Logotipo de Levant Time

استراتيجيا

لماذا سقوط النظام الإيراني سيأتي من الداخل (2/2)
Por
خليل حلو
Publicado
يونيو 8, 2026 - 17:23

في مقال سابق، قمنا بتحليل الأثر العسكري والصناعي للعملية المشتركة « الغضب الملحمي » و « زئير الأسد » على القدرات التقليدية الإيرانية. وفي هذا الجزء الثاني والأخير، نستعرض مفاعيل المزدوجة للخنق الاقتصادي والتعبئة المحلية، والتي قد تفضي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام الإيراني من الداخل. لقد حلَّ الحصار البحري محلَّ الضربات الجوية التي شُنَّت بين شباط ونيسان ٢٠٢٦. ومع أن الحصار يشكّل شرطاً أساسياً لإضعاف النظام الإيراني، إلا أنه يظل غير كافٍ وحده. وثمة آليات عدة تفسر لماذا تعجز العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ سنوات، معطوفةً على الحصار البحري الأميركي الحالي وما يترتب عليه من انقطاع في سلاسل التوريد وتوقفٍ تام لصادرات النفط، عن إسقاط هذا النظام بمفردها؛ إذ أثبت النظام قدرة عالية على التكيف، وأعاد هيكلة صفوفه في أعقاب ضربة قطع الرأس الأولى التي استهدفته في شباط الماضي. إعادة الهيكلة العسكرية والانتماء الوطني لقد استُبدلت القيادة الإيرانية التي تمت تصفيتها بأخرى شديدة العسكرة. وبات من الواضح تهميش الرئيس مسعود بزشكيان، المحسوب على التيار المعتدل، لصالح نقل السلطة التنفيذية الاستراتيجية إلى مجلس عسكري يهمين عليه الحرس الثوري الإيراني. وفي هرم السلطة، تمركزت آلية التنسيق في مقر "خاتم الأنبياء"، الذي يتولى، عبر وجوه جديدة، إعادة بناء قدرات الصواريخ والمسيرات بوتيرة سريعة. وبهدف الحد من هشاشة مركز القرار، لم تعد سلسلة القيادة هرمية بل جرى تسطيحها؛ حيث مُنحت القيادات الإقليمية ضوءاً أخضر للمبادرة وصلاحيات تكتيكية أوسع، لا سيما لإدارة الكمائن البحرية والجوية، وشن غارات استنزافية في حال انقطاع الاتصال بطهران. وتسعى هذه اللامركزية إلى مضاعفة مراكز القرار لتعقيد عملية استهداف منظومة القيادة. علاوة على ذلك، يعمد النظام إلى دغدغة الشعور بالانتماء الوطني في مواجهة التهديد الخارجي، عبر وصم المعارضة بالعمالة للخارج، وتحصين ولاء قاعدته الصلبة. تآكل اقتصاد الحصار... والقدرة على الصمود مستمرة طوّرت الجمهورية الإسلامية على مدى عقود شبكات ومسالك تجارية موازية للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة منذ ثمانينيات القرن الماضي. ويشمل ذلك الأسواق السوداء، والشركات الصورية المنتشرة في أنحاء العالم كافة، فضلاً عن الشركاء الجيوسياسيين مثل الصين وروسيا وتركيا والعراق، المستعدين للالتفاف على الحظر؛ وهو ما أدى إلى تخفيف الوطأة الاقتصادية للعقوبات التي تسببت سابقاً في تقليص الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنحو 23%، وكبّدت البلاد خسائر تترواح بين 10 و12 تريليون دولار أميركي بين عامي 2010 و2022. واليوم، تستمر العقوبات والحصار الحالي في استهداف الاقتصاد الإيراني، وتأجيج التوترات الاجتماعية والسياسية في الداخل، والحد من النفوذ الإقليمي لطهران وقدرتها على تمويل حلفائها، وفي مقدمهم "حزب الله". وبناءً عليه، تشكّل العقوبات والحصار عوامل تحفيز وتسريع، لا أسباباً مباشرة لتفجير الوضع الداخلي. ما هي العوامل التي قد تُعجّل بانهيار النظام؟ ثمة أربعة عوامل ناجمة عن تقاطع الأزمة الاقتصادية الحادة الراهنة مع الانقسامات الداخلية، يمكن أن تشكّل نقاط تحوّل حاسمة تفضي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية: انهيار الركائز الاقتصادية تواجه إيران عبئاً اقتصادياً خانقاً رغماً عما تبديه من مظاهر الصمود والصلابة الأيديولوجية؛ إذ يرزح النظام تحت وطأة الانهيار الحاد في قيمة الريال، والتضخم المتسارع، وكلفة إعادة بناء البنى التحتية، وترميم ترسانته العسكرية، إلى جانب تآكل القدرة الشرائية للمواطن الإيراني. وكان التجار وأصحاب الأعمال والأجراء قد توحدوا في حراكهم الاحتجاجي في كانون الثاني الماضي، في مؤشر إلى تآكل الأسس الاقتصادية للنظام، والتي تتجلى في تراجع الإيرادات الضريبية، والعجز عن دعم السلع الأساسية، واختناقات سلاسل التوريد. واليوم، تبدو الأوضاع أكثر خطورة، وسيكون من الصعب جداً على النظام، مع مرور الوقت، كبح جماح الغضب الشعبي بالاعتماد على على خيار القمع وحده. تباينات في صفوف النخبة وضغوط الإصلاحيين لقد قامت البنية السياسية للجمهورية الإسلامية على هندسةٍ تمحورت حول شخص المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وشبكة من النخب المترابطة. أما اليوم، فقد آلت مقاليد السلطة الفعلية إلى الحرس الثوري الإيراني. وفي مواجهة الكارثة الاقتصادية، كيف سيتعامل الحرس مع التيارات الإصلاحية؟ وكيف سيدير النخب التي تحجب حالة الحرب شروخها الداخلية؟ وهل تطفو هذه الخلافات على السطح؟ وماذا سيكون موقف ثمانية ملايين كردي، وثلاثة ملايين بلوشي، وفئة من الآذريين البالغ عددهم ١٨ مليوناً، والذين يطالبون بالحكم الذاتي منذ عقود؟ إن الانتقال المفاجئ نحو لامركزية القيادة يدفع النظام إلى عسكرة مفرطة للمناطق الحدودية وتشديد الضغوط على الأقليات، تحت ذريعة "خطر تقسيم البلاد"، وهو ما يسهم في رص صفوف المكون الفارسي حول النظام. غير أن انهيار الاقتصاد والبنى التحتية الصناعية يقوّض بشدة قدرة النظام على شراء السلم الاجتماعي في هذه المحافظات التي عانت تاريخياً من التهميش. الانشقاقات في صفوف القوات الأمنية يبقى العنصر الأكثر حسماً لاستمرار النظام هو ولاء أجهزته الردعية، لا سيما الحرس الثوري، وجهاز الشرطة، وقوات التعبئة الشعبية (الباسيج). ولا تزال هذه القوات، حتى اللحظة، متماسكة ومنضبطة، مما يمكنها من احتواء موجات الاحتجاج بالقوة والترهيب. لكن، في حال رفضت وحدات أو ضباط الامتثال للأوامر، أو انشقوا، أو انحازوا إلى المتظاهرين بسبب انقطاع الرواتب على سبيل المثال، فإن الغضب الشعبي سينقلب إلى انتفاضة عارمة، وقد يتحول إلى ثورة. ومع أن المؤشرات الأولية لسيناريو كهذا لم تظهر بعد، إلا أن بروز أولى علاماته سيعني حتماً دخول الأزمة طورها النهائي. وفي الأقاليم الحدودية مثل كردستان أو بلوشستان، فإن التلازم بين الغضب الاجتماعي العارم وضعف القيادات المحلية من شأنه أن يسرّع دينامية التفكك هذه. تبدد الخوف الجماعي منذ عام 1979، واجهت الجمهورية الإسلامية بالقوة خمس موجات احتجاجية كبرى هزت أسس النظام الثيوقراطي، أبرزها: حملات التطهير في السنوات الأولى (1979-1988) التي شهدت تصفية معارضين وأقليات، وبلغت ذروتها بالإعدام السري لما بين 3000 و5000 سجين؛ ثم "الحركة الخضراء" عام 2009، التي انطلقت رفضا لنتائج الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، والتي فاز بها محمود أحمدي نجاد، وقمعتها قوات "الباسيج"، مما أسفر عن سقوط ما بين 100 و150 قتيلاً؛ تلتها الانتفاضات الاجتماعية (2017-2018) الناجمة عن التضخم والفساد، والتي خلّفت نحو 30 قتيلاً؛ ثم أحداث "تشرين الثاني الدامي" عام 2019، التي اندلعت إثر رفع أسعار الوقود، وقُمعت بمقتل ما لا يقل عن 1500 شخص في غضون عشرة أيام؛ وصولاً إلى حراك "امرأة، حياة، حرية" (2022-2023)، الذي ولد بعد وفاة مهسا أميني، وجرى احتواؤه بإطلاق الرصاص الحي والإعدامات العلنية، مما أدى إلى سقوط أكثر من 550 قتيلاً. أما المحطة الأكثر دموية فكانت الانتفاضة الأخيرة في كانون الثاني الماضي، والتي شكلت شرارة غير مباشرة للتدخل العسكري الأميركي. وخلال تلك الانتفاضة، سرعان ما تحولت المطالب الاقتصادية إلى سياسية تنادي بإسقاط النظام. وقد تولى الحرس الثوري والشرطة و"الباسيج" قمع هذه الانتفاضة، مما أسفر عن سقوط 5000 قتيلاً وفقاً للحصيلة الرسمية، وأكثر من 40 ألفاً بحسب التقديرات الأكثر ارتفاعاً. وقد أدى الحجب الكامل لشبكة الإنترنت، الذي فُرض منذ الثامن من كانون الثاني، إلى عزل البلاد، مما جعل التحقق المستقل من المعلومات حول الأحداث الجارية أمراً بالغ الصعوبة. وإذ كشفت هذه الأزمات المتعاقبة لجوء السلطة الممنهج إلى القوة المفرطة لضمان بقائها، فإن السيكولوجية الجماعية للشعوب تبدو متغيرة؛ إذ بدأت الأجيال الشابة، تحت وطأة العنف المتكرر والأزمة الاقتصادية الخانقة، تتخلص تدريجياً من حاجز الخوف. وعندما تتبدل الرؤية العامة للمجتمع تحت التأثير المزدوج لغياب الحريات، والاستياء السياسي والاجتماعي، والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية، فإن الزخم الشعبي قد يبلغ مداه الحرج متجاوزاً عتبة الخوف تماماً. ومن شأن هذا التحول أن يفرز دينامية احتجاجية تتسع رقعتها سريعاً عبر شبكات التضامن المحلي، حتى في ظل غياب شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. وفي الختام، يبدو الحصار الأميركي بمثابة مرجل يغلي ببطء؛ فهو يقلص الموارد الحيوية اللازمة لدعم الاقتصاد، وتمويل المرافق العامة، وضمان ولاء المؤسسة العسكرية والأمنية. ومع نفاذ هذه القدرات تدريجياً، يفقد النظام أدوات سيطرته المادية الأساسية. غير أن السقوط لن يحدث إلا إذا نجح المكون الفارسي والأقليات العرقية في الأقاليم الحدودية، بالتوازي، في كسر حواجز معينة، أو في حال حدوث انشقاقات جوهرية في صفوف القوات الأمنية. وبعبارة أخرى، ما لم يتشكل نقطة تحول داخلية (تتمثل في انهيار اقتصادي يتزامن مع حراك شعبي واسع، و/أو انشقاقات عسكرية)، فإن الحصار سيبقى عامل إضعاف للنظام لا أداة حاسمة لإسقاطه. وإذا تبين أن نقطة التحول هذه بعيدة المنال أو مستحيلة، فلن يتبقى أمام هذه الأزمة سوى ثلاث مسارات: إما أن تتراجع واشنطن، وهو ما سيعني تراجعاً لترمب؛ أو أن تتراجع طهران، مما يمهد لإضعاف النظام أو سقوطه؛ أو العودة إلى خيار الحرب، وهو السيناريو الذي يستعد له كل من الحرس الثوري الإيراني والبحرية الأميركية. إقرأ أيضاً: مُنهكةٌ لكن مُهدِّدة: إيران بعد عمليتي «الغضب الملحمي» و« زئير الأسد» (1/2)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8)
Por
خليل حلو
Publicado
يونيو 6, 2026 - 12:19

