شعار Levant Time

العالم الجديد

"حزب الله" المفلس... يبحث عن تغطية!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
سبتمبر 3, 2026 - 19:58

يعطي بحث "حزب الله" عن غطاء مسيحي لسلاحه ونهجه الرافض للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل فكرة عن عمق المأزق الذي يعاني منه حزب ليس سوى ميليشيا مذهبيّة في خدمة "الحرس الثوري" الإيراني. انتهى "حزب الله" الذي عرفناه بكل جبروته وسلاحه وقدراته الماليّة. في الواقع، أفلس "الحزب" الذي كان يعتبر نفسه قادرا على لعب أدوار تتجاوز لبنان، في سوريا واليمن، وفي مرحلة معيّنة في البحرين، على سبيل المثال وليس الحصر. ليس ما يؤكّد حال الإفلاس أكثر من فتح دفاتر قديمة من نوع دفتر العلاقة مع "التيار العوني"، نسبة إلى ميشال عون الذي لم يكن لديه من هدف غير الوصول إلى موقع رئيس الجمهوريّة بأي ثمن كان. لا يبحث في دفاتره القديمة غير التاجر المفلس الذي يعتقد أنّ لديه ديونا لا يزال في استطاعته تحصيلها. لا يدرك "حزب الله" أنّ "التيّار العوني" الذي على رأسه حاليا النائب جبران باسيل يتساوى معه في درجة الإفلاس. لا يملك باسيل وآخرون على شاكلته، غير محاولة تعويم الذات عن طريق رفض سلاح "حزب الله"، إرضاء لما بقي لديه من قاعدة مسيحيّة من جهة، والتركيز على أن الجيش اللبناني هو الطرف الوحيد الذي يمتلك حصرية السلاح من جهة أخرى. منذ متى هذا الحرص من "التيار العوني" على الجيش اللبناني؟! خضع ميشال عون طوال عشر سنوات، أي منذ توقيعه وثيقة مار مخايل مع حسن نصرالله في شباط – فبراير 2006 لإمتحانات استمرت عشر سنوات. نجح في كلّ تلك الإمتحانات التي أجراها له "الحزب"، بما في ذلك تبرير اغتيال عنصر من "حزب الله" للضابط الطيار سامر حنا لمجرد ذهابه في طائرة هليكوبتر إلى منطقة تقع تحت سيطرة "الحزب" في جنوب لبنان. برّر ميشال عون قتل ضابط طيار لبناني حلق فوق أرض لبنانيّة بقوله: "ما الذي جاء يفعله (سامر حنا) هناك"! بات مطلوبا من طرف مفلس تغطية طرف مفلس آخر. لا يفيد ذهاب وفد من "حزب الله" للقاء وفد "عوني" في شيء. لن تفيد في شيء أيضا جولة يقوم بها وفد من "الحزب" على قوى سياسيّة أخرى وذلك من أجل تبرير احتفاظ "الحزب" بسلاحه الذي ليس سوى سلاح في خدمة إيران ومشروعها التوسّعي في المنطقة. إنّه مشروع سقط في سوريا قبل أن يسقط في إيران نفسها التي باتت في حرب تدافع فيها عن مستقبل نظامها، نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة". لم تعد للنظام الإيراني أي علاقة بما يدور في العالم وفي المنطقة منذ السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 يوم شنت "حماس" هجوم "طوفان الأقصى" مستهدفة مستوطنات إسرائيلية في منطقة غلاف غزّة. بعد "طوفان الأقصى" تغيّرت إسرائيل وتغيرت المنطقة أيضا، فيما رفضت إيران أن تتغيّر! المستغرب أنّ "حزب الله" يبحث عن غطاء لسلاحه في وقت يشهد جنوب لبنان مأساة حقيقيّة. يمثل تلك المأساة، التي تعني عودة الاحتلال الذي رحل في العام 2000، تدمير إسرائيل نحو سبعين قرية وتهجير ما يزيد على مليون مواطن. مثل هذا الواقع لا يعني شيئا لدى "الحزب". يبحث "الحزب" فقط عن إيجاد مبرّر داخلي للإحتفاظ بسلاحه. هناك حزب، تابع لإيران، يعتقد أنّ الإحتفاظ بالسلاح أهمّ من السعي إلى التخلّص من الاحتلال. إنّه حزب يعرف أنّ وجوده مرتبط بهذا السلاح الذي لم يكن في يوم من الأيام سوى سلاح يستهدف إخضاع المواطن اللبناني والدولة اللبنانيّة وجعلهما تحت الوصاية الإيرانيّة. من في لبنان مستعدّ لتغطية السلاح الميليشيوي والمذهبي الذي يعني أوّل ما يعنيه بقاء الاحتلال الإسرائيلي؟ الواضح أنّ "التيار العوني" صار العنوان الخطأ، لا لشيء سوى لأنّه حقق المطلوب تحقيقه من خلال "حزب الله" وسلاحه، أي وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا. لم تبق لدى "حزب الله" سوى ورقة الرئيس نبيه برّي الذي كان مفترضا به تذكّر تغييب الإمام موسى الصدر بطريقة أفضل وليس بخطاب خارج عن السياق السياسي في لبنان والمنطقة. كان خطاب برّي خارج الموضوع المطروح كونه تحدّث عن الوضع اللبناني كما لو أن البلد لا يزال في ثمانينات القرن الماضي. وقتذاك، في العام 1983، لعب النظام السوري الذي كان على رأسه حافظ الأسد دورا أساسيا في اسقاط إتفاق 17 أيار الذي لن يستطيع لبنان الحصول على أفضل منه في ضوء موازين القوى القائم. على الرغم من ذلك كلّّه، لا يمكن الإستهانة بموقف نبيه برّي الذي يبدو أن لديه أسبابا تدعوه إلى التعامي عن حقيقة الوضع اللبناني وتجاهل ما يدور فعلا على أرض الجنوب... ومراعاة إيران إلى أبعد حدود. هل يعي رئيس حركة "أمل" الذي يوفّر غطاء جدّيا لـ"حزب الله" أبعاد ما يقوم به في حين كان في استطاعته التعاطي مع الواقع اللبناني وواقع الجنوب بدل الهرب منهما؟ بين "التيار العوني" الذي لا يمثل أكثر من غطاء مترهل ونبيه برّي الذي يحاول إظهار وجود طائفة شيعيّة متماسكة، وأنّ لا فارق بين "أمل" و "حزب الله"، يظلّ السؤال الأساسي من يزيل الاحتلال الإسرائيلي وما ثمن إزالته. الأكيد أنّ سلاح "حزب الله" مرشح لإزالة الجنوب وربّما لبنان بغض النظر عن كل ما يمكن أن يحصل عليه من تغطيات مصدرها جهات تحتاج إلى من يغطيها...

أهمّية الانتخابات المغربيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أغسطس 29, 2026 - 03:36

