شعار Levant Time

العالم الجديد

الشرع في امتحان داخل سوريا... قبل لبنان
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يوليو 3, 2026 - 18:29

لا يمكن إلّا النظر بإيجابيّة إلى زيارة أسعد الشيباني للبنان. كانت زيارة وزير للخارجية السوري لدولة سيّدة مستقلّة أخرى وليس مجرّد "ساحة" أو تابع. كشفت الزيارة، أقلّه من ناحية الأسلوب المعتمد، وجود رغبة لدى الرئيس أحمد الشرع، صاحب القرار في دمشق، في بناء علاقة من نوع مختلف بين لبنان وسوريا بعيدا عن عقد الماضي، خصوصا منذ احتكار حافظ الأسد السلطة في سوريا في تشرين الثاني – نوفمبر 1970. هل هذه سياسة سوريّة ثابتة أم مجرّد سياسة مرحليّة في انتظار تثبيت الحكم الجديد وضعه عن طريق بناء نظام قوي متماسك على طريقة ما فعله حافظ الأسد منذ ما قبل الإنقلاب الذي نفذه في خريف 1970 تحت شعار "الحركة التصحيحيّة"؟ تذكّرت، شخصيا، البساطة في تصرفات الشيباني وقارنت بين سلوكه الحضاري من جهة وسلوك المسؤولين السوريين الذين كانوا يزورون لبنان أيام حافظ الأسد ونجله بشّار من جهة أخرى. لم يخف بشار يوما جهله بلبنان. في لقاء مع وزير خارجية عربي كان ينقل له رسالة من رئيس دولته، لم يتردّد في القول أن لبنان "بلد هش" متجاهلا تماما هشاشة بلد مرشّح لإنفجار داخلي اسمه سوريا. انفجر الداخل السوري في 2011. استمرت الحروب الداخلية حتّى نهاية 2024 عندما فرّ رئيس النظام السوري إلى موسكو. اسدل الستار على نظام عمّر ما يزيد على نصف قرن معتمدا على سيطرة العلويين على الجيش والأجهزة الأمنية وبالتالي على كلّ ما له علاقة بإقتصاد البلد. لعلّ أكثر ما تذكّرته في اثناء وجود الشيباني في لبنان جولات مفاوضات بين عبدالحليم خدّام وزير الخارجية السوري وفؤاد نفاع وزير الخارجية اللبناني صيف العام 1973. كان الهدف من المفاوضات إعادة فتح الحدود اللبنانيّة – السوريّة التي اغلقها حافظ الأسد احتجاجا على محاولة الجيش اللبناني القضاء على الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، وهو وجود كان يحظى برعاية سورية لأسباب مرتبطة بالرغبة في تفجير البلد لاحقا. شاهدت بنفسي خدّام يحضر إلى فندق "بارك اوتيل" في شتورا للقاء الوزير اللبناني. حرص وزير الخارجيّة السوري، وقتذاك، على دخول الأراضي اللبنانية في موكب تحميه عناصر من الشرطة العسكريّة السوريّة. كانت هذه العناصر، التي تحمل سلاحها، تؤدي التحية لخدام لدى دخوله "بارك اوتيل" في خطوة متعمّدة تستهدف الدوس على السيادة اللبنانيّة. تغيّر كلّ شيء الآن. اتبع الشيباني قواعد التهذيب بدقّة. سيتبيّن عاجلا أم آجلا هل ذلك سلوك مستدام لدى النظام السوري الجديد تجاه لبنان الذي كان حافظ الأسد يتعاطى معه تحت شعار "شعب واحد في بلدين" أو "وحدة المسارين"؟ من الواضح أنّ كلّ خطوة قام بها وزير الخارجيّة السوري كانت مدروسة بدقّة، بما في ذلك زيارته لطرابلس التي أراد أحمد الشرع من خلالها إظهار مدى شعبيته في المدن السنّية اللبنانيّة. كان الشرع يعرف، من خلال زيارة الشيباني للبنان، أنّه تحت مراقبة عربيّة ودوليّة وأنّ عليه مراعاة اللبنانيين وحساسياتهم تجاه سوريا إلى أبعد حدود. في النهاية، ليس سرّا أنّ النظام السوري البائد، حليف "حزب الله"، لعب دورا في التنكيل بكل الطوائف اللبنانيّة، خصوصا بالسنّة والمسيحيين. لم يعد يعر أهمّية كبيرة للدروز منذ إغتال كمال جنبلاط في العام 1977 في رسالة فهم وليد كمال جنبلاط ابعادها جيّدا. لا حاجة إلى تعداد الشخصيات السنّية التي لعب نظام آل الأسد دورا في التخلص منها، من المفتي حسن خالد... إلى رفيق الحريري. لا حاجة أيضا إلى التذكير باغتيال رئيسين للجمهورية هما بشير الجميّل ورينيه معوّض ولا إلى كلّ الممارسات السورية التي صبّت في منع لبنان من توقيع اتفاق 17 أيار مع إسرائيل في العام 1983... الأكيد أن في الإمكان الحديث بإيجابيّة عن زيارة وزير الخارجية السوري للبنان باعتبارها زيارة ذات طابع مختلف تعكس تغييرا كبيرا في سوريا. لكنّ ما لا يمكن تجاهله أنّ العالم لن يقتنع بحصول تغيير حقيقي في سوريا إلّا إذا كان هذا التغيير في سوريا نفسها. لا معنى للإنفتاح على مسيحيي لبنان في غياب انفتاح في العمق على مسيحيي سوريا. ما يتعلّق بالمسيحيين اللبنانيين ينطبق أيضا على دروز سوريا الذين ما زالوا يعانون من نتائج الصدامات الأخيرة مع مجموعات مسلّحة محليّة ارادت تدجينهم بدعم من النظام الجديد. الأهم من ذلك كلّه أن حكومة أحمد الشرع تعمل حاليا على تغيير طبيعة المجتمع السوري بما يتماشى مع القيم التي فرضتها "هيئة تحرير الشام" والفصائل التي تحالفت معها في سنوات سيطرتها على إدلب. تعمل على ذلك بهدوء من دون ضجيج. على سبيل المثال، وليس الحصر، جرى تمرير قوانين تمنع استيراد الات الموسيقية، كذلك استيراد الكحول... لا يمكن إلّا الترحيب بالسياسة السوريّة المختلفة تجاه لبنان، لكنّه لا يمكن تجاهل أنّه لن يكون واردا الحديث عن تغيير حقيقي في سوريا من دون نظام جديد يعمل على بناء مجتمع متماسك بعيدا عن كلّ أنواع التزمت. في النهاية، إن الإمتحان الحقيقي لأحمد الشرع واسعد الشيباني سيكون في داخل سوريا وليس في لبنان. المفترض أن تتحوّل سوريا، في ضوء التخلّص من النظام العلوي (نظام آل الأسد)، إلى دولة متصالحة مع نفسها ومع كلّ فئات الشعب السوري ومكوناته، من سنّة ومسيحيين ودروز وعلويين واسماعيليين. عندما يحصل مثل هذا التطور، المطلوب أن يشمل الأكراد أيضا، سيصدّق اللبنانيون أن تغييرا في العمق حصل في سوريا وأن علاقات طبيعية ستقوم بين البلدين...

