شعار Levant Time

العالم الجديد

عودة جزائريّة إلى رهانات خاطئة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مايو 11, 2026 - 11:16

ليس حدثا عابرا إدانة البعثة الأميركية لدى منظمة الأمم المتحدة الهجوم الذي نفذته جبهة "بوليساريو" على مدينة السمارة في الصحراء المغربيّة، معتبرة أن “مثل هذه الأعمال تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوض التقدم الذي تحقّق على طريق السلام". ليس حدثا عابرا أيضا تشديد البعثة الأميركيّة على أن “الوقت قد حان لوضع حد لهذا النزاع الذي طال أمده لنحو خمسين سنة”، مشيرة إلى أن “قرار مجلس الأمن الرقم 2797 يعتبر مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب أساسا يرسم الطريق نحو السلام في الصحراء". من الواضح أنّ الموضوع لا يتعلّق بـ"بوليساريو" بل بسياسة جزائريّة عاجزة عن التعاطي مع الواقع المتمثّل بصدور القرار 2797 في 31 تشرين الأول – أكتوبر 2025 الذي اعادت البعثة الأميركيّة التذكير به. بإختصار، ثمة عودة جزائريّة إلى رهانات خاطئة ثبت في الماضي أنّ لا جدوى منها. لا بدّ في البداية من تحديد معنى القرار 2797 وابعاده خصوصا لجهة التركيز على إقتراح الحكم الذاتي المغربي، بصفة كونه الإطار العملي الوحيد للحل، من جهة وتكريس "مغربيّة" الصحراء من جهة أخرى. هذا ما لم يتمكن النظام من ابتلاعه. ما لم يتمكن من ابتلاعه، على وجه الخصوص، أن الجزائر جزء لا يتجزّأ من النزاع، بل هو نزاع مفتعل جزائريا منذ لحظة اندلاعه في العام 1975. اندلع النزاع بهدف واحد وحيد هو شنّ حرب استنزاف على المغرب نتيجة نجاح "المسيرة الخضراء" لا أكثر. لم يمرّ الإعتداء على السمارة مرور الكرام. كشف الموقف الأميركي أن تصرفات الجزائر تحت المراقبة وأنّ ليس في استطاعتها الذهاب بعيدا في الإختباء وراء "بوليساريو". باتت اللعبة الجزائرية مكشوفة وهي تتلخّص حاليا باستغلال ما يدور في مالي لتبرير موقف تنادي به منذ سنوات طويلة عن حريّة تقرير المصير للشعوب. هذا شعار حقّ يراد به باطل في غياب القدرة على مواجهة الواقع المتمثل في أنّ سكان الأقاليم الصحراوية في المغرب عبّروا منذ عودة هذه الأقاليم إلى الوطن الأمّ في العام 1975 عن موقفهم الثابت. لم يفوت سكان الأقاليم الصحراويّة مناسبة إلّا وعبروا عن انتمائهم إلى المغرب. ما لبث هذا الموقف من "مغربيّة الصحراء" أن حظي باجماع عربي وشبه إجماع إفريقي وأوروبي. كانت هناك نقاط تحول عدّة، خصوصا مع إعتراف الولايات المتحدة قبل نحو ست سنوات، إبان الولاية الأولى لدونالد ترامب بمغربيّة الصحراء. لماذا لم تسحب الجزائر سفيرها من واشنطن بل أقامت القيامة على فرنسا ولم تقعدها بمجرّد إعتراف الرئيس ايمانويل ماكرون في رسالته التاريخيّة للملك محمّد السادس بـ"مغربيّة الصحراء" صيف العام 2024. ليس صدفة ظهور رهانات جزائرية جديدة على المسّ بـ"مغربيّة الصحراء" مباشرة بعد أحداث مالي وشنّ قوات انفصالية وأخرى متطرفة حربا على الحكومة المركزّية في باماكو. تحاول الجزائر، عن طريق إعادة تفعيل "بوليساريو" القول أنّ ثمة حركة انفصالية أخرى في منطقة الساحل تسعى إلى إيجاد موقع لها على الخريطة السياسية للمنطقة. لا تدري أنّ الأحداث تجاوزت مثل هذا النوع من الرهانات وأنّ حكومة مالي نفسها كانت اعترفت في العاشر من نيسان – إبريل الماضي بـ"مغربيّة الصحراء" وأهمّية إقتراح الحكم الذاتي المغربي. كلّ ما في الأمر أن تشجيع الحركات الإنفصالية في مالي يستهدف، بين أمور أخرى، معاقبة باماكو على التحول الذي طرأ على موقفها من قضيّة الصحراء. حصل ذلك بعدما لعبت في الماضي دورا محوريا على الصعيد الإفريقي في دعم الجزائر و"بوليساريو" والكيان الوهمي ا(لجمهوريّة الصحراوية) الذي أعلنت عن قيامه قبل نصف قرن. لم يكن من هدف وراء إعلان قيام هذا الكيان الوهمي سوى تبرير بقاء صحراويين في منطقة تندوف الجزائرية في مخيمات بائسة. يعيش هؤلاء الصحراويون في مخيمات لا تصلح للبني آدمين، بينما في استطاعة هؤلاء العيش في بلدهم حياة المواطن المغربي الحرّ الذي يتمتع بكلّ حقوقه وكرامته. من يستثمر في دعم الحركات الإنفصاليّة في منطقة الساحل إنّما يستثمر في تشجيع التطرّف والإرهاب في منطقة تحتاج إلى استثمارات من نوع آخر. تحتاج إلى استثمارات من نوع تلك التي يقوم بها المغرب الذي يسعى إلى تحسين الحياة اليومية لكل مواطن في مجالات الصحة والزراعة والتربية في شكل خاص. يسعى المغرب في الوقت ذاته إلى نشر تعاليم الإسلام المتسامح. يشمل ذلك تخريج أئمة من دول إفريقية عدة يتلقون القواعد الدينية الصحيحة. ليس سرّا أن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في الرباط تضم العشرات من علماء الدين من اكثر من ثلاثين دولة إفريقية وأن انشاء هذه المؤسسة خطوة مهمّة على طريق محاربة التطرف والإرهاب. عاجلا أم آجلا سترتد الهجمات التي تشنهّا "بوليساريو" على الجزائر. المغرب يعرف كيف يدافع عن نفسه، لا لشيء سوى لأن الإستثمار المغربي هو استثمار في الإنسان والتنمية وليس في التشجيع على التطرف والتحريض عليه. من يريد الاستقرار في منطقة الساحل لا يستثمر في تفجير دولة مثل مالي من داخل بمقدار ما يعمل من أجل قطع الطريق على التطرف بكلّ اشكاله. ما لا بدّ من الإشارة إليه مرّة أخرى أن الجزائر التي تعاني من مشاكل داخلية كبيرة لا تستطيع أن تكون مع انفصاليين عندما يعمل هؤلاء خارج حدودها وأن تقمع هؤلاء عندما يتحركون داخل البلد نفسه!

أخطاء لبنانية لا مفرّ من دفع ثمنها
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مايو 7, 2026 - 15:39