يشير إجراء الانتخابات التشريعية في المغرب يوم 23 أيلول – سبتمبر المقبل، أي في موعدها المحدّد، إلى انتظام في الحياة السياسية في المملكة التي يزيد عمرها على اثني عشر قرنا. استطاع المغرب في كلّ مرحلة من مراحل تاريخه الطويل تجاوز الصعوبات والعقبات والتحديات ذات الطبيعة المختلفة وصولا إلى عهد محمّد السادس الذي صعد إلى العرش قبل ما يزيد قليلا على 27 عاما خلفا لوالده الحسن الثاني. كان تطوير الحياة السياسية من بين السمات المميزة لعهد محمد السادس، وهو تطوير ترافق مع إقامة بنية تحتية حديثة تجعل من يأتي إلى المغرب من اسبانيا أو البرتغال لا يشعر بأنّه لم ينتقل من دولتين أوروبيتين إلى عالم مختلف... يعني إجراء الانتخابات المغربيّة في موعدها تكريسا لمفاهيم جديدة في الحكم تقوم على الإحترام الدقيق للدستور الذي وافق عليه المواطنون في استفتاء شعبي أجرى في العام 2011. بين ما ينص عليه الدستور تكليف شخصية من الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من النواب تشكيل الحكومة. من هنا، ستفتح الانتخابات الأبواب على مصراعيها لتجاذبات بين الأحزاب، خصوصا أنّ الحزب الذي سيحصل على العدد الأكبر من المقاعد لن يكون قادرا على تأمين أكثرية تسمح له بتشكيل الحكومة من دون التحالف مع أحزاب أخرى. وهذا ما حصل، قبل اربع سنوات، نتيجة الانتخابات الأخيرة التي حصل فيها حزب الأحرار الذي كان على رأسه عزيز أخنوش على أكبر من المقاعد من دون أن تكون لديه أكثرية مطلقة. جاء دستور 2011 ليكرس انطلاقة للحياة السياسية في مملكة اختارت تطوير نفسها من دون تجاهل الصعوبات التي تواجهها في ضوء افتقارها للثروات الطبيعية من جهة وحرب الإستنزاف التي تتعرّض لها منذ العام 1975 من جهة أخرى. ليس سرّا أن المغرب يواجه حرب استنزاف تشنّها عليه الجزائر، كنظام، منذ استعاد أقاليمه الصحراوية من المستعمر الإسباني بفضل "المسيرة الخضراء"، وهي مسيرة سلميّة، شارك فيها نحو 350 الف مواطن مغربي تلبية لنداء وجهه العاهل الراحل الحسن الثاني. كلفت حرب الإستنزاف، التي استخدمت فيها جبهة "بوليساريو" طوال ما يزيد على نصف قرن، الكثير. لكنّ هذه الحرب لم تمنع المغرب من متابعة خطط التنمية ونشاطه الديبلوماسي الذي توج، في تشرين الأوّل – أكتوبر من العام الماضي (2025)، بصدور قرار مجلس الأمن الرقم 2797 الذي اعترف بمغربية الصحراء وبأن الحل الوحيد القابل للحياة يتمثل في طرح الحكم الذاتي الموسّع في اطار السيادة المغربيّة. يمكن اعتبار الانتخابات والمرحلة التي ستليها جزءا من التحديات التي يواجهها المغرب، بما في ذلك تحدي الحرب على الفقر التي نادى بها محمّد السادس منذ اعتلائه العرش. مثل هذه الحرب، التي تبدأ بإزالة المدن العشوائية وإقامة سكن لائق للمواطن المقيم في تلك المدن، تبقى خير وسيلة لمكافحة الإرهاب وكلّ أشكال التطرّف. سيؤكّد إجراء الانتخابات في موعدها أن التغيير، نحو الأفضل، غير ممكن من دون وعي سياسي متكامل على الصعيد الوطني. مثل هذا التغيير يتمّ عبر الصندوق الإنتخابي وليس عبر الشارع حتّى لو كانت مطالب المتظاهرين محقّة. لم تسقط حكومة عزيز أخنوش في أيلول – سبتمبر وتشرين الأوّل من العام الماضي عندما نزل شباب من جيل – z إلى الشارع احتجاجا على مستوى الخدمات الطبية والتعليم وارتفاع الأقساط في المدارس الخاصة. لم يسقط الشارع الحكومة، لكنّه صارت توجد الآن حاجة ماسة إلى حكومة جديدة على رأسها شخصية أكثر قربا من المواطن العادي وما يشعر به. الحاجة إلى شخصية اثبتت، في الماضي القريب، أنّها قادرة على النجاح عندما تتولى مهمة معيّنة. بكلام أوضح، صارت هناك حاجة إلى حكومة تتفهم الأسباب الحقيقية التي جعلت مجرّد أخبار مغلوطة واشاعات نشرتها وسائل التواصل الاجتماعي آلاف الشبان يندفعون، في الأيام الأخيرة من تموز – يوليو الماضي، في اتجاه سبتة التي تحتلها اسبانيا في شمال المغرب. هؤلاء الشبان المغاربة الذي وصل عددهم إلى خمسين الفا كانوا يعتقدون أن سبتة المقامة على ارض مغربية كنز ذهب سيغرفون منه ويعودون إلى مدنهم وقراهم للعيش في أجواء ماديّة مريحة. من هذا المنطلق، يبدو مهما أن تلعب الانتخابات الدور المطلوب منها من أجل إحداث التغيير السياسي، لكنّها تضع في الوقت ذاته الأحزاب السياسيّة كلّها وقادة هذه الأحزاب أمام تحديات يفرضها الواقع المغربي. يشمل ذلك، في طبيعة الحال، الإرتقاء إلى مستوى النهضة التي تعيشها المملكة حيث تبنى مستشفيات ومراكز طبّية وموانئ ومرافق خدمات في انحاء مختلفة من البلد. إلى ذلك، هناك وعي حقيقي لدى محمّد السادس نفسه لأهمّية رفع مستوى التعليم. وقد تحدّث العاهل المغربي صراحة عن هذا الموضوع قبل سنوات قليلة في خطاب عيد العرش. تطرّق في هذا الخطاب بشكل صريح إلى مستوى التعليم وإلى أهمّية اتقان اللغات الأجنبيّة، إضافة إلى العربية في طبيعة الحال. قبل نحو ثلاثة أسابيع من موعد الإنتخابات المغربية، يفترض في الطبقة السياسية استيعاب ما كشفه مشهد سبتة، في ما يخص الشباب والبطالة والفوارق وانتظار ثمار المشاريع الكبرى، وهو ما تحدث عنه الملك شخصياً حين ركز، قبل سنة، على ضرورة ان يسير المغرب كله بسرعة واحدة. الأهم، أن الأزمة المتعلقة بسبتة لم تتحول إلى انقسام سياسي داخلي، أو مواجهة مفتوحة مع إسبانيا، أو شرخ ديبلوماسي يعيد ترتيب علاقات المغرب بأوروبا. يؤكّد هذا النجاح قدرة الدولة المغربيّة على امتصاص الصدمة، ومنع خصومها المعروفين من التحكم في معناها، ثم إعادة الحدث إلى حجمه من دون إنكار خطورته. إنها عناوين لمرحلة ما بعد الانتخابات، عناوين برسم الطبقة السياسية المغربيّة قبل أي طرف آخر.

العراق الجائزة الكبرى... لإيران
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أغسطس 20, 2026 - 17:26