الخوف من صورة!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يونيو 26, 2026 - 17:05

ليس امام لبنان غير متابعة المفاوضات مع إسرائيل بغية تحقيق الهدف المطلوب، أي تحقيق الانسحاب وعودة النازحين الى قراهم وبلداتهم. تلك هي الوطنية الحقيقية بعيدا عن الرغبة في الإنتماء إلى ماض طغت عليه الشعارات البراقة، من نوع "الصلاة في القدس" لم تؤد سوى إلى عودة الاحتلال. في النهاية، هناك واقع لا يستطيع لبنان الهرب منه إلى الأبد. لا يتمثل هذا الواقع، فقط، في أنّ على لبنان دفع ثمن الحروب التي شنتها إيران، عن طريق "حزب الله"، على الدولة العبرية. يتمثّل هذا الواقع أيضا في وجود مفاهيم جديدة في المنطقة وهي مفاهيم على لبنان التكيّف معها بدل البقاء في الأسر الإيراني. يُفترض بلبنان السعي إلى معرفة طبيعة الثمن الذي عليه دفعه في مقابل الانسحاب الإسرائيلي... هذا إذا كان مطلوبا التفادي في السقوط في الفخ الإيراني. في أساس هذا الفخّ رغبة "الجمهوريّة الإسلاميّة" بالمتاجرة بالبلد وأهله بغض النظر عن الخراب والدمار اللذين يعاني منهما الجنوب ومناطق أخرى. لم يتغيّر الهدف الإيراني يوما في لبنان. لذلك، لا يزال هناك رفض إيراني للإعتراف بالتغيير الذي حصل على صعيد المنطقة كلّها. لا يزال هناك إصرار لدى "الجمهوريّة الإسلاميّة" و "الحرس الثوري" على أن لبنان يصلح ورقة في أي مفوضات مع الولايات المتحدة. في مواجهة رفض إيران الإعتراف بالتغيير الذي حصل في المنطقة، يفترض في لبنان التوقف عن الهرب من الواقع من جهة ورفض الرضوخ للمنطق الإيراني من جهة أخرى. يعني ذلك أنّ لا معنى لتهرب ضباط لبنانيين يفاوضون الإسرائيليين في واشنطن من التقاط صورة للوفود المشاركة في المفاوضات. لن يقدّم ذلك ولن يؤخر، بمقدار ما يعطي صورة عن عقل لبناني متخلّف يصرّ على أن يكون لبنان تابعا لإيران لا اكثر. لا يفيد استرضاء إيران في شيء. لمثل هذا الإسترضاء نتيجة وحيدة هي بقاء الاحتلال وتكريسه. يقتات "حزب الله" من الاحتلال الذي تدفع إيران في اتجاه تكريسه خدمة للأوهام التي ما زالت تعيش في ظلّها. تتجاهل إيران أنّ الحروب الأخيرة كانت على ارضها وليس في مكان آخر وأنّها وجدت نفسها في نهاية المطاف تفاوض الأميركيين وتوقع معهم مذكرة تفاهم ليس ما يشير إلى أنّها ستحل أي مشكلة عالقة بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" والولايات المتحدة أو بينها وبين إسرائيل... وحتّى بين "الجمهورية الإسلاميّة" ودول مجلس التعاون الخليجي الست. على هذه الخلفيّة، أقلّ ما يفترض في الضباط اللبنانيين إدراكه هو أنّهم لا يفاوضون اشباحا. إنّهم يفاوضون الجيش الإسرائيلي الذي يحتل ارضا لبنانية لن يخرج منها في حال احتفظ "حزب لله" بسلاحه. تكمن الجرأة، بكل بساطة في العمل من أجل انتهاء الاحتلال بدل تكريسه والإختباء خلف الشعارات الطنانة والهرب من صورة مع الوفد المفاوض. هل اللبنانيون الذين يفاوضون إسرائيل، بغطاء من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء خونة أم أنّهم زبدة الوطنيّة في بلد وقع تحت الاحتلال الإيراني الذي أعاد إسرائيل إلى الجنوب؟ لا يحتاج سيمون كرم رئيس الوفد اللبناني المفاوض، ولا السفيرة في واشنطن ندى حماده معوّض إلى شهادة في الوطنيّة من أحد. لا لشيء سوى لأن المفاوضات التي يخوض لبنان غمارها في العاصمة الأميركية، مفاوضات علنيّة، تستهدف التخلّص من الاحتلال قبل أي شيء. هل هناك مهمة أكثر نبلا من هذه المهمّة؟ يفاوض لبنان في ظروف معقّدة إلى ابعد حدود. لا يتعلّق الأمر بتعنت إسرائيلي بمقدار ما يتعلّق أيضا بتغيير كبير حصل داخل الدولة العبريّة حيث توجد أكثرية تؤمن بأن لا مجال للتعايش مع سلاح "حزب الله". لن يكون في استطاعة بنيامين نتانياهو تقديم أي تنازلات في ما يخص الانسحاب من لبنان في غياب ضمانات لبنانيّة واضحة في شأن سلاح "حزب الله". بكلام أوضح إن إسرائيل ما قبل "طوفان الأقصى" غير إسرائيل ما بعد الهجوم الذي شنته "حماس" على مستوطنات غلاف غزة في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. لا مجال لأي صفقات تحت شعار "قواعد الإشتباك"، لا مع "حماس" في غزة ولا مع "حزب الله" في جنوب لبنان. لم يعد واردا التوصل إلى مثل هذه الصفقات، خصوصا أن الإدارة الأميركيّة ليست مستعدة للذهاب بعيدا في ممارسة ضغوط على إسرائيل في لبنان. لم تعد المسألة مسألة الخوف من صورة. المسألة مسألة ظهور لبنان في واشنطن بوفد واحد موحّد يعرف ماذا يريد بعيدا عن المزايدات. السؤال في نهاية المطاف، هل يريد لبنان التخلّص من الأحتلال بدل العمل من أجل تكريسه أم لا؟ هل يريد تفادي الوقوع في الفخّ الإيراني الذي يقوم على المتاجرة بالجنوب والجنوبيين، خصوصا الشيعة منهم؟ الأكيد أن الخوف من صورة لا يبشر بالخير. ما يبشر بالخير وجود عزيمة لبنانيّة على المضي في المفاوضات عبر مسار مستقلّ عن المسار الأميركي – الإيراني. يشير ذلك إلى شجاعة لبنانية بدل التلطي بالشعارات والعقد المزمنة في وجه الاحتلال الإسرائيلي!

إدارة أميركيّة لا تعرف إيران!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يونيو 20, 2026 - 15:18