يربط بين الأخطاء اللبنانية التي لا مفرّ من دفع ثمنها في 2026 حبل غليظ يربط بين كلّ تلك الأخطاء التي أدت في نهاية المطاف إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي. ما نشهده حاليا نتيجة طبيعية لتراكم الأخطاء بدأ في مرحلة ما قبل اتفاق القاهرة في تشرين الثاني – نوفمبر 1969، وهو اتفاق مشؤوم، بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينيّة. كرس الإتّفاق سقوط الدولة اللبنانيّة في ضوء تخليها عن سيادتها على جزء من أرضها. من يتخلّى عن جزء من أرضه إنما يتخلّى، عمليا، عن السيادة على الأرض كلّها. لم يوجد سياسي لبناني يتحدّث وقتذاك عن كارثة إسمها إتفاق القاهرة غير العميد ريمون إدّه الذي أدرك خطورة الحدث وأبعاده... قبل توقيع إتفاق القاهرة، استخف لبنان بما تشهده المنطقة من أحداث، بما في ذلك نسف إسرائيل اسطول طائرات الـ"ميدل ايست" في مطار بيروت في الأيام الأخيرة من العام 1968 ردّا على استخدام مجموعات فلسطينية لمطار العاصمة اللبنانيّة. كانت هذه المجموعات تنطلق من بيروت لخطف طائرت متجهة لإسرائيل، بما في ذلك طائرة كانت في رحلة بين أثينا و تلّ أبيب! لم يستوعب لبنان ما الذي يعنيه نسف طائرات الـ"ميدل إيست". بدل فهم معنى الدرس، ذهب إلى توقيع أتفاق القاهرة مع ما يعنيه ذلك من فتح حدود لبنان أمام مجموعات فلسطينية لشن هجمات على إسرائيل. ذهب لبنان، في ارتكاب الأخطاء إلى أبعد من ذلك. انتخب مجلس النواب سليمان فرنجيّة الجد رئيسا للجمهوريّة في العام 1970. كان سليمان الجدّ شخصا وطنيا، لكنّ ثقافته السياسية كانت محدودة إلى حد كبير، خصوصا على الصعيد الإقليمي. كيف لسليمان فرنجيّة استيعاب معنى أحداث في غاية الخطورة تدور في المنطقة بدءا بوفاة جمال عبد الناصر وحلول انوار السادات مكانه وصولا إلى تولّي حافظ الأسد مقاليد السلطة في سوريا مرورا بطرد الفدائيين الفلسطينيين من الأردن وانتقال هؤلاء إلى لبنان عبرالأراضي السورية. وقعت كلّ هذه الأحداث التاريخيّة في العام 1970 في غياب سلطة لبنانيّة على تماس مع ما يدور في المنطقة. ذهب سليمان فرنجيّة من محاولة القضاء على الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان في أيّار – مايو 1973 إلى التوجه إلى الأمم المتحدة في 1974 للتحدث باسم العرب عن قضيّة فلسطين. لم يكن هناك من إدراك لبناني لمغزى النتائج المترتبة على حرب تشرين الأول – أكتوبر 1973 والطلاق بين مصر وسوريا نتيجة تلك الحرب. اتجه أنور السادات إلى تسوية مع إسرائيل، فيما اتجه حافظ الأسد إلى السيطرة على لبنان وعلى القرار الفلسطيني، الذي كان في بيروت حيث مقرّ إقامة ياسر عرفات. كان الأسد الأب يعتبر القرار الفلسطيني المستقلّ "بدعة" وكان يعتبر لبنان مجرّد ساحة تعوض عن خسارة سوريا الجولان. كانت السيطرة على لبنان، بالنسبة إلى الرئيس السوري الراحل، أهمّ بكثير من استعادة الجولان. دخل لبنان الحرب الأهلية في العام 1975، من دون تنبّه مسيحي، إلى وقوعه في الفخّ الذي نصبه له حافظ الأسد. حصل حافظ الأسد في العام 1976 على ضوء أخضر أميركي وإسرائيلي من أجل وضع اليد على لبنان، خصوصا على "قواعد المسلحين الفلسطينيين التابعين لمنظمة التحرير" على حدّ تعبير المسؤولين الأميركيين وقتذاك. كان على رأس هؤلاء هنري كيسنجر وزير الخارجية الذي اعتبر الدخول العسكري إلى لبنان كفيلا بمنع مواجهة إقليمية يمكن ان يتسبب بها الوجود الفلسطيني المسلّح في منطقة يمكن أن تهدّد شمال إسرائيل. ليس أمام لبنان سوى استعادة هذه الفترة من تاريخه في حال كان يريد المحافظة على نفسه. من الضروري أكثر من أي وقت التعلّم من الفرص الضائعة وقبل ذلك من الأخطاء التي أدت إلى الإستخفاف بما تستطيع أن تفعله إسرائيل التي لا يمكن ان تنسحب من جنوب لبنان من دون ثمن. ليس مطلوبا في الوقت الحاضر من لبنان دفع ثمن الحربين الأخيرتين (حرب اسناد غزّة وحرب إسناد إيران) اللتين ذهب إليهما "حزب الله" بناء على تعليمات إيرانية فحسب، بل المطلوب أيضا دفع ثمن التراكمات. يزيد عمر الأخطاء المتراكمة على 57 عاما، هي عمر إتفاق القاهرة السيء الذكر وما سبقه ومهّد له من أحداث على أرض لبنان وفي المنطقة المحيطة به. العبارة المفتاح حاليا هي القدرة على استيعاب التطورات الإقليميّة والدوليّة، وهي قدرة اتقنها حافظ الأسد في السنوات الطويلة لحكمه. اتقنها إلى درجة جعل من دخول لبنان عسكريا خدمة يؤديها للأميركيين والإسرائيليين الذين سمحوا له مجددا بوضع اليد على البلد في 1990. وقتذاك، دخل الجيش السوري إلى قصر بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة بفضل غباء ميشال عون، الذي يعبّر عن غباء قسم لا بأس به من المسيحيين وانتهازيتهم. اعتقد ميشال عون في تشرين الأوّل – أكتوبر 1990 أنّ صدآم حسين، الذي غرق في وحول الكويت، سيهب لنجدته وإبقائه في قصر بعبدا! لم يوجد في لبنان من يحاسب ميشال عون على جريمته. على العكس من ذلك، وجد "حزب الله" أنّه يستحق مكافأة على هذه الجريمة. كانت المكافأة إيصاله إلى موقع رئيس الجمهوريّة اللبنانية في 2016. سيتوقف الكثير لبنانيا على كيفية إدارة المفاوضات مع إسرائيل. صارت المفاوضات أمرا واقعا. إسرائيل تريد ثمنا. كيف للبنان أن يدفع هذا الثمن وكيف يحصل في المقابل على استعادة أراضيه المحتلة وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، حتّى لو كانت مدمّرة؟ لا يمكن الإكتفاء بارتكاب الأخطاء طوال كلّ هذه السنوات. للأخطاء ثمن لا مفرّ من دفعه. لكنّ الأهمّ من الثمن التعلّم من الأخطاء. هل تعلّم لبنان في 2026 من أخطاء الماضي كي يدرك أنّ بقاءه على قيد الحياة صار أقرب إلى معجزة أكثر من أيّ شيء آخر...

التركيز الإيراني على نبيه برّي
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مايو 1, 2026 - 11:30