لا حاجة إلى الذهاب بعيدا لإكتشاف أنّ حروبا عدة تدور، بمباركة إيرانيّة، في المنطقة العربيّة ومحيطها. يحاول الحوثيون في اليمن إغلاق مضيق باب المندب عن طريق السعي إلى العودة إلى ميناء المخا اليمني الذي خرجوا منه في العام 2014 بفضل قوات يمنية محلّية كانت مدعومة من دولة الإمارات. هل ستتمكن إيران من التحكّم بمضيق هرمز في الخليج ومضيق باب المندب، المدخل إلى البحر الأحمر وقناة السويس، عن طريق الحوثيين في اليمن؟ لم تخف إيران أنّها قررت اللجوء إلى سياسة هجومية في غير مكان. لكنّ يظلّ الأهمّ بالنسبة إلى "الحرس الثوري"، في الوقت الحاضر، استمرار السيطرة الإيرانيّة على العراق. تدور داخل العراق حرب حقيقية إتخذت طابع تجاذبات محورها سلاح الميليشيات المذهبية التابعة لـ"الحرس الثوري". تجمعت هذه الميليشيات تحت لافتة سمّيت "الحشد الشعبي" الذي لديه موازنة من الدولة العراقيّة والذي يحاول لعب الدور المهيمن على السلطة الذي يلعبه "الحرس الثوري" في إيران. يفسّر تمسّك "الحرس الثوري" بـ"الحشد الشعبي" وسلاحه كل هذا التركيز الإيراني على العراق البلد الذي بات يصلح لإستخدامات إيرانية مختلفة تصبّ في مصلحة النظام في طهران. بين ما يصلح له العراق تمويل جزء من الموازنة الإيرانيّة. قبل أيام قليلة جاء حاكم البنك المركزي الإيراني إلى بغداد للمطالبة بمبلغ 12 مليار دولار ثمن غاز إيراني استخدم في العراق لإنتاج الكهرباء. نسي الإيرانيون أنّ إغلاق مضيق هرمز يحرم العراق من تصدير جزء كبير من نفطه، أي أن إغلاق المضيق يكلّف العراق خسارة مليارات الدولارات. تطالب إيران العراق بمليارات الدولارات فيما تريد منعه من تصدير الجزء الأكبر من نفطه لأسباب خاصة بها. تعود هذه الأسباب إلى أن مضيق هرمز صار السلاح الأقوى لإيران في المواجهة التي تخوضها مع الولايات والتي بات العراق من بين ضحاياها. بعيدا عن مدى استفادة "الجمهوريّة الإسلاميّة" من موارد العراق، خصوصا من نفطه، لا يزال العراق يمثل الجائزة الكبرى التي حصلت عليها إيران كهديّة من الولايات المتحدة. كان ذلك أيّام إدارة جورج بوش الإبن التي أصرّت في العام 2003 على اسقاط نظام صدّام حسين وتسليم العراق على صحن من فضّة إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة". تريد الإدارة الأميركيّة في هذه المرحلة بالذات استعادة العراق من إيران. ثمة تجاهل أميركي تام لواقع يتمثّل في أن من يحكم العراق منذ 2003 هو الميليشيات المذهبيّة التابعة لـ"الحرس الثوري" التي قاتلت الجيش العراقي في حرب السنوات الثماني (1980 – 1988). هذه ميليشيات عراقيّة عادت إلى بغداد من طهران على ظهر دبابة أميركيّة. تحكّمت الميليشيات بمفاصل النظام العراقي وحالت دون أي اصلاح حقيقي يجعل من العراق دولة طبيعية توازن في علاقاتها بين إيران ومحيطها العربي. هناك واقع عراقي تتجاهله إدارة دونالد ترامب بسبب جهلها لعمق التغلغل الإيراني في العراق... تخلّصت إدارة بوش الإبن من نظام صدّام حسين البعثي – العائلي. كان ضروريا التخلّص من ذلك النظام الدموي والغبي في الوقت ذاته، لكنّ شرط معرفة من الذي سيخلفه. تسعى إدارة ترامب في الوقت الحاضر إلى معالجة آثار كارثة حلّت بالعراق الذي صار مطلوبا منه أن يكون خنجرا في خاصرة الأمن العربي. من العراق تنطلق اعتداءات على السعودية والكويت. منه تستهدف أماكن معيّنة في إقليم كردستان العراقي. ليس صدفة أنّ محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) حرص على بدء زيارته الأخيرة للعراق بالتوقف عند النصب الذي أقيم لقاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الذي اغتاله الأميركيون مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" العراقي بعيد مغادرتهما مطار بغداد مطلع العام 2020. جاء قاليباف، الذي يعتبر من أبرز وجوه النظام الإيراني، إلى بغداد ليؤكد معارضة طهران لنزع سلاح الميليشيات العراقيّة خلافا لما تسعى إليه حكومة علي الزيدي التي وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه. لم يقل قاليباف ذلك صراحة. لكن زيارته لنصب قاسم سليماني، حيث القى كلمة مجّد فيها "المقاومة"، تعني الكثير. لعلّ أول ما تعنيه أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" ما زالت تعتبر العراق "ساحة" تابعة لها، بل ورقة أساسيّة في الحرب الصامتة أحيانا، والصاخبة في أحيان أخرى، الدائرة مع إدارة دونالد ترامب، وهي حرب تتخللها مفاوضات علنيّة أو سرّية بين حين وآخر! صار في الأمكان اعتبار العراق جزءا لا يتجزأ من الحروب الدائرة في المنطقة وهي حروب تمتد من اليمن، إلى مضيق هرمز، إلى دول الخليج العربي التي تتعرّض لإعتداءات إيرانية... إلى جنوب لبنان. من ستكون له الكلمة الأخيرة في العراق؟ إلى أي حدّ تستطيع إيران ممارسة ضغوطها؟ أي قدرة لحكومة على الزيدي على الصمود في مواجهة الميليشيات المسلّحة؟ هل ستساعد زيارة فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، للمملكة العربيّة السعودية في توفير دعم عربي لحكومة علي الزيدي؟ ما لا بدّ من ملاحظته أنّ فائق زيدان تحوّل في الفترة الأخيرة إلى لاعب أساسي على صعيد السياسات الداخليّة في العراق، بما في ذلك في مجال صنع رئيس الحكومة. تلك هي أسئلة المرحلة المقبلة التي محورها العراق نفسه حيث تدافع إيران عن نظامها وحيث تريد تأكيد أن لا عودة إلى خلف، أي إلى ما قبل العام 2003. في تلك السنة قررت إدارة جورج بوش الأبن تحويل "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى وصيّة على هذا البلد تحت شعار "الأكثرية الشيعيّة في العراق". هل في استطاعة إدارة دونالد ترامب إصلاح خطأ تاريخي غير كلّ التوازنات في الشرقين الأوسط والأدنى وفي منطقة الخليج؟

هل في لبنان حكومة واحدة؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أغسطس 14, 2026 - 16:15

السؤال في غاية البساطة. هل في لبنان حكومة واحدة على رأسها نواف سلام أم حكومات عدة، لكلّ منها أجندة خاصة بها، يتحكّم بها هذا الوزير أو ذاك؟ كان طبيعيا أن يحسم نواف سلام الأمر وأن يمنع وزير الدفاع ميشال منسّى من الكلام في الجلسة النيابية التي شهدت تصويتا على قانون العفو بحسناته وسيئاته التي تعبّر أفضل تعبير عن حال لبنان بكل إهتراءاتها وتجاذباتها. لا يدلّ على هذه الإهتراءات اللبنانيّة أكثر من التحالف القائم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، الذي على رأسه جبران باسيل، صهر الرئيس السابق ميشال عون. وقف هذا التحالف ضدّ قانون العفو وتضامن مع وزير الدفاع الذي أراد أن يعبر عن موقف للجيش اللبناني من قانون العفو، بما ينسف النظام القائم من أساسه وذلك بتصويره الجيش كيانا مستقلا عن مجلس الوزراء. أي أن الجيش يمتلك رأيا خاصا به في موازاة قرار مجلس الوزراء الذي يمثّل السلطة التنفيذية... أو هكذا يفترض. أن يتحدّث وزير الدفاع في جلسة مجلس النواب، كان يعني ذلك أن لبنان صار يمتلك أربع سلطات. السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية... وسلطة اسمها سلطة الجيش اللبناني، بدل أن يكون هذا الجيش في إمرة السلطة التنفيذية ممثلة بمؤسسة مجلس الوزراء مجتمعا ورئاسة الجمهوريّة. هل المطلوب وجود سلطة جديدة في بلد يمرّ في مرحلة أقلّ ما يمكن أن توصف به بأنّها مرحلة مصيرية سيتقررّ في ضوئها هل لبنان بلد قابل للحياة أم لا. ليس صدفة هذا التحالف بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، أي التيار العوني، نسبة إلى ميشال عون الذي كان عهده، بين 2016 و 2022، بمثابة "عهد حزب الله" لا أكثر. وضع ميشال عون، بمشاركة صهره جبران باسيل الدولة اللبنانية بإمرة "حزب الله"، أي بإمرة إيران. جاء ذلك في وقت كان "الحزب" في كلّ وقت معترضا على أي نشاط للجيش اللبناني في الأراضي اللبنانية. كان إعتراضه الأوّل على وجود الجيش اللبناني في جنوب لبنان. من يتذكّر إسقاط مروحية الضابط سامر حنا في جنوب لبنان على يد مقاتل من "الحزب" أطلق سراحه لاحقا. من يتذكّر أنّ ميشال عون برّر قتل الضابط الطيار بقوله "ما الذي كان يفعله (سامر حنا) في جنوب لبنان"؟ فعل ميشال عون ذلك قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية. كان ذلك في مرحلة تقديم أوراق إعتماده لـ"حزب الله"، وهي مرحلة استمرت عشر سنوات، بدأت في 2006. سبقت تلك المرحلة وصوله إلى قصر بعبدا بصفة كونه مرشّح "حزب الله" الذي لا يعترض على أي قرار يتخذه الحزب. يدلّ التحالف بين العونيين و"حزب الله" على انتهازية ليس بعدها انتهازية. كذلك، يدلّ على رهان على نسف حكومة نواف سلام من داخل بغرض واحد هو تعطيل أي تقدّم في المفاوضات الدائرة بين لبنان وإسرائيل. حسنا فعل رئيس مجلس الوزراء عندما قطع الطريق على ميشال منسّى الذي لم يكن أكثر من ضابط متقاعد يمتلك نيات طيبة لا يدرك حجم الأضرار الناجمة عن سوء استخدامها، خصوصا من قبل إيران التي تتحكّم كلّيا بـ"حزب الله". في النهاية، لدى لبنان همّ آخر أكبر بكثير من قانون العفو بكلّ ما فيه من ثغرات. لبنان أمام إمتحان تاريخي يتمثل في كيفية التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي. هذا الاحتلال الذي يريد "حزب الله" أن يستمر كي يبرّر إحتفاظه بسلاحه الموجّه، قبل أي شيء، إلى صدور اللبنانيين الآخرين. ما فعله نوّاف سلام كان عملا وطنيّا بإمتياز في وقت لا خيار آخر أمام لبنان غير خيار المفاوضات المباشرة مع وحش إسرائيلي يعمل كلّ من في وسعه من أجل تغيير طبيعة الجنوب اللبناني عن طريق مزيد من التدمير والتفجيرات لقرى وبلدات في تلك المنطقة. من هذا المنطلق، ليس مسموحا للبنان الغرق في متاهات قانون العفو وما شابه ذلك. لا يمتلك البلد، أقلّه في الوقت الحاضر، غير التعاطي مع الواقع المتمثل في أنّ إسرائيل هي المستفيد الوحيد من إحتفاظ "حزب الله" بسلاحه. من يهبّ حاليا إلى نجدة "الحزب" والسعي إلى فكفكة حكومة نواف سلام يضع نفسه في خدمة إسرائيل والإحتلال. كلّ ما عدا ذلك تفاصيل تصبّ كلّها في خدمة المشروع الذي تنادي به "الجمهوريّة الإسلاميّة" والذي من بين أهدافه تحويل لبنان إلى رهينة إيرانيّة في المفاوضات الدائرة بطرق مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران. معيب أن يضع العونيون وتوابعهم نفسهم مرّة أخرى في خدمة "حزب الله" وإيران. في الواقع، يعتبر مثل هذا التصرّف أكثر من طبيعي لطرف لم يتوقف يوما عن طعن الجيش اللبناني في الظهر. ألم يهرب ميشال عون في تشرين الأوّل – أكتوبر 1990 إلى مقر السفارة الفرنسيّة في بعبدا فيما كان ضباط الجيش وجنوده يواجهون ببسالة الجيش السوري الذي كان يزحف في اتجاه قصر الرئاسة ووزارة الدفاع في اليرزة؟ يسهل من أدخل الجيش السوري إلى قصر بعبدا وإلى وزارة الدفاع في 1990 أن يعمل في 2026 على خدمة المشروع الإيراني في لبنان...