على الورق تبدو مذكرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة التي وقعها من بعد الرئيس دونالد ترامب والرئيس مسعود بزيشكيان، مذكّرة كلّ الأسئلة المعلّقة. في حال استثناء إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأميركي على "الجمهوريّة الإسلاميّة" ليس ما يشير إلى أيّ إختراق في شأن أي من المسائل المعلّقة بين واشنطن وطهران. هل يمكن القول، على الورق أيضا، أنّ إدارة دونالد ترامب قرّرت الإستسلام أمام إيران بدل الذهاب إلى النهاية في كسر شوكتها والقضاء على مشروعها التوسّعي، كما كانت تريد في البداية؟ من الواضح، لدى قراءة النقاط الـ14 التي تضمنتها مذكرة التفاهم أنّ إدارة ترامب تركت كلّ المسائل الأساسيّة معلّقة. ليس مفهوما ما الذي سيحل بالبرنامج النووي الإيراني الذي أكّد ترامب المرّة تلو الأخرى أنّه لا يمكنه القبول بوجوده. لا إشارة إلى الصواريخ الباليستية وقواعدها، لا موقف من الأدوات الإيرانيّة في المنطقة باستثناء تأكيد أن وقف النار بين أميركا يشمل لبنان. كيف ترجمة ذلك على الأرض اللبنانية؟ هل توجد قناعة إيرانيّة بأنّ الولايات المتحدة ستجبر إسرائيل على التزام وقف النار في لبنان؟ حسنا، التزمت إسرائيل وقف النار في لبنان. لا تتضمن المذكرة ما يوحي بأنّ إسرائيل، التي ليست طرفا في المذكّرة، استسلمت في لبنان أمام الإدارة الأميركيّة وأنّها ستنفذ في أقرب فرصة كل ما ستطلبه منها واشنطن. على الرغم من الكلام عن إعلان واشنطن التوصل إلى وقف للنار في لبنان، يبقى الموقف الإسرائيلي من لبنان في غاية الغموض. لم يمرّ وقت طويل على دخول المذكرة حيز التنفيذ حتى بدأت تظهر صعوبات أمام تنفيذها. تبيّن، بكل بساطة، أنّ إدارة ترامب لا تعرف الكثير عن إيران ولا عن سلوك المسؤولين الإيرانيين. بدت في الماضي أنّها تعرف الكثير. ربّما كان يعود ذلك، في خلال الولاية الأولى لترامب إلى وجود فريق عمل متجانس يعرف تماما، على سبيل المثال، معنى إغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" وابعاد مثل هذا الحدث. لا يقتصر الأمر على الداخل الإيراني حيث كان قاسم سليماني الرجل الثاني في السلطة، بعد "المرشد" الراحل خامنئي. كان سليماني رجل "الجمهوريّة الإسلاميّة" في المنطقة ورأس حربتها. كان القائد الفعلي للحوثيين والمفوض السامي في العراق وحاكم سوريا ولبنان في الوقت ذاته. ثمّة من يعتبر أنّ الإدارة الأميركية الحالية تفتقد رجلا مثل وزير الخارجية السابق مايك بومبيو. كان بومبيو يعرف ما هو النظام الإيراني وكيف التعاطي معه. كان لافتا سحب ملفّ إيران، في الأسابيع القليلة الماضية، من وزارة الخارجية الأميركية. بدا وزير الخارجية ماركو روبيو أقرب إلى شاهد زور ومجرّد مراقب لما يدور بين طهران وواشنطن. لا يمكن لمجموعة من المسؤولين الأميركيين، من طينة نائب الرئيس جي. دي. فانس، لا يعرفون الكثير عن إيران، إدارة ملفّ بهذه الحساسيّة. ما نشهده حاليا فصل جديد من مسلسل بدأ في العام 1979 عندما احتجزت السلطات الإيرانيّة الجديدة دبلوماسيي السفارة الأميركيّة في طهران طوال 444 يوما. فتح احتجاز الرهائن، الذي لم يلق أي رد فعل أميركي، الأبواب أمام مزيد من الإبتزاز الأميركي لـ"الشيطان الأكبر". تلاعبت "الجمهوريّة الإسلاميّة" بمعظم الإدارات الأميركية في السنوات الـ47 الماضية. استطاعت في العام 2003 جعل إدارة بوش الأبن تجتاح العراق تمهيدا لتسليمه إلى ميليشات مذهبيّة عراقية تابعة لـ"الحرس الثوري" قاتلت في الحرب العراقيّة – الإيرانية (1980- 1988)، إلى جانب "الجمهوريّة الإسلاميّة". ليست مذكرة التفاهم الموقعة أخيرا، وهي مذكرة غير قابلة للحياة، سوى عودة لإدارة ترامب إلى السياسة الأميركيّة التقليدية تجاه "الجمهوريّة الإسلاميّة". لم يكن دخول الولايات المتحدة حربا مع إيران سوى حالة استثنائية. عاد دونالد ترامب إلى موقع الباحث عن صفقة مع إيران. هذا ما يفسّر تكليف نائبه إدارة الملفّ وإلى جانبه مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر. لم يتغيّر شيء في إيران لتبرير رضوخ أميركي لـ"الحرس الثوري". لا يزال بعيدا اليوم الذي يمكن فيه لواشنطن تصوير إيران بالمكان الذي يمكن أن تعقد فيه صفقات تجارية مهمّة. ما نشهده حاليا هو عقل أميركي يتعاطى مع ملف في غاية التعقيد لا يفقه في تفاصيله ولا في تاريخه. لا علاقة لهذا العقل الأميركي، الذي أراد تحويل غزّة إلى "ريفييرا جديدة"، بما يدور في المنطقة. لا يستوعب هذا العقل أنّ إيران غير مستعدة لأن تتغيّر. كل ما تريده القيادة في طهران هو كسب الوقت. هناك رهان إيراني على تغيير داخل إسرائيل وعلى مزيد من الخلافات الأميركيّة – الإسرائيلية... وعلى خسارة إدارة ترامب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني – نوفمبر المقبل. عندئذ سيصبح ترامب أقرب إلى بطة عرجاء أكثر من أي شيء. سيتبيّن قريبا هل هذا الرهان الأميركي في مكانه؟ وقع الرئيس الأميركي في الفخ الإيراني. الأكيد أن دونالد ترامب ليس شخصا سهلا، لكنّ مشكلته تبقى في افتقاده لفريق عمل يعرف ما هي إيران التي تدرك في المقابل كيف تتعاطى مع أميركا. يمتلك الإيرانيون خبرة طويلة في كيفية استيعاب الإدارات الأميركية وتطويعها في انتظار الوقت المناسب لممارسة لعبة الإبتزاز التي تتقنها اتقانا شديدا. لا يقتصر الأمر على أميركا وحدها، بل يشمل دول المنطقة ودول أوروبا الغربيّة التي اتخذت، في العمق، موقفا في غاية الحذر من مذكرة التفاهم!

مأساة لبنانيّة ونكبة فلسطينيّة أخرى
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يونيو 15, 2026 - 19:01

يتحدّث العالم عم مأساة لبنانية تسبّب بها "حزب الله" ومن خلفه إيران، وعن نكبة فلسطينية أخرى تسببت بها "حماس". الغائب عن المأساة والنكبة حدثان كبيران هما الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار – مايو من العام 2000 و الانسحاب الإسرائيلي من غزة صيف 2005. كان الانسحاب الإسرائيلي انسحابا كاملا تنفيذا لقرار مجلس الأمن الرقم 425 الصادر في 1978. أكّد ذلك المجلس نفسه الذي رفض سلفا الرواية الرسميّة اللبنانيّة عن مزارع شبعا التي راح ينادي بها "حزب الله" ورأس حربته "الرئيس المقاوم" إميل لحود. لم تكن تلك الرواية سوى كذبة كبيرة استهدفت تبرير بقاء سلاح "المقاومة". لم يكن هذا السلاح في يوم من الأيام سوى سلاح موجه إلى الداخل اللبناني. لم يكم لديه من هدف غير بقاء جنوب لبنان صندوق بريد بين إسرائيل من جهة و "الجمهوريّة الإسلاميّة" من جهة أخرى. حدث ذلك من دون سؤال، ولو عابر، عن مصير أهل الأرض. كان هؤلاء وما زالوا الغائب الأكبر في معادلة داخلية وإقليميّة. لا تفسير منطقيا، إلى اللحظة، لماذا حلّ ما حل بجنوب لبنان وأهله؟ أكدت الأحداث التي تلت الانسحاب الإسرائيلي أهمّية بقاء السلاح وليس التخلّص من الاحتلال. كان الدليل الإصرار على بقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة. خطفت مجموعة من "حزب الله"، بتعليمات مباشرة من بشّار الأسد، الذي ارادت إيران جعله يصدّق نفسه، بضعة جنود إسرائيليين. كان ذلك بعد اشهر قليلة من الانسحاب الإسرائيلي. كان لبنان بين خيار إبقاء الجنوب ينزف وبين العمل من أجل إعادة بناء نفسه. كان الانسحاب الإسرائيلي فرصة لإيران كي تثبت مدى رسوخ نفوذها في لبنان. توسّع هذا النفوذ وترسّخ بعد العام 2005 عندما اغتالت عناصر من "الحزب" رفيق الحريري. استتبع ذلك انسحابا عسكريا سوريا وخلوا لـ"الساحة" اللبنانية أمام "الحرس الثوري". ما الذي بناه لبنان على الانسحاب الإسرائيلي؟ بنى عمليا الكارثة الي يعاني منها والتي جعلت مصير البلد كلّه في مهب الريح. الكلّ يتحدث عن الكارثة، لكن عددا قليلا من الناس يشير إلى الفشل اللبناني، الذي دفعت إيران في اتجاهه. دفعت إيران في منع الاستثمار المثمر في الانسحاب الإسرائيلي. كان في الإمكان تحويل الانسحاب إلى فرصة من أجل مستقبل أفضل للبلد ولأبنائه ولجنوبه خصوصا... بدل أن يكون جسرا لعودة الاحتلال، وهو احتلال ليس معروفا هل يزول يوما. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ حجم الخراب والدمار وما لحق بالقرى الجنوبيّة وعدد النازحين من أبناء الطائفة الشيعية بات يفوق كلّ تصور. أمّا التاريخ الآخر الذي يحتاج إلى تذكير دائم به، فهو تاريخ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزّة في آب – أغسطس 2005. الأكيد أن حسابات ارييل شارون الذي كان همّه كيفية التخلص من القطاع من جهة وفرض السيطرة على الضفة الغربية، كانت وراء الخروج الإسرائيلي الكامل من غزّة. لكنّ الأكيد أن الجانب الفلسطيني ممثلا بالسلطة والوطنيّة و"حماس"، عمل كلّ ما يستطيع من أجل تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى كارثة فلسطينية أخرى. يمكن في طبيعة الحال لوم السلطة الوطنية ممثلة بمحمود عباس (أبو مازن) الذي لا يمتلك أي صفات قيادية من أي نوع. اختار "أبو مازن" البقاء خارج غزّة عندما انسحب الإسرائيلي منها بدل أن يكون على الأرض وبين أهل القطاع... مع مرور الوقت، انتصر سلاح "حماس" على غزّة وأهلها. بدل أن يشكل الانسحاب، الذي حصل صيف 2005، فرصة لبناء نموذج مصغّر لدولة فلسطينية حضارية قابلة للحياة، كان الانسحاب فرصة لإسرائيل كي تقول أنّ "لا شريك فلسطينيا يمكن التفاوض معه". لم يأت ما تعاني منه غزة اليوم من فراغ. إنّه نتيجة فعل مدروس مارسته "حماس" طوال ما يزيد على عقدين. ركزت الحركة على الاحتفاظ بسلاحها من أجل بناء "أمارة إسلاميّة" على الطريقة الطالبانية (نسبة إلى طالبان) وضرب المشروع الوطني الفلسطيني من أساسه. لم تكن إسرائيل تعترض على هذا التوجه. كذلك، لم تكن معارضة للصواريخ التي راحت "حماس" تطلقها من غزّة أو معترضة عليها. كان كلّ همّها محصورا في تأكيد أنّ الفلسطينيين لا يستأهلون دولة ولا جدوى من التفاوض معهم من جهة وفي تعميق الانقسام الداخلي الفلسطيني من جهة أخرى. في جنوب لبنان وبعد ذلك في غزّة، أدّى السلاح وظيفته في خدمة إسرائيل... إلى أن جاء "طوفان الأقصى". يوم السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023، انقلب السحر على الساحر. اكتشفت إسرائيل أنّ ليس في استطاعتها التعايش، بعد الآن، لا مع سلاح "حزب الله" ولا مع سلاح "حماس". السلاحان جزء من الماضي، بل ينتميان إلى عالم مختلف كان مستعدا لإيجاد كلّ أنواع التفاهمات مع إيران بنظامها القائم الذي مارس لعبة الابتزاز، بنجاح منقطع النظير، منذ لحظة قيامه في العام 1979. كان الانسحابان الإسرائيليان من جنوب لبنان ومن غزّة فرصتين ضائعتين على اللبنانيين والفلسطينيين. أسّس الانسحاب من الجنوب للكارثة اللبنانية التي كان يمكن تفاديها وأسس الانسحاب من غزّة لنكبة فلسطينية جديدة في وقت يبدو مطروحا اكثر من أي وقت، في ضوء الحدث الإيراني، مستقبل المنطقة كلّها وكيفية إعادة تشكيلها. توجد فرص تمرّ أمام الشعوب. ثمة من يحسن استغلال الفرص وثمة من لا يحسن ذلك. العيب في تفادي الاعتراف بأن الفرص كانت قائمة والتصرف كما لو أنّها لم توجد يوما... علما أنّها كانت حقيقة قائمة أكثر من اللزوم.

