستطيع لبنان تجنب الكارثة التي أخذه إليها "حزب الله" أو الخروج منها؟ هناك الآن نحو 110 آلاف نازح من أهل الجنوب، فيما يبلغ عدد القرى المدمرة نحو 30 قرية. يبدو أنّ "حزب الله" قرر رفع هذا العدد إلى نحو 350 الفا لإسباب واهية لا علاقة للبنان بها من قريب أو بعيد. في النهاية، ما الذي تريده "الجمهوريّة الإسلاميّة" غير إغراق لبنان معها بعدما تبيّن أنّ النظام الذي يتحكّم بها غير قابل للإستمرار؟ يأتي قرار "حزب الله"، وهو أمر صدر من طهران، في ظلّ اكبر انقلاب تشهده المنطقة كلها منذ العام 1979، تاريخ تغيير طبيعة إيران بتحولها إلى "جمهوريّة إسلاميّة" ودورها على الصعيد الإقليمي. كذلك، يأتي القرار، ذو الطابع الإنتحاري، فيما بدأت تتكون ملامح توازن إقليمي جديد ولد من رحم حرب غزّة التي بدأت في السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023 وهي حرب سعت "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى استغلالها، وفشلت في ذلك، عن طريق أذرعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. تكمن المشكلة التي تواجه "حزب الله" في الوقت الحاضر بأنّه يرفض التعلّم من تجربة "حرب اسناد غزّة" التي انتهت إلى ما انتهت إليه. خاض تلك الحرب التي الحقت به خسائر ضخمة شملت القضاء على قيادته وتمكين إسرائيل من العودة إلى احتلال أرض لبنانية. يرفض الحزب استخلاص الدروس من تلك الحرب ومن إغتيال حسن نصرالله بالطريقة التي اغتيل بها. ليس معروفا بعد كيف يخوض حزب، ليس سوى ميليشيا مذهبيّة مرتبطة بالخارج، حربا جديدة من دون أن يأخذ في الإعتبار أنّ النتائج التي ستسفر عنها تلك الحرب معروفة سلفا. إنّه لغز لا تفسير له سوى أنّ "الحرس الثوري" يدفع بـ"حزب الله" إلى الإنتحار معه. من الواضح أنّ الحزب بات تحت السيطرة الكاملة لإيران وأنّه بالفعل لواء في "الحرس الثوري" لا أكثر. قبل إطلاق "حزب الله" صواريخه من جنوب لبنان، تلقت الدولة اللبنانيّة تحذيرات واضحة من إسرائيل. فحوى التحذيرات أن انضمام الحرب إلى الحرب التي تخوضها إيران ستكون له نتائج كارثية على البلد. على الرغم من هذا التحذير الذي نقل إلى الحزب، فاجأ هذا الحزب اللبنانيين بإطلاق صواريخ من جنوب لبنان... لا تفسير لما حصل غير عجز الدولة اللبنانيّة عن ممارسة نفوذها على "حزب الله". لا تزال الدولة تخشى الحزب. هل يؤدي قرار مجلس الوزراء الذي يعتبر النشاط الأمني والعسكري للحزب "خروجا على القانون" تحولا كبيرا على الصعيد اللبناني وخروجا من المنطق الذي فرض اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969؟ هل يؤدي عمليا إلى كسر حاجز الخوف من الحزب الذي لم يعمل منذ يوم قيامه غير تدمير لبنان ومؤسسات الدولة اللبنانية الواحدة تلو الأخرى وبطريقة ممنهجة؟ يفترض في الدولة اللبنانيّة إظهار أنّها تستطيع تنفيذ قرار مجلس الوزراء بغية الإنصراف إلى معالجة نتائج الكارثة التي حلّت بالبلد. في الواقع، تتعاطى الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها أمام امتحان حقيقي جديد، مع حزب امتهن العمالة لإيران ووضع مصلحة "الجمهوريّة الإسلاميّة" فوق مصلحة لبنان، بل فوق مصلحة أبناء الطائفة الشيعية. إنّه حزب يرى في مقتل "المرشد" علي خامنئي، مقتل زعيمه. بكل بساطة، من الصعب التعاطي مع حزب يرى في الإنتحار هدفا بحد ذاته ويرى في لبنان جزءا من "الجمهوريّة الإسلاميّة" بقيادة "الوليّ الفقيه". حسنا، يريد "حزب الله" الإنتحار. يريد من لبنان الإنتحار معه وأن يكون مصيره مصير "الجمهوريّة الإسلاميّة. لا مكان للغة المنطق مع من يريد الإنتحار. من المفيد، بالنسبة إلى لبنان تحديد ما الذي يريده بالفعل. من المفيد فكّ الإرتباط بينه وبين منطق الإنتحار لا أكثر... وقد آن أوان ذلك!

كلّ عناصر الهزيمة الإيرانيّة... مجتمعة!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
فبراير 27, 2026 - 20:15

لو كانت الأمور طبيعية بين أميركا وإسرائيل من جهة و"الجمهوريّة الإسلاميّة" الإيرانيّة من جهة أخرى، لما كانت الحاجة إلى كلّ هذا الوقت وكل هذه التجاذبات من أجل الوصول إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة، التي هي في واقع الحال مجرد طرفين اثنين. في النهاية، لا يمكن الفصل بين أميركا وإسرائيل في ما يتعلّق بالقضايا الأساسية، أي بسلسلة ما هو مطلوب من إيران، إن في شأن ملفها النووي أو الصواريخ الباليستية والمنصات... أو الأذرع التي يتحكّم بها "الحرس الثوري" خارج الأراضي الإيرانية. لو كانت الأمور طبيعية، لكانت إيران تصرّفت مثلما تصرّفت المانيا أو اليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانية حين استسلمتا أمام الإميركيين وحلفائهم الأوروبيين. هكذا كسبت المانيا نفسها، كذلك اليابان. احتاجت اليابان إلى قنبلة نوويّة ثانية ألقيت على ناغازاكي، بعد قنبلة