وقاحة إيرانيّة لتبرير هزيمة لبنانيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
أغسطس 5, 2026 - 16:28

في الذكرى السادسة لكارثة تفجير مرفأ بيروت، حيث كان مرجحا أنّ "حزب الله" يحمي بالتفاهم مع آخرين تخزين نيترات الأمونيوم، لا يزال لبنان يقاوم عدوّه الداخلي. إنّّه عدّو يجسده سلاح "حزب الله" الذي استخدم داخل البلد وخارجه، خصوصا في سوريا، منذ ما قبل "حرب اسناد غزّة" التي أدت إلى نكبة شيعية هي في الواقع الحال نكبة على الصعيد الوطني اللبناني. يؤكّد ذلك الكلام الأخير للأمين العام للحزب نعيم قاسم الذي اتهم السلطة اللبنانية بأنّها "كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً للبنان" مضيفا أنّ "الرئيس (جوزاف عون) أصبح طرفاً ومفرّقاً وهذا لا ينسجم مع دوره". ليس هذا الكلام الصادر عن نعيم قاسم سوى جزء من الحرب الإيرانية المستمرّة على الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها. من حسن الحظّ، أنّ الوقاحة لا يمكن أن تستخدم غطاء للتغطية على الهزيمة، وهي هزيمة لبنانية تسبب بها "حزب الله". بات على لبنان، بسبب الهزيمة التي تسبّب بها "حزب الله"، أي إيران، القتال على جبهتين في ظروف لا يحسد عليها. هناك جبهة حرب إيران على الدولة اللبنانية وجبهة حرب التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي بغية عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم. كانت في روما مفاوضات صعبة مع إسرائيل بهدف التخلّص من الاحتلال. يتمثّل كلّ ما يفعله "الحزب"، ومن خلفه "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران، في دعم الموقف الإسرائيلي لا اكثر. كيف يردّ المفاوض اللبناني على الإسرائيلي عندما يشكو الأخير من أن سلاح "حزب الله" استخدم من أجل تهديد سكان مستوطنات الجليل؟ من هذا المنطلق، كان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في غاية الوضوح والصراحة عندما ردّ على الأمين العام للحزب قائلا له، من دون تسميته: "يطلّ علينا اليوم من يتّهم السلطة السياسية بأنها كانت عونًا لإسرائيل بدل ان تكون عونا لسيادة لبنان، ثم يدعو إلى الحوار والوحدة وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة. الحقيقة أن العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب "اسناد" عبثية، ومنحها الذرائع للاعتداء على بلدنا ودوس سيادته وتدمير مدنه وقراه وقتل أبنائه وتهجيرهم بمئات الالاف. مَن تفرّد بقرار الحرب ويحاول الاستمرار بمصادرة قرار الدولة، وربط لبنان بحسابات ومحاور خارجية، متجاهلاً مصالح بيئته واللبنانيين عموما، لا يملك أن يوزّع شهادات في الوطنية، ناهيكم في السيادة. لا سيادة للبنان الا بقرار واحد مستقل في دولة لها جيش واحد، تبسط سلطتها على كامل اراضيها بقواها الذاتية حصرا. أمّا الحوار والوحدة، فلا يُبنيان الا بشجاعة الاعتراف بالحقائق على مرارتها، وبتحمل المسؤولية عن الخيارات المتهورة التي لايزال يدفع اللبنانيون اثمانها الباهظة". إنّ كل الكلام الصادر عن نعيم قاسم مردود عليه. يقول للسلطة اللبنانية: "اهتمّوا بالسيادة الوطنية وتقوية الجيش اللبناني وبانسحاب العدو الإسرائيلي وبإعادة الإعمار وتحقيق المرفأ". يضيف: " لم تجلب المفاوضات المباشرة للبنان إلّا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية". ذهب إلى حد القول أنّ "كل ما حصل من اعتداء على لبنان هو بإشراف أميركي وإدارة أميركية وموافقة أميركية" داعيا السلطة في لبنان إلى "إيقاف التنازلات المجانية والحوار مع المقاومة وترميم الوضع الداخلي والاهتمام بالسيادة". لم ينس الإشادة بإيران كونها "عملت على أن يكون لبنان في البند الأول من المذكرة (مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة) واشترطت إيقاف العدوان والانسحاب الإسرائيلي". ينتهي الأمين العام للحزب بالقول أن "مسار مذكرة التفاهم هو الذي سيحقق الانسحاب الإسرائيلي ولولا صمود المقاومة لما تحقق شيء" وإننا "حريصون على الوحدة الداخلية، والوحدة العظيمة بين "حزب الله" و"أمل" شكّلت سدّاً منيعاً أمام العدوان الإسرائيلي – الأميركي وأمام اللاعبين الصغار، ونحن معاً كشعب ومقاومة ومستقبل وحياة". أقلّ ما يمكن قوله عن مطالعة نعيم قاسم، التي تتحدى كلّ منطق، أنّّه يعتقد أن اللبنانيين لا يمتلكون ذاكرة، بما في ذلك الذاكرة المرتبطة بإغتيال رفيق الحريري ورفاقه ومجموعة من أشرف اللبنانيين وصولا إلى لقمان سليم. يعتقد أيضا أنّ اللبنانيين لا يعرفون من فتح جبهة جنوب لبنان من دون أي إحترام للسيادة اللبنانية في المعايير الدنيا للإحترام. يبدو جليّا أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" يعتبر اللبنانيين قطيع غنم عاجز عن القيام بأي مراجعة ذات طابع نقدي لمواقفه. على الدولة اللبنانية تحمّل نتائج ما ارتكبه الحزب من جرائم في حق البلد، بما في ذلك عودة الاحتلال الإسرائيلي. لا تفسير للكلام الصادر عن نعيم قاسم سوى استخفافه بعقول الناس من جهة والسيطرة الإيرانيّة الكاملة على "حزب الله" من جهة أخرى. يظلّ السؤال المطروح في كلّ وقت كيف للبنان الخروج من أزمته، هل عليه انتظار التغيير الكبير في إيران؟ الجواب بكلّ بساطة أنّّه قادر على ذلك في حال أدرك أن الذل يكمن في الإستعانة بالإحتلال لتبرير وجود سلاح غير شرعي في البلد... وأنّ الذل في رفض الإعتراف بأنّ لا مجال للتخلص من الاحتلال من دون مفاوضات مباشرة مع من يحتل الأرض. يوجد ثمن لا مفّر من دفعه. من يرفض دفع الثمن يسعى إلى المتاجرة بالجنوب وأهله إلى ما لا نهاية... في انتظار يوم القيامة في "الجمهوريّة الإسلاميّة". أي اليوم الذي تعود فيه إيران دولة طبيعية لا أكثر، أي دولة تتفادى استخدام الوقاحة لتبرير الهزيمة.