ترامب وأوباما... والفخ الإيراني!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يونيو 4, 2026 - 03:59

أي دونالد ترامب يجب أن نصدّق، دونالد ترامب الذي يعرف، في العمق، ما هي إيران بنظامها القائم منذ العام 1979... أم إيران التي اعتقد باراك أوباما أنّها تمتلك مفاتيح حلّ كلّ أزمات المنطقة وأنّ ملفّها النووي يختزل كلّ هذه الأزمات؟ ذهب أوباما إلى حدّ الإعتقاد أنّ الإسلام الشيعي المتطرّف، الذي يمثله "الحرس الثوري" الإيراني وأدواته في المنطقة، مختلف عن الإسلام السني المتطرّف ممثلّا بـ"القاعدة" و "داعش" وقبل ذلك، ولا يزال، بتنظيم الإخوان المسلمين؟ لم يدرك أوباما أن التطرف الديني، بأي شكل من أشكاله، أكان مسيحيا أو إسلاميا أو يهوديا أو هندوسيا، يمثل وجوها مختلفة لعملة واحدة... بدت تصرفات ترامب في الأيّام القليلة الماضية كما لو أنّه في حيرة من أمره. بدأ الرئيس الأميركي يميل، أقلّه ظاهرا، إلى صفقة، مبتورة، مع نظام يسعى إلى استعادة المبادرة في المنطقة بعدما عثر على سلاح جديد اسمه مضيق هرمز. تشير تصرّفات الإدارة الأميركيّة إلى وجود من يدفع في اتجاه صفقة مع النظام الإيراني من أجل إعادة فتح مضيق هرمز واعتبار ذلك انتصارا لدونالد ترامب. لا شكّ أن الموضوع الإيراني في غاية التعقيد، خصوصا مع اكتشاف إيران سلاحها الجديد الذي بدأت تعتمد عليه بعدما كانت تعتمد في الماضي على برنامجها النووي كخطّ دفاع أول عن النظام. ما الذي سيفعله الرئيس الأميركي في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، في ضوء حديثه المستمرّ، عن "تقدّم" في المفاوضات مع إيران وحتّى عن احتمال لقاء بينه وبين "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي الذي لا يعرف كثيرون حقيقة وضعه الصحّي، بما في ذلك هل يمتلك القدرة على أن يكون الحاكم الفعلي لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة". يثير كلام الرئيس الأميركي عن ""مذكرة تفاهم"، يحتمل توقيعها مع إيران، كثيرا من القلق في وقت لم تتوقف "الجمهوريّة الإسلاميّة" عن مهاجمة دول الجوار. كانت الهجمتان الأخيرتان على الكويت والبحرين دليلا على العدوانية الإيرانيّة من جهة وعلى عجز عن الردّ المباشر على الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لم يدفع ذلك إلى إعادة نظر أميركيّة في عدم جدوى أي تفاهم من أي نوع مع إيران، التي اعتدت على مدنيين في مطار الكويت، ما دامت لم تتخلّ عن مشروعها التوسّعي الذي لم تقتنع بعد أنّه بات يواجه طريقا مسدودا. حسنا، لا يمكن لأي لبناني سوى شكر ترامب على تدخله من أجل منع بنيامين نتانياهو من شنّ هجوم جديد على الضاحية لجنوب بيروت مع ما كان سيتسبب به من مزيد من الدمار لمنطقة لبنانيّة ملاصقة للعاصمة من دون تأثير يذكر على القدرات العسكريّة لـ"حزب الله". مثل هذه المبادرة للرئيس الأميركي لن تعني الكثير على أرض الواقع في غياب موقف واضح من المشروع التوسّعي الإيراني ككلّ. لا يمكن التعاطي مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" بالقطعة كما فعل باراك أوباما الذي عمل كلّ ما يسترضي النظام الإيراني من أجل الوصول إلى اتفاق في شأن الملفّ النووي في تموز – يوليو 2015 وذلك قبل أشهر قليلة من نهاية ولايته الرئاسيّة ومجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض للمرّة الأولى. في مرحلة ما قبل توقيع الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني، بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" والبلدان الخمسة زائدا واحدا ( الأعضاء الخمسة ذوو العضوية العضوية الدائمة في مجلس الأمن والمانيا)، عملت إدارة أوباما كلّ ما تستطيع من أجل تفادي أي أزعاج لإيران. امتنع أوباما صيف 2013 عن مهاجمة سوريا من أجل اسقاط النظام الأقلّوي الذي استخدم السلاح الكيميائي في مواجهة شعبه. نسي الرئيس الأميركي السابق وعوده و"الخط الأحمر" الذي رسمه لبشّار الأسر. صار، فجأة، يرى كلّ الألوان باستثناء اللون الأحمر! أظهر دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض مطلع العام 2017 فهما في العمق لما تمثله إيران، كنظام طبعا. مزّق الاتفاق النووي في 2018 واصفا إيّاه بأنّه "الأسوأ من نوعه". في بداية 2020، قبيل نهاية ولايته الرئاسيّة الأولى، أعطى دونالد ترامب الضوء الأخضر لإغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الذي كان يعتبر الشخصيّة الإيرانيّة الأهم بعد "المرشد الأعلى" الراحل علي خامنئي. أعطى إغتيال سليماني، بعيد مغادرته مطار بغداد الذي وصل إليه من دمشق بعد لقاء في بيروت مع حسن نصرالله، دليلا على معرفة عميقة في إيران وتركيبة النظام وأهمّية شخص مثل سليماني كان يمتلك دورا محوريا داخل إيران وفي المنطقة. في كلّ ما قام به الرئيس الأميركي، منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل سنة ونصف سنة، ما يدلّ على إحاطة تامة بالموضوع الإيراني. شمل ذلك مشاركته في حربين على إيران، إلى جانب إسرائيل. أوقف ترامب الحرب الأولى في حزيران – يونيو من العام الماضي بعد حملة قصف شملت المرافق النووية الإيرانيّة. هل طرأ حاليا تغيير على المقاربة الأميركيّة من "الجمهوريّة الإسلاميّة" وما تمثله؟ هل بدأ ترامب يتعاطى مع إيران آخذا في الإعتبار شروطها آخذا في الإعتبار الوساطة الباكستانيّة التي توفّر لإيران مزيدا من كسب الوقت؟ أيّام قليلة، بل ربّما أسابيع، في أبعد حدود، يتبيّن بعدها هل بات ترامب مستعدا للوقوع في الفخ الإيراني بعيدا عن الربط بين الملفّ النووي والصواريخ الباليستية وقواعدها والأدوات الإيرانية في العراق ولبنان واليمن... وسلوك "الجمهوريّة الإسلاميّة" تجاه جيرانها، خصوصا دول مجلس التعاون الست؟ الأكيد أنّه في حال تغيّر ترامب وبدأ يتعاطى مع إيران بالمفرّق... أو لم يتغيّر، سيدفع لبنان ثمنا غاليا بسبب وجود سلاح "حزب الله". يعود ذلك إلى أن الثابت الوحيد في العلاقة الإسرائيليّة – الأميركية ذلك الإصرار على فصل الملف اللبناني عن الملفّ الإيراني!