تأتي هذه السلسلة من المقالات لتتيح فهماً أعمق للوضع الراهن على ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو العاطفية التي غالباً ما تجانب الواقع. ويعود للقارئ وحده استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. شكلت الأجزاء السبعة السابقة إعادة قراءة للأحداث المتعلقة بتعاظم قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف، حتى انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000، وقيام ما يُعرف بـ «حزب الله لاند» في الجنوب واندلاع حرب الأيام الثلاثة والثلاثين في تموز من العام 2006، والتي أطلق شرارتها علي لاريجاني. حرب العام 2006 في غزة لم تكن العملية العسكرية الخارقة للحدود التي نفذها حزب الله على طول "الخط الأزرق" تحت اسم "الوعد الصادق" مجرد حدث عابر، بل حملت في طياتها هدفاً مزدوجاً: فتح جبهة ثانية لتخفيف الضغط العسكري عن جبهة غزة، والأهم من ذلك، حرف الأنظار والاهتمام الدولي عن ملف إيران النووي. في المقابل، كانت الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في حزيران وتموز من العام 2006 تحمل اسم "أمطار الصيف". وقد اندلعت هذه العملية في 28 حزيران، أي قبل أسبوعين تماماً من شرارة الحرب في لبنان، وجاءت رداً على أسر حركة حماس للجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط في 25 حزيران. وشكلت هذه المواجهة أول توغل بري إسرائيلي واسع النطاق داخل القطاع الفلسطيني منذ الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب في العام 2005، والذي أُدرج آنذاك تحت مسمى خطة "فك الارتباط". هكذا، تزامن اندلاع النزاعين في غزة ولبنان خلال صيف 2006؛ إذ بلغت عملية "أمطار الصيف" ذروتها في 12 تموز مع توغل الجيش الإسرائيلي في عمق قطاع غزة، وهو اليوم عينه الذي نفذ فيه حزب الله هجومه ضد إسرائيل، لتنفتح بذلك جبهة حرب مدمرة. في مثل هذا المناخ الجيوسياسي المعقد، نادراً ما يكون للمصادفات مكان. فقد فسر العديد من المراقبين فتح الجبهتين في آن واحد كـ"مناورة إستراتيجية منسقة"؛ جمعت إيران وحركة حماس من جهة، وإيران وسوريا وحزب الله من جهة أخرى، وذلك بهدف خدمة مصالح طهران الإقليمية. وفي هذا الإطار، أكد الجنرال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" آنذاك (والذي اغتيل بأمر من دونالد ترامب في 3 كانون الثاني 2020 عقب خروجه من مطار بغداد)، بعد سنوات من تلك الأحداث، أنه دخل لبنان بنفسه عبر سوريا مع بداية النزاع للإشراف على العمليات العسكرية جنباً إلى جنب مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله (الذي اغتالته إسرائيل في أيلول 2023)، وعماد مغنية، القائد العسكري للحزب وصديقه الشخصي. تلقى مغنية تدريباته على أيدي ضباط إيرانيين منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ليتحول مع مرور السنوات إلى حلقة الوصل الرئيسية بين حزب الله وإيران لإدارة «العمليات الخاصة» في الخارج. ويشير خبراء في هذا الصدد إلى أن مغنية كان «يضع قدماً في حزب الله والأخرى في إيران»، متجاوزاً الهيكلية التنظيمية المعتادة ليرفع تقاريره ويتلقى توجيهاته مباشرة من "فيلق القدس". كما كان يتحدث الفارسية بطلاقة، ويتنقل باستمرار مستخدماً وثائق دبلوماسية إيرانية. وتفيد القراءات التحليلية بأن العديد من الهجمات الكبرى المنسوبة إليه، كـتفجيرات بوينس آيرس (1992 و1994) أو دعم الميليشيات الشيعية في العراق خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، قد جرى التخطيط لها وإدارتها بطلب مباشر من طهران. عملية «الوعد الصادق» في 12 تموز 2006، نفّذ حزب الله هجوماً استهدف دورية إسرائيلية مؤلفة من عربتي "هامفي" مدرعتين، أثناء سيرها على الطريق المحاذي للسياج الحدودي داخل الأراضي الإسرائيلية. واستخدم الحزب في الهجوم عبوات ناسفة وصواريخ مضادة للدروع لشل حركة العربتين، وتزامن ذلك مع إمطار عدة مستوطنات في شمال إسرائيل ومواقع عسكرية عند المقلب الآخر من الحدود بوابل من الصواريخ وقذائف الهاون، في خطوة هدفت إلى التشويش على خطوط الاتصال وإرباك القيادة الإسرائيلية لشد انتباهها بعيداً عن موقع العملية. وفي الأثناء، تمكنت فرقة كوماندوز تابعة للحزب من اختراق السياج الحدودي ومهاجمة العربتين؛ ما أسفر في مرحلة أولى عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وأسر اثنين آخرين (تبيّن لاحقاً أنهما قتلا أثناء العملية). وفي مرحلة ثانية، قُتل ثلاثة جنود آخرين كانوا داخل المدرعتين خلال تبادل إطلاق النار. وفور وقوع عملية الأسر، تخطت دبابات من طراز "ميركافا" الحدود في محاولة لتعقب المهاجمين، غير أن إحداها انفجرت بفعل لغم شديد القوة زرعه حزب الله مسبقاً، مما أدى إلى تدميرها بالكامل ومقتل طاقمها المؤلف من أربعة جنود على الفور، كما قُتل جندي إسرائيلي آخر برصاص هاون أثناء محاولته سحب جثث طاقم الدبابة. هذه العملية، التي نُفذت باحترافية ميدانية عالية، دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار فوري بخوض الحرب، لتشكل بذلك بداية ما عُرف بـ«حرب الأيام الثلاثة والثلاثين». وكانت هذه الكمائن قد خضعت لإعداد استمر عدة أشهر من قِبل وحدة النخبة في حزب الله، وبمعاونة ضباط من الحرس الثوري الإيراني. وقد تولى هؤلاء الضباط تقديم المشورة لقيادة الحزب بشأن تكتيكات التسلل، والتي تعين تغطيتها والتمويه عليها عبر عمليات تضليل من خلال فتح النار على قطاعات متعددة على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. يُذكر أن عناصر الكوماندوز المشاركين في العملية كانوا ينتمون إلى ما كان يُعرف آنذاك بـ«قوات التدخل» (والتي تحولت لاحقاً إلى "قوة الرضوان"). وقد تلقوا تدريباتهم على أيدي مدربين من "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري على تقنيات الكمائن واستخدام الصواريخ المضادة للدروع، فيما تولى الإشراف المباشر على إدارة العملية عماد مغنية، الذي اغتاله "الموساد" بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ في سوريا. عملية «شبكة الفولاذ» جاء الرد الإسرائيلي عبر عملية عسكرية أُطلق عليها اسم «خيوط الفولاذ»، واختير هذا الاسم تحديداً للرد على الخطاب الشهير الذي ألقاه حسن نصر الله في ملعب كرة القدم ببلدة بنت جبيل قبل ست سنوات، وتحديداً بعد 24 ساعة فقط من الانسحاب الإسرائيلي في 26 أيار 2000؛ حيث وصف فيه إسرائيل آنذاك بأنها «أوهن من بيت العنكبوت». وشمل الرد في بدايته حملة جوية إسرائيلية مكثفة استمرت عدة أيام واستهدفت الأراضي اللبنانية كافة، قبل أن ينتقل الجيش الإسرائيلي إلى شن هجوم بري في جنوب لبنان طاول بلدات عدة. وكانت المعركة الأبرز في بلدة بنت جبيل، التي شكلت هدفاً رمزياً كبيراً نظراً لارتباطها بخطاب نصر الله الشهير، وهو ما جعلها مسرحاً لأعنف المواجهات الضارية وأشدها شراسة خلال المواجهة العسكرية. معركة بنت جبيل أطبق الجيش الإسرائيلي حصاره على بلدة بنت جبيل في 24 تموز، أي بعد 12 يوماً على اندلاع المعارك، وعقب السيطرة على بلدة مارون الراس المتاخمة لها من الناحية الجنوب شرقية. وفي 25 تموز، أعلن جنرال إسرائيلي فرض السيطرة الكاملة على المدينة، في وقت كانت فيه أحياء وسط البلدة تُواصل الصمود والمقاومة الضارية. وفي اليوم التالي، 26 تموز، وقعت قوة من لواء "غولاني" في الكمين الأكثر دموية طوال فترة النزاع، وذلك عند أطراف المدينة؛ إذ أسفر الكمين عن مقتل ثمانية جنود إسرائيليين وإصابة العشرات بجروح. وإزاء العجز عن إحكام سيطرته على وسط المدينة، آثرت إسرائيل الاعتماد على الضربات الجوية المكثفة والقصف المدفعي العنيف، مما حوّل الحاضرة الجنوبية إلى حطام وركام. وكانت بنت جبيل تخضع لتحصينات يدافع عنها نحو 150 مقاتلاً، من بينهم عناصر ينتمون إلى "قوة الرضوان" (1) . وتمكّن هؤلاء المقاتلون، المتحصنون داخل ملاجئ محصنة وأنفاق تحت الأرض، من صدّ محاولات توغل بري متعددة، مستخدمين صواريخ مضادة للدروع وقذائف الهاون. ومما شكّل مفاجأة كبرى للمراقبين، هو أن مقاتلي حزب الله المنتشرين على طول محور بنت جبيل-وادي الحجير، كانوا مدججين بترسانة ضخمة من الصواريخ الموجهة والدقيقة المضادة للدروع من طراز "كورنيت" بنسختيه الروسية والإيرانية، وطراز "ميتيس" روسي الصنع، والتي جرى تزويدهم بها عبر سوريا وإيران. وكانت حصيلة معركة بنت جبيل ثقيلة على الجانب الإسرائيلي: بمقتل 17 عسكرياً، من بينهم ضابطان رفيعا المستوى على الأقل، فضلاً عن إصابة عدة دبابات من طراز "ميركافا" بأضرار بالغة جراء ضربات الصواريخ. أما من جانب حزب الله، فقد كانت الحصيلة أشد وزراً؛ إذ سقط له 60 قتيلاً، من بينهم قائد العمليات العسكرية في القطاع، بالإضافة إلى تدمير واسع النطاق للبنى التحتية ومستودعات الذخيرة. وفي سياق متصل، برزت معركة أخرى تركت بصمتها الواضحة على مجريات هذه الحرب، وهي معركة "وادي الحجير". (يتبع) (1) "قوة الرضوان" هي وحدة النخبة الهجومية في حزب الله، والمتخصصة في العمليات الخاصة والتوغلات الميدانية داخل الأراضي الإسرائيلية. وتنقسم هذه الوحدة إلى مجموعتين: تتولى الأولى مهمة فتح الثغرات على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، في حين تتركز مهمة الثانية على السيطرة على نقاط إستراتيجية في شمال إسرائيل. وكان الأمين العام للحزب حسن نصر الله قد هدد في أحد خطاباته بالسيطرة على الجليل، مستنداً في وعيده إلى القدرات الهجومية لـ"قوة الرضوان". إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

مُنهكةٌ لكن مُهدِّدة: إيران بعد عمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» (1/2)