لافت ذلك الإصرار الإيراني على أنّ "الجهوريّة الإسلاميّة" تفاوض باسم لبنان وأنّ الفضل في وقف النار في لبنان يعود إليها. يشير إلى ذلك تأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، لدى اتصاله بالرئيس نبيه برّي، إنّ "وقف اعتداءات إسرائيل على لبنان مشمول بإتفاقنا مع أميركا". ليس صدفة اتصال عرقجي ببرّي كما لو أنّه يريد القول أنّ رئيس مجلس النواب بات الملجأ الأخير لإيران في لبنان. يدلّ هذا الموقف الإيراني من لبنان على إفلاس ما بعده إفلاس، خصوصا أنّ لا وقف حقيقيا للنار في لبنان. كلّ ما في الأمر أن إسرائيل تتابع حربها على لبنان، وهي حرب تسبّب بها "حزب الله" أصلا. تركّز إسرائيل في هذه المرحلة على مناطق تقع جنوب الليطاني. تتجاوز هذه المناطق أحيانا وتذهب إلى توجيه ضربات في البقاع الغربي. باختصار شديد، لا وجود لوقف للنار في لبنان بل يوجد استمرار لحرب تشنها الدولة العبريّة آخذة في الإعتبار بعض المطالب الأميركيّة. تحيّد الدولة العبريّة بيروت هذه الإيام، بناء على رغبة الرئيس دونالد ترامب الذي لديه حسابات خاصة في شأن لبنان الذي يريد مراعاته كبلد "يحبّه". قد يعود ذلك لأسباب شخصيّة لا علاقة لها بإيران بمقدار ما لديها علاقة بالرغبة في نجاح أي مفاوضات بين لبنان وإسرائيل. ما لا بدّ من ملاحظته حرص الرئيس الأميركي على استضافة الجولة الأخيرة من المفاوضات التمهيديّة بين لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض بدل مقرّ وزارة الخارجيّة. يعطي الموقف الإيراني من لبنان فكرة عن الأوهام التي لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" في اسرها. في مقدّم هذه الأوهام أنّ لبنان لا يزال تابعا لها. ترفض طهران الإعتراف بأن لبنان صار في مكان آخر. ما ترفض الإعتراف به أنّ القرار السياسي اللبناني لم يعد مهيمنا عليه من إيران، خصوصا بعد خروجها من سوريا. تتجاهل "الجمهوريّة الإسلاميّة" أن لبنان في حاجة إلى التخلّص من سلاح "حزب الله"، بل في حاجة إلى ترتيبات أمنيّة مع إسرائيل من أجل العمل جدّيا على إعادة النازحين من أهل الجنوب إلى قراهم... أو ما بقي منها. كذلك، تتجاهل "الجمهوريّة الإسلاميّة" أنّ لبنان لا يستطيع العيش في ظلّ قنبلة موقوتة اسمها ما يزيد على مليون نازح من أهل الجنوب فقدوا كلّ ما يمتلكونه. يغيب الجانب الأهمّ من المشهد اللبناني عن الرؤية الإيرانية. يتمثل هذا الجانب في عذابات الجنوبيين من جهة وفي رغبة إسرائيل في تغيير طبيعة أرض الجنوب من جهة أخرى. لعل الشاهد الحيّ على ذلك الطريقة التي دمرت بها إسرائيل نفقا بطول كيلومترين أقامه "حزب الله" في القنطرة. لم يكن الأمر مجرّد تدمير لنفق بل سعي إلى تغيير طبيعة الأرض! في غياب القدرة على وضع لبنان كلّه في جيبها وفي ضوء الهزيمة العسكرية التي لحقت بـ"حزب الله"، نرى إيران تركّز على نبيه برّي الذي يحرص في هذه الأيام على تمييز نفسه عن موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام. يراعي برّي الرغبات الإيرانيّة بحجة أنّه يسعى إلى المحافظة على وحدة الطائفة بدل اعتماد موقف وطني لبناني تفرضه الظروف الداخلية والإقليميّة والدوليّة في الوقت ذاته. يعتمد في ذلك على كلام من نوع أنّه يؤيّد المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل. لا يسأل نفسه كيف يمكن لمثل هذه المفاوضات غير المباشرة استعادة الأرض عبر تأمين انسحاب إسرائيلي من مساحة خمسة في المئة من الأراضي اللبنانية؟ هل تنجح المناورة الإيرانيّة التي يستخدم فيها رئيس مجلس النواب في الربط بين لبنان وبين المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة التي تحوّلت إلى مفاوضات غير مباشرة؟ الجواب أنّ مثل هذه المناورة ستفشل. يعود ذلك إلى الواقع القائم على الأرض حيث تدمّر إسرائيل يوميا ما بقي من قرى شيعيّة، في معظمها، بهدف إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان. في النهاية إن من يسير حسب المنطق الإيراني، أكان الرئيس نبيه بري أو غيره، إنما يخدم منطق الاحتلال وتكريسه لا أكثر. ليس سرّا أن "حزب الله" يقتات من الاحتلال. يؤكّد ذلك أنّّه عمل كلّ شيء من أجل عودته. افتعل "حرب إسناد غزّة" في الثامن من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. معروف ما اسفرت عنه تلك الحرب، بما في ذلك إغتيال حسن نصرالله ومعظم الكوادر العليا للحزب. لا حاجة إلى العودة إلى عمليّة الـ"بيجرز" وما أدت إليه ولا اكتشاف أن إسرائيل تعرف الكثير عن تركيبة الحزب وأماكن سكن قادته. لم يتعلّم الحزب، ومن خلفه إيران، من نتائج "حرب اسناد غزّة". جاءت "حرب إسناد إيران" في الثاني من آذار – مارس 2026 لتزيد الطين البلة. وسعت إسرائيل احتلالها. يظلّ السؤال كيف يمكن لشخص، مثل نبيه برّي، يمتلك كلّ هذه الخبرة السياسيّة السير في سياسة إيرانيّة باتت في طريق مسدود بدل دعم الموقف الوطني لجوزاف عون ونواف سلام؟ من الصعب فهم موقف رئيس مجلس النواب في وقت يحتاج فيه لبنان أكثر من أي وقت إلى تأكيد القطيعة مع إيران بدل دفع ثمن إرتكابات "الجمهوريّة الإسلاميّة" منذ اليوم الأول لقيامها في 1979؟ ألم يأخذ رئيس مجلس النواب اللبناني علما بأن إيران اطلقت أخيرا معظم ما تملكه من صواريخ ومسيرات في اتجاه دول الخليج العربي... وليس في اتجاه إسرائيل؟

صورة لبنانيّة تختزل الوقاحة الإيرانيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أبريل 24, 2026 - 04:29

على خلفية ما يزيد على مليون نازح وركام ما يزيد على 55 قرية وبلدة لبنانية في الجنوب، أحيت "الجمهوريّة الإسلاميّة" في بيروت، عاصمة لبنان، أربعين "المرشد" الإيراني علي خامنئي الذي اغتالته اميركا وإسرائيل في 28 شباط – فبراير الماضي. ينمّ مشهد إحياء ذكرى خامنئي عن وقاحة ليس بعدها وقاحة، خصوصا أنه جلس في مقدم الحضور السفير الإيراني محمد رضا شيباني الذي اعتبرته الحكومة اللبنانية "شخصا غير مرغوب به". ليس بقاء السفير في بيروت، على الرغم من أنّه لم يقدّم أوراق اعتماده يوما، سوى دليل على مدى الاستخفاف الإيراني بلبنان واللبنانيين، وهو في الأصل استخفاف فارسي يستند إلى الاستعلاء على كلّ ما هو عربي في المنطقة. تختزل صورة الجالسين في الصفّ الأوّل، بينهم وزير الصحّة، أحد ممثلي "حزب الله" في الحكومة الوقاحة الإيرانيّة في لبنان. عمليا، تختزل الصورة رهان "الجمهوريّة الإسلاميّة" المستمرّ على الإمساك بلبنان وتحويله ورقة من أوراقها. لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" تراهن على الورقة اللبنانية منذ دخول طلائع "الحرس الثوري" مدينة بعلبك في ذلك اليوم المشؤوم من صيف العام 1982. ليس صدفة اختيار "الحرس الثوري"، الذي دخل إلى سهل البقاع من الأراضي السوريّة بحجة المشاركة في مواجهة إسرائيل، التمركز في ثكنة للجيش اللبناني اسمها ثكنة الشيخ عبدالله. كان المسّ بالجيش اللبناني هدفا أوّل لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" ممثلة بـ"الحرس الثوري". تبدو صورة إحياء ذكرى أربعين الخامنئي أكثر من معبّرة. إنّّها تكشف أوّلا رفض "الجمهوريّة الإسلاميّة" الاقتناع بأن لبنان فصل مساره عن مسارها. لا تستطيع "الجمهوريّة الإسلاميّة" تصديق ذلك وتصديق أن لبنان يسعى إلى أن يكون بلدا خارج السيطرة الإيرانيّة المباشرة. يعود ذلك إلى عجز عن التعاطي مع الواقعين الإقليمي والدولي اللذين أديا إلى انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني بعد سنوات طويلة من نجاح منقطع النظير في استخدام الأدوات الإيرانية، خصوصا "حزب الله" اللبناني في ابتزاز العالم والعرب. ما بدأ بدخول "الحرس الثوري" إلى بعلبك وتمركزه في ثكنة للجيش اللبناني، في تحدّ لكل القوانين والأعراف الدوليّة، استمر بحملة إيرانيّة استهدفت الجامعة الأميركيّة في بيروت. خطف الإيرانيون، صيف 1982، بواسطة ادواتهم اللبنانيّة رئيس الجامعة ديفيد دودج من بيروت ونقلوه إلى طهران. ما لبثت السلطات الإيرانية أن أطلقت دودج بعد جهود بذلها رفعت الأسد، الذي كان يسعى إلى التقرب من الأميركيين وإظهار أنّ في استطاعته أن يكون يوما ما خليفة لشقيقه حافظ. استطاعت إيران طرد الولايات المتحدة من لبنان. انتصرت بالفعل على الوجود الأميركي في البلد، خصوصا بعد نسف السفارة الأميركيّة في بيروت في نيسان – ابريل 1983 ومقرّ "المارينز" قرب مطار بيروت في الشهر العاشر من تلك السنة. لحقت بأميركا، لدى نسف مقر المارينز الخسائر البشرية الأكبر منذ حرب فيتنام. قتل وقتذاك 245 عسكريا أميركيّا. لم تتوقف الحملة الإيرانيّة على الوجود الأميركي في لبنان يوما. لا حاجة إلى استعادة عمليات خطف الأميركيين في بيروت ولا اغتيال ملكوم كير رئيس الجامعة الأميركية في 1984... وصولا إلى يوم اغتيل فيه رفيق الحريري في 14 شباط – فبراير 2005 وما تلاه من فرض كامل للوصاية الإيرانية على البلد نتيجة الانسحاب العسكري والأمني السوري منه. يوجد عجز إيراني عن تصديق أن لبنان تغيّر وأن المنطقة تغيّرت. تؤكّد صورة إحياء ذكرى أربعين "المرشد" هذا العجز الذي تحوّل إلى وقاحة. لا تستطيع بقايا القيادة الإيرانية تخيّل "الجمهورية الإسلاميّة" من دون لبنان كبلد تابع لها. هناك رفض لواقع يتمثّل في أن لبنان يستطيع استعادة وضعه كدولة مستقلّة ذات سيادة والتخلّص في الوقت ذاته من وضع اليد الإيرانية التي أخذته إلى الكارثة الحالية. إنّّا كارثة لحقت بالشيعة قبل غيرهم وبأرض الجنوب وقراه وبلداته وأهله... لن تستطيع "الجمهوريّة الإسلاميّة" الهروب من الواقع الدولي والإقليمي إلى ما لا نهاية. يبدو جليّا أن الوقاحة التي لجأت إليها في لبنان جزء من هذا الهروب الإيراني بأبعاده المختلفة. من بين هذه الأبعاد الردّ على أميركا وإسرائيل باعتداءات على دول الخليج العربي. لا يمكن الاستمرار لأي بلد في العالم متابعة الهروب من الواقع إلى ما لا نهاية. الواقع يقول أن "الجمهوريّة الإسلاميّة" خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة، أكان ذلك في لبنان أو في سوريا أو في غزّة نفسها التي ابادتها إسرائيل من الوجود مثلما أبادت في الوقت ذاته قيادة "حزب الله". تظلّ خسارة سوريا الخسارة الأهمّ لإيران كونها الجسر إلى لبنان. لم يعد من وجود لـ"الهلال الشيعي" الذي كان يبدأ في طهران وينتهي في بيروت ويتمدد في اتجاه جنوب لبنان. باختصار شديد لا يمكن للوقاحة تغطية العجز. لا يغطي العجز غير الاعتراف بأن لبنان لم يعد محميّة إيرانية كما كانت سوريا في أيام حافظ الأسد وبشار الأسد، إيام كان فيها "الهلال الشيعي" حيّا يرزق.