عبد ربّه منصور... جانب من المأساة اليمنيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
يونيو 3, 2026 - 00:57

تكمن مأساة اليمن، في جانب منها طبعا، في وصول شخصية من نوع عبد ربّه منصور هادي إلى السلطة في مرحلة معيّنة وما ارتكبته هذه الشخصيات من أخطاء في مرحلة ما قبل الوحدة وما بعدها. في المرحلة الراهنة، صار ممكنا الكلام عن بلد متشظّ يبحث عن صيغة لإعادة تركيبه... هذا إذا كانت إعادة تركيب البلد المهمّ من الناحية الإستراتيجية، والذي تتحكّم إيران بجزء منه، ممكنة. لم يكن عبد ربّه منصور، الذي غيّبه الموت قبل بضعة أيام، سوى تعبير عن السياسي الآتي من المؤسسة العسكرية بثقافة أقلّ من متواضعة لا تؤهلّه لحكم بلد شديد التعقيد مثل اليمن. جاء الرجل إلى موقع الرئاسة بعدما امضى أربعة عشر عاما نائبا لرئيس الجمهوريّة علي عبدالله صالح الذي اغتاله الحوثيون لاحقا عندما لم يعد رئيسا. خلف عبد ربّه علي عبدالله صالح الذي اضطر إلى الإستقالة في شباط – فبراير 2012. بقي رئيسا حتّى نيسان – ابريل 2022. وقتذاك، اكتشفت الدول المؤثرة في اليمن أنّ عبد ربّه لا يصلح لقيادة البلد. كان لا بدّ من الإتيان بمجلس القيادة الرئاسي الذي يضمّ ثمانية أعضاء على رأسهم الدكتور رشاد العليمي الذي يبدو واضحا أنّه يمتلك إداء أفضل، ولو بقليل، من عبد ربّه. كيف وصل الراحل إلى موقع الرئيس في 2012 وقبل ذلك موقع نائب الرئيس في 1994؟ الأهمّ من ذلك كلّه، لماذا تحوّل عبد ربّه منصور جزءا من المأساة اليمنيّة بفعل الأخطاء التي ارتكبها والتي لا مجال لسردها كلّها نظرا إلى أنّ عددها كبير جدا؟ قبل كلّ شيء، لا بدّ من الإشارة إلى عبد ربّه منصور كان من محافظة أبين الجنوبيّة. كان محسوبا على الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر محمّد (وهو من أبين أيضا) الذي أخرجه خصومه من السلطة في ما سميّ "احداث يناير" من العام 1986. لجأ عبد ربّه، الذي شغل في الجنوب موقع نائب رئيس الأركان، إلى صنعاء إثر سقوط علي ناصر. صيف العام 1994، انضمّ عبد ربّه إلى المجموعة الجنوبيّة المحيطة بعلي عبد الله صالح إثر الخلاف الذي وقع بينه وبين علي سالم البيض زعيم الحزب الإشتراكي الذي أراد العودة عن الوحدة. أدى ذلك إلى حرب شعواء هُزم فيها الحزب الإشتراكي. مكّن ذلك عبد ربّه من الوصول إلى موقع نائب الرئيس بعدما ذهب بعيدا في دعم علي عبدالله صالح في حربه مع خصومه الإنفصاليين. سألت علي عبدالله صالح، وقتذاك، كيف يمكن أن يختار شخصا مثل عبد ربّه منصور نائبا له، خصوصا أنّه لا يمتلك أي مؤهلات من أي نوع؟ فأجابني بالحرف الواحد: "اريد شخصا لا يعمل مشاكل" في ضوء تجربتي مع علي سالم البيض، نائب رئيس مجلس الرئاسة بعد الوحدة، الذي وصفه بالشخصية "المعقدة" التي ارادت ان تكون "شريكا" في السلطة. بقي عبد ربّه منصور شخصا هامشيا طوال شغله موقع نائب رئيس الجمهوريّة. كان عليه تحمّل علي عبدالله صالح الذي تحوّل شيئا فشيئا إلى رئيس مزاجي يغضب من دون سبب على مساعديه. مع إضطرار علي عبدالله صالح إلى الإستقالة مطلع 2012، ظهر عبد ربّه منصور كشخصية من نوع آخر. لم يوفّر أي طريقة للإنتقام من سلفه مركّزا بشكل خاص على رفض الرد على مكالماته من جهة وعلى تفكيك المؤسسة العسكرية من جهة أخرى. كان هدفه القضاء على أي نفوذ للرئيس السابق ونجله العميد أحمد داخل المؤسسة العسكريّة. كانت النتيجة القضاء على أي أمل بإعادة تركيب الجيش اليمني. من حيث يدري أو لا يدري، وضع عبد ربّه نفسه في خدمة الحوثيين وذلك عندما رفض التصدي لهم في محافظة عمران، في طريقهم إلى صنعاء صيف 2014. نصحه علي عبدالله صالح بوقف الحوثيين في عمران نظرا إلى أن سقوطها يعني سقوط صنعاء. أرسل اليه أربعة مبعوثين، بينهم يحيى الراعي وعارف الزوكا، مع رسالة واضحة في هذا الشأن. لكنّ عبد ربّه رفض النصيحة قائلا أنّه "يرفض تصفية حسابات علي عبدالله صالح مع الحوثيين". ما حصل بالفعل أن عبد ربّه غطّى تقدّم الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة اليمنيّة في 14 أيلول – سبتمبر 2014. في كلّ ما فعله عبد ربّه منصور، لم يمتلك حدّا أدنى من الثقافة السياسيّة التي تسمح له بأنّ يحكم اليمن. ذهب إلى توقيع "إتفاق السلم والشراكة" مع الحوثيين بعيد وضع هؤلاء يدهم على صنعاء. وقّع الاتفاق الذي حضره ممثل للأمم المتحدة موفّرا للحوثيين شرعية كانوا في أشد الحاجة إليها. لم يمنع ذلك الحوثيين من وضعه في الإقامة الجبريّة. لم يخرج من الإقامة الجبريّة في صنعاء إلّا بفضل وساطة لعبت فيها سلطنة عُمان دورا مهما عندما جعلت الحوثيين يتغاضون عن عملية فراره إلى عدن. كان عبد ربّه منصور، في نهاية المطاف، جزءا من المأساة اليمنية. رجل لا علاقة له بالسياسة يتولى شؤون بلد يمرّ في أزمة مصيريّة افتعلها الإخوان المسلمون الذين أرادوا اقتلاع علي عبدالله صالح بغية الحلول مكانه. لم يكن علي عبدالله صالح ملاكا. كانت لديه أخطاء كثيرة، لكنّ الإخوان المسلمين الذين انقلبوا عليه لم يدركوا أنّهم يلعبون لعبة الحوثيين. لم يفكّر هؤلاء لحظة في مرحلة ما بعد علي عبدالله صالح. من سوء حظ اليمن أن يوجد على رأسه في مرحلة معيّنة رئيس من طينة عبد ربّه منصور هادي. كان اليمن يستأهل شخصا أفضل من ذلك، يعرف ولو القليل عن اليمن نفسه وعن محيطه وعن أنّ الإنتقام لا يصلح لأن يكون سياسة وذلك على الرغم من كلّ الإهانات ذات الطابع الشخصي التي تعرّض لها...