أولى على هيروشيما، كي تفهم معنى التصميم الأميركي على الحاق هزيمة ساحقة بها. خلّصت الهزيمة العسكريّة البلدين من نظامين مستبدين جعلا كلّا منهما يشكّل خطرا على محيطه، بل على العالم كلّه... مكنت الهزيمة المانيا من التقاط أنفاسها واستعادة مكانتها في أوروبا والعالم، فيما تحول إقتصاد اليابان إلى أحد الأهمّ في العالم. حصل ذلك بعدما اقتنعت اليابان بأن لا جدوى من مواجهة عسكريّة مع الولايات المتحدة... ما زالت "الجمهوريّة الإسلاميّة" ترفض الإعتراف بهزيمتها. مثل هذا الإعتراف سيمكنها من استعادة دورها في المنطقة والعالم وسيمكن الشعوب الإيرانية من الإنتماء مجددا إلى ثقافة الحياة. وجدت هذه الشعوب نفسها مجبرة على التخلي عن ثقافة الحياة بمجرد انتصار آية الله الخميني على نظام الشاه بحسناته وسيئاته في 1979. لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" تعتبر أنّ لديها أوراقها في المنطقة وأنّها تستطيع خوض مفاوضات من الندّ للندّ مع "الشيطان الأكبر" الأميركي، وبالتالي للوصول إلى تفاهمات مع إسرائيل، من نوع تلك التفاهمات التي مهدت للإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000... أو "قواعد الإشتباك" التي بقي معمول بها حتّى يوم قرّر "حزب الله" شن "حرب اسناد غزّة". إلى ذلك، ما زالت إيران ترى في العراق ورقة إيرانيّة. كذلك، ترى ورقة في "حزب الله" في لبنان أو "جماعة انصار الله" (الحوثيون) في اليمن. لا يدرك الوفد الإيراني، الذي فاوض الأميركيين في جنيف بوساطة عُمانية ومباشرة في بعض الأحيان، أنّّه يتحدّث لغة آكل عليها الدهر وشرب في ضوء ما شهدته المنطقة من احداث وتطورات منذ هجوم "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. إلى الآن ما زالت القيادة الإيرانيّة، على رأسها "المرشد" علي خامنئي تعيش في الماضي، في مرحلة ما قبل "طوفان الأقصى". تعتقد أنّ في الإمكان الأخذ والردّ في ما يخصّ البرنامج النووي الإيراني. يحدث ذلك، في حين المطلوب الإنتهاء من كلّ ما له علاقة بالبرنامج النووي لطهران. لا مجال لأي مماطلة في حال كان مطلوبا التوصّل إلى تفاهم يؤدي إلى تفادي حرب جديدة على "الجمهوريّة الإسلاميّة". ما ينطبق على البرنامج النووي ينطبق على الصواريخ الباليستية ومنصاتها. كذلك على الأذرع الإيرانيّة في العراق ولبنان واليمن. أكثر من ذلك، ذهبت إيران إلى محاولة إغراء دونالد ترامب بفتح السوق الإيرانيّة أمام شركات النفط والغاز الأميركيّة. لا يوجد استيعاب في طهران لمفهوم البلد الآمن أمام الإستثمارات. أي شركة أميركيّة سترسل موظفيها إلى بلد يستطيع جعل المواطنين الأميركيين الموجودين فيه رهائن بين ليلة وضحاها؟ الحاجة إلى انقلاب إيراني على كلّ المستويات من أجل التوصل إلى تفاهمات مع أميركا. إلى اشعار آخر، لا قدرة لدى النظام في طهران القيام بمثل هذا الإنقلاب. لا قدرة له على ذلك نظرا إلى آنّ ليس في طهران، باستثناء قلّة صامتة، من يستطيع استيعاب معنى ما حدث في المنطقة منذ "طوفان الأقصى" وأبعاده. لا يوجد من يفهم ماذا يعني وجود قرار أميركي يقضي بليّ الذراع الإيرانيّة وذلك منذ تمزيق ترامب للإتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه مع إدارة باراك أوباما صيف 2015. مزّق الرئيس الأميركي في اثناء وجوده في البيت الأبيض، للمرّة الأولى، الاتفاق في 2018 . ما لبث أن أمر باغتيال قاسم سليماني، الذي يمكن وصفه بأنّّه أهمّ شخصية إيرانية، بعد "المرشد". لم يذهب ترامب إلى كراكاس لإعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من أجل تأديب رئيس دولة عصى أوامره أو لأنّّه أقام علاقات وثيقة مع كوبا. لا يمكن اعتبار اعتقال مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك سوى جزء من عملية قصقصة لأجنحة "الجمهوريّة الإسلاميّة" في مختلف انحاء العالم. من الصعب تفادي مواجهة عسكرية أميركية – إيرانية، من المرجح أن تشارك فيها إسرائيل، في ظلّ وجود عقلين ونهجين لا يمكن الجمع بينهما. يقوم العقل والنهج الإيراني على فكرة أنّه لم يتغيّر شيء في المنطقة وأنّه يكفي التلويح لترامب بالإستثمارات في إيران كي تصبح هناك هوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ينمّ الأسلوب الإيراني في التفاوض عن فكر ساذج يرفض الإعتراف بالهزيمة. لا يعبّر عن هذه الهزيمة أكثر من خروج إيران من سوريا. أين كانت سوريا وأين صارت بعد فرار بشّار الأسد إلى موسكو؟ باتت كلّ عناصر الهزيمة الإيرانية مجتمعة. مكمن الجرأة الإعتراف بالهزيمة. بعد ذلك يمكن الحديث عن مفاوضات بين جانبين يمتلك كلّ منهما أوراقه... هذا إذا كانت هناك أوراق إيرانية. لدى الحديث عن أوراق قوة، من الضروري الإشارة إلى الوضع الداخلي في إيران. قبل فشل نظام "الوليّ الفقيه" في الخارج، فشل في إيران بداية. في ذلك مكمن ضعفه قبل أي شيء آخر...