محمّد السادس يترك لغة الأرقام تتحدّث
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يوليو 31, 2026 - 15:05

لا شيء ينجح مثل النجاح، فكيف أذا كان الأمر مرتبطا بسلسلة من النجاحات تحققت منذ صعود الملك محمّد السادس على عرش المغرب قبل 27 عاما. يظل النجاح الأول ذلك الذي تحقق على صعيد تأكيد مغربية الصحراء ومشاريع كبيرة صارت واقعا. إنها مشاريع في مستوى تحويل ميناء الداخلة إلى واجهة إفريقيا على المتوسط أو خط انابيب الغاز الإفريقي الذي يربط بين نيجيريا والمغرب... أو إنجاز الطريق السريع الذي يمتد على أكثر من الف كيلومتر بين تيزنيت والداخلة والذي بات يحمل اسم دونالد ترامب. لم يحتج محمّد السادس إلى الإشارة إلى هذه الأمور في خطابه السنوي في مناسبة عيد العرش، خصوصا بعد صدور القرار الرقم 2797 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في 31 تشرين الأوّل – اكتوبر 2025. شكل القرار اعترافا عالميا صريحا بـ"مغربيّة الصحراء" وأن الحل الواقعي الوحيد هو ما يطرحه المغرب الذي نادى منذ العام 2007 باللامركزية الموسعة في الأقاليم الصحراوية في اطار السيادة المغربيّة. ترك العاهل المغربي لغة الأرقام تتحدث عن النجاحات المغربيّة. قدم لذلك بتأكيده لكلّ من يعنيه الأمر أن ما تحقق في المغرب من إنجازات قائم على أسس متينة، كون المغرب "دولة - أمة قديمة". قال في هذا الصدد" إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة - أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل. هذا ما يعطي النجاعة اللازمة لعمل الدولة، لمواصلة الانجازات، ورفع التحديات، رغم الصعوبات والإكراهات... وهو ما أبان عنه المغرب، بالتنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية، ما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانا". من الطبيعي أن يثير المغرب "غيرة البعض"، خصوصا أنّ ما تحقق جعل من المملكة واحة استقرار في منطقة تحتاج إلى مناخ مختلف من أجل السير في خطط التنمية والتكامل بعيدا عن الشعارات والوعود الفارغة والأوهام والمتاجرة بالشعوب ومستقبلها. كان لدى نحمّد السادس ما يقدمه لأبناء شعبه في مناسبة الذكرى الـ27 لعيد العرش. تطرّق إلى المستقبل الواعد للمغرب. هذا المستقبل الواعد مبني على حقائق ثابتة باتت موجودة على الأرض. وجدت هذه الحقائق الثابتة "بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات". وقد أدّى ذلك إلى "تزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية". استنادا إلى لغة الأرقام، أي إلى الحقائق الثابتة، أشار العاهل المغربي إلى أن "نسبة النمو بلغت حوالي 4,9 % في 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى المعدل نفسه أو تتجاوزه في 2026". لاحظ العاهل المغربي أنّّ "على الصعيد الفلاحي (الزراعي)، عرف المغرب تساقطات مطرية مهمة، وموسما فلاحيا جيدا، مما ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي. كما استطاع المغرب تعزيز مكانته كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي، وهو ما يعكسه تطور المؤشرات لاسيما الصناعية ذلك أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، تعد اليوم ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جلب الاستثمارات الخارجية، أو من حيث خلق الثروة وفرص الشغل. إذ أصبحت المملكة اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا. جعل ذلك صادرات المغرب في قطاعات السيارات والطيران، تفوق % 40 من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط. وتعزيزا لهذا التوجه، ترأسنا في بداية السنة، حفل إطلاق مصانع جديدة، جعلت المغرب يدخل النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات إضافة إلى ذلك، جاء تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، ليعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية. وبروح الابتكار والتطوير نفسها، يتم إنجاز مشاريع كبرى، تهدف إلى جعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن في مجال الطاقة، ورافعة لجذب الصناعات التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون. وتعزيزا لهذه الاستراتيجية الطموحة، تم الشروع في تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر"، من خلال الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى". هذا غيض من فيض ما تحقق في المغرب الذي بات يأتيه عشرون مليون سائح سنويا. كان خطاب محمّد السادس في عيد العرش لهذه السنة رسالة في كلّ الإتجاهات. للذين يفهمون وللذين لا يريدون أن يفهموا أن في المغرب من يمتلك رؤية مبنية على وجود انسان مغربي يمكن الرهان عليه من أجل النهوض بالبلد ونقله إلى مصاف الدول القادرة على أن تكون صاحبة دور إيجابي على الصعيدين الإقليمي والدولي بعيدا عن صراعات الأيديولوجيا والأوهام... والمزايدات التي لا أفق لها، لا سياسيا ولا إقتصاديا ولا حضاريا. يقول الخطاب شيئاً بسيطاً. المغرب أخذ علماً بأن العالم تغيير. تغيير حتى عن العالم الذي عرفناه قبل أقل من خمس سنوات حين إنفجرت الحرب الأوكرانية - الروسية وتلاها طوفان الجنون في السابع من تشرين الأوّل - أكتوبر 2023 والحرب التي أشعلها في الشرق الأوسط. العالم تغّير، والمغرب مصر على أن يحجز لنفسه مقعداً في مقدمة الدول التي تعيد تشكيل خطوط الإمداد، وتنويع الإنتاج، وربط المقدرات الوطنية بالدورة الاقتصادية الكونية، عبر البنى التحتية والثروات الطبيعية والكفاءة الديبلوماسية والسياسية، وحماية الاستقرار الوطني وحتى الإقليمي.

العراق عاجز عن استعادة توازنه
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يوليو 30, 2026 - 11:00