لماذا ثقة الأردن في المستقبل؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مايو 31, 2026 - 02:37

لم تكن الكلمة التي وجهها الملك عبدالله الثاني إلي الأردنيين في الذكرى الثمانين للإستقلال سوى تعبير عن الثقة بالمستقبل وبالقدرة على مواجهة التحديات في منطقة أقلّ ما يمكن قوله فيها أنّّها في مهب الريح. الأهمّ من ذلك كلّه أن العاهل الأردني رسم صورة المستقبل الذي يطمح إليه الأردن كدولة عصريّة، لا تمتلك سوى القليل من الثروات الطبيعيّة، استطاعت تطوير ثروة خاصة بها هي ثروة الإنسان. كانت كلمة عبدالله الثاني مقتضبة، لكنّ فيها ما يكفي من الشجاعة لتأكيد أنّ الأردن يمارس بالفعل التسامح على أرض الواقع في منطقة مليئة بالتناقضات والمتطرفين من كلّ حدب وصوب. من بين أهمّ ما ورد في الكلمة قول عبدالله الثاني: "اليوم لا نحتفل فقط بما انجزناه بل بما نمتلك من قدر وقدرة". الأردن يعرف نفسه ويعرف وجهته ويعرف خياراته. تعاطى الأردن دائما مع التغييرات والمتغيرات العراقيّة والسوريّة بكلّ مرونة وحزم في آن. بالنسبة إلى دول الخليج، تطورت العلاقة الأردنية مع هذه الدول. بات الأردن جزءا لا يتجزّأ من الأمن الخليجي. لا بدّ من التوقف عند الإشارة إلى عبارة "على ضفّة نهره تعمّد المسيح". إنّّها عبارة تؤكّد الأهمّية التاريخيّة والحضارية للأردن. في كلّ تاريخه، بقي الأردن محافظا على قيم معيّنة تقوم على أساس الإعتراف بكلّ مكوناته. غالبا ما ردّد عبدالله الثاني أن الموضوع ليس موضوع تسامح بمقدار ما أنّه موضوع الإعتراف بالآخر. يبقى في نهاية المطاف أنّ ليس في الإمكان تجاهل العلاقة بين الأردن والفلسطينيين. تحوّل الفلسطينيون في أيّامنا هذه، إلى عامل إيجابي على صعيد الداخل وفي خدمة الاستقرار. كانت كلمة عبدالله الثاني إلى الأردنيين كلمة من القلب.

"الذلّ" الحقيقي...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مايو 24, 2026 - 04:29

يشهد لبنان، في أيّامنا هذه، مهزلة تحولت في الواقع إلى مأساة. في أساس المهزلة إصرار فريق لبناني مرتبط عضويا بـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران على اعتبار التفاوض مع إسرائيل بمثابة "ذل" في حين يكمن "الذل" الحقيقي في عمل كلّ ما يمكن عمله من أجل تكريس الاحتلال الإسرائيلي وخدمته. كلّ ما أرادت السلطة الشرعية في لبنان، ممثّلة برئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، قوله أنّ "ذلّ" المفاوضات شرف ووطنيّة في حين أنّ "ذل" الاحتلال خدمة لإسرائيل وللإحتلال لا أكثر. من يتحدّث عن "ذل" التفاوض المباشر مع إسرائيل، كما يفعل "حزب الله"، يتهرّب من الإجابة عن أي سؤال مرتبط بالواقع وبما يمرّ به بلد صار مصيره في مهبّ الريح. صار لبنان في مهبّ الريح بوجود قنبلة موقوتة متمثلة في وجود ما يزيد على مليون ومئتي نازح جنوبي موزّعين على مناطق لبنانيّة مختلفة أهمّها بيروت. لا وجود لغير المفاوضات في حال كان مطلوبا التعامل مع هذه القنبلة الموقوتة التي لا ابطال لمفعولها بغير عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم بطريقة أو بأخرى. إن عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم المدمّرة، في معظمها، هو السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان من مصير الدولة الفاشلة. لا وجود لطريق آخر غير المفاوضات المباشرة من أجل تحقيق هذا الهدف بدل التبجح بـ"المقاومة" وسلاح "المقاومة" الذي جلب الاحتلال مجددا. توجد حاجة إلى التفريق بين "الذل" الحقيقي من جهة ومحاولة محو "الذلّ" الذي يتحدّث عنه "حزب الله" من جهة أخرى. يعود ذلك إلى "الذل" في العمل من أجل خدمة الاحتلال الإسرائيلي وليس في العمل من أجل التخلّص منه. لا مفرّ من التذكير في كلّ يوم بأنّ الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي في جنوب لبنان انتهى في مثل هذه الأيّام من العام 2000. قررت إسرائيل الانسحاب تنفيذا للقرار 425. وجدت أنّ مثل هذا الانسحاب الذي اكّد مجلس الأمن حصوله لا يتناقض مع مصالحها. منذ الانسحاب الإسرائيلي إلى "الخط الأزرق"، سعى النظام السوري السابق، بدعم إيراني، إلى إبقاء جنوب لبنان صندوق بريد يصلح لتبادل الرسائل مع إسرائيل. لم تجد الدولة العبريّة ما يمنع ذلك، خصوصا أنّّ هدفها الدائم كان يتمثّل في التركيز على الضفة الغربيّة. الدليل على ذلك فشل ياسر عرفات في تكرار تجربة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في الضفّة الغربيّة. دفع "أبو عمّار" وقتذاك غاليا ثمن "عسكرة" الإنتفاضة. لم يفهم الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني أنّ إسرائيل مستعدة لتقديم مئات القتلى من أجل الإحتفاظ بأجزاء من الضفّة الغربية في حين أنّها كانت مستعدة للإنسحاب من جنوب لبنان في مقابل ضمانات أمنيّة. تم بالفعل التوصّل إلى تأمين هذه الضمانات، التي ما لبثت إيران أن خرقتها، كي تؤكّد أنّ ورقة"حزب الله" ما زالت موجودة وأن لا عودة للجيش اللبناني إلى جنوب لبنان. حتّى حرب "اسناد غزّة" التي افتعلها "حزب الله" بناء على طلب إيراني في الثامن تشرين الأول – أكتوبر 2023، لم يكن هناك احتلال إسرائيلي. اقتصر الأمر بعد "حرب إسناد غزّة" على احتلال لنقاط خمس. وفّرت "حرب إسناد إيران" التي بدأت في آذار – مارس من هذه السنة مبرّرا لتوسيع الاحتلال الإسرائيلي ومزيد من الدمار والتزوح. يدافع "حزب الله" عن موقفه بأن إسرائيل كانت ستهاجمه بغض النظر عن إطلاق الصواريخ الستة بعد أيام من إغتيال "المرشد" علي خامنئي في طهران يوم 28 شباط – فبراير 2026. قد يكون هذا الكلام صحيحا لولا أنّّه ينمّ عن جهل في السياسة وموازين القوى القائمة من جهة ولولا رغبة "الحزب" في الإحتفاظ بسلاحه بصفة كون هذا السلاح وسيلة لترهيب اللبنانيين من جهة أخرى. لم يكن السلاح المذهبي والميليشيوي في يوم من الأيام غير نقمة على لبنان واللبنانيين وعلى شيعة لبنان خصوصا أنّ هذا السلاح لم يستطع في أي وقت لعب أي دور في حماية لبنان. كان الدور الوحيد الذي لعبه في خدمة الاحتلال. لما وجدت الدولة العبريّة في العام 2000 مصلحتها في الانسحاب من جنوب لبنان، فعلت ذلك. كان الوسيط وقتذاك المانيا. لم يستوعب "حزب الله" استيعاب أنّ إسرائيل تغيرت في ضوء "طوفان الإقصى"، وهو الهجوم الذي شنته "حماس" انطلاقا من غزّة. لم يستوعب أنّ لا مجال لبقاء سلاحه الذي بات حاليا في خدمة الاحتلال. يظلّ السلاح أصل المشكلة واصل البلاء في لبنان. كلّ ما في الأمر أن إسرائيل لم تعد في حاجة إليه الآن بعدما كانت غير مبالية في الماضي القريب بمن يسيطر على جنوب لبنان مثلما لم تكن مبالية بمن يسيطر على غزّة. كانت مستعدة لتمرير الأموال القطريّة إلى "حماس" ما دامت الحركة في خدمة ترسيخ الإنقسام الفلسطيني. ثمّة عبارة وحيدة تختزل حاليا الوضع اللبناني. هذه العبارة هي الآتية: السلاح الذي يمتلكه "حزب الله" تعبير عن الذلّ، كونه يلعب دوره في تبرير ما تقوم به إسرائيل من توسيع للإحتلال ومتابعة تهجير الناس. الناس هم المواطنون الشيعة من أهل الجنوب الذين تحوّلوا إلى تلك القنبلة الموقوتة التي تهدّد أي محاولة لجعل لبنان يستعيد عافيته. فشل السلاح في مواجهة إسرائيل، لكنّه نجح في تقويض لبنان من داخل. تلك كانت وظيفة سلاح "حزب الله" منذ وجد هذا السلاح الذي لم يكن مسؤولا عن كلّ الحروب التي كان لبنان في غنى عنها. يبدأ ذلك بحرب صيف 2006 وصولا إلى "حرب إسناد إيران" والكارثة التي خلفتها على كل المستويات... والتي باتت تشكلّ تهديدا لوجود لبنان!