يقدم هذا المقال قراءة في الأثر العسكري والصناعي لعمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» في القدرات التقليدية الإيرانية. ويليه الأسبوع المقبل جزءٌ ثانٍ وأخير، يستشرف الظروف التي قد تفضي إلى انفجار إيران من الداخل على المديين المتوسط أو الطويل. تكبّد النظام الإيراني خسائر فادحة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي دارت رحاها بين شباط ونيسان 2026. ورغم هذه الضربات القاسية، لم تسقط الجمهورية الإسلامية، ولم يبدِ نظام طهران أي مرونة في مواجهة العقوبات والحصار البحري الأمريكي. تُظهر قراءة التاريخ، ومِثلها تحليلات الخبراء اليوم، أن الأنظمة الاستبدادية المتجذرة، على غرار نظام طهران، تبدو أكثر عرضة للانهيار تحت وطأة انفجار داخلي، يفجّره التقاء عاملَين: خنق اقتصادي طويل الأمد، وحراك شعبي يبلغ نقطة الغليان. وفي حين تُسهم العقوبات الدولية والحصار البحري الأمريكي في تجفيف منابع الموارد المالية للدولة، فإنها لا تتعدى كونها عوامل محفزة؛ إذ إن نقطة الانهيار الحتمية لا تأتي إلا عندما تتسع الانقسامات الداخلية التي طالما كتمتها آلة القمع وتتقاطع (في ظل حصيلة دموية بلغت أكثر من 30 ألف قتيل في كانون الثاني الفائت، وأكثر من 50 ألف اعتقال عقابي ووقائي في شباط). وبالعودة إلى حرب الأربعين يوماً الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يبرز سؤالان محوريان: ما هي الحصيلة الحقيقية للخسائر العسكرية والاقتصادية التي منيت بها الجمهورية الإسلامية؟ وأي آفاق ترتسم اليوم في مواجهة الحصار الأمريكي والمفاوضات التي تراوح مكانها؟ ماذا بقي من البحرية الإيرانية؟ بلغ إجمالي الضربات الجوية التي نفذتها العمليتان العسكريتان المشتركتان؛ الأمريكية «الغضب الملحمي» والإسرائيلية «زئير الأسد»، بين شباط ونيسان 2026، نحو 20 ألف ضربة. ويُمثل هذا الرقم، في غضون 40 يوماً فقط، ما يعادل 60% من هجمات قوات التحالف ضد تنظيم "داعش" في سوريا والعراق على مدى خمس سنوات كاملة. وقد وجهت الغارات الأمريكية الإسرائيلية ضربة قاصمة للبحرية الإيرانية النظامية؛ إذ أسفرت الضربات التي استهدفت القواعد الرئيسية في "بندر عباس" و"كونارك" عن تدمير معظم سفن السطح الرئيسية. فغُرقت المدمرات والفرقاطات وسفن الإسناد (السفن الأم) أو أُصيبت بأضرار غير قابلة للإصلاح، مما حرم إيران من قدراتها البحرية التقليدية في أعالي البحار. وتفرض هذه الصدمة الاستراتيجية اليوم على طهران الارتكاز على ما تبقى لديها من وسائل غير متناظرة ومتحركة، لحماية شواطئها، والأهم من ذلك، لإبقاء التهديد جاثماً فوق حركة الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز. وفي المقابل، لم يصب سلاح الغواصات إلا بأضرار جزئية، مُحتفظاً بقدرته على إلحاق الأذى في المياه الضحلة بفضل ما تبقى من غواصات الجيب. ومع أن الغواصات الهجومية الثلاث من طراز «كيلو» (Kilo) ذات المنشأ الروسي قد استُهدفت أو أُغرقت في مرابضها، وتعرّض نصف غواصات الجيب الثلاث والعشرين من طراز «غدير» الإيرانية الصنع للمصير نفسه؛ فإن الأسطول الناجي من هذه الغواصات الصغيرة (الذي يُقدّر بـ 10 إلى 12 غواصة) والمجهّز بالطوربيدات والصواريخ، يتمركز الآن في الخطوط الأمامية داخل الخليج وعند مشارف مضيق هرمز. ويمنح هذا الأسطول طهران تكتيكات "حرب العصابات البحرية"، لا سيما في زرع الألغام، وإطلاق الطوربيدات، وتنفيذ العمليات الخاطفة انطلاقاً من السواحل الصخرية. وبالتوازي، نجح الجزء الأكبر من بحرية السطح التابعة للحرس الثوري الإيراني في النجاة، مستفيداً من هيكليته القائمة على الانتشار والتشتيت. ويتألف هذا السلاح من مئات الزوارق السريعة المسلحة (Fast Attack Craft)، إلى جانب دوريات خفيفة حاملة للصواريخ من طرازي «بيكاب 2» (Peykaap II) و«هودونغ»(Houdong) . وتعتمد فلسفة هذه السفن الحربية الصغيرة على شن هجمات منسقة وبأعداد غفيرة جداً (أسراب)، ثم الانكفاء السريع والتواري داخل الأخوار والتعرّجات الساحلية. التكتيكات الإيرانية في الخليج ومضيق هرمز باتت الاستراتيجية الإيرانية لاستهداف السفن المدنية أو العسكرية ترتكز اليوم على غواصات الجيب المجهزة بالطوربيدات والصواريخ، والتي لا يتعدى طاقمها 7 بحارة. كما تعتمد على الزوارق السريعة المزودة بالصواريخ (Fast Attack Craft) بطاقم يتألف من 4 إلى 5 بحارة، بالإضافة إلى الصواريخ المضادة للسفن (بر-بحر)، والألغام البحرية، والمسيّرات الهجومية. وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من المقذوفات المضادة للسفن -التي تُقدّر بعدة مئات- لا تزال سليمة، ويمكن إطلاقها من 30 موقعاً ساحلياً. وتتنوع هذه المقذوفات بين طرازات «رعد»، و«نور»، و«قادر»، و«خليج فارس»، وهي جميعها إيرانية الصنع ومطوّرة عن صاروخ «سي-802» (C-802) الصيني، وتتراوح مدياتها بين 130 و360 كيلومتراً، وتتمركز في قواعد متحركة ومخفية في عمق البلاد. وعلى الرغم من أن القدرة على زرع الألغام تُعد عملية سهلة نسبياً، فإن التدابير الأمريكية المضادة تحت الماء نجحت في نزع الألغام من عدة ممرات مائية في مضيق هرمز، تعبرها حالياً يومياً ما بين 10 إلى 20 سفينة تجارية، من بينها ناقلات نفط عملاقة. وعند عبور هذه الممرات، تعمد السفن إلى إطفاء راداراتها وأنظمة تحديد المواقع التابعة لها، وتنسق حركتها مع البحرية الأمريكية التي تتابعها عبر الرادارات وتواكبها عن بُعد. والمشهد ذاته يتكرر على المقلب الإيراني من المضيق. وفي موازاة ذلك، تُستخدم المسيّرات الانتحارية من طراز «شاهد» كامتداد جوي للقدرات البحرية، بهدف إغراق الدفاعات الأمريكية والعربية. ومع أن عشرات السفن التجارية قد أُصيبت بهذه المقذوفات، فإن الهجمات الإيرانية المركّبة -التي تدمج بين الصواريخ المضادة للسفن والمسيّرات- عجزت عن إصابة أي من القطع البحرية الأمريكية. إن هذه القدرات التي ما زالت إيران تحتفظ بها لا تُلغي بأي حال من الأحوال التفوق البحري الأمريكي، لكنها تظل كافية لفرض حالة من انعدام الأمن المزمن في حركة الملاحة البحرية، وتشكيل ضغط اقتصادي عالمي. وماذا عن الدفاعات الجوية الإيرانية؟ بالتوازي، أدت الضربات المكثفة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي إلى تقويض قدرات الدفاع الجوي الإيراني بشكل عميق، مشرّعة الأجواء الإيرانية أمام المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية. وقبل اندلاع النزاع، كانت إيران تمتلك منظومة دفاع جوي متكاملة قائمة على شبكة "مظلات متعددة الطبقات" لحظر دخول الطائرات والصواريخ المعادية عبر رقعة واسعة من الشرق الأوسط. ومع مطلع عام 2026، كانت هناك ثلاث طبقات متكاملة قيد الخدمة: طبقة بعيدة المدى ترتكز على بطاريات ثابتة من طراز «إس-300» (S-300PMU-2) روسية الصنع، ونظيرتها المحلية «باور-373»، وكانت هذه الطبقة تحمي المنشآت النووية والمراكز الحضرية على امتداد مئات الكيلومترات. والطبقة الثانية متوسطة المدى، وتتميز بمرونة حركة عالية، وتضم منظومات محلية متطورة مثل «خرداد-15» و«رعد» و«تلاش»، قادرة على تهديد المقاتلات والمسيّرات. أما الطبقة الثالثة والأخيرة، فتوفر دفاعاً نقطياً عن قرب (تغطية موضعية)، وما زالت فاعلة حتى الآن، اعتماداً على منظومات قصيرة المدى مثل «تور-إم 1» (Tor-M1) و«بانتسير-إس 1» (Pantsir-S1) روسية الصنع، فضلاً عن آلاف المدافع المضادة للطائرات والصواريخ المحمولة على الكتف. وكانت هذه المنظومة بأكملها تُدار عبر شبكة قيادة وسيطرة متكاملة تابعة لمجمع «خاتم الأنبياء» المشترك، وتتغذى ببيانات شبكات رادار برية وساحلية واسعة النطاق. إلا أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، التي دمجت بين الصواريخ المضادة للرادارات، والقاذفات الشبحية من طراز «بي 2» (B-2)، والذخائر الخارقة للمحصنات، نجحت في تحييد جزء كبير من المواقع الثابتة ورادارات الإنذار المبكر. وأدت هذه الهجمات إلى تدمير الطبقتين البعيدة والمتوسطة المدى تماماً، مما قلّص بشكل حاد قدرة طهران على رصد الطائرات المعادية واعتراضها من مسافات بعيدة. وفي مواجهة هذا الواقع، اعتمدت طهران عقيدة عسكرية تقوم على البقاء؛ وركيزتها الإطفاء المتقطع للرادارات للإفلات من الحرب الإلكترونية المعادية، والاعتماد المتزايد على أجهزة الاستشعار البصرية، ونشر البطاريات الصاروخية المتحركة وتشتيتها بين المرتفعات الجبلية والمنحدرات الساحلية. وباتت وحداتها تنفذ ما يُعرف بـ «الكمائن الجوية»؛ إذ تطلق الصواريخ من مواقع مؤقتة ثم تنسحب فوراً. وقد أتاح هذا التكتيك لطهران إسقاط عدة مسيّرات إسرائيلية وأمريكية من طراز «إم كيو-9» (MQ-9)، كان آخرها في أيار الفائت. ومع أن فقدان المنظومات الثقيلة يحرم إيران من القدرة على حظر أجوائها أمام الطائرات الشبحية التابعة للتحالف، فإن تموضعها الجديد لا يزال ينطوي على خطورة؛ إذ يمنحها قدرة على الاستنزاف الفعال ضد المسيّرات والطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة أو متوسطة، إلى جانب تهديد الدفاعات المعادية بالإغراق، ونصب كمائن متفرقة تجبر طائرات التحالف -على سبيل المثال- على تجنب التحليق على ارتفاعات تقل عن 7 كيلومترات. وعلى المقلب الآخر، تلقت منظومة الدفاع الجوي الساحلي ضربات قاصمة هي الأخرى؛ إذ جرى تحييد معظم المواقع الثابتة بعيدة المدى التي كانت تحمي "بندر عباس" و"جاسك" وجزيرة "خارغ". المنشآت النووية والمجمعات الصناعية العسكرية ألحق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي أضراراً جسيمة بجزء كبير من المجمعات النووية (نطنز، وفوردو، وبارشين، وأصفهان)، والتي كانت قد تعرّضت لقصف سابق في حزيران 2025. وعلى المنوال نفسه، دُمّرت مواقع إنتاج المسيّرات ومعظم منشآت قطاع الصواريخ الباليستية، إما كلياً أو جزئياً. وأخيراً، طال القصف البنى التحتية الحيوية للطاقة والمرافق المدنية، مما تسبب في أزمات وقود حادة خنقت المدن الكبرى. وفي الختام، فإن هذه الخسائر الفادحة -العسكرية والنووية والصناعية والاقتصادية- والتي قُدّرت بنحو 14 ألف مليار دولار، لم تقضِ على كامل القدرات غير المتناظرة التي تتيح لإيران إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن قدرات إيران اليوم تراجعت بشكل حاد مقارنة بما كانت عليه قبل حزيران 2025؛ إذ جفت منابع قدراتها النووية والباليستية، وسلاح مسيّراتها، فضلاً عن قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين، وفي مقدمهم "حزب الله".