وضع العراق يكشف إيران
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
فبراير 24, 2026 - 22:56

ليس ما يكشف بداية النهاية للنظام القائم في إيران أكثر من الوضع في العراق. في العراق فشلت "الجمهوريّة الإسلاميّة" في فرض شخصية موالية لها في موقع رئيس الوزراء. كان كافيا وضع الرئيس دونالد ترامب "فيتو" على عودة نوري المالكي إلى موقع رئيس الوزراء، كي يصبح وضع المالكي معلقا. من العراق، كانت الإنطلاقة الجديدة للمشروع التوسعي الإيراني بعد اسقاط إدارة جورج بوش الإبن نظام صدآم حسين البعثي – العائلي. من العراق، يبدو أن المشروع التوسعي الإيراني يقترب من نهايته. الأهمّ من ذلك كلّه، أن عدم قدرة إيران على إيصال المالكي إلى موقع رئيس الوزراء يكشف الأزمة العميقة التي يمرّ فيها النظام العراقي الذي قام بعد 2003. يتضح، شيئا فشيئا، أن في العراق أزمة نظام، نظام غير قابل للإستمرار. ما بني على باطل لا يمكن أن يستمرّ، خصوصا في بلد متنوّع الديانات والمذاهب والقوميات. أرادت "الجمهورية الإسلاميّة" في إيران نقل تجربتها الفاشلة إلى العراق. إذا كان نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة"، الذي في أساسه نظرية "ولاية الفقيه، فشل في إيران نفسها، كيف يمكن له النجاح في البلد المجاور الذي اسمه العراق؟ ما لا بدّ من تذكّره دائما أن الحرب الأميركيّة على العراق جاءت مباشرة بعد الحرب على أفغانستان نتيجة كارثة 11 أيلول – سبتمبر 2001. يومذاك نفّذ تنظيم "القاعدة" الإرهابي، الذي كان على رأسه أسامة بن لادن "غزوتي" واشنطن ونيويورك. كان لا بدّ، أوّلا، من التخلّص من نظام "طالبان" في أفغانستان، وهو النظام الذي وفّر ملجأ لأسامة بن لادن وعصابته. أسقطت إدارة بوش الإبن التي كان يتحكّم بها "المحافظون الجدد"، نظام "طالبان". لكن ليس معروفا إلى اليوم لماذا قرّر الرئيس الأميركي، وقتذاك، الإنتهاء من نظام صدّام حسين فيما لا يزال الجيش الأميركي في خضم حرب أفغانستان؟ ذهب الأميركيون إلى العراق من دون خطة واضحة ومن دون حليف حقيقي في المنطقة غير "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران التي لعبت دورا محوريا في توحيد المعارضة العراقيّة من أجل التخلّص من النظام القائم في بغداد ووراثته. ذهب الأميركيون إلى العراق حاملين أفكارا ساذجة من نوع أن شيعة العراق عرب ومرجعيتهم في النجف وليست في قم. لم يكن هناك إدراك أميركي لوزن الميليشات الشيعية العراقيّة التي ادخلها الإيرانيون إلى بغداد على دبابات المحتلّ الأميركي! شاهدت بأمّ عيني التنسيق الأميركي – الإيراني في اثناء انعقاد مؤتمر لندن للمعارضة العراقيّة في كانون الأوّل – ديسمبر 2002. جاء معظم اركان المعارضة، من شيعة وأكراد، إلى لندن في طائرة واحدة أقلعت من طهران. كانت التعليمات الإيرانيّة إلى زعماء المعارضة الشيعية، الذين كان يمثلهم الراحل عبد العزيز الحكيم، واضحة. قضت تلك التعليمات بالموافقة على الطرح الأميركي في المؤتمر. الأهمّ من ذلك كلّه، كان البيان الذي صدر عن مؤتمر لندن الذي يتحدّث للمرّة الأولى عن "الأكثريّة الشيعية" في العراق الذي سيكون دولة "فيديرالية". كان الهدف من إدراج كلمة "فيديراليّة"، بتفسيراتها الكثيرة، استرضاء الأكراد في ضوء الحذر الذي كان يبديه مسعود بارزاني أمام المشهد الدائر أمامه. شارك بارزاني وقتذاك في مؤتمر لندن. كان يعلم، على حد قوله، أن قطار إسقاط صدّام حسين "انطلق" وأنّ لا مكان في العراق الجديد لمن لا يلتحق بهذا القطار. كانت الكلمة التي القاها مسعود بارزاني في مؤتمر لندن أفضل الكلمات على الإطلاق، إذ حذر من "الإنتقام" مشيرا في الوقت ذاته إلى جرائم النظام الصدامي في حق الأكراد وفي حق أفراد عائلته! لم يكن من مستفيد من كلّ ما حدث في العراق منذ 2003 غير إيران. ما حدث كان زلزالا غيّر موازين القوى في المنطقة بعدما صار العراق في جيب "الجمهوريّة الإسلاميّة". فشل الخميني طوال ثماني سنوت، بين 1980 و 1988، في ابتلاع العراق. حقّق له الأميركيون حلمه في 2003. خاضوا عمليا حربا من أجل خدمة مصالح إيران لا أكثر. يحاول الرئيس دونالد ترامب الآن، عن طريق التحذيرات التي يبعث بها، إلى كلّ من يعنيه الأمر في العراق، إصلاح خطأ إستراتيجي عمره نحو ربع قرن. بدأ الخطأ بقرار خوض حرب العراق قبل الإنتهاء من حرب أفغانستان والإعتقاد أنّ ثمة فارقا بين الإرهاب السنّي والإرهاب الذي تمثله التنظيمات الشيعية المواليّة لإيران والمنتشرة في كلّ انحاء المنطقة، بما في ذلك العراق. ثبت، من خلال الممارسة، فشل النظام الذي قام في العراق في العام 2003. لا قدرة في بغداد على فرض نوري المالكي رئيسا للوزراء، خصوصا في ضوء تهديد واشنطن بفرض عقوبات على العراق في حال عصيان رغبات دونالد ترامب. أكثر من ذلك، ليس ما يشير، إلى إشعار آخر، أن في الإمكان انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة. أمّا بالنسبة إلى "الفيديراليّة"، لا يزال هناك أكثر من مفهوم لها. بات على العراق البحث عن نظام سياسي جديد بعيدا عن الهيمنة الإيرانيّة. سيتوقف الكثير على نتيجة المواجهة بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لكنّ السؤال الذي يظلّ في الواجهة، هو ذلك المرتبط بإيران نفسها التي تمددت في المنطقة انطلاقا من العراق، العراق الذي بات يرمز، في الوقت ااراهن، إلى أفول المشروع التوسّعي لـ"الجمهورية الإسلاميّة"!