جوزاف عون يخرج لبنان من اللعبة الإيرانيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أبريل 19, 2026 - 03:27

تظلّ النقطة الأساسية في الكلمة الجريئة التي وجهها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى اللبنانيين تلك المتعلقة بالتوصل إلى "اتفاقات دائمة" مع إسرائيل في ضوء التوصل إلى وقف للنار. تعمّد رئيس الجمهوريّة تأكيد الخروج اللبناني الكامل من اللعبة الإيرانيّة عبر تجاهله أي دور لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" في التوصّل إلى وقف النار. في المقابل، شدّد على دور "الصديق" الرئيس دونالد ترامب والمجموعة العربية، "في مقدّمها المملكة العربيّة السعوديّة". جلب ذلك من دون شكّ غضب إيران و"حزب الله" على رئيس للجمهوريّة يسعى إلى التخلّص من الاحتلال وعودة النازحين إلى قراهم. تحقّق وقف النار في لبنان بعدما تبيّن للرئيسين جوزاف عون ونواف وسلام أنّّ لا فائدة من نصف خروج من اللعبة الإيرانية. إما خروج كامل من تلك اللعبة أو يبقى لبنان ضحيّة أخرى من ضحايا المشروع التوسّعي الإيراني والطريق المسدود الذي بلغه. تبدو مشكلة إيران مع لبنان معقدة إلى أبعد حدود. يعود ذلك، أصلا، إلى العجز الإيراني عن فهم تركيبة لبنان وصيغته المعقّدة من جهة ورفض اللبنانيين، في اكثريتهم، سقوط بلدهم تحت الهيمنة الإيرانيّة مباشرة بعد تخلّصه من الوصاية السورية. لكنّ العقدة الكبرى لإيران تظلّ في اكتشافها أنّ استثمارها في "حزب الله"، وهو استثمار يزيد عمره على أربعين عاما، لم يكن في محلّه. ذهبت كل المليارات التي وظفتها "الجمهوريّة الإسلاميّة" هباء، أكان ذلك في لبنان أو في سوريا أيضا. لا بدّ من تفهم وضع إيران والعقدة التي تسبّب بها لبنان. تتمثّل العقدة في عجز "الجمهوريّة الإسلاميّة" على التكيّف مع التغيير الذي حصل في المنطقة. يعبّر أفضل تعبير عن هذا التغيير أنّ الحرب الدائرة حاليا، إنما تدور في داخل إيران نفسها. ليس بعيدا اليوم الذي ستكشف فيه هذه الحرب الفشل الذي يعاني منه النظام الذي أقامه آية الله الخميني في العام 1979 والذي كان في أساسه شعار "تصدير الثورة". بعد مرور 47 عاما على قيام "الجمهوريّة الإسلاميّة"، ارتد الشعار الذي رفعته طهران على من رفعه. يرفض لبنان، بأكثرية مواطنيه، ارتداد هذا الشعار الإيراني عليه أيضا. لم يستطع النظام الإيراني في نهاية المطاف متابعة الدفاع عن نفسه عن طريق تصدير أزماته إلى خارج حدوده. كان لا بدّ من نهاية للعبة سمجة وخطيرة في الوقت ذاته. اعتمدت هذه اللعبة على سذاجة الإدارات الأميركيّة المتلاحقة منذ عهد جيمي كارتر من جهة وعلى تواطؤ إسرائيلي من جهة أخرى. لعبت إسرائيل كلّ الأدوار المطلوبة منها إيرانيا من أجل خدمة مصالحها القائمة على تفتيت المنطقة. تغيّرت قواعد اللعبة الإقليميّة التي كانت قائمة أساسا على تساهل أميركي مع طهران وعلى تواطؤ إسرائيلي معها. تغيّرت المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، بعد السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023. لم تلتقط "الجمهوريّة الإسلاميّة" حتّى معنى ألّا تعود الطرف الذي يقرّر من هو رئيس الجمهوريّة في لبنان. لا يمكن نسيان أنّ "حزب الله" فرض ميشال عون رئيسا للجمهوريّة في 31 تشرين الأول – أكتوبر 2016. لا يمكن، في الوقت ذاته، تجاهل أن جوزف عون وصل إلى قصر بعبدا مطلع العام 2025 غصبا عن رغبة إيران و"حزب الله". يبقى أنّ الحقيقة والواقع شيء، فيما الوهم شيء آخر. كان ميشال عون مع صهره جبران باسيل مجرّد أداة عند "حزب الله"، أي أداة عند الأداة الإيرانيّة. تسمح الظروف الإقليمية المختلفة في المنطقة، خصوصا مع التغيير الكبير الذي حصل في سوريا، للرئيس الحالي للجمهوريّة اللبنانية بأن يخرج من تحت الهيمنة الإيرانيّة وأن يكون رئيسا بالفعل للبنان على الرغم من غياب بعض الوضوح في الرؤية لدى قصر بعبدا في بعض الأحيان... كلّ ما في الأمر أن إيران لا تعرف كيف تخسر، كما حصل مع المانيا واليابان. يبدو أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا تعرف، حاليا، كيف تخسر مثلما لم تعرف كيف تربح في مرحلة اعتبرت فيها أنّها تسيطر على أربع عواصم عربيّة، بينها بيروت. المهمّ بالنسبة إلى بلد مثل لبنان أن يعرف كيف يخسر وأن يخرج من تحت العباءة الإيرانيّة نهائيا. لا خيارات كثيرة أمام البلد الذي سيكون عليه دفع ثمن "حرب فرضت عليه"، على حد تعبير نوّاف سلام. أظهر لبنان، عبر كلمة جوزاف عون، أنّّه يريد بالفعل الذهاب إلى أبعد من الوصول إلى وقف للنار مع إسرائيل، سيتوجب عليه تقديم تنازلات لا مفرّ منها. كلّما استعجل لبنان قبول الشروط التي يمكن أن تؤدي إلى وقف النار، بشكل دائم، كلما كان ذلك أفضل رحمة بالجنوب وأهل الجنوب. مثلما أنّ إيران تفاوض أميركا، عليه مفاوضة إسرائيل من دون عقد من أي نوع. حين لا ترحم "الجمهوريّة الإسلاميّة" أهل الجنوب والجنوب بقراه ومدنه، ليس أمام لبنان غير وضع مصلحته فوق أي مصلحة أخرى، خصوصا فوق مصلحة إيران. يجدر به أخذ العلم بأنّ لا أوراق لدى البلد يلعبها في مواجهة وحش اسمه بنيامين نتانياهو غير الحديث المباشر مع "بيبي". مثل هذا الحديث يمكن أن يكون مفيدا، في مرحلة معيّنة، بغية الذهاب إلى أبعد من وقف للنار... والبحث فيما إذا كانت هناك وسيلة لزوال الاحتلال مقابل ثمن لا مفرّ من دفعه. إنّّه ثمن التبعية الكاملة لـ"حزب الله" لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة"...