تعطي الإعتداءات التي استهدفت المملكة العربيّة السعودية والكويت والمملكة الأردنيّة الهاشمية انطلاقا من الأراضي العراقية فكرة عن هشاشة الوضع في بلد عاجز عن استعادة توازنه. جاء الردّ السعودي الذي استهدف مواقع لـ"الحشد الشعبي"، الذي يشكلّ غطاء لميليشيات مذهبية عراقية تابعة لـ"الحرس الثوري" ليؤكّد أنّ الحرب في المنطقة دخلت مرحلة جديدة بعدما قررت السعودية تأكيد أنّها غير مستعدة للخضوع للإبتزاز الإيراني إلى ما لا نهاية... تستخدم "الجمهوريّة الإسلاميّة" حاليا كلّ أوراقها المتوافرة من أجل التصعيد في الحرب التي تخوضها مع الولايات المتحدة. ليس في استطاعتها الإعتراف بأنّها ليست قوة عظمى وبأنّ عليها التوصّل إلى صيغة تفاهم مع إدارة دونالد ترامب تجعل منها دولة طبيعية وليس قوّة مهيمنة تفرض شروطها على الآخرين مستخدمة العراق واليمن ولبنان. يصعب على "الجمهوريّة الإسلاميّة" الإعتراف بأنّ التصعيد لن يفيدها في شيء. أكثر من ذلك، إنّ هذا التصعيد يكشف حقيقة الوضع العراقي، أي أنّ العراق لا يستطيع أن يكون خارج دائرة السيطرة الإيرانية... وأنّ حكومة علي الزيدي ليست سوى امتداد لحكومة محمّد شيّاع السوداني. لا تستطيع ذلك على الرغم من كل ما تبذله في هذا المجال، بما في ذلك تحديد موعد للإنتهاء من السلاح الذي لا تسيطر عليه الدولة. زار الزيدي واشنطن حديثا. أغدق عليه دونالد ترامب كلّ أنواع المديح عندما استقبله في المكتب البيضاوي. كانت الحاجة إلى أيام قليلة ليتبيّن أن الرهان العراقي للمقيم في البيت الأبيض ليس في مكانه وأن ليس في استطاعة الزيدي تنظيف العراق من النفوذ المباشر لإيران. في النهاية، صحيح أن الزيدي شنّ حملة شبه ناجحة على الفاسدين في العراق، لكن الصحيح أيضا أن هذه الحملة لم تصل إلى الرؤوس الحقيقية التي تغطي نظاما فاسدا نشأ في العام 2003 نتيجة تسليم إدارة جورج بوش الإبن العراق إلى إيران على صحن من فضّة. يوجد ارتباط واضح بين الفساد في العراق والدور الذي تلعبه إيران في هذا البلد، خصوصا أن الفساد لا يستخدم في تمويل الميليشيات المذهبية العراقية التابعة لـ"الحرس الثوري" فحسب، بل أنّه يمول خزينة "الجمهوريّة الإسلاميّة" وأدواتها في المنطقة أيضا. ليس كافيا قول دونالد ترامب أننا "سنلقن إيران درسا قاسيا وندرس شن ضربات تستهدف وكلاءها". مثل هذا الكلام يبقى كلاما جميلا في غياب موقف واضح من موضوع موقع العراق. يتمثل مثل هذا الموقف، المطلوب أميركيا، في الإعتراف، من دون مواربة، بأنّ البلد لا يزال تحت السيطرة الإيرانية من جهة وأنّه خطر على جيرانه من جهة أخرى. توجد قواعد لـ"الحرس الثوري" على حدود العراق والأردن وحتّى سوريا. إلى ذلك إنّ مصدر معظم المسيرات التي اطلقتها إيران في اتجاه الكويت جاءت الأراضي العراقية. يظلّ أخطر ما في الأمر أنّ الإعتداءات الإيرانيّة على السعوديّة، عن طريق العراق، لم تكشف تقصير حكومة على الزيدي فقط. كشفت هذه الإعتداءات أن "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا تحترم الإتفاقات التي توقعها مع الدول الأخرى. يشمل ذلك الاتفاق الذي وقعته السعودية مع إيران في بكين في العام 2023. لم تكتف إيران بخرق هذا الاتفاق عبر الحوثيين في اليمن، بل عمدت إلى تأكيد أن العراق في جيبها. أكثر من ذلك، تبدو "الجمهوريّة الإسلاميّة" مستعدّة لإستخدام العراق في الحرب التي تشنها على دول مجلس التعاون والأردن. لا يفيد كلام دونالد ترامب عن أنّ الهجمات التي استهدفت "الحشد الشعبي" في العراق والتي كانت بالتعاون بين السعوديّة والقيادة المركزية الأميركية "جاءت بتنسيق مع الحكومة العراقية". يبقى مثل هذا الكلام تعاميا عن واقع لا مفرّ منه. يختزل هذا الواقع سؤال في غاية البساطة: أين موقع العراق في المعادلة الإقليمية وهل يستطيع أن يكون أكثر من جرم يدور في الفلك الإيراني؟ المؤسف أنّ بحث علي الزيدي عن توازن بين علاقة حكومته بايران من جهة ودول الجوار العربية من جهة أخرى لم يكن بحثا مجديا. إضطر رئيس الحكومة العراقيّة إلى الإعلان عن تأجيل زيارته للرياض، أقلّه في الوقت الحاضر. إنّّه تأجيل منطقي في انتظار معرفة موقع العراق في المعادلة الإقليمية وهل وارد خروج البلد من الهيمنة الإيرانية... يرمز "الحشد الشعبي" الذي يضم مجموعة من الميليشيات إلى هذه الهيمنة التي لاتزال مستمرّة منذ 2003. إن رواتب عناصر الميليشيات تأتي من موازنة الدولة العراقية. لا ينفع كلام ترامب عن "تنسيق" مع حكومة الزيدي في شيء، بل هو هرب من السؤال الأساسي المتعلق برهانه على العراق وهو رهان لا فائدة منه ما دام سلاح الميليشيات العراقية صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في البلد. كل ما بقي تفاصيل لا معنى لها!

"الحوثيون يكشفون ضعف "الجمهوريّة الإسلاميّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يوليو 23, 2026 - 03:35