ترامب وعقدة العراق...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
فبراير 19, 2026 - 05:22

لا هدف آخر من المفاوضات التي أجرتها الإدارة الأميركيّة مع الجانب الإيراني في مسقط وجنيف سوى تمرير رسالة واحدة. فحوى الرسالة أن على "الجمهوريّة الإسلاميّة" أن تتغيّر. لا بدّ من حصول التغيير بالحسنى أو بالقوة. لم يتردّد الرئيس دونالد ترامب في القول أخيرا أن سقوط النظام الإيراني "افضل ما يمكن أن يحدث". من هذا المنطلق، يمكن فهم تكرار الرئيس الأميركي رفض عودة نوري المالكي إلى موقع رئيس الوزراء في العراق. كذلك، من هذا المنطلق يمكن فهم خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده إلى نيويورك مع زوجته. ` تجري عملية تطويق مدروسة تطويق مدروسة لإيران وقصقصة مستمرة لأجنحتها بعد إخراجها من سوريا والقضاء عمليا على "حزب الله" درّة التاج في المشروع التوسعي لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة". ما لا بدّ من ملاحظته حاليا وجود إصرار لدى الإدارة الأميركية على العودة إلى العراق. لدى ترامب في ما يبدو عقدة إسمها العراق. دفعت أميركا غاليا ثمن إسقاط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي في العام 2003. دفعت دمّا ودفعت مئات مليارات الدولارات من أجل خروج إيران طرفا منتصرا وحيدا في حرب ليس معروفا إلى يومنا هذا ما الذي دفع إدارة جورج بوش الإبن إليها. ليست عودة الرئيس الأميركي إلى تناول الموضوع المتعلّق بنوري المالكي مجرّد صدفة في ظل الظروف القائمة، وهي ظروف تشهد تصعيدا خطيرا بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" من جهة وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. إنّه تصعيد جدّي في ضوء نقل أميركا وإسرائيل الحرب إلى داخل الأراضي الإيرانيّة في حزيران – يونيو الماضي. في داخل رأس ترامب مجموعة حسابات دقيقة، بينها حساب يتعلّق بالعراق الذي بات في الحضن الإيراني. سلّم الأميركيون، إدارة جورج بوش الإبن تحديدا، العراق على صحن من فضة لإيران. يبدو أن ذلك لا يزال عالقا في ذهن دونالد ترامب الذي أخذ على عاتقه وضع حدّ للهيمنة الإيرانيّة على المنطقة انطلاقا من العراق. جاءت أميركا بالميليشيات الشيعية العراقية التابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني وسلمتها الحكم في بغداد. سارعت هذه الميليشيات إلى الإنقلاب على "المحتلّ" الأميركي وباتت تعمل لمصلحة إيران. أخطأت إدارة بوش الإبن في كلّ ما قامت به في العراق، خصوصا بعدما تبيّن أنّها لم تمتلك خطة واضحة لمرحلة ما بعد سقوط صدّام حسين. إلى ذلك، يدرك ترامب أنّ الإنطلاقة الجديدة للمشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة انطلق من العراق. مع سقوط بغداد في نيسان – ابريل 2003، تغيّرت موازين القوى في المنطقة. كذلك، مع سقوط العراق، سقطت سوريا كلّيا في يد إيران وسقط لبنان حيث اغتالت "الجمهوريّة الإسلاميّة" رفيق الحريري قبل 21 عاما بعدما وجدت أنّه يقف عائقا في وجه التمدد الإيراني الذي يقوم أصلا على الإستثمار في الغرائز المذهبية وعلى حلول الميليشيات التابعة لـ"الحرس الثوري" مكان مؤسسات الدولة في هذا البلد العربي أو ذاك. كان الملك عبدالله الثاني تحدث عن خطورة تسليم العراق إلى إيران، منذ ما قبل إغتيال رفيق الحريري في شباط – فبراير 2005. تحدث في تشرين الأوّل – أكتوبر 2004 عن "الهلال الشيعي" بمعناه السياسي، كهلال فارسي، يمتد من طهران إلى بيروت مرورا ببغداد ودمشق. جاء كلام العاهل الأردني في حديث مع صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية. كشف الحديث بعد نظر عبدالله الثاني ونظرته الثاقبة للنتائج التي ستترتب على استيلاء إيران على العراق. مذ دخل البيت الأبيض في كانون الثاني - يناير 2016، ركّز ترامب على الخطر الإيراني. مزق الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني، الذي عملت إدارة باراك أوباما من أجل الوصول إليه في 2015. كان ذلك في أيار - مايو 2018. في الأيام الأولى من العام 2020 تخلّصت الولايات المتحدة من قاسم سليماني قائد "فيلق القدس"، رأس حربة المشروع التوسعي الإيراني. كان ذلك بعيد مغادرة سليماني مطار بغداد الذي وصل إليه آتيا من بيروت، ولكن عن طريق مطار دمشق الذي كان مطارا آمنا بالنسبة إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة". يعتبر التخلص من قاسم سليماني حدا مفصليا على الصعيد الإقليمي. لا يدلّ على ذلك أكثر من المظهر الذي ظهر فيه حسن نصرالله، الأمين العام الراحل لـ"حزب الله" لدى حديثه عن شخصية سليماني وطبيعة العلاقة التي كانت تربطه به على كل صعيد، بما في ذلك التنسيق بين إيران والحزب في لبنان وسوريا والعراق واليمن... وفي غير دولة خليجية. عاد ترامب إلى البيت الأبيض قبل سنة وشهر تقريبا. عاد في ظروف جديدة ضعفت فيها إيران وبات مشروعها التوسّعي في خبر كان بعدما خسرت "الجمهوريّة الإسلاميّة" كلّ الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة. من هذا المنطلق، يبدو أكثر من طبيعي متابعة الحملة على إيران إنطلاقا من العراق الذي لم يعد مسموحا بقاؤه ملعبا لـ"الحرس الثوري" على غرار ما كان عليه لبنان وسوريا قبل إغتيال إسرائيل لحسن نصرالله في الضاحية الجنوبيّة لبيروت وقبل فرار بشّار الأسد إلى موسكو. ليس مهمّا الدخول في متاهات تتعلّق بشخصية نوري المالكي ومحاولة معرفة درجة نفوذ إيران عليه. بالنسبة إلى ترامب، المهمّ خروج إيران من العراق. من غير الطبيعي بقاء أميركا في الفخّ الإيراني. في النهاية، يحكم العراق منذ 2003 اشخاص عادوا إلى بغداد على ظهر دبابة أميركيّة. يرفض دونالد ترمب هذا النكران للجميل الذي قوبلت به الحرب الأميركيّة على العراق قبل 23 عاما. الآن، بعدما وضعت إدارة ترامب إيران بين خياري الإستسلام أو التعرّض لهجوم واسع من البحر والجو، يبدو منطقيا سعي ترامب إلى استعادة العراق في حال كان مطلوبا الإنتهاء حقآ من المشروع التوسعي الإيراني...