الحرب في إيران: مواقف الأطراف وخيارات المرحلة المقبلة

بعد ثلاثة أشهر بالضبط من اندلاعها، تبدو الحرب في إيران معلقة، وفي حسابات واشنطن وطهران، يتوقع كل طرف أن يستسلم الطرف الآخر مع مرور الوقت. رغم أن كل المؤشرات تشير إلى أن إيران يجب أن تستسلم بعد كارثتها العسكرية وخسائرها الاقتصادية المقدرة بين 1000 و1450 مليار دولار أمريكي، فإن الحرس الثوري الإسلامي لا يستسلم. الحرس الثوري لا يحتاج إلى تقديم حسابات لشعبه، يمنعه من التعبير، وقتل منه عشرات الآلاف على الأقل وسجن حوالي خمسين ألفاً في يناير الماضي. بهذا أمّن الحرس الثوري محيطه الداخلي وحافظ على مواقعه بقوة واستمر في التنسيق الوثيق مع حزب الله. في مقابل ذلك، تشن إسرائيل ضربات موجهة وتشن هجوماً محدوداً في جنوب لبنان وأجزاء من البقاع الغربي. يبقى مضيق هرمز مغلقاً أمام الملاحة الدولية بقرار من طهران، وتحافظ واشنطن على حصارها للموانئ الإيرانية. رغم المفاوضات الجارية لفك الأزمة، يوصف الوضع في الخليج بأنه طريق مسدود استراتيجي. كيف الحال بشأن المطالب المقدمة من الأطراف المتحاربة، وإلى أين وصلت المفاوضات، وكيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب - السؤال الذي طُرح مراراً وتكراراً؟ موقف واشنطن تحافظ إدارة ترامب على مطالبها، لا سيما إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ورفض بقاؤه تحت السيطرة الإيرانية. تطالب بضمانات قوية لحرية الملاحة الدولية. بشأن الملف النووي، تطالب الولايات المتحدة بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية وحجز مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب لمدة ستين يوماً لدى دولة ثالثة موثوقة، في انتظار التفاوض على نزع سلاح دائم. ستبقى الأموال الإيرانية المجمدة محجوزة طالما لم تستسلم طهران لجميع المطالب الأمريكية. يجب توسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل جميع دول الخليج، ويجب أن ينتهي الدعم الإيراني لحزب الله. أخيراً، يحتفظ القيادة الوسطى الأمريكية بحق شن ضربات دفاعية فورية ضد أي محاولة لوضع ألغام أو تهديد مباشر، كما حدث مؤخراً في بندر عباس، طالما لم يتم التوقيع على اتفاق نهائي. موقف طهران تطالب طهران برفع العقوبات الاقتصادية بشكل كامل وفوري، وتطالب باسترجاع عشرات المليارات من الدولارات المجمدة في الخارج، وتود أن يلعب قطر دور الضامن المالي لفك الأزمة. يجب إلغاء جميع القيود على صادرات النفط الإيراني. يؤكد النظام الإيراني حقه السيادي في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وسيكون مستعداً لنقل مخزونه المخصب بشكل مؤقت إلى الصين، دون أن يكون ذلك جزءاً من نزع سلاح نهائي. يطالب بالاعتراف الكامل بسيادته البحرية على مضيق هرمز ويريد أن تتولى دول الخليج الساحلية حصراً مسؤولية أمن الخليج الفارسي، مع استبعاد أي وجود عسكري غربي. تطالب طهران بوقف فوري للضربات الأمريكية وترفض المصادقة على أي اتفاق طالما تستمر هذه الضربات. أخيراً، يرفض رئيس الدبلوماسية الإيرانية عباس أراغجي ربط وقف إطلاق النار بتطبيع دول عربية مع إسرائيل ويسعى لإقناع ملكيات الخليج بتخفيف روابطها الأمنية مع واشنطن. مواقف باكستان وقطر تجري المفاوضات بفضل باكستان وقطر والصين، لكنهم يواجهون عدم ثقة عميق بين إيران والولايات المتحدة، والتصريحات المتناقضة لا تيسر الحل. باكستان تستضيف منذ 1979 قسم المصالح الإيرانية في واشنطن وبالتالي تلعب فعلياً دور الوسيط في التواصل بين الطرفين المتحاربين. يقوم أعلى مسؤولوها بتنسيق وثيق للتبادلات العسكرية والمدنية بين واشنطن وطهران وبكين للحفاظ على الهدنة. أما قطر فتركز على الآليات المالية، لا سيما المقترحات الرامية إلى تحرير الأموال الإيرانية المجمدة مقابل ضمانات أمنية بشأن الملاحة البحرية. موقف الصين الصين لا تتولى دور الوسيط من الدرجة الأولى، المترك لباكستان وقطر، بل تعمل خلف الكواليس كضامن استراتيجي للطرفين، وكضامن مالي لإيران. تقترح الصين حلاً تقنياً رئيسياً يتعلق بالمخزون النووي. حيث ستنقل إيران اليورانيوم المخصب بدرجة عالية إلى الصين، مما يوفر لطهران منفذاً يحفظ ماء وجهها ولواشنطن دليلاً ملموساً على نزع التسليح النووي على المدى القصير، رغم أن الإدارة الأمريكية تبدي تحفظات على إسناد هذا التحكم إلى بكين. على الصعيد الاقتصادي، الصين هي الرئة المالية لإيران، فهي تشتري حوالي 90% من نفطها تحت الحصار. استخدمت هذا الدور كشريك اقتصادي لا غنى عنه للضغط على طهران لقبول وقف إطلاق النار في 8 أبريل. لحماية نفسها من توقف حركة المرور البحرية في الخليج، الذي كانت تتوقعه، راكمت الصين احتياطيات ضخمة بلغت 1.4 مليار برميل من النفط (ما يكفيها لمدة 6 أشهر). مكنها ذلك من التفاوض دون الاستعجالية المطلقة التي تضرب الأسواق الغربية. بكين تصر أيضاً على فتح مضيق هرمز، الحيوي لواردتها، مع الحفاظ على الخطاب الداعم لسيادة إيران. وأخيراً، تسعى الصين إلى تعزيز نفوذها الإقليمي والحصول على تنازلات أمريكية بشأن تايوان، في مقابل دورها الاستقرارية. فن التعامل الجيوسياسي: استراتيجية التفاوض عند ترامب في هذه التفاوضات، يطبق الرئيس ترامب أسلوباً مخصصاً وعدائياً، نسخة جيوسياسية من كتابه "فن التعامل"، يجمع بين خطاب عام مهدئ وضغط حقيقي على الأرض. من جهة، التفاؤل المعلن، بأكيده مراراً على "اتفاق وشيك"، يهدف إلى طمأنة الأسواق والناخبين؛ ومن جهة أخرى، عمليات عسكرية موجهة وتدابير اقتصادية قصوى تخدم لإرغام الحرس الثوري على الاستسلام أمام المطالب الأمريكية. يفضل رئيس البيت الأبيض القنوات الثنائية مع باكستان وقطر والحوار المباشر مع شي جين بينج، فارضاً بذلك روايته الأحادية حول قضايا النزاع. تتمثل تكتيكه "المبالغة" في المطالبة من البداية بمواقف متطرفة (عدم إغناء أي يورانيوم، الالتزام باتفاقيات إبراهيم) ليتمكن لاحقاً من التنازل وبيع التسويات. وأخيراً، يضع الصين في المعادلة، قابلاً إسناد اليورانيوم الإيراني إليها، محتفظاً بها كأداة ضغط وآلية تحويل محتملة. إن نجح الاتفاق، يحصد أمجاده؛ وإن فشل، يستطيع نسب المسؤولية إليها. استراتيجية إيران في التفاوض غير المتكافئ استراتيجية إيران في التفاوض بطيئة وصبورة ومنهجية، قائمة على المقاومة غير المتكافئة بهدف إرهاق واشنطن. تمارس طهران "دبلوماسية حافة الهاوية" بإثارة توترات محسوبة (تلغيم مضيق هرمز، إشراك حزب الله في حرب مع إسرائيل، شن هجمات ضد الإمارات العربية المتحدة، استهداف السفن في الخليج) لإثبات أن تكلفة عدم الفعل بالنسبة للولايات المتحدة تفوق تكلفة التوصل إلى تسوية. يستغل النظام الإيراني دبلوماسيه المعتدلين وحرس الثورة الإسلامية لتقديم المرونة والتهديدات بالتناوب. يسعى إلى شق الائتلافات الموالية للولايات المتحدة في الخليج وتعزيز علاقاته مع الصين وباكستان لإثبات أنه ليس معزولاً. يستخدم الوقت كأداة ضغط، ممدداً المفاوضات التقنية لإرهاق واشنطن التي تواجه ضغوطاً سياسية ومالية شديدة. وأخيراً، تقديس السيادة يجعل أي استسلام علني غير مقبول؛ لذا تُقدَّر الحلول التقنية، مثل نقل اليورانيوم إلى الصين، لأنها تحل المشكلة دون أن تبدو طهران مهزومة. التوقعات المفاوضات لا تتقدم، وطالما لم يلحق أي من الطرفين صدمة حاسمة كافية لكسر إرادة الآخر، ستستمر الحرب في ظل توتر محسوب لكن متفجّر (حصار، إغلاق المضيق، ضربات متقطعة بكثافة متغيرة)، وهذا محتمل للرئيس ترامب لكن قد لا يكون احتمالياً لطهران. انطلاقاً من ذلك، يمكن أن تتطور الحرب بطريقتين: إما أن تستسلم إيران مع الوقت، مما يعني بداية نهاية النظام؛ أو أن تستجيب واشنطن لبعض الطلبات الإيرانية منقذة ماء وجه النظام، مما يعني فضيحة لترامب. الوقت سيكون العامل الحاسم الذي سيفرض على أحد الطرفين تغيير موقفه، وإلا فإن الحالة الثالثة ستسود: حرب شاملة مدمرة.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7)
Por
خليل حلو
Publicado
مايو 25, 2026 - 21:36

تأتي هذه السلسلة من المقالات لتتيح فهماً أعمق للوضع الراهن على ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو العاطفية التي غالباً ما تجانب الواقع. ويعود للقارئ وحده استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. شكلت الأجزاء الستة السابقة إعادة قراءة للأحداث المتعلقة بتعاظم قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف، حتى انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000، وقيام ما يُعرف بـ «حزب الله لاند» في الجنوب. وفاة حافظ الأسد وتعاظم النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان في 10 حزيران 2000، بعد مرور خمسة عشر يوماً على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، توفي حافظ الأسد إثر أزمة قلبية. وعقب وفاته، آل الحكم إلى نجله بشار. وتقاربت سوريا البعثية في عهده أكثر فأكثر مع إيران، لتصبح دولة تدور في فلك طهران، ومنصة يستخدمها الحرس الثوري الإسلامي لإبراز قوته ونفوذه نحو لبنان، وأيضاً نحو الضفة الغربية عبر الحدود السورية الأردنية. وقد وصف نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام (1984-2005) هيمنة الحرس الثوري على سوريا بدقة في كانون الثاني 2009 قائلاً: «إن إيران متغلغلة في عمق النظام السوري: في أجهزته الأمنية، وقواته العسكرية، ومؤسساته الاقتصادية، ومساجده». جنوب لبنان: «حزب الله لاند» بأبعاد عسكرية وسياسية واجتماعية بعد الانسحاب الإسرائيلي في أيار 2000، رفض الرئيس إميل لحود بشكل قاطع نشر الجيش اللبناني في الجزء الجنوبي من البلاد وصولاً إلى الحدود مع إسرائيل. وبتصرّفه هذا، تخلّى عن