لا أفق سياسيا، أو عسكريا، للتهديدات التي يطلقها الحوثيون في اليمن في إتجاه المملكة العربيّة السعودية وللحركة في موانئها البحرية. يستحيل على الحوثيين تنفيذ تهديداتهم بفرض حصار على الموانئ البحرية السعوديّة. كلّ ما في الأمر أن الحوثيين فوتوا، عبر كلام كبير فارغ يطلقونه، فرصة أن يكونوا جزءا من اللعبة السياسية في اليمن، وهي لعبة تستهدف التوصل إلى تسوية سياسيّة لا تستبعد أي طرف. بانحيازهم المكشوف إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة"، أخرج الحوثيون نفسهم اللعبة السياسيّة في اليمن. اثبتوا بكل بساطة أنّهم إيرانيون وأنّهم ليسوا يمنيين وأنّ كل رهان على استعادة الحوثيين وعيهم وحدّ أدنى من الشعور الوطني ليس سوى رهان في غير محله. كان ذلك مجرّد مضيعة للوقت ليس إلّا. في السنوات القليلة الماضية، خصوصا منذ التوصل إلى اتفاق سعودي – إيراني برعاية صينيّة في آذار – مارس من العام 2023، حافظ الحوثيون على نوع من ضبط النفس متظاهرين بالحياد. بحث هؤلاء عن متابعة حوار مع الرياض بعيدا عن أي نوع من الإستفزازات. شمل ذلك أخذ وردّ مع المملكة العربيّة السعوديّة بهدف تكريس صيغة تعايش بين الجانبين. فجأة مع إتخاذ "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران، أو على الأصحّ "الحرس الثوري"، قرارا بالتصعيد العسكري، اتخذ الحوثيون، عبّر زعيمهم عبد الملك الحوثي، عن موقف يكشف أنّهم لا يستطيعون أن يكونوا غير أداة إيرانيّة. قرّر الحوثيون أن يكونوا جزءا من الهجمة الإيرانية على دول الخليج العربي وعلى الأردن، وهي هجمة تعكس إفلاسا إيرانيا ليس بعده إفلاس. كشف الحوثيون أنّهم ليسوا أكثر من لواء آخر في "الحرس الثوري"، على غرار ما هو "حزب الله" في لبنان. حسنا، يستطيع الحوثيون خلق إزعاجات لحركة الملاحة في البحر الأحمر وفي خليج عدن مستعينين بقراصنة صوماليين يمكن استئجارهم لتنفيذ مهمات معيّنة. لكن ذلك لا يعني في أي شكل قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب وهو المدخل الإجباري إلى البحر الأحمر وإلى قناة السويس. يعود ذلك إلى سبب في غاية البساطة. يتمثّل هذا السبب في أن الحوثيين لا يسيطرون على ميناء المخا اليمني الذي يتحكّم بحركة المرور في باب المندب. لقد خسر الحوثيون المخا منذ خريف العام 2014 عندما قررت قوى يمنية طردهم من الجنوب اليمني، بما في ذلك ميناء المخا. ليس سرّا أن تلك القوى المحليّة، التي أخرجت الحوثيين من عدن ومن المخا ومن مواقع معيّنة في محافظة شبوة، كانت تحظى بدعم دولة الإمارات التي امتلكت سياسة يمنيّة واضحة تقوم على منع الحوثيين من السيطرة على كلّ اليمن، خصوصا على الجنوب. عاجلا أم آجلا، ستكون هناك حاجة إلى عودة دولية وإقليميّة إلى اليمن الذي يتمتع بأهميّة استراتيجيّة استثنائية، أقلّه لسببين. السبب الأوّل أن الأراضي اليمنية تصلح ممرا لأنابيب النفط بما يساعد في تجاوز مضيق هرمز. أما السبب الآخر، فيعود إلى أنّه في غياب القدرة على تمرير انابيب للنفط في الأراضي اليمنيّة، وصولا إلى البحر الأحمر أو بحر العرب، لن يكون في استطاعة دول المنطقة والعالم تحمّل بقاء إيران في اليمن. بكلام أوضح، ليس في الإمكان تحمّل عرقلة إيران للملاحة في البحر الأحمر انطلاقا من اليمن. ليس سرّا أن "الجمهوريّة الإسلاميّة" مصرّة، عبر الحوثيين، على البقاء في اليمن واستخدامه في اغلاق مضيق باب المندب وضرب السفن التي تعبر المضيق في طريقها إلى قناة السويس. هذه نية الحوثيين، لكنّ فقدانهم للسيطرة على ميناء المخا يحول دون تحقيق القدرة على تنفيذ تهديداتهم. لا بدّ من التذكير، في هذا المجال، بأنّ الحوثيين يسيطرون على صنعاء وعلى قسم مهمّ من الأراضي اليمنيّة منذ 21 أيلول – سبتمبر 2014. ليس ما يدلّ على مدى تمسك إيران بوجودها في اليمن اكثر من إصرارها على خرق الحظر المفروض على مطار صنعاء حديثا. أرسلت ايران طائرة مدنية إلى صنعاء بحجة الإتيان بوفد يمني للمشاركة في جنازة "المرشد" الراحل علي خامنئي. لم تكتف بذلك، بل شنّ الحوثيون فجأة حملة على المملكة العربيّة السعودية شملت تهديدات لها. جاءت الحملة بعد فترة طويلة من الهدوء والأخذ والردّ بين الحوثيين والرياض. شمل ذلك حصول الحوثيين على مكاسب معيّنة بطريقة مباشرة أو بوساطة من سلطنة عُمان. سيبقى السؤال المطروح في أيامنا هذه سؤالا ذا شقين. يتعلّق الشق الأوّل بقدرة الحوثيين على تنفيذ تهديداتهم للسعودية ولحركة الملاحة في البحر الأحمر والآخر بالإفلاس الإيراني. بالنسبة إلى الشق الأول، سيكون في استطاعة الحوثيين استهداف سفن وناقلات تعبر البحر الأحمر، خصوصا في ضوء سيطرتهم على ميناء الحديدة ، ذي الأهمّية الإستراتيجيّة،المطلّ على هذا البحر. أما بالنسبة إلى إيران نفسها، فقد اختارت الإعتداء على الدول العربيّة الخليجية وعلى الإردن في غياب رغبتها في مواجهة مباشرة مع أميركا أو إسرائيل. تستهدف إيران الكويت والبحرين والإمارات وقطر وسلطنة عمان وتكلّف الحوثيين بالإعتداء على السعودية. في المقابل، لا تتجرأ على التعرض لأي قطعة حربية أميركية تبحر في الخليج! ليست التهديدات الحوثية في نهاية المطاف غر تعبير عن افلاس إيراني ليس بعده إفلاس. تكشف هذه التهديدات التي تأتي على حساب اليمن واليمنيين أنّ نهاية النظام الإيراني آتية لا محالة. المسألة مسألة وقت ليس إلّا بعدما كشف الحوثيون ضعف "الجمهوريّة الإسلاميّة" ومدى إفلاسها.

ترامب والرهان على العراق...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يوليو 17, 2026 - 09:19

هل يكون حظّ دونالد ترامب مع العراق افضل من حظّه مع إيران؟ يطرح هذا السؤال نفسه بعد الترحيب الكبير للرئيس الأميركي برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن. لم يترك ترامب مديحا إلّا واغدقه على الزيدي متجاهلا أن الرجل كان إلى ما قبل فترة قصيرة صاحب مصرف وضع على لائحة العقوبات الأميركية بتهمة تبييض اموال لمصلحة "الحرس الثوري"! استقبل ترامب رئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض في وقت تدور معارك متقطّعة بين الولايات المتحدة وإيران مع تركيز خاص على مضيق هرمز. اكتشف الرئيس الأميركي متأخرا أن مذكرة التفاهم التي وقعها مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لا تعني شيئا. لا تزال هناك هوة كبيرة تفصل بين واشنطن وطهران. كلّ منهما يغني على ليلاه، كل منهما لديه تفسيره الخاص لمذكرة التفاهم التي توصل إليها مع الإيرانيين نائب الرئيس الأميركي جي. دي فانس يرافقه المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ليست معاودة المعارك بين الولايات المتحدة سوى تعبير عن مدى خيبة ترامب من النتائج التي نتجت عن مسار اسلام أباد ومدى فشل دور الوساطة الذي تلعبه باكستان. حسنا، أعاد الزيدي إعادة تأهيل نفسه واستطاع الوصول إلى موقع رئيس الوزراء، وهو الموقع الأهمّ في العراق، بعد الفيتو الذي وضعه الرئيس الأميركي على نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق والشخصية الشيعيّة الأبرز في ما يسمّى "الإطار التنسيقي". إلى الآن، أظهر الزيدي، من خلال الحملة على الفساد التي تشنّها حكومته، مقدارا كبيرا من الجدّية، علما أنّه ينقص هذه الحملة الذهاب كشف الرؤوس الكبيرة التي هي في أساس الفساد. إنّها الرؤوس التي تقف خلف الفساد منذ العام 2003 تاريخ اسقاط الولايات المتحدة لنظام صدّام حسين بكلّ سيئاته، تمهيدا لتسليم هذا البلد المهم إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران. مطلوب من العراق، في ظل حكومة علي الزيدي، فصل مساره عن إيران. لا يبدو ذلك ممكنا، لا لشيء سوى لأن "الحرس الثوري" لا يزال يتحكّم بمفاصل السلطة. يظلّ الدليل الأهمّ على ذلك كلّه وجود "الحشد الشعبي" الذي يضمّ مجموعة من الميليشيات المذهبيّة الموالية لإيران كمركز ثقل في الحياة السياسيّة العراقيّة. عمل "الحشد" على لعب دور أمني لدى تشييع جثمان "المرشد" على خامنئي في كربلاء والنجف بحضور شخصيات كبيرة ذات وزن مثل نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي. أكثر من ذلك أعلن يوم تشييع خامنئي في العراق يوم عطلة رسميّة. عاجلا أم آجلا، سيأتي يوم الاستحقاق العراقي. لا يتعلّق الأمر بمتابعة الحملة على الفساد التي لا يتوقع وصولها إلى ابعد مما وصلت إليه فحسب، بل إلى موضوع السلاح الموجود لدى فصائل "الحشد الشعبي" وميليشيات عراقيّة أخرى تابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني أيضا. خلافا لما يعتقده الرئيس ترامب لن يكون سهلا لا على علي الزيدي ولا على غيره من الزعماء العراقيين التخلص من إيران التي لا تزال تمسك بمفاتيح السلطة في العراق. أي تفسير لدى الزيدي لإطلاق مسيرات في اتجاه الكويت من الأراضي العراقيّة وأي تفسير لاستمرار الاعتداء على القنصلية الكويتية في البصرة في وقت لا تتوقف "الجمهوريّة الإسلاميّة" عن الاعتداء على دول الخليج العربي وعلى الأردن من منطلق أنّ ذلك يشكل ردّا على الهجمات الأميركيّة؟ كانت لافتة شحنة الأسلحة، بينها 150 مسيّرة وصواريخ، التي صادرتها السلطات السوريّة عند الحدود العراقيّة في طريقها إلى بانياس حيث توجد مصفاة للنفط. كانت الأسلحة مرسلة إلى "حزب الله" الذي وصفته السلطات السوريّة بـ"الإرهابي". من وضّب تلك الأسلحة في العراق، بطريقة متقنة، كي ترسل إلى "الحزب" ولبنان عن طريق سوريا؟ هل يكفي تشكيل لجنة تحقيق عراقيّة كي لا يعود في العراق من يتعاطف مع "حزب الله"؟ لا شكّ أن موقف الحكومة العراقيّة من "حزب الله" اللبناني ووضعه على لائحة الإرهاب خطوة في غاية الأهمّية. تبقى في نهاية المطاف حقيقة كبرى تتمثّل في عجز حكومة علي الزيدي، أقلّه إلى الآن، عن قطيعة تامة مع "حزب الله" الذي استطاع خرق أكثر من ميليشيا عراقية تتعاطف معه. لكن، من يدري؟ ربّما تلجأ الحكومة العراقية، عبر موقفها من "حزب الله" اللبناني، إلى ذر الرماد في العيون بدل الذهاب إلى معالجة وضع "حزب الله" العراقي. تحدّث ترامب طويلا عن أهمّية النفط العراقي وما يعنيه بالنسبة إلى الشركات الأميركيّة. يخشى ألّا يكون الرهان على العراق أفضل من الرهان الذي قام به ترامب على إيران وعلى مذكرة التفاهم التي توصل إليها جناح في ادارته مع "الجمهوريّة الإسلاميّة". سيبقى مثل هذا النوع من الأسئلة مطروحا في غياب التغيير الكبير في إيران، وهو تغيير يمكن أن يحصل ويمكن ألّا يحصل، وهو تغيير ستبقى المنطقة، بما في ذلك العراق رهينة له... بوجود علي الزيدي وعدم وجوده.