لبنان ينهي وحدة المسار مع إيران
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أبريل 11, 2026 - 18:21

ليس الإعلان عن بدء مفاوضات لبنانيّة - إسرائيلية، بحضور أميركي، في واشنطن سوى خطوة أولى في طريق طويل سيمهّد للفصل بين المسارين الإيراني واللبناني. كذلك، سيمهّد، كما يفترض، لمعاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل على طريقة المعاهدة المصرية – الإسرائيلية (1979) وإتفاق السلام الأردني – الإسرائيلي (1984). باتت على المحكّ إستعادة لبنان قراره المستقلّ والفصل بين قراره والقرار الإيراني، مثلما استطاع في الماضي الفصل بين وحدة المسارين مع سوريا في عهدي حافظ الأسد وبشّار الأسد. رفع الأسد الأب والأسد الإبن شعار "وحدة المسار والمصير" مع لبنان. إعتبر الأسد ال والأسد الإبن ذلك ورقة في أي مساومات مع الولايات المتحدة وفي لعبة استمرار حال اللاحرب واللاسلم في منطقة الشرق الأوسط. هل تكون السنة 2026 سنة دفن إتفاق القاهرة؟ هذا الإتفاق الذي وقع في العام 1969 وكان في أساس المأساة اللبنانيّة. يبدو أنّه كانت هناك حاجة إلى 57 عاما من الحروب بين اللبنانيين وحروب الآخرين على أرض لبنان من أجل التخلّص أخيرا من إتفاق القاهرة ومفاعيله. الثابت، أقلّه إلى الأن، أن لبنان مصرّ بفضل موقفي رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام على رفض أي محاولة إيرانيّة للتفاوض باسمه. صحيح أن لبنان يسعى، عبر عون وسلام، إلى وقف مؤقت للنار على غرار الاتفاق الذي توصلت إليه "الجمهوريّة الإسلاميّة" مع الولايات المتحدة، لكن الصحيح أيضا أن لبنان يرفض أن يكون جزءا من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانية المرشحة للفشل، خصوصا في حال إصرار طهران على مطالبها المستحيلة. لا سبب يدعو لبنان إلى آن يكون ضحية مغامرات النظام الإيراني الذي عمل كلّ ما يستطيع من أجل تحويله إلى مستعمرة من مستعمراته. أكثر من ذلك، وصل الأمر بطهران في مرحلة معيّنة إلى إعتبار بيروت عاصمة عربيّة تحت سيطرة طهران وإطلالة لها على البحر المتوسط. كان ذلك مثلما أنّ الجنوب اللبناني تحوّل، في مرحلة معيّنة، إلى صندوق بريد بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" من جهة والدولة العبريّة من جهة أخرى! آن أوان وضع حدّ لمهزلة استمرت أكثر من اللزوم. لا تشبه وحدة المسارين اللبناني والإيراني سوى وحدة المسارين اللبناني والسوري. تتمسّك "الجمهوريّة الإسلاميّة" بلبنان كما لو أنّه آخر ما بقي لديها من أوراق في المنطقة، علما أنّها لا تزال تسيطر على العراق وعلى قسم من اليمن حيث بات الحوثيون في حيرة من أمرهم، خصوصا أنّههم يعتمدون على دولة عربيّة خليجية من أجل دفع رواتب موظفي الدولة في المناطق التي ما زالوا يسيطرون عليها بدءا من صنعاء. تبدو الخطوة التي أقدم عليها لبنان في غاية الذكاء وذلك على الرغم من أنّ جلسة المفاوضات المباشرة الأولى، المتوقّعة قريبا، مع إسرائيل ستكون ذات طابع شكلي. لكنّ، يبقى مفيدا ملاحظة أنّ موافقة الدولة العبريّة على عقد جلسة التفاوض جاءت بعد 24 ساعة من الضربات التي وجهتها إسرائيل لمواقع في مختلف انحاء بيروت بغية تأكيد أنّه قادر على لعب دور في الداخل اللبناني وأنّّه يسيطر على القرار السياسي في البلد. هل فهم لبنان الرسالة الإسرائيلية تعني أوّل ما تعنيه أنّ الدولة العبريّة مصمّمة على الذهاب إلى النهاية في الإنتهاء من الحزب من جهة وأنّ لا انسحاب من جنوب لبنان يوما من دون إتفاق سلام معها من جهة أخرى؟ يظلّ السؤال الأساسي في نهاية المطاف هل تفاوض "الجمهوريّة الإسلاميّة" مع "الشيطان الأكبر" الأميركي حلال، فيما تفاوض لبنان مع "الشيطان الأصغر" الإسرائيلي، حرام؟ كلّ ما في الأمر، أن لبنان قرّر أخيرا عمل مصلحته وليس مصلحة إيران التي جنّد "حزب الله" كلّ ما يستطيع من أجل أن يكون في خدمتها عبر تلبية أوامر "الحرس الثوري" وتعليماته. بات لبنان يعرف تماما أن سلاح الحزب يعني استمرار الاحتلال وتوسيعه، بل تكريسه، وأنّ هذا السلاح نقطة ضعف وليس نقطة قوّة في أي شكل. لا شكّ أن أن لبنان يخوض معركة كبيرة لا تقلّ خطورة عن معركة الخروج من الوصاية السورية في العام 2005 في ضوء إغتيال رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط – فبراير من ذلك العام. ما يمكن أن يساعد لبنان في معركته أنّ أكثريّة اللبنانيين باتت مقتنعة بأن السلاح يعني التمسّك بالإحتلال الإسرائيلي وأن السبيل الوحيد للتخلّص من الإحتلال يتمثل في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهي مفاوضات لم يعد من مفرّ منها. هل لبنان أفضل مصر أو من الأردن؟ لم يعد أمام لبنان غير المفاوضات المباشرة. يفترض به أن يعدّ نفسه لهذه المفاوضات عن طريق جعل الوفد المفاوض يضمّ أكبر عدد من القوى السياسية الفاعلة، بما في ذلك من يشكّل وزنا شيعيا. لدى الشيعة مصلحة مغايرة كلّيا لمصلحة إيران و"حزب الله". لدى الشيعة مصلحة في الإنتهاء من الاحتلال الإسرائيلي وإعادة أهل القرى المدمّرة إليها وإعادة إعمارها بدل تحوّل النازحين إلى قنبلة موقوتة على الصعيد اللبناني ككلّ، خصوصا في داخل بيروت. يبقى أنّ ما يمكن مساعدة لبنان في الذهاب بعيدا في المفاوضات مع إسرائيل خسارة إيران لورقتها السوريّة. لم تعد سوريا، في ضوء التخلّص من النظام العلوي، ورقة ضغط على لبنان الرسمي واللبنانيين. لا شكّ أن ذلك سيساعد البلد في الخروج من السطوة الإيرانية كي يكون لبنان هو لبنان وإيران هي إيران... ووقف مهزلة اسمها "وحدة الجبهات" و "محور الممانعة".

الإستسلام اللبناني هو الوطنية...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أبريل 6, 2026 - 00:33