إيران والمكابرة... على طريقة صدّام
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
فبراير 15, 2026 - 10:36

كلّما مر يوم، يتبيّن أكثر أن النظام الإيراني الذي صار عمره 47 عاما يواجه حاليا خيارين لا ثالث لهما. خيار الإستسلام أمام الشروط الأميركيّة التي لا تختلف كثيرا عن الشروط الإسرائيلية... أو مواجهة حرب مع الولايات المتحدة لا يمكن لإيران الخروج منها سالمة. هل في استطاعة "الجمهوريّة الإسلاميّة" الإعتراف بأن لا مفرّ من التعاطي مع الواقع الجديد في المنطقة بدل الإستمرار في المكابرة على طريقة صدّام حسين. إعتقد صدّام، حاكم العراق، في بداية العام 1991 أنّه سيكون قادرا على التفاوض مع الولايات المتحدة تفاوض الندّ للند على الرغم من موقف إدارة جورج بوش الأب كان في غاية الوضوح. كان بين خياري الانسحاب من الكويت، من دون شروط، وبين تعرّض العراق لحرب تعيده إلى العصر الحجري. لم يفهم حاكم العراق الراحل المنطقة والعالم ومعنى موازين القوى. ليس من عادة الولايات المتحدة نشر قوة عسكرية في حجم تلك التي نشرتها في الشرق الأوسط والخليج من أجل الإكتفاء بعرض قوة ذي طابع رمزي. لا يمكن لدولة، في حجم اميركا، تحريك مثل هذه القوة من دون بلوغ أهداف محدّدة. تتمثّل هذه الأهداف في صفقة ما مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا تقلّ عن الانتهاء من البرنامج النووي الإيراني ومن الصواريخ الباليستية ومنصاتها. الصواريخ مهمّة والمنصات في أهمّية الصواريخ، إن لم تكن أهمّ منها. يبقى الشرط الثالث المتعلّق بأذرع إيران. أبرز هذه الأذرع "حزب الله" في لبنان الذي ما زال يمارس العناد متجاهلا أنّه خسر "حرب إسناد غزّة" وأنّ سلاحه لم يكن يوما سوى سلاح في خدمة إسرائيل وخدمة كلّ ما يمكن أنّ يساهم في تدمير لبنان. يظلّ المثل الأبرز على ذلك إغتيال رفيق الحريري في مثل هذه الأيّام من العام 2005. اغتال الحزب، الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الإيراني، رفيق الحريري من أجل القضاء على محاولة جدّية لإعادة البلد إلى خريطة المنطقة ووقف استخدامه ورقة في عملية الترويج للمشروع التوسعي الإيراني في المنطقة وجعله يتقدّم في اتجاه البحر المتوسّط. ستأتي إلى المنطقة حاملة طائرات أميركيّة ثانية، هي الحاملة "جيرالد فورد. ستأتي للإنضمام إلى حاملة أخرى موجودة في الخليج هي "ابراهام لينكولن". ثمة نيات أميركيّة لا يمكن تجاهلها. على إيران الرضوخ. سيكون ذلك بالحسنى أو بالقوة. لا يمكن تجاهل أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزة التي اندلعت في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. لا حاجة إلى تكرار أنّ درة المشروع التوسّعي الإيراني، أي "حزب الله"، لم تعد موجودة. لم تعد لدى الحزب سوى ورقة تهديد اللبنانيين بحرب أهليّة في سياق سعيه إلى الإحتفاظ بسلاحه الذي ثبت أنّ لا فائدة تذكر منه عندما يتعلّق الأمر بمواجهة إسرائيل. فوق ذلك، يرفض الحزب أخذ العلم بأن سوريا لم تعد تحت هيمنة إيران... في مطلع العام 1991، انعقد في فندق "انتركونتيننتال" في جنيف لقاء بين وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر ووزير الخارجية العراقي طارق عزيز. شرح بيكر لطارق عزيز والوفد المرافق له أن لا مجال لأي أخذ ورد وأن ليس أمام العراق سوى الانسحاب من الكويت. قرأ الوزير العراقي الرسالة التي سلمه إيها وزير الخارجية الأميركي ثم تركها على طاولة المفاوضات. تذرع بأن العبارات المستخدمة تجعله عاجزا عن نقل الرسالة إلى صدّام حسين. بقيت الرسالة في مكانها. شاهدتها بنفسي ملقاة على الطاولة في الغرفة التي التقى فيها جيمس بيكر وطارق عزيز. علمت لاحقا أن الرسالة ذات الأهمّية التاريخية لا تزال محفوظة في الخزنة الحديد للفندق... هل فهمت إيران، في ضوء المفاوضات التي جرت في مسقط بين وزير خارجيتها عباس عراقجي والوفد الأميركي المؤلف من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أنّ لا مجال للرهان على خلافات بين أميركا وإسرائيل. هل فهمت أنّ لا مفرّ من الإعتراف بأن ملفّ الصواريخ الباليستية ومنصاتها لا يقلّ أهمية عن ملف البرنامج النووي الإيراني وملف الأذرع التابعة لـ"الحرس الثوري" في هذا البلد العربي أو ذاك؟ ليس أمام النظام في إيران غير السعي إلى الإستفادة من تجربة صدّام حسين الذي منعه غباؤه السياسي من استيعاب معنى حشد الولايات المتحدة لقوّة عسكرية في الخليج، مباشرة بعد احتلال الجيش العراقي للكويت. ظنّ صدام أنّ أميركا تمزح وأنّ جيشه لا يزال قادرا على الصمود في الكويت. لم يدر في أي وقت معنى موازين القوى. المخيف في السنة 2026 أنّ إيران تعيد إرتكاب الخطيئة ذاتها التي ارتكبها صدّام في 1991 وكررها في 2003 عندما اتخذ جورج بوش الإبن ومساعدوه قرارا بإخراجه من السلطة. يزيد الأمور تعقيدا في إيران الوضع الداخلي في البلد. يترافق الفشل الخارجي مع فشل داخلي على كلّ المستويات، خصوصا في المجال الاقتصادي. ليس صحيحا أنّ هناتك أكثرية إيرانية تعتنق الشعارات التي يطلقها النظام. هناك أكثرية إيرانيّة تفضل ثقافة الحياة على ثقافة الموت. لو لم يكن الأمر كذلك لما كان الشعب الإيراني في مختلف انحاء البلد في ثورة على النظام منذ مطلع السنة. لا شكّ أنّ الأجهزة الأميركية على علم تام بما يدور في إيران، كذلك إسرائيل التي ادركت قبل غيرها في العام 1979 أن نظام الشاه انتهى ودعت اليهود الإيرانيين إلى مغادرة البلد. وقد غادر معظم اليهود إيران وقتذاك تنفيذا لتعليمات السفارة الإسرائيلية التي كان على رأسها أوري لوبراني... مسألة أسابيع قليلة نعرف بعدها هل اختار النظام الإيراني سلوك صدّام حسين أم نهج التعقل الذي يفرض عليه الإعتراف بأن هناك ثمنا لا بد من دفعه نتيجة خسارة الحروب، تماما كما فعلت المانيا واليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانيّة!

