

لو كانت الأمور طبيعية بين أميركا وإسرائيل من جهة و"الجمهوريّة الإسلاميّة" الإيرانيّة من جهة أخرى، لما كانت الحاجة إلى كلّ هذا الوقت وكل هذه التجاذبات من أجل الوصول إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة، التي هي في واقع الحال مجرد طرفين اثنين. في النهاية، لا يمكن الفصل بين أميركا وإسرائيل في ما يتعلّق بالقضايا الأساسية، أي بسلسلة ما هو مطلوب من إيران، إن في شأن ملفها النووي أو الصواريخ الباليستية والمنصات... أو الأذرع التي يتحكّم بها "الحرس الثوري" خارج الأراضي الإيرانية.
لو كانت الأمور طبيعية، لكانت إيران تصرّفت مثلما تصرّفت المانيا أو اليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانية حين استسلمتا أمام الإميركيين وحلفائهم الأوروبيين. هكذا كسبت المانيا نفسها، كذلك اليابان. احتاجت اليابان إلى قنبلة نوويّة ثانية ألقيت على ناغازاكي، بعد قنبلة أولى على هيروشيما، كي تفهم معنى التصميم الأميركي على الحاق هزيمة ساحقة بها. خلّصت الهزيمة العسكريّة البلدين من نظامين مستبدين جعلا كلّا منهما يشكّل خطرا على محيطه، بل على العالم كلّه... مكنت الهزيمة المانيا من التقاط أنفاسها واستعادة مكانتها في أوروبا والعالم، فيما تحول إقتصاد اليابان إلى أحد الأهمّ في العالم. حصل ذلك بعدما اقتنعت اليابان بأن لا جدوى من مواجهة عسكريّة مع الولايات المتحدة...
ما زالت "الجمهوريّة الإسلاميّة" ترفض الإعتراف بهزيمتها. مثل هذا الإعتراف سيمكنها من استعادة دورها في المنطقة والعالم وسيمكن الشعوب الإيرانية من الإنتماء مجددا إلى ثقافة الحياة. وجدت هذه الشعوب نفسها مجبرة على التخلي عن ثقافة الحياة بمجرد انتصار آية الله الخميني على نظام الشاه بحسناته وسيئاته في 1979.
لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" تعتبر أنّ لديها أوراقها في المنطقة وأنّها تستطيع خوض مفاوضات من الندّ للندّ مع "الشيطان الأكبر" الأميركي، وبالتالي للوصول إلى تفاهمات مع إسرائيل، من نوع تلك التفاهمات التي مهدت للإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000... أو "قواعد الإشتباك" التي بقي معمول بها حتّى يوم قرّر "حزب الله" شن "حرب اسناد غزّة".
إلى ذلك، ما زالت إيران ترى في العراق ورقة إيرانيّة. كذلك، ترى ورقة في "حزب الله" في لبنان أو "جماعة انصار الله" (الحوثيون) في اليمن. لا يدرك الوفد الإيراني، الذي فاوض الأميركيين في جنيف بوساطة عُمانية ومباشرة في بعض الأحيان، أنّّه يتحدّث لغة آكل عليها الدهر وشرب في ضوء ما شهدته المنطقة من احداث وتطورات منذ هجوم "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023.
إلى الآن ما زالت القيادة الإيرانيّة، على رأسها "المرشد" علي خامنئي تعيش في الماضي، في مرحلة ما قبل "طوفان الأقصى". تعتقد أنّ في الإمكان الأخذ والردّ في ما يخصّ البرنامج النووي الإيراني. يحدث ذلك، في حين المطلوب الإنتهاء من كلّ ما له علاقة بالبرنامج النووي لطهران. لا مجال لأي مماطلة في حال كان مطلوبا التوصّل إلى تفاهم يؤدي إلى تفادي حرب جديدة على "الجمهوريّة الإسلاميّة". ما ينطبق على البرنامج النووي ينطبق على الصواريخ الباليستية ومنصاتها. كذلك على الأذرع الإيرانيّة في العراق ولبنان واليمن.
أكثر من ذلك، ذهبت إيران إلى محاولة إغراء دونالد ترامب بفتح السوق الإيرانيّة أمام شركات النفط والغاز الأميركيّة. لا يوجد استيعاب في طهران لمفهوم البلد الآمن أمام الإستثمارات. أي شركة أميركيّة سترسل موظفيها إلى بلد يستطيع جعل المواطنين الأميركيين الموجودين فيه رهائن بين ليلة وضحاها؟
الحاجة إلى انقلاب إيراني على كلّ المستويات من أجل التوصل إلى تفاهمات مع أميركا. إلى اشعار آخر، لا قدرة لدى النظام في طهران القيام بمثل هذا الإنقلاب. لا قدرة له على ذلك نظرا إلى آنّ ليس في طهران، باستثناء قلّة صامتة، من يستطيع استيعاب معنى ما حدث في المنطقة منذ "طوفان الأقصى" وأبعاده. لا يوجد من يفهم ماذا يعني وجود قرار أميركي يقضي بليّ الذراع الإيرانيّة وذلك منذ تمزيق ترامب للإتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه مع إدارة باراك أوباما صيف 2015. مزّق الرئيس الأميركي في اثناء وجوده في البيت الأبيض، للمرّة الأولى، الاتفاق في 2018 . ما لبث أن أمر باغتيال قاسم سليماني، الذي يمكن وصفه بأنّّه أهمّ شخصية إيرانية، بعد "المرشد".
لم يذهب ترامب إلى كراكاس لإعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من أجل تأديب رئيس دولة عصى أوامره أو لأنّّه أقام علاقات وثيقة مع كوبا. لا يمكن اعتبار اعتقال مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك سوى جزء من عملية قصقصة لأجنحة "الجمهوريّة الإسلاميّة" في مختلف انحاء العالم.
من الصعب تفادي مواجهة عسكرية أميركية – إيرانية، من المرجح أن تشارك فيها إسرائيل، في ظلّ وجود عقلين ونهجين لا يمكن الجمع بينهما. يقوم العقل والنهج الإيراني على فكرة أنّه لم يتغيّر شيء في المنطقة وأنّه يكفي التلويح لترامب بالإستثمارات في إيران كي تصبح هناك هوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ينمّ الأسلوب الإيراني في التفاوض عن فكر ساذج يرفض الإعتراف بالهزيمة. لا يعبّر عن هذه الهزيمة أكثر من خروج إيران من سوريا. أين كانت سوريا وأين صارت بعد فرار بشّار الأسد إلى موسكو؟
باتت كلّ عناصر الهزيمة الإيرانية مجتمعة. مكمن الجرأة الإعتراف بالهزيمة. بعد ذلك يمكن الحديث عن مفاوضات بين جانبين يمتلك كلّ منهما أوراقه... هذا إذا كانت هناك أوراق إيرانية. لدى الحديث عن أوراق قوة، من الضروري الإشارة إلى الوضع الداخلي في إيران. قبل فشل نظام "الوليّ الفقيه" في الخارج، فشل في إيران بداية. في ذلك مكمن ضعفه قبل أي شيء آخر...