بات لبنان متروكا لمصيره في غياب موقف موحّد لكبار المسؤولين، أي رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النوّاب ورئيس مجلس الوزراء، من البحث عن مخرج من جهة ورغبة إسرائيليّة في إقامة منطقة عازلة في الجنوب من جهة أخرى. لا يقتصر الخطر الإسرائيلي على إقامة هذه المنطقة العازلة، بل يبدو واضحا أنّ الدولة العبريّة مصرّة على تدمير قرى لبنانية على طول ما يُعتبر الحدود بين البلدين، وهي خطوط لم ترسّم رسميا بعد... تبدو الحاجة إلى موقف موحّد وشجاع أكثر من أي وقت، لا لشيء سوى لأنّ مصير البلد ومستقبله على كفّ عفريت بعدما أدخله الحرس الثوري الإيراني في حرب ذات طابع مدمّر. كف سيواجه لبنان وجود ما يزيد على مليون نازح في المرحلة المقبلة. تقع مسؤولية وجود هذا العدد الكبير من النازحين، وهم في اكثريتهم الساحقة من الشيعة، على إيران وحزب الله في الوقت ذاته. هؤلاء النازحون نتيجة مباشرة لقرار الدخول في حرب جديدة مع إسرائيل تسببت بها الصواريخ الستة التي اطلقها "الحرس الثوري" من جنوب لبنان بحجة الإنتقام لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. المؤسف أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة"، التي يتحكّم بها الحرس الثوري كلّيا، تعرف تماما ما الذي تريده من لبنان وما هي وجهة إستخدامه، خصوصا بعدما وضع الحرس الثوري يده على حزب الله كلّيا. تبدو "الجمهوريّة الإسلاميّة" مستعدة للتضحية بكل اللبنانيين، بمن في ذلك الشيعة، من أجل تأكيد امتلاكها أوراقها في المنطقة وقدرتها على تحويل الحرب إلى حرب إقليميّة، بل إلى حرب تؤثر على الاقتصاد العالمي. بإختصار شديد، يسعى النظام في إيران إلى إظهار أنّ استثماره في حزب الله وفي العمل الدؤوب على تغيير طبيعة الطائفة الشيعيّة في لبنان، كان استثمارا في محله وأنّ هناك في لبنان من هو مستعد للموت من أجل أن يستأهل مكانته كـ"جندي" في جيش الوليّ الفقيه، كما كان يقول الراحل حسن نصرالله. تعرف الإدارة الأميركيّة ما المطلوب من لبنان. بالنسبة إلى إدارة دونالد ترامب التي تبدو مصرّة على إخضاع إيران، تتمتّع إسرائيل بحرّية عمل ما تريده في لبنان. في إسرائيل نفسها حصلت محاولة لجعل رون ديرمر، الذي يمتلك عقلا سياسيا، يتولّى الملف اللبناني. لكنّ الملف عاد سريعا إلى وزير الدفاع إسرائيل كاتس الذي لا يؤمن بالديبلوماسية والذي يعتقد أنّ لا حلّ في لبنان غير الحل العسكري الذي يعني الإنتهاء من حزب الله وسلاحه. تكمن المشكلة في إسرائيل في حاجة بنيامين نتانياهو إلى وجود دريمر في واشنطن، أو على اتصال مستمر معها، نظرا إلى أنّ الرجل يمتلك علاقة متميّزة مع إدارة ترامب التي تتأرجح مواقفها من حرب إيران بين يوم وآخر. هناك موقف أميركي وهناك موقف إسرائيلي. لبنان حصة إسرائيل. توجد حلقة مفقودة إسمها الموقف اللبناني. ما الذي يريده لبنان؟ ما هي أولوياته؟ هل لديه خيارات غير خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لمعرفة ما الذي تريده من أجل السماح بعودة النازحين إلى قراهم... أو ما بقي منها. تشكل أزمة النازحين قنبلة موقوتة ليس أمام لبنان غير التعاطي معها عاجلا أم آجلا. يستأهل ذلك التغلب على كلّ العقد اللبنانية، بما في ذلك عقدة أن لدى إسرائيل أطماعا في لبنان. لو كان لدى إسرائيل أطماع في لبنان لما كانت امتنعت عن شن حرب على البلد في العام 1967 لمجرد امتناعه عن المشاركة في حرب الأيام الستة التي انتهت بإحتلال إسرائيل لسيناء والضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وهضبة الجولان. أكثر من ذلك، لو كانت لدى إسرائيل أطماع في لبنان، لما كانت نفّذت في أيار – مايو من العام 2000 ما نصّ عليه القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. في النهاية، نفذت إسرائيل القرار الصادر في 1978 وانسحبت من الأراضي اللبنانية بشهادة مجلس الأمن. من واجب لبنان تحديد أولوياته والذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بعيدا عن أي نوع من الأوهام. لا يمكن لمثل هذه المفاوضات أن تبدأ ما دام حزب الله يمتلك سلاحا بعدما تبيّن أن هذا السلاح لا يصلح سوى لعودة الاحتلال وتكريسه وخلق فتنة داخلية استجابة لرغبة إيران. في ظلّ الظروف الراهنة التي يعيشها لبنان، لم يعد الوضع على الأرض يسمح بالتفريق بين السلام والإستسلام. أين العيب في الإستسلام إذا كان هو الطريق الوحيد من أجل الوصول إلى السلام. كلّ ما تبقى تفاصيل وإضاعة للوقت وهرب مستمرّ من الحقيقة والواقع. يأتي ذلك في وقت معروف ما الذي تريده إسرائيل، كما معروف أن لا وجود لموقف أميركي مستقلّ عن الموقف الإسرائيلي. يختزل الوضع المأساوي للبنان سؤال واحد. يتمثل هذا السؤال في كيفية استعادة الأرض وثمن ذلك. يوجد ثمن لا مجال للتهرب منه أقلّه من أجل تفادي إنفجار القنبلة الموقوتة التي اسمها المليون نازح. في ضوء ما فعلته إيران بلبنان، يبدو الإستسلام هو الوطنية والوطنيّة هي الإستسلام. آن أوان قول لبنان ما الذي يريده بعدما بات معروفا ما الذي تريده إسرائيل وبعدما بات واضحا غياب الموقف الأميركي المستقلّ عن الموقف الإسرائيلي. الإستسلام ليس عيبا. العيب في غياب موقف لبناني موحد يغطي المفاوضات المباشرة التي من دونها لا زوال للإحتلال ولا عودة لمعظم النازحين إلى قراهم...

سفير إيران... لدى "الثنائي الشيعي"!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مارس 28, 2026 - 16:33