من رفع الغطاء عن سيف الإسلام القذافي؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
فبراير 5, 2026 - 13:35

سؤال واحد وحيد يطرح نفسه في حال كان مطلوبا محاولة حل لغز إغتيال سيف الإسلام أشهر أبناء معمّر القذافي ذي الأفكار والأطباع الغريبة الذي حكم البلد بين 1969 و 2011. السؤال من رفع الغطاء عن سيف الإسلام الذي كان يعيش في منزل في الزنتان محاطا بحراسة شديدة تؤمنها له قوى محلّية. الأكيد أنّ سيف الإسلام تعرّض لخيانة سمحت لمجموعة مسلحة بدخول البيت الذي كان مقيما فيه بغية اغتياله. ثمة إجماع لدى العارفين بالشأن الليبي على إستبعاد أن تكون قوى محلية، وحدها، وراء تنفيذ عملية الإغتيال التي استهدفت سيف الإسلام الذي لعب دورا على صعيدي الداخل والخارج وأهّل نفسه ليكون خليفة والده، أو هكذا كان يظنّ. لا توجد في ليبيا قوى محليّة قادرة بنفسها على تنفيذ عملية من هذا النوع من العمليّات تتسم بمقدار كبير من الإحتراف. كان مطلوبا تصفية حساب مع أي قوى داخليّة أو خارجية تدعم نجل معمّر القذافي لمنعه من الوصول إلى الرئاسة يوما. فما لا بدّ تذكّره في هذا المجال أن الانتخابات الرئاسيّة التي كانت مقرّرة في العام 2021 ألغيت بمجرّد أنّ استفتاءات الرأي العام كشفت أن فوز سيف فيها كان احتمالا واردا. كان لافتا في الأشهر القليلة الماضية دخول قوى جديدة، مثل باكستان والهند الحلبة الليبية. لا يعني في ذلك وجود دور باكستاني أو هندي في قتل سيف الإسلام، بمقدار ما يعني اتساع الصراع على ليبيا. في ليبيا تجاذبات بين شرق البلد وغربه، الشرق الدي تسيطر عليه قوات خليفة حفتر وابنائه الثلاثة (صدام وخالد وبلقاسم) والغرب الذي تحكمه، ضمن حدود معيّنة، حكومة عبد الحميد الدبيبة الذي بدأ، مثله مثل حفتر يتكل على أبنائه. لكن يبقى أن الحدث الأهمّ الذي شهدته ليبيا قبل نحو شهرين كان مقتل رئيس الأركان الليبي محمد الحداد الذي كان في انقرة على رأس وفد عسكري. تحطمت طائرة الحداد الخاصة وهي "فالكون" قديمة الصنع بعيد إقلاعها من انقرة. لا تزال ظروف غامضة تحيط بسقوط الطائرة التي كانت تقل أحد ابرز العسكريين الليبيين الذي ليس معروفا ما طبيعة التنسيق بينه وبين تركيا ذات العلاقات القوية بحكومة الدبيبة من جهة والحركات الإسلاميّة في ليبيا من جهة أخرى. المهمّ الآن أنّ لاعبا اساسيا خرج من الحلبة الليبية لإسباب داخلية وخارجية في آن. لا يعني ذلك أنّ سيف الإسلام كان سياسيا استثنائيا، بمقدار ما كان شخصا عرف العالم وحاول لعب دور في مرحلة ما على الرغم من معارضة والده له ومنعه من الذهاب بعيدا في العلاقات التي أقامها مع دول غربية واوساط اميركيّة. في الواقع، لم يكن سيف يمتلك الوسائل التي تسمح له بتنفيذ الإصلاحات التي كان يطمح إليها. بقيت قدرته على التصرّف باموال الدولة الليبية محدودة. بقي معمّر القذافي يتحكّم كليا باموال ليبيا، هو الذي يعرف أنّ هذه الأموال أحد مصادر قوته. رفض معمّر القذافي في أي يوم أن يكون له شريك في السلطة المطلقة حتّى لو كان هذا الشريك أحد أبنائه. من هذا المنطلق، كان سيف في كلّ وقت لاعبا ثانويا ما دام والده حيّا وذلك على الرغم من ظهوره في مظهر من يمتلك برنامجا اصلاحيا وأنّه يمثل مستقبل ليبيا التي عرف معمّر القذافي كيف يجعل منها دولة منبوذة. يؤكّد ذلك عجز سيف عن الإستمرار في مشروع القناة الفضائية التي انشأها في ليبيا. عانى العاملون في تلك القناة الأمرين لدى التوقف المفاجئ لضخ الأموال المرصودة لتلك القناة التي اشرف عليها سيف. لم يكن سيف الإسلام ضعيفا في الخارج الليبي أيام حكم ابيه وما كان يسمّى "الجماهيريّة" فحسب، كان أيضا ضعيفا في الداخل حيث كانت هناك مواقع قوة يتحكّم بها معمّر القذافي نفسه. كان عبدالله السنوسي مركز قوة، كذلك اشقاء لسيف مثل المعتصم أو خميس. كذلك، كانت هناك شخصيات محسوبة على القذافي الأب تؤدي له مهمات معيّنة. ليس صحيحا أنّ صفقة تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار تمت بواسطة سيف. توصّل إلى الصفقة جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركيّة (سي . آي . إي) الذي اقام علاقة مع موسى كوسة مدير جهاز المخابرات الليبي. أمر معمّر القذافي شخصيا بالتخلي عن أسلحة الدمار بعدما اكتشف، في ضوء ما دار بين تينيت وموسى كوسة، أنّ لا فائدة من كل محاولات الإفلات من الرقابة الأميركيّة الصارمة. مع مقتل والده معمّر ومعظم اشقائه، لم يبق من العائلة غير سيف الذي عرف كيف التعايش مع مرحلة ما بعد سقوط النظام. ساعدته في تحقيق طموحاته حال الفوضى التي سادت في ليبيا وهي حال مستمرّة منذ نهاية "الجماهيريّة" نتيجة ثورة شعبية حقيقية من جهة وتدخل قوات حلف شمال الأطلسي لملاحقة القذافي وصولا إلى التخلّص منه جسديا من جهة أخرى. وحدها الأيام كفيلة بكشف من اغتال سيف القذّافي. ستكشف الأيام هل من دور للإسلام السياسي في ليبيا وللمنتمين لهذا التيار، الذين يحظون بدعم خارجي، في التخلص من شخصيّة كانت مؤهلة لملء الفراغ السياسي الذي يعاني منه البلد منذ ما يزيد على 14 عاما؟ في النهاية، كان سيف القذافي الذي حاول في مرحلة معيّنة اصدار كتاب يحمل اسمه، يمتلك أفكارا سياسية ساذجة إلى حد كبير. لكنه رفض في كل وقت دخول لعبة الإسلام السياسي وبقي دائما، مثلما كان والده، معاديا لفكر الإخوان المسلمين وكل التنظيمات التي ولدت من رحم فكر حسن البنا ورفاقه...