تجاوز هرمز... يفسر الجنون الإيراني
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يوليو 9, 2026 - 21:36

في العمق، لا بد من التساؤل ما الذي جعل إيران تخرق بشكل مفضوح مذكرة التفاهم التي توصلت إليها مع الولايات المتحدة عبر المفاوضات التي جرت في سويسرا مع وفد أميركي برئاسة نائب الرئيس جي. دي. فانس؟ لا شكّ أن أسبابا كثيرة يمكن ان تفسّر التصرف الإيراني الغريب القريب من الجنون. جعل ذلك الرئيس دونالد ترامب يذهب إلى حد وصف المسؤولين الإيرانيين بـ"المرضى" و"الكذابين" الذين لا يمكن التعامل معهم. بل راح إلى أبعد من ذلك في استخدام عبارات تكشف خيبة كبيرة من المسؤولين الإيرانيين قبل أن يعلن عن نهاية العمل بمذكّرة التفاهم. لكنّ التفسير الأهمّ للجنون الإيراني يكمن في سعي دول المنطقة إلى البحث عن طرق لتجاوز مضيق هرمز، إن عبر البحر الأحمر أو عبر البحر المتوسط، مع ما يستدعيه ذلك من تفاهمات مع الأردن وسوريا أو مع العراق وتركيا بغية الوصول إلى موانئ يصل منها الغاز والنفط إلى أوروبا ومناطق أخرى في العالم من دون أن يكون ذلك تحت رحمة إيران. كلّ ما في الأمر أنّ إيران شعرت أن الوقت، الذي راهنت عليه، لا يخدم استراتجيتها وأن العمل جار من أجل الإستغناء عن مضيق هرمز الذي تعتبر انّه ورقتها الأساسيّة في المواجهة مع الولايات المتحدة. جاء بحث دول الخليج عن مسارات جديدة لخطوط انابيب النفط والغاز ليحرم "الجمهوريّة الإسلاميّة" من ورقتها الرابحة التي جعلت الإدارة الأميركيّة توقع مذكرة التفاهم مع إيران، غير مدركة أنّها تتعامل مع نظام من نوع مختلف لا علاقة له بأي قيم مرتبطة بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول الأخرى. كانت السياسة الوحيدة التي يمكن ربط النظام الإيراني بها منذ قيامه في العام 1979، هي سياسة اسمها الإبتزاز. في كلّ الأحوال يعكس لجوء الولايات المتحدة للضربات العسكريّة، ردّا على استهداف "الحرس الثوري" لناقلات، بينها نقالة قطريّة وأخرى سعوديّة كانت تعبر مضيق هرمز، اكتشافا متأخرا كثيرا للرئيس الأميركي لطبيعة المسؤولين الإيرانيين وللنظام القائم نفسه. أن يكتشف ترامب النظام الإيراني متأخرا يبقى أفضل من أن لا يكتشفه ابدا! لم تكن من حاجة إلى كلّ هذا الوقت كي يدرك دونالد ترامب مع من يتعامل وأنّ النظام الإيراني لم يتغيّر يوما. لم يحترم هذا النظام أي قانون دولي أو أي قيم انسانيّة في يوم من الأيّام. تؤكد ذلك مأساة جنوب لبنان التي تسببت بها "الجمهوريّة الإسلاميّة". كلّ ما رآه الإيرانيون في مذكرة التفاهم مع الإدارة الأميركيّة فرصة لكسب الوقت. لم يحترم النظام الإيراني الفقرة الأساسيّة في مذكرة التفاهم، وهي الفقرة التي تتمثل، بالمفهوم الأميركي، في المحافظة على حريّة الملاحة في مضيق هرمز. كان بقاء هرمز مفتوحا مسألة محوريّة بالنسبة إلى ترامب نفسه الذي رأى في هبوط أسعار النفط إنجازا كبيرا يستطيع تسويقه في الداخل الأميركي. كان ترامب في حاجة إلى هذا الإنجاز الذي يخدمه في تعاطيه مع المواطن الأميركي العادي. لذلك جنّ جنونه عندما عاد "الحرس الثوري" إلى عرقلة الملاحة في مضيق هرمز. قبل ذلك اكتشفت إيران مدى جدّية دول المنطقة في العمل على الإستغناء عن مضيق هرمز. هذا ما يفسّر عودة التركيز الإيراني على اليمن والحوثيين الذين عادوا إلى توجيه تهديدات إلى المملكة العربيّة السعودية بعدما التزموا طويلا نوعا من التهدئة معها. بالنسبة إلى إيران، يستطيع الحوثيون لعب دور مهمّ في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر ومنع مرور ناقلات النفط فيه. ليس صدفة خرق "الجمهوريّة الإسلاميّة" الحظر المفروض دوليا على مطار صنعاء لتأكيد أن الحوثيين ورقة في تصرّفها وأن ليس في استطاعة هؤلاء الخروج عن عصا الطاعة الإيرانيّة. تبقى نقطة في غاية الأهمّية. ليس دونالد ترامب وحده الذي أعاد اكتشاف الإيرانيين والنظام القائم في طهران. هناك باكستان التي تبيّن بكلّ بساطة أن وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران لا تفيد في شيء. كل ما تستطيع باكستان عمله هو أن تكون ورقة إيرانيّة لا اكثر. استفادت "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى ابعد حدود من باكستان. لعبت باكسان دورا في جعل إدارة ترامب تعتقد أنّ في الإمكان عقد صفقة متوازنة مع إيران تقوم على المحافظة على جريّة الملاحة في مضيق هرمز. ارتدت لعبة كسب الوقت على إيران. ترفض دول المنطقة قبل غيرها أن تكون رهينة مضيق هرمز. هذا ما يفسّر الجنون الإيراني الذي لم يأخذ في الإعتبار خروج دونالد ترامب عن طوره ولجوءه إلى منطق القوّة مجددا. هل عادت الحرب؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي من الباكر الإجابة عنه. الأكيد أن حرمان "الجمهوريّة الإسلاميّة" من ورقة مضيق هرمز والعمل على تجاوز المضيق جعلاها تجازف بمذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. ما قيمة هذه المذكّرة عندما لا تكون لدى إيران ورقة اسمها هرمز تضغط بها على العالم وتتحكّم بأسعار النفط والغاز فيه؟ كان المضيق لعبة إيرانيّة مكنتها من التوصّل إلى مذكّرة التفاهم التي قدمت فيها الولايات المتحدة تنازلات كبيرة، شملت ربط إيران بالحل في لبنان. يبدو أن تجاوز المضيق، الذي تعمل عليه دول المنطقة، يشبه حرمان طفل من لعبته المفضّلة. ليس تصرّف "الحرس الثوري" سوى تصرّف طفل جرى تشليحه لعبته هذه!

/