يقي السفير الإيراني المعيّن في لبنان محمّد رضا شيباني أم لم يبق، ليست تلك المسألة. المسألة في رمزية موقف وزارة الخارجية اللبنانية التي اعتبرت السفير "شخصا غير مرغوب به" من جهة والموقف الذي اتخذه "الثنائي الشيعي" من جهة أخرى. بعيدا من الإعتبارات الوطنية التي تفرض على لبنان اتخاذ موقف شجاع من دولة تتدخل باستمرار في شؤونه وتعتبره مجرّد مستعمرة تابعة لها، يشير الموقف الرسمي اللبناني إلى عمق التغيير الذي حصل في البلد نفسه وفي المنطقة وما هو أبعد من المنطقة. لا يزال هذا العمق في التغيير غائبا عن الفكر الإيراني وعن فكر الميليشيا المذهبية اللبنانية التابعة له المسماة "حزب الله". في النهاية، يُفترض ألّا يغيب عن البال في أي وقت أنّ "حزب الله" ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الإيراني، لواء عناصره لبنانيّة في معظمها. ثمة سؤال في غاية البساطة، يفترض في "الجمهوريّة الإسلاميّة" طرحه على نفسها، مثلما أن على "حزب الله" مواجهته ومحاولة الردّ عليه. هذا السؤال هو الآتي: لو لم يحصل التغيير الكبير نتيجة "حرب اسناد غزّة" هل كانت إيران قبلت، عبر "حزب الله" أن يكون جوزف عون رئيسا للجمهوريّة في لبنان؟ الجواب الذي تؤكّده الوقائع أن التغيير الذي تسببت به نتائج "حرب إسناد غزّة"، بما في ذلك إغتيال حسن نصرالله وخليفته هاشم صفيّ الدين، سمح بوصول جوزاف عون إلى قصر بعبدا. لو لم يكن ذلك، لكان الحزب تمسّك بمرشّحه كما حصل في مرحلة ما بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في العام 2014. كان على البلد الإنتظار شهورا طويلة قبل أن يرضخ الجميع لإرادة حسن نصرالله وإيران وينتخب، في آخر شهر تشرين الأوّل – أكتوبر 2016، ميشال عون رئيسا للجمهوريّة مع صهره جبران باسيل. لا يدل على مدى التغيير الذي شهده لبنان أكثر من انتقال وزارة الخارجية اللبنانيّة إلى موقع آخر. لم تعد الوزارة التي يشغلها حاليا يوسف رجّي تابعة لوزارة الخارجية الإيرانية كما كانت الحال أيام تولّى الحقيبة جبران باسيل وآخرون من "الثنائي الشيعي" تلك الحقيبة. كان هؤلاء في الواقع ممثلين لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" في مجلس جامعة الدول العربيّة. لم يتردّد باسيل، صهر ميشال عون، عندما كان وزيرا للخارجية في الإمتناع عن إتخاذ أي موقف متضامن مع موقف الدول العربية عموما. لم يتردّد وزراء عرب بوصفه بأنه وزير خارجية "الجمهوريّة الإسلاميّة" التي لم تكن عضوا في جامعة الدول العربيّة! يظلّ الغريب في الأمر الموقف الذي اتخذته حركة "أمل" برئاسة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي. هل يكشف ذلك أنّ ليس في استطاعة برّي الخروج من إيران وما تمثلّه على الرغم من كلّ ما ارتكبته في حق لبنان واللبنانيين، بمن في ذلك الشيعة وأهل الجنوب والبقاع؟ في النهاية، يظلّ أهم ما كشفه طلب الدولة اللبنانية رحيل السفير الإيراني الجديد، الذي سبق له أن عمل في لبنان سابقا، أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" استطاعت تغيير طبيعة الطائفة الشيعية جذريا. إستطاعت ذلك عبر جهود مستمرّة منذ العام 1982 لدى دخول الدفعة الأولى من رجال "الحرس الثوري" إلى الأراضي اللبنانيّة بحجة الدفاع عن لبنان في وجه الإجتياح الإسرائيلي. من الضروري العودة بالذاكرة إلى تلك المرحلة التي عمل فيها "الحرس" من أجل التمركز في ثكنة الشيخ عبدالله، وهي ثكنة للجيش اللبناني في بعلبك. كان أوّل ما فعلته إيران في لبنان المسّ بالجيش اللبناني الذي هو عماد البلد. لا بدّ بعد ذلك من الإشارة إلى أنّ تأسيس "حزب الله" ترافق مع إقامة مؤسسات تربوية تستهدف فرض البرنامج التعليمي الإيراني في مدارس الحزب (مدارس المهدي ومدارس المصطفى). أكثر من ذلك، صارت هناك تنشئة للشباب الشيعي بموجب قيم خاصة لا علاقة لها بلبنان. الدليل على ذلك وجود "كشافة المهدي" التي تهيء المراهقين الشيعة للخدمة لاحقا في صفوف ميليشيا مذهبية لا علاقة لها بالدولة اللبنانيّة والمجتمع اللبناني. من هذا المنطلق، يمكن فهم موقف "الثنائي الشيعي" من طرد السفير الإيراني. هذا السفير معتمد لدى "الثنائي" قبل أن يكون معتمدا لدى الدولة اللبنانية. معنى ذلك أن "الثنائي" يمتلك دولة خاصة به منفصلة عن الدولة اللبنانيّة، دولة تتحكّم بها إيران ومصالحها. في كلّ الأحوال، يبقى موقف وزارة الخارجية اللبنانية الذي لا يمكن فصله عن موقف الحكومة اللبنانيّة برئاسة نوّاف سلام خطوة أخرى في طريق طويل يفترض أن يصل إلى اليوم الذي تستعيد فيه الدولة اللبنانيّة قرارها... هذا إذا خرج لبنان سالما من "حرب إسناد إيران" الدائرة حاليا. بدأت رحلة استعادة لبنان لقراره المستقلّ عن إيران بإنتخاب جوزف عون رئيسا للجمهوريّة وتشكيل حكومة برئاسة نوّاف سلام. ليست خطوة إبعد السفير الإيراني سوى إستكمال للرحلة. تدلّ التصرفات الإيرانيّة التي يعبّر عنها "الثنائي" الشيعي عن رفض للإعتراف بأن ما قبل "حرب إسناد غزّة" ليس كما بعدها وأنّ نفوذ إيران تراجع إلى حدّ كبير. لم تعد بيروت مدينة إيرانيّة على البحر المتوسّط وعاصمة عربيّة تسيطر عليها طهران. تخلّصت بيروت من السطوة الإيرانيّة، خصوصا مع خروج إيران من سوريا إلى غير رجعة وعودة سوريا دولة عربيّة لا يحكمها "الحرس الثوري". يخوض "الثنائي" الشيعي في الوقت الحاضر على أرض لبنان حربا خاسرة سلفا. لن يكون حظه في هذه الحرب أفضل من حظه في "حرب إسناد غزّة". يعود ذلك إلى أنّه عاجلا أم آجلا، ليس أمام "الجمهوريّة الإسلاميّة" سوى الإستسلام. لن ينقذها امتلاك قرار الحرب والسلم في لبنان من الإستسلام. كذلك، لن ينقذها الهرب إلى إعتداءات على دول الخليج العربي ولا بقاء سفيرها في لبنان بصفة كونه سفيرا معتمدا لدى "الثنائي الشيعي" بدل أن يكون معتمدا رسميا لدى الجمهورية اللبنانيّة...

لا ينقذ الشيعة... إلّا الشيعة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مارس 19, 2026 - 18:23

من بين أطرف التعليقات التي سمعتها أخيرا من أحد أبواق "الممانعة" ظهر في إحدى الفضائيات اللبنانية قوله "أنّ حزب الله" يدافع عن أرضه" مواجهة إسرائيل. يصعب إيجاد تزوير للحقائق يفوق هذا التزوير الذي تولاه شخص سنّي يعمل منذ سنوات عدّة واجهة للحزب لقاء مكافآت يتلقاها بانتظام. لا صحة لأي كلمة وردت على لسان "الممانع السنّي" الذي يخلط بين الدفاع عن الأرض، التي ليست أرض "حزب الله"، من جهة والعمل على تكريس الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. كلّ ما في الأمر أن الحزب فتح جبهة جنوب لبنان مرّة أخرى بناء على تعليمات إيرانيّة مباشرة لا علاقة لها بمصلحة لبنان واللبنانيين من قريب أو بعيد. تدور في لبنان فصول مهزلة لا بدّ من وضع حدّ لها عاجلا أم آجلا. كان يمكن لهذه المهزلة أن تثير الضحك لولا تحولها إلى مأساة إنسانيّة حقيقية. لا يعبر عن حجم المأساة أكثر من تجاوز عدد النازحين، من قراهم في الجنوب والبقاع ومن الضاحية الجنوبيّة لبيروت، رقم المليون في بلد عدد مواطنيه نحو ستة ملايين. يفسّر فتح "حزب الله" جبهة جنوب لبنان، بحجة الإنتقام لإغتيال أميركا وإسرائيل "المرشد" الإيراني علي خامنئي، أمران. أولهما وقوع الحزب تحت السيطرة الكاملة لـ"الحرس الثوري الإيراني". هناك ضابط في "الحرس الثوري" أعطى الأمر باطلاق الصواريخ الستة التي كانت بداية لتجدّد الحرب. أمّا الأمر الثاني، فيتعلّق بطبيعة "حزب الله" نفسه وأيديولوجيته التي تقوم على الإستثمار في الاحتلال الإسرائيلي. لا "حزب الله" من دون إحتلال ولا إحتلال إسرائيلي لأرض لبنانيّة من دون الحزب. مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في أيار – مايو من العام 2000، أصرّ الحزب على أن الانسحاب الإسرائيلي لم يكن كاملا. فعل ذلك علما أنّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أكّد أن إسرائيل نفذت القرار الرقم 425 الصادر عن المجلس في العام 1978 بحذافيره وأنّها انسحبت إلى "الخط الأزرق" الذي هو خط وقف النار بين لبنان وإسرائيل. بل هو الحدود بينهما، مع فوارق لا تذكر. إختلق الحزب قضيّة مزارع شبعا والتلال السبع من أجل تبرير إستمرار إحتفاظه بسلاحه. تبيّن، في العام 2000، بوضوح ليس بعده وضوح أنّ وجود الاحتلال علّة وجود الحزب وأنّ هذا السلاح يشكل العمود الفقري لحزب لا همّ له سوى تحويل لبنان إلى مستعمرة إيرانيّة لا أكثر. وسط كلّ ما يدور على أرض لبنان في الوقت الحاضر، يبدو "حزب الله" مستعدا لإحراق البلد وتحويله إلى رماد من أجل أن يتمكّن من السيطرة عليه. هذا ما يفسّر خوض حرب خاسرة سلفا لن تعود سوى بالخراب على لبنان الذي يدور في حلقة مقفلة، بل يدور على ذاته. إذا كان من انجاز حققه الحزب، ومن خلفه إيران، طوال نحو 45 عاما، فإن هذا الإنجاز ذا الطابع السلبي يتمثل في تغيير طبيعة الطائفة الشيعية في لبنان، بأكثريتها طبعا. لا تزال في البلد نخبة شيعيّة تواجه المشروع التوسّعي الإيراني في كلّ منطقة لبنانية، من الضاحية، إلى الجنوب، إلى البقاع. لا تزال هناك نخبة شيعية تعرف أهمّية لبنان ومعنى الإنتماء إليه بدل أن تكون الطائفة "جنديا في جيش الوليّ الفقيه" كما كان يقول حسن نصرالله. اعترف نصرالله في لحظة الحقيقة، بالصوت والصورة، أن الحزب صنيعة "الجمهوريّة الإسلاميّة"... من يكسر الحلقة المقفلة التي يدور فيها لبنان؟ الأكيد أنّ الموقف الذي اتخذه رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام في غاية الأهمّية. لكن الحاجة أكثر من أي وقت إلى إنقلاب داخلي شيعي يكسر الحلقة المقفلة بدل الإستمرار في الدوران على الذات. لا يمكن لمصدر هذا الإنقلاب أن يكون من خارج "الثنائي الشيعي" الذي اثبت أنّّه لم يكن يوما سوى غطاء لتغطية سلاح "حزب الله"، أي لإستخدام هذا السلاح في الضغط على الدولة اللبنانية وبث الرعب في صفوف الطوائف الأخرى، في صفوف السنّة والمسيحيين والدروز. من يقوم بهذا الإنقلاب الداخلي اللبناني؟ أين دور رئيس حركة "أمل" رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي يعتمد لغة خشبية تصبّ في خدمة الموقف الإيراني من لبنان؟ في النهاية، نفّذ "الحرس الثوري" إنقلابا في لبنان على غرار الإنقلاب الذي نفّذه في إيران نفسها. وضع "الحرس" يده كلّيا على "حزب الله" من أجل ربط مصير لبنان بمصير "الجمهوريّة الإسلاميّة وثقافة الموت التي تنادي بها. لا مفرّ من عودة لبنان إلى لغة العقل والمنطق بدل رفع شعار "الحسم في الميدان". إن لإعتماد هذا الشعار نتائج معروفة. سيعود هذا الشعار بنكبة على لبنان وعلى الطائفة الشيعية بالذات. من واجب الشيعة إنقاذ الشيعة بدل البقاء في أسر "الحرس الثوري" الإيراني... أو سماع ما يصدر عن هذا "الممانع" أو ذاك، أكان شيعيّا أو سنّيا. هؤلاء منافقون، على طريقة "الحرس الثوري" الذي يبدو مصمّما على الإنتحار. لا موجب لإنتحار شيعة لبنان في سياق تلك الرغبة التي يظهرها "الحرس الثوري"، خصوصا أنّ لدى شيعة لبنان مرجعية هي الدولة اللبنانية، أو هكذا يفترض...