مبدأ السيادة الوطنية وفسح المجال أمام حزب الله الذي سرعان ما حوّل جنوب لبنان إلى معقل متعدد الأبعاد. وكانت الميليشيا الموالية لإيران تحكم هناك كسيّد مطلق في ظل تغاضي السلطات اللبنانية وجيش الاحتلال السوري، الذي كان يخضع لإشراف ضباط من الحرس الثوري الإسلامي الذين كانوا يديرون العمليات من خلف الستار، وهكذا تحوّل جنوب لبنان إلى «حزب الله لاند» حقيقي. على الصعيد العسكري، رفعت المنظمة الشيعية مخزونها من الصواريخ من بضعة آلاف إلى نحو 15,000 وحدة. وبالإضافة إلى صواريخ الكاتيوشا التقليدية البالغ مداها 20 كيلومتراً والتي كانت الجماعة الموالية لإيران تمتلكها، زوّدتها إيران بصواريخ من طراز «فجر-3» و«فجر-5»، بالإضافة إلى صواريخ «زلزال» بمدى يبلغ على التوالي 40 و72 و250 كيلومتراً. وهو ترسانة كان من شأنها أن تمنحها القدرة على استهداف كامل الأراضي الإسرائيلية. وقد ترافق هذا التسلح المكثف مع حفر شبكة واسعة من الأنفاق والمخابئ المحصنة تحت الأرض لتحصين قدرات حزب الله الصاروخية وحماية منظومته من الرقابة والغارات الجوية الإسرائيلية. وكان هذا الاستعداد التكتيكي يزيد من مؤشرات حرب وشيكة مقبلة. ترافق تعزيز المنظومة العسكرية لحزب الله مع اندماج سياسي متزايد، تمثّل في دخول هذه المنظومة إلى الحكومة للمرة الأولى عام 2005، ثم في تحالفها مع التيار الوطني الحر بقيادة ميشال عون من خلال وثيقة تفاهم مار مخايل الموقّعة عام 2006. وقد أتاح هذا الاتفاق لحزب الله كسر عزلته الطائفية وترسيخ نفوذه السياسي في لبنان. ومن خلال هذا التحالف الهجين، أمّن التيار الوطني الحر للجماعة المسلحة المتطرفة غطاءً خلفياً داخل الساحة المسيحية على وجه الخصوص. وهكذا، وللمرة الأولى في تاريخ البلاد المعاصر، أقدم حزباً ذو أغلبية مسيحية على تحول جذري يتعارض تماماً مع خطه السياسي الأساسي. فبعدما فرض نفسه في الوعي الوطني اللبناني لأكثر من عقد من الزمن عبر تطلعاته الوطنية السيادية نحو دولة القانون في لبنان، انتهى به المطاف إلى الاصطفاف خلف تشكيلة تابعة لقوة إقليمية مهيمنة، كان من الواضح أنها ستجر لبنان إلى حروب تدميرية. علاوة على ذلك، أمّن حزب الله في جنوب لبنان ركيزة اجتماعية موازية لمؤسسات الدولة عبر خدمات صحية شبه مجانية، وأعمال إعادة إعمار بأسعار مخفضة من خلال مؤسساته الخاصة (على سبيل المثال، مؤسسة «جهاد البناء» للمقاولات). وقد ضمنت له هذه التقديمات الواسعة ولاءً مطلقاً من البيئة الشيعية. وقد أتاح هذا الانتشار متعدد الأبعاد للمجموعة ممارسة ضغط مستمر على الخط الأزرق في جنوب لبنان، وصولاً إلى عمليتها العسكرية العابرة للحدود في تموز 2006، والتي أشعلت فتيل الحرب الثالثة بين إسرائيل وحزب الله، والمعروفة بحرب الـ 33 يوماً. بوادر الحرب الثالثة مع إسرائيل بعد مرور عام على الانسحاب الإسرائيلي في 24 أيار 2000، بات جلياً أن وجود ضباط الحرس الثوري الإسلامي والصواريخ بعيدة المدى في لبنان لم يكن يهدف بتاتاً إلى تحرير مزارع شبعا، بل كان يرمي إلى تحويل البلاد إلى منصة لإطلاق الصواريخ ضد إسرائيل. وكانت هذه الاستراتيجية تخدم مصالح إيران الجيوسياسية، لا سيما لصرف الانتباه عن ملفها النووي الذي طُرح علناً على طاولة النقاش بدءاً من عام 2002، وحشد العالم العربي حول طهران تحت غطاء القضية الفلسطينية. ولم يكن هذا الوضع، عشية حرب 2006، يعكس استعدادات لمواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بل كان ينبئ بمواجهة محتومة بين إسرائيل وإيران. ولم يعد السؤال المطروح حينها ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل متى ستندلع. فكان من الواضح أننا أمام نسخة مكررة من حربي 1993 و1996، ولكن هذه المرة باستخدام صواريخ من عيار ثقيل وبعيدة المدى. ولم يكن كوادر حزب الله يخفون نواياهم في هذا الاتجاه؛ ففي كانون الثاني 2002، صرّح الشيخ نبيل قاووق، نائب رئيس المجلس التنفيذي للتنظيم الموالي لإيران، بلهجة حماسية قائلاً: «إن أكثر من مليونين ونصف المليون إسرائيلي باتوا اليوم في مرمى صواريخنا». علي لاريجاني يُوعز بهجوم 12 تموز العابر للحدود ويُمسك بخيوط اللعبة يُرجَّح أن الإيرانيين، وتحت وطأة الضغوط الدولية بشأن ملفهم النووي، هم من أوعزوا لحزب الله بشن هجوم عابر للحدود، وهو ما لم يكن يرغب فيه على الأرجح أمينه العام آنذاك، حسن نصر الله. فقد كانت التشكيلة الموالية لإيران تفضل الحفاظ على الهدوء عند الحدود، وهو ما ظهر بوضوح في مواقف نصر الله خلال جلسات «مؤتمر الحوار الوطني» التي عُقدت في البرلمان ربيع 2006، والتي كانت تتمحور حول «استراتيجية دفاعية وطنية». وكان نصر الله قد شدد خلالها على ضرورة تجنب استدراج إسرائيل للبلاد إلى حرب، مؤكداً حينها أن ترسانة الحركة إنما تُشكل قوة ردع ضد أي اعتداء إسرائيلي، وليست أداة لإشعال فتيل نزاع. وفي يوم الهجوم نفسه، عقد نصر الله مؤتمراً صحفياً أكد فيه أن العملية العابرة للحدود، والتي أُسِر خلالها جنديان إسرائيليان، كانت تهدف فقط إلى إبرام صفقة تبادل أسرى. وأضاف أنه لا يرغب في حدوث تصعيد نحو حرب شاملة. فهل كان ذلك نداءً حقيقياً لإسرائيل بعدم توسيع رقعة الصراع؟ أم أنها كانت مجرد مناورة لإخفاء النوايا الحقيقية؟ وقبل يومين من العملية، زار دمشق علي لاريجاني (1) ، الذي كان يشغل آنذاك منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وكبير المفاوضين في الملف النووي، حيث التقى كبار المسؤولين في نظام الأسد بالإضافة إلى حسن نصر الله. ويُقال إنه أبلغ محدّثيه بأن المفاوضات مع القوى الغربية بشأن برنامج إيران النووي قد وصلت إلى طريق مسدود. ووفقاً لبعض التقارير، فقد أشار إلى ضرورة القيام بـ «تحرك ما»، مقترحاً فتح جبهة لصرف الضغط الدولي الممارس على طهران. وكانت جبهة غزة مشتعلة منذ نحو أسبوعين. وقبل زيارة لاريجاني إلى دمشق، وتحديداً في ربيع 2006، كانت المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيران قد دخلت مرحلة انسداد بعد استئناف طهران تخصيب اليورانيوم. وعندها، توسّع الحوار الذي كان يقوده في البداية الثلاثي الأوروبي ليشمل مجموعة «5+1» (التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين)، وذلك لزيادة الضغوط على الجمهورية الإسلامية من جهة، وتقديم عروض لها من جهة أخرى. وفي حزيران 2006، قدّم خافيير سولانا، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي آنذاك، عرضاً بارزاً يتضمن حوافز اقتصادية وتكنولوجية لطهران. وفي المقابل، اشترطت القوى الغربية تعليقاً كاملاً لتخصيب اليورانيوم كشرط مسبق، وهو ما رفضته إيران رفضاً قاطعاً. ويبدو أن هذا المأزق الدبلوماسي، الذي اعتبرته إيران ضغطاً لا يُطاق، هو الذي أدى على الأرجح إلى إشعال حماس لفتيل الأعمال العدائية في غزة من خلال أسر جندي إسرائيلي في 25 حزيران، ثم إلى إطلاق عملية «الوعد الصادق» في لبنان. وكانت هاتان العمليتان المتشابهتان تهدفان إلى إبرام صفقات تبادل أسرى بين إسرائيل من جهة، وحركتي حماس وحزب الله من جهة أخرى. وكانت إيران تطمح من خلال ذلك إلى وضع نفسها في مركز المحادثات، تماماً كما كان الحال خلال مفاوضات برلين في شباط 2000، وفي مفاوضات غير مباشرة أخرى قادها حزب الله مع الدولة العبرية. وبكل تأكيد، كانت طهران تخطط لاستخدام ورقة الأسرى المحتجزين لدى حماس وحزب الله كعملة مقايضة لتخفيف الضغوط التي كانت تتعرض لها في الملف النووي. غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، إذ إن العقوبات الأولى الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ضد إيران أُقرّت في نهاية تموز 2006، في خضم حربَي غزة ولبنان. (يتبع) (1) اغتيل علي لاريجاني في 17 آذار 2026 إثر ضربة إسرائيلية في طهران. إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

بين ترامب وبوتين وشي جين بينغ وإيران، ملامح جيوسياسية جديدة تلوح في الأفق (2/2)

في خضم حرب الرسوم الجمركية والقيود التجارية بين بكين وواشنطن، وتصادماتهما حول مسائل تايوان وبحر الصين الجنوبي، عقد ترامب وشي جين بينج اجتماعهما الأول في 30 أكتوبر 2025 في مطار بوسان بكوريا الجنوبية، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ. أسفرت هذه الاجتماع، الذي أملته الضرورة لحل المشاكل الاقتصادية العاجلة التي تواجه البلدين، عن التوصل إلى هدنة تجارية لمدة سنة واحدة بين الطرفين. شملت هذه الهدنة خفضاً فورياً للرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية، التي كانت تتجاوز 100% في بعض الحالات. تم تخفيض هذه الرسوم إلى متوسط 47%. علاوة على ذلك، وقف الرئيس ترامب إدراج الشركات التابعة التي تملك الجموعات الصينية المفروضة عليها عقوبات 50% أو أكثر من أسهمها على القوائم السوداء. كما وعد برفع القيود على تصدير الرقائق الدقيقة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى الصين. في المقابل، التزمت الصين بكثافة جهودها في مكافحة الاتجار بالمواد الخام المستخدمة في تصنيع المخدرات نحو أمريكا. كما علقت قيودها الصارمة على تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والدفاعية الأمريكية، والتي تأتي 90% من إمداداتها من الصين. علاوة على ذلك، التزم شي باستئناف وارداته الضخمة من فول الصويا الأمريكي بمعدل 11 مليار دولار أمريكي سنوياً، وشراء طائرات بوينج دون تحديد العدد. وأخيراً، جمّد البلدان الضرائب الجمركية المتبادلة على سفنهما التجارية، وتعهدا بمناقشة الملفات الهيكلية الأكثر ثقلاً لاحقاً. يشير هذا إلى حاجة إلى التعاون وبداية حقبة جيوسياسية جديدة ذات آثار عالمية. والدليل على ذلك زيارة بوتين إلى بكين، التي تلت زيارة