ترامب يستعيد العراق من إيران...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
فبراير 3, 2026 - 12:59

حين نتعمّق في تطورات الوضع العراقي منذ ربيع العام 2003، تاريخ سقوط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي نتيجة حرب أميركيّة شنتها الولايات المتحدة، يمكن، عندئذ، فهم موقف محدّد اتخذه الرئيس دونالد ترامب. إنّه موقف سلبي، من عودة نوري المالكي إلى موقع رئيس الوزراء الذي اضطر إلى التخلي عنه في العام 2014. لا يتعلّق الأمر بسياسي عراقي بحدّ ذاته، مقدار ما يتعلّق برمزية نوري المالكي من جهة وقرار أميركي باستعادة العراق من إيران من جهة أخرى. يُفترض فهم الموقف الأميركي من خلال التراجع الإيراني في المنطقة. يوجد واقع يتمثّل في خسارة "الجمهوريّة الإسلاميّة" كلّ الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة، بما في ذلك حرب جنوب لبنان وحرب المحافظة على النظام العلوي في سوريا. إذا وضعنا جانبا الحوثيين في اليمن وسيطرتهم على معظم الشمال في ذلك البلد، بما في ذلك صنعاء وميناء الحديدة، لم يبق لإيران ورقة ضغط حقيقية غير العراق. ما الذي يمنع الولايات المتحدة من استعادة العراق من إيران بعدما سلمته لها على صحن من فضّة قبل 23 عاما؟ يبدو أن ترامب يريد الإنتقام من الفشل الأميركي الذي كانت وراءه إدارة جورج بوش الابن. إنّه فشل مدوّ لإدارة أميركيّة قرّرت إجتياح العراق من دون التخطيط لمرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين وما يترتب على ذلك. لم تدرك إدارة بوش الإبن أنّّ الأحزاب والميليشيات المذهبية الموالية لإيران لا يمكن أن تصنع أنظمة ديموقراطية تكون مثالا يحتذي به دول المنطقة. في النهاية، لا يمكن للنظام العراقي الذي قام بعد 2003 سوى أن يدفع قسما كبيرا من العراقيين إلى الترحّم على النظام الدموي المتخلّف الذي كان على رأسه صدّام حسين. لم يترك صدّام خطأ إلّا وارتكبه منذ احتكاره السلطة صيف العام 1979... عندما تخلّص من سلفه احمد حسن البكر ومن كلّ من كان لديه أدنى شك بولائه لشخصه! على الرغم من ذلك، يوجد حاليا من يترحّم على صدّام حسين الذي لم يكتف بخوض حرب السنوات الثماني مع إيران التي اعتقدت أنّه سيكون لقمة سهلة. في الواقع، وقع صدّام، بإعلانه شنّ حرب على "الجمهوريّة الإسلامية"، في الفخّ الإيراني نظرا إلى أن زعيم البلد آية الله الخميني كان يبحث في العام 1980 عن عدو خارجي يستنهض بواسطته الإيرانيين الذين تجمع بينهم العصبيّة الوطنيّة. مرّت الأيام وما لبث صدّام أن إرتكب خطأ مميتا آخر عندما اجتاح الكويت صيف العام 1990. لم يكن ذلك سببا كافيا كي يقرّر جورج بوش الإبن تسليم العراق إلى إيران، متذرعا باحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001 التي كان وراءها تنظيم "القاعدة"، على رأسه أسامة بن لادن. لكن منطق اللامنطق الذي اتبعته إدارة جورج بوش الإبن أخذها إلى العراق، علما أنّ ليس ما يربط بين صدّام حسين واسامة بن لادن. كان منطقيا ذهاب أميركا إلى ملاحقة "القاعدة" في أفغانستان حيث كان يقيم أسامة بن لادن. في المقابل، كان من غير المنطقي الذهاب إلى العراق، في رهان كلّف الولايات المتحدة الكثير. هل يريد ترامب في 2026 تصحيح المسار الخاطئ لمرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001؟ من هذا المنطلق، منطلق اجتياح العراق في حرب لم يكن فيها سوى منتصر واحد هو إيران، يقرّر دونالد ترامب الإنتهاء من المشروع التوسّعي الإيراني. كان الاجتياح الأميركي للعراق الإنطلاقة الجديدة للمشروع. لذلك ليس امام ترامب من أجل تحقيق هدفه سوى استعادة العراق من إيران. ذلك هو مغزى الإعتراض على أن يكون نوري المالكي رئيسا للوزراء، أي الرجل الأقوى في العراق في ضوء النظام الذي يتحكم بالبلد منذ زلزال العام 2003 والدستور الذي انتجه. لا مزاح مع دونالد ترامب منذ مزّق الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني خلال ولايته الرئاسيّة الأولى. كان ذلك في العام 2018. استتبع ذلك بإغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني. حصل الإغتيال في بغداد وليس في مكان آخر مطلع العام 2020. لم يكن سليماني شخصية هامشيّة، بل كان الحاكم الفعلي للعراق الذي لا يقبل أي جدل عندما يصدر أمرا معيّنا. يتبيّن كلّ يوم أكثر، أنّ دونالد ترامب ليس باراك أوباما الذي عقد في عام 2010 صفقة مع إيران أبقت نوري المالكي في موقع رئيس الوزراء على الرغم من أنّ الكتلة النيابية الأكبر، نتيجة انتخابات أجريت في تلك السنة، كانت كتلة أياد علاوي المقبول عربياً بشكل عام. استبعدت إيران أياد علاوي الذي كان من حقه الدستوري أن يكون رئيسا للوزراء وقتذاك. طبيعي في العام 2026 بحث العراق عن رئيس جديد للوزراء يعكس الواقع الجديد في المنطقة. طبيعي أكثر أن يكون رئيس الوزراء الجديد من نوع مختلف أبعد ما يكون عن نوري المالكي وتعصّبه المذهبي أو محمّد شياع السوداني. لم يستطع السوداني يوما أن يكون رئيسا للوزراء على مسافة واحدة من جميع العراقيين، بغض النظر عن مذهبهم وطائفتهم وقوميتهم. بمعنى أن التطورات في المنطقة تفرض خروج العراق من الهيمنة الإيرانيّة، تماما مثلما خرجت سوريا منها نهاية العام 2024. هل كثير على العراق أن يكون فيه رئيس للوزراء لكلّ العراقيين من عرب واكراد وتركمان وشيعة وسنّة وما بقي من مسيحيين وأزيديين الخ...؟ هل وجود رئيس للوزراء في هذا المستوى بات حلما عراقيا؟ قد لا يكون الحلم بعيدا، خصوصا إذا استكمل دونالد ترامب مهمة التخلص من وضع اليد الإيرانية على العراق، وإذا تذكّر أنّ الذين يحكمون العراق حاليا ما كانوا ليصلوا إلى حيث هم لولا الدبابة الأميركيّة؟