الحرس الثوري لم يضع وقته في لبنان...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مارس 13, 2026 - 07:20

يشير هذا العدد الكبير من الصواريخ التي اطلقت من الأراضي اللبنانية في اتجاه إسرائيل حديثا إلى أمور عدّة. في مقدّم هذه الأمور أن "الحرس الثوري" الإيراني، على عكس السلطة اللبنانيّة، لم يضع وقته منذ التوصل إلى إتفاق وقف النار بين "حزب الله" وإسرائيل. كان ذلك في 23 تشرين الثاني – نوفمبر 2024 أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. وقد لعب الرئيس نبيه برّي دورا محوريا في التوصل إلى الاتفاق الذي يعكس حاجة الحزب، في حينه، إلى وقف المعارك بأي ثمن. تبيّن بكل وضوح أنّ إسرائيل استغلت إتفاق وقف النار لتأكيد أنّها تمتلك حرّية متابعة حملتها على "حزب الله"، فيما استغلّ "الحرس الثوري" الاتفاق لتكريس وجوده في لبنان والإعداد لمرحلة المواجهة بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى. نعم، لم يضع "الحرس الثوري" وقته. عاود نشاطه في لبنان عبر ما بقي من "حزب الله". ظهرت نتائج نجاح "الحرس" في مرحلة مع بعد إغتيال "المرشد" علي خامنئي قبل نحو إسبوعين. كانت نتيجة الإغتيال انضمام لبنان كلّيا إلى الحرب التي تخوضها إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كيف دخل لبنان هذه الحرب؟ ما مسؤولية الدولة اللبنانيّة عن ذلك؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة التي نشهد فيها توسيعا إسرائيليا للإحتلال ومزيدا من الغارات التي ركّزت على أهداف محددة في لبنان... وصولا إلى داخل بيروت. الغريب في الأمر أنّه لم يعد من وجود لـ"حزب الله" في لبنان. عفوا، هناك وجود للحزب متى تدعو حاجة "الحرس الثوري" الإيراني إلى ذلك. يروي الذين يعرفون الحزب من داخل أنّ ضابطا في "الحرس" أمر مقاتلين من الحزب باطلاق الصواريخ، من الأراضي اللبنانيّة، في اتجاه إسرائيل. أعلن الضابط الإيراني بذلك فتح جبهة جنوب لبنان مجددا. حصل ذلك غصبا عن رغبة الدولة اللبنانية، بمن في ذلك رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام... وأكثرية اللبنانيين. لم يكن نعيم قاسم على علم بتفاصيل ما حصل. عرف، من التلفزيون، عن إطلاق الصواريخ مثلما عرف مجتبى خامنئي بإختيار "الحرس" له "مرشدا". استغلّ مجتبى مناسبة خطابه الأول منذ تعيينه في موقعه الجديد ليقول أنّه "سمع بتعينه من التلفزيون". المفارقة في أنّه وجد من يقرأ الخطاب الذي غاب عنه شخص "المرشد" الجديد الذي يبدو أنّه يعاني من جروح أصيب بها... وربّما يعاني أكثر من ذلك! يبدو أنّ معنى كل ما حدث، أكان في لبنان أو في إيران نفسها، أنّ "الحرس" صاحب القرار الأخير في البلدين من جهة وأنّه لم يجد أفضل من "حزب الله" ليكون واجهته في لبنان من جهة أخرى. لم يعد من شكّ أنّ "الحزب"، الذي لم يكن يوما سوى لواء في "الحرس الثوري" عناصره لبنانيّة، بات ميليشيا مذهبيّة لبنانيّة في إمرة ضباط إيرانيين. بين جهل السلطة اللبنانية، على كلّ المستويات، بما يدور على أرض لبنان وفي المنطقة، خصوصا معنى التغيّر الذي حصل في سوريا، وبين التطورات الأخيرة المتمثلة في الحملة العسكرية الإسرائيليّة الجديدة لا يمكن تجاهل أن لبنان يمرّ في مرحلة مصيريّة. تكمن المشكلة في أنّ لبنان الرسمي لم يستوعب أن الوقت لم يكن يعمل في مصلحته. أدرك الوقت لبنان. من الواضح أنّ الفرص التي اتيحت منذ اتفاق 23 تشرين الثاني – نوفمبر 2024 لن تتكرّر. لا إدراك لواقع يتمثّل في أنّه لم يكن ممكنا أن يكون جوزف عون رئيسا للجمهورية لولا هزيمة "حزب الله" في "حرب إسناد غزّة". لو كان الحزب لا يزال حيّا يرزق، هو وأمينه العام السابق حسن نصرالله، لكان تمسّك بمرشّحه سليمان فرنجيّة الذي كان مفترضا أن يكون رئيسا للجمهورية. كان الحزب مصرّا على أن يكون مرشّحه رئيسا للجمهورية، تماما مثلما حصل عندما فرض ميشال عون رئيسا في تشرين الأوّل – أكتوبر 2016 وأوصله مع صهره جبران باسيل إلى قصر بعبدا. أوصلهما إلى رئاسة الجمهوريّة كي تكون الرئاسة في لبنان في خدمة إيران ومشروعها التوسعي المعادي لكلّ ما هو عربي في المنطقة لا أكثر... ما مضى قد مضى. ما الذي يستطيع لبنان عمله حاليا بعدما استطاعت "الجمهوريّة الإسلاميّة" إعادة فتح جبهة جنوب لبنان عن طريق "الحرس الثوري"؟ هل يمكن تفادي أخطاء الماضي القريب الذي عمره سنة وبضعة أشهر فقط؟ الجواب أنّ لا خيار آخر غير التعاطي مع الواقع المتمثل في أن البلد صار، مثله مثل إيران، تحت سلطة "الحرس الثوري". كيف مواجهة هذه السلطة التي هي تعبير، وإن بشكل مختلف، عن الهيمنة الإيرانيّة الكاملة على لبنان؟ ثمّة حاجة إلى ردّ لبناني. لا ردّ ذا قيمة من دون كسر حاجز الخوف من "حزب الله" الذي لم يعد له وجود يذكر باستثناء أنّه أداة مسيطر عليها كلّيا من "الحرس الثوري". مرّة أخرى، لم يضع "الحرس" وقته منذ خريف العام 2024 عندما توصل لبنان إلى اتفاق وقف النار مع إسرائيل. عزّز وضعه في لبنان. أكّدت ذلك كمية الصواريخ التي تطلق في اتجاه إسرائيل. سيدفع لبنان غاليا ثمن إطلاق هذه الصواريخ وثمن عدم إدراكه أنّ الوقت لا يعمل لمصلحته وأنّ كلّ كلام عن تجريد "حزب الله" من سلاحه لا قيمة له من دون أفعال على الأرض. كانت الحاجة إلى أفعال بغض النظر عن الثمن الذي سيترتب على ذلك من دون خوف من التهويل بحرب أهليّة وما شابه ذلك من تهديدات لا مجال لترجمتها على أرض الواقع...