ترامب. اجتماع ترامب وشي في 14 و15 مايو 2026 تم التقليل من الأهمية التاريخية لهذا الاجتماع من قبل وسائل الإعلام التي سعت إلى إظهار أن تقدماً قليلاً تحقق، وركزت بشكل خاص على إصرار شي جين بينج على إعادة دمج تايوان في الصين. في الواقع، دعم هذا القمة وعمّق وأطال الهدنة التجارية الهشة الموقعة في بوسان قبل سبعة أشهر، وستتبعها قمم أخرى. في خطابه، أكد شي رغبته في التفاهم الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، القائم على «التعايش السلمي والتعاون ذي المنفعة المتبادلة». لاحظ أن العلاقات الصينية الأمريكية تهم رفاهية أكثر من 1.7 مليار شخص في البلدين وتؤثر على مصالح أكثر من 8 مليارات نسمة على الكوكب». وهذا جديد تماماً في الخطاب السياسي الصيني. تعزيز الهدنة التجارية كان الرئيس ترامب مصحوباً في هذا القمة من 17 رئيس شركة أمريكية يبلغ مجموع رؤوس أموالهم 15 تريليون دولار، أي ما يعادل نصف الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا. يتجاوز هذا المبلغ الناتج المحلي الإجمالي لليابان وألمانيا والهند مجتمعة. من بين رؤساء الشركات الذين رافقوا رئيس البيت الأبيض كان تيم كوك، الرئيس التنفيذي لـ أبل، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لـ تيسلا والسفير غير الرسمي لواشنطن، المسؤول عن الجسر الطبيعي للتجارة بين الولايات المتحدة والصين، وجنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ إنفيديا، وكيلي أورتبيرج، الرئيسة التنفيذية لـ بوينج. تجمّع أبل في الصين ما بين 80 إلى 90% من أجهزة آيفون وأجهزة ماك الخاصة بها. عقب القمة، نجحت في حماية هذا الإنتاج بالحفاظ على تخفيض الرسوم الجمركية الثنائية لمدة ثلاث سنوات. علاوة على ذلك، لدى أبل إيرادات في الصين بقيمة 80 مليار دولار (20% من مبيعاتها العالمية)، وتسعى لزيادتها. تيسلا Tesla et ambassadeur officieux de Washington, responsable de la passerelle naturelle pour le commerce entre les Etats-Unis et la Chine , Jensen Huang, patron de Nvidia, et Kelly Ortberg patronne de Boeing . Apple assemble en Chine près de 80 à 90% de ses iPhones et iMacs . Suite au sommet, elle a réussi à protéger cette production en gardant les droits de douane bilatéraux abaissés pour une période de trois ans. En outre, Apple a un chiffre d’affaires en Chine de 80 milliards de dollars (20% de ses ventes mondiales), qu’elle cherche à augmenter. Tesla, الذي يصنع السيارات الكهربائية ومعدات الطاقة الشمسية في الصين، نجحت في تعزيز حماية مصنعها في شنغهاي ضد الحواجز الجمركية الثنائية، خاصة أن هذا المصنع ينتج أكثر من نصف الإنتاج العالمي لـ تيسلا . كان أحد الإنجازات الرئيسية لهذا القمة هو الموافقة الرسمية التي منحها ترامب لشركة إنفيديا لبيع شريحة الذكاء الاصطناعي H200 (الأكثر طلباً في السوق) للمجموعات التكنولوجية الكبرى الصينية. كانت الصين تمثل ما يصل إلى 25% من إيرادات إنفيديا ، وهذا الرقم انخفض إلى حوالي 11% بسبب القيود، والتي تم الآن رفعها. كان الرابح الأكبر من القمة هو بوينج الذي وقع اتفاقية لتسليم 200 طائرة ركاب إلى بيجين، وهذا يمثل نجاحاً كاملاً لرئيستها كيلي أورتبرج، ويشكل نفساً مالياً جديداً يسمح بإنقاذ الشركة. بوينج تقدر أن الصين ستحتاج إلى أكثر من 8500 طائرة ركاب جديدة بحلول عام 2043 وتأمل بعد هذا العقد في الحصول على عقود أخرى في السنوات القادمة، قد يصل عدد الطائرات حينها إلى 750. قضية تايوان جمّد القمة الوضع الراهن بشأن قضية تايوان. الرئيس ترامب واضح في رفضه للاستقلال الرسمي للجزيرة، التي يعتبرها خطرة من جميع الجوانب. عقد التسليح الضخم مع تايبيه بقيمة 14 مليار دولار معلّق ويشكل رافعة تفاوضية قوية تجاه بيجين. من جانبها، حزب الكومنتاغ (KMT)، حزب المعارضة التايواني، القومي اليميني، يدعو للحوار مع بيجين ويحافظ على موقفه لصالح صين واحدة. علاوة على ذلك، رئيسته تشنغ لي وون قامت بزيارة تاريخية إلى بيجين من 7 إلى 12 أبريل الماضي. التقت بـ شي جين بينج لاستعادة الحوار. على عكس حزب الكومنتاغ، حزب الديمقراطية التقدمية (DPP) الحاكم، يدافع بقوة عن الهوية الوطنية التايوانية. مع ذلك، فإنه يدعو للحفاظ على الوضع الراهن في مواجهة مطالبات الصين القارية لتجنب النزاع المسلح. باختصار، بينما تسعى الطبقة السياسية التايوانية إلى الحفاظ على ديمقراطيتها دون استفزاز نزاع، تعامل دونالد ترامب مع الملف من منظور براغماتي بحت. أزمة إيران ومضيق هرمز أزمة البرنامج النووي الإيراني وشلل مضيق هرمز تبقى بدون حل، على الرغم من أن هذه الملفات كانت بالتأكيد موضوع نقاش في الأسابيع التي سبقت اجتماع بيجين. أكد الرئيس ترامب أن شي وافق على الحظر المطلق لطهران من امتلاك السلاح النووي، مع الالتزام بمنع أي تسليم أسلحة تقليدية صينية لإيران. كما أكد رئيس البيت الأبيض أن بيجين ترفض مبدأ الرسوم البحرية المفروضة من قبل الجمهورية الإسلامية في المضيق. من جانبها، دعت وزارة الخارجية الصينية إلى وقف إطلاق نار عالمي، محتفظة بالغموض الدبلوماسي. في المقابل، تشير التقارير إلى أن بيجين تدفع بصمت إلى طهران حقوق عبور لناقلات نفطها التي تعبر هرمز، تحت ستار «رسوم بيئية». الصين لها مصلحة كبيرة في فتح المضيق لأنها تستورد أكثر من 50% من نفطها ليس فقط من إيران بل أيضاً من دول الخليج. وأخيراً، كان الشراكة الاستراتيجية بين بيجين وطهران، الموقعة عام 2021، تتضمن استثمارات بقيمة 400 مليار دولار في إيران. لكن حتى تلك التاريخ، لم تتجاوز بضعة مليارات، مما يشير إلى أن شي جين بينج، منذ فترة طويلة، لا يريد أن يخاطر بإغضاب واشنطن ودول الخليج. واقع جيوسياسي جديد يمثل قمة بكين جزءًا من عملية تؤدي إلى نظام عالمي جديد سيحل محل النظام الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. تفرض الجيوسياسة واقعها... فمن الواضح أن شي جينبينج وترامب وبوتين يضعون أولوياتهم الداخلية قبل كل شيء آخر، الأمر الذي يتطلب تطبيع العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بين دولهم الخاصة. وقد أظهر بوتين بالفعل علامات انفتاح في جميع الاتجاهات، خاصة تجاه ترامب وشي جينبينج، حيث بادر بزيارتهما بعد الرئيس الأمريكي مباشرة، وكذلك تجاه أوروبا. هذا لا يفيد طهران على الإطلاق، التي تخاطر كثيرًا بأن تكون ضحية هذا الواقع الجيوسياسي الجديد.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6)
Por
خليل حلو
Publicado
مايو 18, 2026 - 13:44

نتابع معكم المقال السادس من سلسلة «إسرائيل-حزب الله»، والتي تهدف إلى قراءة الواقع الراهن وفهمه بعمق على ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية، الأيديولوجية أو العاطفية، التي تغفل الحقائق. ونترك للقارئ استخلاص الاستنتاجات. وكانت المقالات السابقة قد استعرضت تنامي نفوذ حزب الله وقوته منذ اتفاق الطائف، وحربيه الأوليين مع إسرائيل، وصولاً إلى انسحاب جيش الدولة العبرية من لبنان في أيار من العام 2000. في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في 24 أيار 2000، وبإصرار من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك، صادقت الأمم المتحدة رسمياً في 16 حزيران 2000 على أن الانسحاب جاء كاملاً ووافياً لمندرجات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، والذي اعتبر من حينها منجزاً ومطبّقاً. وإثر ذلك، تولت قوات اليونيفيل رسم خط الانسحاب الإسرائيلي الذي عُرف بـ«الخط الأزرق»، متضمناً 13 نقطة متنازعاً عليها بين البلدين، لا تتعدى مساحتها الإجمالية الكيلومتر المربع الواحد. وغالباً ما يُخلط بين هذا الخط وخط «بوليه-نيوكومب» المرسم عام 1923، والذي رسم الحدود بين لبنان وفلسطين إبان عهد الانتدابين الفرنسي والبريطاني. وبدلاً من استغلال الانسحاب الإسرائيلي في 24 أيار 2000 لبسط سيادة الدولة، لا سيما في جنوب لبنان، اتخذ رئيس الجمهورية إميل لحود والحكومة اللبنانية، الخاضعان للنفوذ السوري، موقفاً يوفّر الدعم المؤسساتي والسياسي لحزب الله تحت مسمى «المقاومة». غير أن هذه السردية كانت مهددة بالتقويض الجدي أمام الإقرار الأممي الرسمي باكتمال الانسحاب الإسرائيلي. وقد تقاطعت مقاربة لحود تماماً مع مصالح السوريين والإيرانيين، الحريصين على عدم تجريد حزب الله من شعار «الكفاح المسلح». فدمشق كانت متمسكة بالحفاظ على ورقة الضغط هذه ضد إسرائيل، سواء لاستخدامها في أي مفاوضات سلام مستقبليّة محتملة أو في حال اندلاع نزاع مسلح مع الدولة العبرية، وهو ما التقى مع أهداف طهران الساعية إلى تعزيز الميليشيا الشيعية كأداة نفوذ لها في لبنان والمنطقة. وفي هذا السياق، كان النظام الأمني اللبناني-السوري المشترك في تلك الحقبة، وهو شبكة تضم كبار ضباط الاستخبارات من البلدين، قد استشرف هذه المسألة ووجد الذريعة التي تتيح إبقاء الجنوب تحت سيطرة حزب الله لِممارسة ضغط عسكري على إسرائيل؛ ولم تكن هذه الذريعة سوى مزارع شبعا. الوضع الخاص بمزارع شبعا في نيسان من العام 2000، وقبل أسابيع قليلة من الانسحاب الإسرائيلي، أعاد اللواء جميل السيد، الذي كان يشغل حينها منصب مدير عام الأمن العام اللبناني والمقرّب من الرئيس إميل لحود، طرح مسألة مطالبة لبنان بمزارع شبعا، بهدف تبرير استمرار «المقاومة» التي يقودها حزب الله. وبالفعل، كانت السجلات العقارية اللبنانية تثبت منذ عام 1949 أن هذه المنطقة البالغة مساحتها 62 كيلومتراً مربعاً هي أراضٍ لبنانية، غير أنها تقع على الخرائط ضمن الأراضي السورية. وكان التطور الميداني قد تمثل في احتلال إسرائيل