الأردن بعد ثمانين سنة على الإستقلال
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مايو 21, 2026 - 14:55

ليس صدفة أن المملكة الأردنية الهاشميّة التي تحتفل في الخامس والعشرين من أيار – مايو الجاري بالذكرى الثمانين للإستقلال باتت من حجار الزاوية في مجال حماية الأمن العربي... أو ما بقي منه. سقطت في مزبلة التاريخ كلّ النظريات التي استخفت بالأردن الذي تبين أنّه لم يفقد يوما دوره على الصعيد الإقليمي. صمد الأردن على الرغم من كلّ الهزات الداخليّة والعواصف التي تعرّض لها وعلى الرغم من التغييرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة. في العام 1921، عام الإعلان عن قيام إمارة شرق الأردن، انعقد في القاهرة مؤتمر ضمّ جهابذة السياسة البريطانية برئاسة ونستون تشرشل. كان لورنس العرب بين الحضور ومعظم المختصين البريطانيين في الشأن العربي والعراقي وشؤون المنطقة عموما، خصوصا فلسطين. في مقدّم هؤلاء الليدي جيرترود بلّ التي كانت تعتبر الشخصية البريطانية الأهمّ في العراق وصاحبة النفوذ الأكبر فيه. رسمت بلّ الخريطة الحالية للعراق ولعبت دوا أساسيا في الإتيان بالهاشميين إلى بغداد وتتويج فيصل بن الحسين ملكا. مع مرور السنوات، تبيّن أنّ مؤتمر القاهرة، الذي استهدف تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا، كان، من جهة نتائجه، فشلا ذريعا على كلّ المستويات. من بين عناوين هذا الفشل الإنقلاب العسكري ذو الطابع الدموي على النظام الملكي في العراق في 1958 وقبل ذلك حرب السويس في 1956. كانت تلك الحرب تكريسا لأفول نجم بريطانيا الإمبراطورية التي "لم تكن الشمس تغيب عنها"... كان بين العناوين اللافتة في مؤتمر القاهرة التقليل من قيمة الأمير عبدالله بن الحسين الذي وُضع على رأس إمارة شرق الأردن ثم اصبح في 1946 ملكا مع إعلان استقلال المملكة الأردنيّة الهاشمية. إذا نظرنا إلى ما حل بفلسطين وما حلّ بالعراق، يمكن اعتبار الأردن قصة النجاح الوحيدة لمؤتمر القاهرة. لا تزال قصة النجاح هذه مستمرّة إلى يومنا هذا، خصوصا بعدما تبيّن متانة المؤسسات التي قامت في الأردن، خصوصا منذ العام 1952 حين صار الحسين بن طلال ملكا وكان لا يزال في الـ17 من العمر. ليس مؤتمر القاهرة في 1921، الذي يعبّر أفضل تعبير عن فشل السياسة البريطانية في المنطقة، الحدث الوحيد الذي يستأهل التوقف عنده. هناك أحداث كثيرة في التاريخ الأردني الحديث تستأهل الاهتمام. بين هذه الأحداث الدور الذي لعبته الملكة زين الشرف والدة الملك حسين في فرض ابنها ملكا على الرغم من صغر سنّه. مثّل الملك حسين بن طلال ظاهرة في تاريخ البلد بعدما خلف والده الذي كان يعاني من مرض نفسي جعله غير مؤهل للبقاء على العرش. في عهد الحسين بن طلال صار الأردن، بفضل مؤسساته صاحب دور على كلّ صعيد على الرغم من كلّ الهزات التي تعرّض لها والمؤامرات التي استهدفته بدءا بصعود الموجة الناصريّة (نسبة إلى جمال عبدالناصر)، وهي موجة قادت إلى مجموعة من الكوارث بينها الإنقلاب العسكري على النظام الملكي في العراق في 1958 والوحدة المصرية – السوريّة في شباط – فبراير من تلك السنة... والهزيمة العربيّة في 1967 وهي هزيمة لا تزال المنطقة تعاني منها إلى يومنا. واجه الأردن كلّ الأحداث والعواصف برباطة جأش بدءا بحؤوله دون تنفيذ مشروع الوطن البديل في العام 1970. وقتذاك، تصدّى الجيش الأردني لمحاولة المنظمات الفلسطينية المختلفة الإستيلاء على المملكة. حمئ الفلسطينيين من انفسهم. ساعده في ذلك التماسك بين الشرق أردنيين والعرش. تحوّل هذا التماسك في أيامنا هذه إلى تلاحم بين كلّ المكونات الأردنية. تحوّل الفلسطينيون، في ضوء التجارب التي مروا فيها، إلى أكثر المتمسكين بالعرش الهاشمي وبالملك عبدالله الثاني الذي لم يتوقف يوما، منذ سنوات طويلة، في دعم خيار الدولتين وهو الخيار الواقعي الوحيد لتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في المدى الطويل. أي عندما يتخلّى اليمين الإسرائيلي عن اوهامه وعندما تقوم قيادة فلسطينية، غير مترهّلة، تستطيع الإرتقاء إلى مستوى الأحداث. في العام 2026 لم يعد يوجد من يستخف بالأردن، خصوصا في ظلّ روح الإستمرارية التي تتميز بها مملكة استطاعت المحافظة على نفسها في كلّ وقت، في مواجهة التقلبات العراقيّة والتقلبات السوريّة والتقلبات الإسرائيليّة. حمى الأردن نفسه عندما وقع اتفاق وادي عربة مع إسرائيل في العام 1994. كانت مسألة توقيع الاتفاق مسألة مرتبطة باستغلال الفرصة المتاحة في ضوء ذهاب ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، إلى إتفاق أوسلو في خريف 1993. كان عامل الإستمرارية، عامل الحذر في التعاطي مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران منذ قيامها على سبيل المثال، بين أهم العوامل التي ميزت الأردن. يؤكّد هذه الإستمرارية الإنتقال الهادئ للعرش إلى الملك عبداالله الثاني مع وفاة الحسين بن طلال في 1999. من راهن على هشاشة المملكة الأردنيّة الهاشمية راهن على سراب، خصوصا بعدما اثبت عبدالله الثاني قدرته على لعب دور قيادي في الأردن وخارجه، بما في ذلك في الولايات المتحدة. المملكة اليوم دولة تلعب دورا حيويا في استقرار الإقليم على الرغم من كل المؤامرات التي استهدفت هذا الدور. بات الأردن ملاذا للاجئين من سوريا وغيرها من الدول. قبل ذلك احتضن اللاجئين الفلسطينيين من كلّ حدب وصوب! تثبت الأحداث يوميا كيف استطاع عبدالله الثاني التحوّل إلى لاعب أساسي في المنطقة وتوسيع الإلتفاف الداخلي حول مؤسسة العرش. ظهر أن كل كلام عن تراجع الدور الأردني إقليميا أقرب إلى هراء. كلّما مرّ الوقت تظهر الحاجة إلى الدور الأردني في مواجهة كلّ أنواع التطرف، تطرّف الإخوان المسلمين وتطرّف النظام الإيراني وأدواته المختلفة. الأهمّ من ذلك كلّه، يظهر يوميا كم أن الأمن الخليجي من أمن الأردن وكم أن أمن الأردن من أمن الخليج...