رفعت الأسد… أو بربريةٌ في حداد
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يناير 23, 2026 - 17:04

يعبّر رفعت الأسد، الذي غيبه الموت قبل أيام، عن التحوّل السوري الكبير نحو الدولة المتوحشّة التي تعتمد في اثبات شرعيتها على القمع وتماسك الطائفة والبحث عن قيام حلف للأقلّيات. بدأ التحوّل السوري، عمليا، مع قيام الوحدة مع مصر في العام 1958، وهي وحدة لم تستمر سوى ثلاث سنوات وبضعة أشهر. في نهاية المطاف، لم يكن رفعت الأسد سوى رمز من رموز الدولة السورية المتوحشة التي دافع عنها بكل جوارحه منذ ما قبل مجزرة حماة في شباط – فبراير 1982 وانتهاء باجتياح الريف للمدينة وفرض قيم بالية على أهل المدن انتقاما من كلّ ما تمثله تلك المدن، مثل دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية، من قيم حضاريّة. حدث ذلك الإجتياح في سوريا نفسها. لكنّ الدولة السورية المتوحشة تمددت إلى لبنان حيث كان لرفعت الأسد، طوال سنوات، وجود عسكري حقيقي من خلال مرابطة قوات من "سرايا الدفاع" في ملعب "نادي النهضة" في رأس بيروت قريبا من الحمام العسكري. كانت لرفعت الأسد وعصابته تصرفات مشينة في بيروت. شملت تلك التصرفات خطف القائم بالأعمال الأردني هشام المحيسن ثم اطلاقه إثر ضغوط مورست عليه. كذلك، استنهض رفعت الأسد علويي طرابلس وسعى إلى توظيفهم في خدمة مشروعه القائم على حلف الأقلّيات في وجه الأكثريّة السنّية حيثما وجدت. في الأساس، استمرّ التحول نحو الدولة السورية المتوحشة مع الإنقلاب الذي نفذّه ضباط بعثيون وناصريون في الثامن آذار – مارس من العام 1963 بغية القضاء على أي امل باستعادة سوريا لحيويتها. قضى انقلاب 1963 على أي فرصة تسمح بعودة سوريا إلى دولة طبيعية مع انتهاء الوحدة ذات الطابع المضحك المبكي في الثامن والعشرين من أيلول – سبتمبر 1961. لم تسفر الوحدة سوى عن نكبة اقتصادية لسوريا...مع بدء التأميمات ووضع الأسس لقيام الدولة الأمنية، وهو ما تولاه الضابط عبد الحميد السراج. مثل رفعت الأسد، الشقيق الأصغر لحافظ الأسد، الشخصية العلوية المتعطشة إلى السلطة والمال والتي لا تمتلك غير لغة العنف والإبتزاز بغية تحقيق أهدافها. كان جزءا لا يتجزّأ من الدولة المتوحشة التي طوّرها حافظ الأسد ووضع لها أسسها. بقي إلى العام 1984 أداة من أدوات "الأخ الأكبر" مؤسس الدولة العلوية التي انتهت في الثامن من كانون الأوّل – ديسمبر 2024، يوم فرار بشّار الأسد إلى موسكو. لم يرتكب رفعت الأسد جرائم في حق الناس العاديين فحسب، بل ذهب إلى جعل نفسه "دكتورا" بالقوّة. فرض نفسه مثقفا، علما أنّّه لم يكن يعرف تركيب جملة مفيدة واحدة! لعب رفعت الأسد كلّ الأدوار التي كان مطلوبا منه أن يلعبها، بما في ذلك تأسيس "سرايا الدفاع" التي كانت تضمّ مجموعات عسكريّة علويّة مهمتها محصورة بالدفاع عن النظام، بل تشكيل درع له وذلك قبل حلها وإحلال الحرس الجمهوري، بضباطه العلويين، مكانها. شغل رفعت في مرحلة معيّنة موقع نائب رئيس الجمهورية، لكنّه ما لبث أن أُبعد من دمشق بعدما سعى إلى وراثة شقيقه لدى تعرّضه لنكسة صحّية خطيرة في العام 1984. حلم رفعت الأسد وقتذاك بأن الظروف تهيّأت لتحقيق للإستحواذ على السلطة، كل السلطة. لكنّ حافظ الأسد، الذي انقذ الأطباء حياته، استعان بكبار الضباط العلويين الآخرين من أجل قطع طريق الخلافة على رفعت. تولى مصطفى طلاس (السنّي) وزير الدفاع، وقتذاك، دور الشتّام الذي لم يبق سترا على رفعت الأسد. عرف طلاس، بشكل دائم، كيف يسترضي حافظ الأسد. اتقن الدور الذي كان مطلوبا منه كي ينصرف "معلّمه" إلى إعداد نجله الأكبر باسل ليكون خليفته في يوم من الأيّام. هذا ما حصل بالفعل في العام 2000. قضى باسل لكنّ الوريث كان بشّار! طوال السنوات التي أمضاها رفعت الأسد خارج سوريا، تمتّع بالأموال التي اغدقت عليه من مصادر عربيّة عدة. إشترى عقارات فخمة وفنادق في فرنسا وبريطانيا واسبانيا ودول أخرى. كذلك، سعى إلى ممارسة نشاطات اعلاميّة. لم يتغيّر الكثير في سلوكه ذي الطابع "التشبيحي". كلّ ما تغيّر أنّّه قرر تقديم نفسه بصفة كونه حريصا على دول الخليج العربي وأبعد ما يكون عن السعي إلى ابتزازها، عن طريق التقرب من إيران، كما كان يفعل شقيقه حافظ ثمّ خليفته بشّار. تمتع حافظ الأسد بعقل سياسي جهنّمي تحرّكه رغبة في تغطية تعصّبه المذهبي وكرهه لسنّة المدن ولكلّ من يؤمن بالحريّة في سوريا. خانته الأقدار في 1994 عندما قتل نجله الأكبر باسل في حادث سير تعرّض له في اثناء توجهه إلى مطار دمشق. كانت تلك الضربة الأكبر التي تعرّض لها منذ توليه السلطة في خريف 1970 تمهيدا لفرض نفسه كأول علوي يشغل منصب رئيس الجمهوريّة العربيّة السورية في 1971. في كلّ وقت، اعتبر رفعت أن الظروف ستسمح له بالعودة يوما إلى دمشق للعب دور سياسي وذلك منذ ما قبل غياب باسل عن الساحة. عاد بالفعل في العام 1993 مستغلا وفاة والدته ناعسة التي هي أيضا والدة حافظ الأسد. لكنّ الرئيس السوري بقي يتعاطى معه بحذر، خصوصا أنّه اختار تهيئة بشار كخليفة له، في ضوء مقتل باسل. قرّر حافظ الأسد، الذي كان يصف رفعت بـ"الغبي"، كما ابلغني أحد السفراء الأميركيين الذين خدموا في دمشق، السماح لشقيقه الأصغر بممارسة بعض الأدوار ولكن مع ابقائه تحت رقابة شديدة. لم يلبث رفعت أن غادر سوريا إثر اكتشافه أن ممارسة النشاط السياسي مغلق في وجهه. ما كتب قد كتب، أكثر ما استطاع بشّار الأسد عمله لعمّه هو السماح له بالهرب إلى دمشق من باريس تفاديا لدخوله السجن الفرنسي. نجا رفعت من السجن في فرنسا. بقي إلى آخر يوم من حياته فارا من العدالة، العدالة التي ستلحق، مهما طال الزمن، ببشّار الأسد وآخرين غيره...