لها عام 1967، بالتزامن مع احتلالها لهضبة الجولان. هذا التحول الاستراتيجي، الذي جرى بتنسيق كامل مع دمشق (ولا سيما من خلال القنوات المفتوحة بين اللواء السيد ونظيره السوري اللواء علي مملوك)، منح الموقف اللبناني الرسمي الذريعة لرفض المصادقة الأممية على اكتمال الانسحاب الإسرائيلي. وكانت مزارع شبعا تشكل مادة لنزاع حدودي بين لبنان وسوريا منذ عهد الانتداب الفرنسي، وهو خلاف لم يجد طريقه إلى الحل الجذري بعد استقلال البلدين. وخلال حرب الأيام الستة عام 1967، احتلت إسرائيل هذه المزارع حيث كان الجيش النظامي السوري يتمركز فيها منذ مطلع الستينيات، وضمّتها إلى منظومتها العسكرية القائمة في هضبة الجولان. وكانت الشرطة والجمارك اللبنانية متواجدة في المنطقة منذ الاستقلال وحتى أحداث العام 1958، عندما أرغمت ميليشيات سورية وأخرى لبنانية موالية لدمشق - كانت تشارك في التمرد ضد الرئيس كميل شمعون - عناصر الشرطة والجمارك اللبنانيين على الانسحاب منها، واحتلت الموقع لتحويله إلى قاعدة عسكرية في مواجهة ثكنة الجيش اللبناني في مرجعيون. ومع نهاية حرب عام 1958، انسحبت هذه الميليشيات نحو الأراضي السورية، غير أن الشرطة والجمارك اللبنانية لم تَعُد أبداً إلى هناك. وفي وقت لاحق، تمركز الجيش السوري في المنطقة، ولا تزال سوريا تدرج هذه المزارع ضمن خرائطها العسكرية. لحود، صاحب مفهوم «التكامل» بين الجيش و«المقاومة» بعد الحروب العربية – الإسرائيلية في عامي 1967 و1973، وحتى عام 2000، لم يطالب لبنان الأمم المتحدة قط بمزارع شبعا كأراضٍ محتلة، واضعاً نفسه بحكم الأمر الواقع في خانة القبول بالخرائط الدولية التي كانت تصنفها ضمن الأراضي السورية. ولم تظهر هذه المطالبة رسمياً إلا في عام 2000، بغرض واضح يرمي إلى التشكيك في اكتمال الانسحاب الإسرائيلي، وبالتالي تشريع خطاب «المقاومة» المستجد. وقد لقي هذا الخطاب دفعاً قوياً وواسعاً من قِبل رئيس الجمهورية إميل لحود، الذي شكّل الضامن السياسي الأول لحزب الله في أعلى هرم السلطة. فمنذ أن كان قائداً للجيش، وضع لحود مفهوم الـ«التكامل» بين الميليشيا الشيعية والجيش اللبناني النظامي؛ إذ كان يعتبر أن مهمة الجيش تنحصر في ضمان السلم الأهلي – وهو ما تُرجم عملياً في قمع الناشطين والأحزاب السيادية المناهضة للوجود السوري ولحزب الله – في حين تُناط بـ«المقاومة»، المتمثلة بحزب الله، مهمة حماية البلاد في مواجهة إسرائيل. وبالفعل، كان لحود قد سهّل، منذ أن كان قائداً للجيش، عبور الأسلحة الإيرانية القادمة من سوريا نحو مواقع حزب الله في البقاع وجنوب لبنان. ورغم الضغوط التي مارستها الأمم المتحدة، رفض بشكل قاطع نشر الجيش اللبناني في المنطقة التي انسحبت منها إسرائيل، متذرعاً بأن خطوة كهذه من شأنها تحويل الجيش إلى «حارس حدود» لحساب الدولة العبرية. ومن جانبه، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري يتحرك بالتكامل مع لحود، مؤدياً الركيزة التشريعية والدبلوماسية لحزب الله؛ إذ حرص على أن تتضمن البيانات الوزارية لجميع الحكومات المتعاقبة منذ الانسحاب الإسرائيلي نصاً صريحاً يؤكد «حق لبنان في المقاومة لتحرير أرضه»، وهو ما شرّع سلاح حزب الله. ولتدعيم ذريعة مزارع شبعا كأرض محتلة تستوجب التحرير، وفرضاً لقواعد اشتباك عسكري جديدة، نفّذ حزب الله في 7 تشرين الأول 2000 – أي بعد أربعة أشهر من انسحاب الجيش الإسرائيلي – عملية توغّل عسكري في قطاع المزارع، أسفرت عن «أسر» ثلاثة جنود إسرائيليين، تبين لاحقاً أنهم قُتلوا في لحظة العملية نفسها. هذا الهجوم، الذي تميز باستخدام الحزب آليات تحمل ألوان الأمم المتحدة، فجّر أزمة دبلوماسية بين قوات اليونيفيل وإسرائيل. وفي كانون الثاني 2004، أفضت وساطة ألمانية إلى إبرام صفقة تبادل سلّم بموجبها حزب الله جثامين الجنود الثلاثة وأطلق سراح رهينة مدني، في حين أفرجت إسرائيل عن 435 معتقلاً وسلمت رفات 59 مقاتلاً من الحزب. (يتبع) إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5)
Por
خليل حلو
Publicado
مايو 8, 2026 - 18:27

ستتيح هذه السلسلة من المقالات فهمًا أفضل للوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزةً الخطابات العاطفية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي لا تُحقق الغاية المرجوة، تاركةً للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. علاوة على ذلك، فقد آن الأوان لمواجهة خطاب المقاومة العقيم بجدية، لا بخطاب مضاد، بل بعمل جاد من خلال تعزيز سيادة القانون، التي لا يمكن إرساءها إلا من خلال السيادة. قدّمت الأجزاء الأربعة السابقة قراءة للأحداث التي طبعت صعود نفوذ حزب الله منذ اتفاق الطائف، مروراً بحربيْه الأوليين مع إسرائيل، وصولاً إلى حرب الاستنزاف التي خاضها على مدى أكثر من عقد من الزمن. المرحلة السابعة: مفاوضات حزب الله وإسرائيل في برلين بوساطة ألمانية مع إيران، وبطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، انخرط حزب الله وإسرائيل في مفاوضات غير مباشرة في برلين حول الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. عُقدت الجولة الأولى في الأول والثاني من آذار 2000، تلتها جولة ثانية في السابع من الشهر عينه، حيث تولى الألمان دور الوساطة المكوكية بين الوفدين. ترأس الوفد الإسرائيلي أوري لوبراني، الذي كان يشغل آنذاك منصب منسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان. وبناءً على توجيهات باراك، وافق لوبراني في الجولة الثانية على تقديم تنازلات استجابةً لكل مطالب حزب الله: انسحابٌ غير مشروط للجيش الإسرائيلي، والتخلي عن جيش لبنان الجنوبي. وفي المقابل، يتولى حزب الله ضبط الحدود والحفاظ على الهدوء هناك. وقد باركت كل من واشنطن وطهران هذا الاتفاق عبر مبعوثين رفيعي المستوى مثلوا البلدين في المفاوضات، كما فعلت فرنسا التي أُحيطت علماً بالأمر لاحقاً. وبحسب يوسف بودانسكي (1) ، فإن الممثل الإيراني في المفاوضات لم يشأ تصديق حجم التنازلات الإسرائيلية إلا بعد تأكيدٍ من الجانب الألماني. ودائماً وفقاً لبودانسكي، الذي يروي الوقائع في كتابه «الثمن الباهظ للسلام» (The High Cost of Peace)، فقد أبقى باراك ولوبراني الاتفاق المبرم مع حزب الله طي الكتمان لمدة شهرين، ولم يُطلعا الجيش الإسرائيلي عليه إلا عشية الانسحاب. أما جيش لبنان الجنوبي، الذي استُبعد هو الآخر عن هذه الأجواء، فكان ينسق مع الجيش الإسرائيلي عملية التسلم والتسليم في المنطقة الأمنية، معتقداً أن رجال الجنرال أنطوان (2) لحد هم من سيتولون المهمة. وكان الأخير قد بدأ استعداداته بناءً على معلومات تفيد بأن الانسحاب سيتم في تموز 2000، كما أعلن باراك سابقاً، بعدما حصل على وعود من تل أبيب بتقديم دعم مالي ولوجستي، إضافة إلى غطاء جوي في مرحلة ما بعد الانسحاب. وحتى 23 أيار، تاريخ رحيل القوات الإسرائيلية، استمر باراك في مناوراته الدقيقة لإبقاء جيش لبنان الجنوبي في حالة من الجهل التام بشأن اتفاق برلين. كان باراك يسعى إلى الوفاء بوعوده الانتخابية والخروج من المستنقع اللبناني بعيداً عن الضغوط الداخلية أو مطالبات لحد، والأهم من ذلك، من أجل التفاوض على اتفاق سلام مع سوريا بمعزل عن الضغوط العسكرية في جنوب لبنان. وفي تلك المرحلة، كان حزب الله قد عزز قدراته العسكرية بشكل ملحوظ بفضل الأسلحة التي كانت تصله من طهران عبر سوريا، فباتت إسرائيل مطمئنة ومستعدة لتسليمه المنطقة الأمنية، إيماناً منها بأنه سيلتزم الهدوء على الحدود. بيد أن سوريا وجدت نفسها، نتيجة لذلك، محرومة من ورقة ضغط أساسية على إسرائيل، في حين ظلّ لبنان الخاسر الأكبر. أما الرابح الفعلي فكانت إيران، التي حصدت رافعة نفوذ قوية في لبنان، بل وفي سوريا أيضاً. ويبدو أن واشنطن وتل أبيب قررتا آنذاك القبول بوجود نظام الملالي، ظنّاً منهما أن المخاطر، مهما بلغت، ستنحسر بعد الانسحاب الإسرائيلي. لم تدرك واشنطن أن هذا النظام، ورغم خروجه منهكاً من حرب السنوات الثماني ضد عراق صدام حسين، كان لا يزال قادراً على تصدير أيديولوجيته داخل أقليات المنطقة؛ ليس لترسيخ نفوذه فحسب، بل لإذكاء التوترات الداخلية أيضاً، وحرف أنظار الدول المعنية عن أزماتها الوطنية، والأهم من ذلك، منع انبعاث عراق قوي مجدداً على أعتاب طهران. علاوة على ذلك، وسعياً لاستقطاب العالم العربي الذي كان يخطو نحو السلام مع إسرائيل، سعى الملالي إلى تقويض هذه العملية عبر تأجيج المشاعر المناهضة لإسرائيل. وكان طموحهم يتلخص في وضع اليد على قيادة الصراع ضد الدولة العبرية، من خلال حزب الله وحركة حماس وسوريا حافظ الأسد، لتعزيز دورهم كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وضمان بقاء نظامهم. وفي نهاية المطاف، انهارت مفاوضات السلام الإسرائيلية - السورية في 26 آذار، أي بعد ثلاثة أسابيع من اتفاق برلين، إثر فشل قمة جنيف بين حافظ الأسد والرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي عجز عن ردم الفجوة بين دمشق وتل أبيب. المرحلة الثامنة: 24 أيار 2000.. الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان اتسم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بالتسرع الذي قارب حدّ الفوضى، إذ لم يصدر أمر الرحيل إلا قبل ليلة واحدة. ففي ليلة 23-24 أيار 2000، أخلت القوات الإسرائيلية مواقعها من طرف واحد. وعلى المقلب الإسرائيلي الداخلي، وضع إنهاء الاحتلال حداً للاستنزاف البشري اليومي، بيد أن هذا الخروج نُظر إليه في جزء كبير من العالم، ولا سيما في لبنان، بوصفه انتصاراً لحزب الله. ومنذ تلك اللحظة، باتت إيران تملك خط مواجهة مباشراً مع الداخل الإسرائيلي عبر الحزب، وفي الوقت عينه، توفرت