لبنان والإعتراف بثمن الهزيمة...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر
مايو 16, 2026 - 18:08

في عالم لا مكان فيه سوى للمصالح الذاتيّة، ماذا يستطيع بلد مثل لبنان فعله عندما يكون هناك فريق داخلي يعمل بشكل مباشر لدى إيران ويشنّ حربا على الدولة اللبنانية ومؤسساتها؟ لا يستطيع لبنان أن يفعل شيئا ما دام لا وجود لإجماع لبناني على كيفية خوض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن. الأهمّ من ذلك كلّه، لا يستطيع لبنان عمل شيء من دون إعترافه بوجود ثمن يتوجّب عليه دفعه في حال كان يريد التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي الذي تسبّب به "حزب الله" ومن خلفه "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران. يوجد عجز لبناني، لا أكثر، في غياب القدرة على تأكيد أن لبنان دولة حرّة مستقلّة تمتلك قرار الحرب والسلم على أرضها. مرّة أخرى، على لبنان في السنة 2026 تثبيت أن دولته هي الدولة الحقيقيّة وأنّ لبنان ليس دولة "حزب الله" الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الإيراني ولا شيء آخر. من اللافت، في مرحلة ما قبل المفاوضات في واشنطن، أنّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي لم يلتق سيمون كرم رئيس الوفد اللبناني الذي يفاوض إسرائيل. أكثر من ذلك، لم ينعقد في قصر بعبدا لقاء بين رئيس الجمهوريّة جوازف عون ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام قبل توجه سيمون كرم إلى واشنطن. كان مطلوبا انعقاد مثل هذا اللقاء، بحضور المفاوض اللبناني، من أجل تأكيد أنّ الدولة اللبنانية تقف مع سيمون كرم كي يتمكن من القول أنّه يمثّل الدولة اللبنانيّة بكلّ مكوناتها. يمثّل المسيحيين والسنّة والدروز والشيعة أيضا. معنى ذلك، عمليا، أنّ لبنان ليس سوى موقف العاجز عن تأمين دعم كامل متكامل لوفده الذي فاوض الإسرائيليين في واشنطن برعاية أميركيّة. ذهب لبنان، بكلّ شجاعة، إلى التفاوض مع إسرائيل على الرغم من أنّ الدولة العبريّة تتابع حربها على الوطن الصغير الذي لا يزال مصيره في يد "الجمهوريّة الإسلاميّة" التي يتحكّم بها "الحرس الثوري" الإيراني. كان على الوفد اللبناني الذي يفاوض الإسرائيليين الإجابة عن سؤال واحد وحيد. هل لبنان مستعدّ لدفع ثمن هزيمته نعم أم لا؟ من أجل الإجابة عن هذا السؤال، كان لا بدّ أوّلا، من الإعتراف بالهزيمة. لا يدلّ عن حجم هذه الهزيمة أكثر من سيطرة إسرائيل على 68 قرية ومدينة جنوبيّة تعمل على تدميرها. يضاف إلى ذلك تهجير مليون و نحو 200 الف مواطن شيعي من جنوب لبنان. مثل هذا السؤال في لبّ ما يعاني منه لبنان الذي لا يستطيع تحمّل قنبلة موقوتة تتمثل في هذا لعدد الكبير من القرى المحتلة والمدمّرة من جهة ووجود هذا العدد الكبير من النازحين من جهة أخرى. بلغة الأرقام، لغة عدد القرى والبلدات التي يسيطر عليها الإسرائيليون، بما في ذلك بنت جبيل، التي تمتلك رمزيّة خاصة بها، ليس أمام لبنان سوى استيعاب الوضع الناجم عن خسارة حربين مع إسرائيل. المفارقة أن لا علاقة، في الأصل، للبنان بهاتين الحربين مع إسرائيل. كانت الحربان، "حرب إسناد غزّة" في 2023 و"حرب إسناد إيران" في ضوء إغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي في 28 شباط – فبراير 2026، جزءا من المشروع التوسعي الإيراني الذي لم ير في لبنان سوى مجرّد ورقة تلوّح بها طهران. هل لبنان على استعداد لدفع ثمن حربين فرضتا عليه فرضا وكانت نتيجتهما هزيمة ساحقة ماحقة للبلد؟ لا مجال من الهرب من هذا السؤال الذي يفرض نفسه في حال كان لبنان يتفادى مزيدا من الدمار والتهجير للناس وفي حال كان يرفض بالفعل عودة الاحتلال الإسرائيلي. فما يفترض في لبنان استيعابه أخيرا أنّ إسرائيل ليست جمعيّة خيريّة. كان لبنان في حاجة إلى إجماع وطني من أجل الإجابة عن هذا السؤال. معنى ذلك، بكلّ بساطة، أنه لا يمكن ذهاب سيمون كرم إلى واشنطن من أجل السعي إلى الإنتهاء من الاحتلال الإسرائيلي المتجدّد من دون إجماع وطني. يشمل ذلك في طبيعة الحال نبيه برّي الذي يبدو أنّه فضل، على المفاوضات المباشرة، توفير الغطاء الذي يطلبه منه "حزب الله"، الواقع تحت الهيمنة الكاملة لـ"الحرس الثوري" الإيراني. ستتابع إسرائيل اعتداءاتها على لبنان ما دام سلاح "حزب الله" موجودا وسيظل على لبنان التفكير في كيفية التخلّص من هذا السلاح. عليه عمل ذلك وصولا إلى يوم يطرح فيه على نفسه سؤالا في غاية البساطة: ما ثمن الانسحاب الإسرائيلي وتأمين عودة الناس إلى قراهم وبلداتهم الجنوبيّة... أو ما بقي منها. متى عُرف الثمن ستكون حاجة إلى موقف موحّد بدل القاء كاهل المفاوضات على رئيس الجمهوريّة والحكومة ممثلة بنواف سلام. في النهاية، ما الذي يريده لبنان؟ هل يريد استعادة أرضه من منطلق أنّ استعادة الأرض أولويّة الأولويات بالنسبة إليه... أم يريد البقاء "ساحة" إيرانيّة، أي رهينة "الحرس الثوري"؟