لها رافعة نفوذ تتيح لها التأثير المباشر في مسارات القرار اللبناني الداخلي. وخلافاً للمخاوف الأولية التي أثارها خطاب الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله، حين هدد بـ«قتل عناصر جيش لبنان الجنوبي في أسرتهم»، لم يَعقب الانسحاب الإسرائيلي حملة تصفيات دموية شنّها الحزب ضد المدنيين في المنطقة الأمنية السابقة. ومع ذلك، تعرضت بعض ممتلكات عناصر جيش لبنان الجنوبي للنهب أو المصادرة، ومن بينها منزل الجنرال لحد. وبموازاة ذلك، التقى مسؤولون من حزب الله وحركة أمل مرجعيات دينية مسيحية في الجنوب لطمأنتها بأن «النصر» ملك لجميع اللبنانيين وليس لفئة بعينها؛ وهي خطوة تندرج ضمن استراتيجية ضبط النفس التي انتهجها الحزب إعلامياً لتلميع صورته الوطنية وتعزيز شرعيته. مصير عناصر جيش لبنان الجنوبي إبان انسحاب الجيش الإسرائيلي، فرّ نحو 7000 عنصر من جيش لبنان الجنوبي مع عائلاتهم إلى إسرائيل خشية عمليات انتقامية. وفي وقت لاحق، غادر قسم منهم إلى كندا والولايات المتحدة وأوروبا، بينما عاد قسم آخر إلى لبنان، حيث خضع نحو 2700 منهم للمحاكمة بتهمة العمالة، علماً أن نواة هذا الجيش كانت قد خرجت من رحم المؤسسة العسكرية اللبنانية الرسمية. فقد استند تشكيل هذا التجمع إلى مذكرة خدمة رسمية صدرت عام 1976، قضت بمهمة ضبط أجزاء من المنطقة الحدودية في مواجهة المنظمات الفلسطينية المسلحة آنذاك. ومع عزلة هذه الوحدات عن قيادتها، ثم تلقيها الدعم من إسرائيل، استقلت تدريجياً مع مرور السنوات، واتخذت اسم جيش لبنان الحر قبل أن تستقر على تسمية جيش لبنان الجنوبي. تراوحت أحكام العمالة التي قضاها العائدون بين بضعة أشهر وثلاث سنوات من السجن الفعلي. وفي حين اعتبر هؤلاء اللبنانيون أنهم كانوا يدافعون عن أرضهم ووجودهم بصفة مشروعة، صنفتهم القوانين اللبنانية في خانة المتعاملين، فيما رآهم حزب الله مجرد عملاء لإسرائيل. اليوم، يبلغ عدد عناصر جيش لبنان الجنوبي السابقين المقيمين في إسرائيل نحو 3500 شخص، مسجلين بصفة لبنانيي إسرائيل، وقد حصلوا على الجنسية الإسرائيلية عام 2004. ولا يزال لجميع هؤلاء عائلات في لبنان، تقطن غالبيتها في قرى لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن الشريط الحدودي. (يتبع) (1) عالم سياسة وكاتب أمريكي. مدير مجموعة العمل بمجلس النواب الأمريكي بشأن الإرهاب والحرب غير التقليدية من 1988 إلى 2004. مؤلف عدة كتب عن الشرق الأوسط. (2) قائد جيش لبنان الجنوبي آنذاك والجنرال السابق من الجيش اللبناني . إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4)
Por
خليل حلو
Publicado
مايو 1, 2026 - 13:58

في سلسلة مقالات، نسعى إلى تسليط الضوء على الوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزين الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل الهدف وتترك للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. في هذا السياق، آن الأوان لمواجهة الخطاب العقيم للمقاومة، ليس بخطاب مضاد، بل بنهج معمق يدعم سيادة القانون، التي لا يمكن بناؤها إلا على أساس السيادة. استعرضت المقالات الثلاثة الأولى قراءة نقدية للمسارات التي واكبت تصاعد نفوذ «حزب الله» منذ اتفاق الطائف، مروراً بعملية « تصفية الحساب » و « تفاهم تموز » (١٩٩٣)، وصولاً إلى عشية حربه الثانية مع إسرائيل. المرحلة الخامسة: من «تفاهم نيسان» إلى حرب الاستنزاف في أعقاب «تفاهم نيسان ١٩٩٦»، واصل «حزب الله»، بدفع من إيران وسوريا، خوض حرب استنزاف بلا هوادة، كان قد أطلق شرارتها عام ١٩٩١ ضد الجيش الإسرائيلي و«جيش لبنان الجنوبي». وإذ تمثّل الهدف المعلن في تحرير «المنطقة الأمنية» من الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنها خدمت في الوقت عينه غاية أخرى، وهي تقويض مفاوضات السلام التي استُبعدت إيران منها. وفي موازاة ذلك، لم يطرأ أي تغيير على موقف واشنطن منذ مؤتمري مدريد وأوسلو، واللذين هدفا إلى إرساء سلام نهائي في الشرق الأوسط. ومن أجل إطلاق هذه العملية والحفاظ عليها، دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على كبح أي رد إسرائيلي واسع النطاق على ضربات «حزب الله»، مراهنةً على مسار السلام السوري-الإسرائيلي. وقد جاءت حصيلة حرب الاستنزاف ثقيلة على الأطراف كافة؛ فبين عامي 1996 و2000، فقدت إسرائيل 193 جندياً، و«جيش لبنان الجنوبي» 175، فيما سقط لـ«حزب الله» 375 مقاتلاً. بلغت الخسائر الإسرائيلية ذروتها في شباط 1997، إثر تصادم مروحيتين كانتا تنقلان جنوداً من وحدة النخبة «سيريت ماتكال» إلى جنوب لبنان. وأسفر الحادث عن مقتل 73 جندياً، في الحصيلة الأثقل في تاريخ هذا الجيش، مما أحدث صدمة دفعت الرأي العام الإسرائيلي إلى التساؤل عن الثمن البشري المترتب على البقاء في «المنطقة الأمنية». وفي أيلول من العام نفسه، وقع 16 جندياً من وحدة النخبة «شايتيت 13» في كمين نصبه «حزب الله» في بلدة أنصارية (20 كلم جنوب صيدا)، لقي 12 منهم حتفهم. وقد كرس هذا الحادث البراعة التكتيكية لـ«حزب الله»، الذي حظي بدعم وتأطير مباشرين من ضباط «الحرس الثوري الإيراني». وإذ أُضيف هذا الحادث إلى كارثة المروحيتين، فقد عزز داخل إسرائيل الشعور بخوض حرب بلا آفاق واضحة. وأفضى ذلك المسار إلى ولادة الحركة المدنية «أربع أمهات» (أرباع إيماوت)، التي أسستها أمهات جنود سقطوا في المعارك. وهكذا انتقلت القضية العسكرية إلى نقاش مجتمعي وأخلاقي، فُرض فيه الانسحاب من لبنان كضرورة سياسية. أرغمت حملة «أربع أمهات» المسؤولين والمرشحين الإسرائيليين على اتخاذ موقف علني من الانسحاب غير المشروط من لبنان. فمن شمعون بيريز إلى بنيامين نتنياهو وصولاً إلى إيهود باراك، توحد الخطاب قبل توليهم رئاسة الحكومة وبعدها حول لازمة واحدة: الانسحاب من لبنان. وفي كانون الثاني 1998، أعلن نتنياهو، رئيس الوزراء آنذاك، أن «إسرائيل مستعدة للقبول بقرار مجلس الأمن رقم 425 (1) ، بشرط التوصل إلى اتفاق مع لبنان يضمن الترتيبات الأمنية التي تطلبها تل أبيب». وبعد شهر واحد، أكد قائلاً: «ما علينا فعله هو مغادرة لبنان، وما على العالم فعله هو تهديد السوريين إذا ما دعموا الهجمات ضدنا». وفي مقلب آخر، ساد القلق جيش لبنان الجنوبي، وسط توجس من تخلٍّ إسرائيلي وشيك، تجلى مع تقليص تل أبيب حضورها العسكري داخل المنطقة الأمنية. وجاء انتخاب إيهود باراك في أيار 1999، بناءً على حملة ركزت على إعادة القوات، ليسرّع وتيرة الانسحاب؛ إذ وعد باراك بإعادة جنوده بحلول تموز 2000. المرحلة السادسة: الانسحاب الإسرائيلي «مؤامرة صهيونية» بنظر دمشق وبعبدا في مطلع كانون الثاني 2000، جمع بيل كلينتون كلاً من إيهود باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع في مدينة شيفردزتاون الأميركية. كانت تلك المفاوضات المباشرة الأولى والأخيرة بين سوريا وإسرائيل، وانتهت بالفشل. وخلال الاجتماع، تقاطعت معلومات استخباراتية غربية وإسرائيلية حول سماح دمشق لطهران بإعادة تسليح «حزب الله» ورفع قدراته الهجومية، عبر شحنات مكثفة وفورية من المعدات والذخائر وصلت إلى مطار دمشق، قبل أن تنقلها شاحنات سورية إلى مخازن الحزب في لبنان، برعاية مباشرة من الرئيس اللبناني إميل لحود، الخاضع كلياً لنظام حافظ الأسد. ورغم ذلك، أمر باراك جيشه بعدم استهداف تلك المخازن أو التعرض للسوريين، مراهناً على استئناف مفاوضات السلام مع دمشق لاحقاً. بعد فترة وجيزة، وفي أعقاب محاولة فاشلة لاغتيال القائد العسكري لـ «حزب الله» في جنوب لبنان، شنت القوات الإسرائيلية عمليات انتقامية واسعة. وأذن المجلس الوزاري الأمني المصغر بسلسلة غارات جوية استهدفت الحزب، مع حظر صارم للمساس بأي أهداف سورية. وهو ما استوجب ثناء سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، مارتن إنديك، الذي شغل سابقاً منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، لم يفوّت باراك فرصة، في مجالسُه المعلنة والمغلقة إلا وأكد سعيه لوضع استراتيجية للخروج من لبنان. في المقابل، قاد أقطاب نظام الأسد حملة شعواء لدى حلفائهم اللبنانيين، زاعمين أن طرح الانسحاب ليس إلا «مؤامرة صهيونية» تهدف إلى محاصرة سوريا، على غرار الحصار الأميركي المفروض على العراق آنذاك. في الأشهر التالية، كثّف إميل لحود مداخلاته للتنديد بما اعتبره «مناورة تكتيكية إسرائيلية خطيرة»، ورأى أن الانسحاب من لبنان من دون الانسحاب من الجولان ليس سوى فخّ. وفي 9 آذار 2000، صرّح قائلاً: «إن خطط إسرائيل المعلنة للانسحاب من لبنان تهدف إلى تخريب عملية السلام». وأضاف أن أي انسحاب إسرائيلي سيكون «ثمرة دعم لبنان للمقاومة ووحدة الموقف اللبناني-السوري»، وليس تعبيراً عن إرادة حقيقية للسلام. في مفارقة طبعت عهده، دعم إميل لحود بشكل مطلق عمليات «حزب الله» العسكرية لتحرير الجنوب، متجاهلاً تماماً مسار السلام. والحال أنه لم يكن يريد انسحاباً إسرائيلياً، إذ كان استمرار الاحتلال يخدم آنذاك ثلاثة أهداف: تبرير الوجود السوري في لبنان، تعزيز خطاب المقاومة لدى «حزب الله»، وإبقاء إسرائيل غارقة في «المستنقع اللبناني» طالما لم تستعد سوريا هضبة الجولان. في تلك الحقبة، كانت هيمنة «حزب الله» على مؤسسات الدولة لا تزال في طور الجنين، رغم تمتع الحزب بقدرات عسكرية وازنة. فالسوريون هم من كانوا يمسكون بمقاليد الدولة اللبنانية ويسيطرون عليها بشكل مطلق. (يتبع) (1) صَدَرَ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، والذي جاء رداً على العمليات الفدائية التي خاضتها المنظمات الفلسطينية المسلحة انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، وهي عمليات كانت مستمرة منذ عام 1969. ينصّ القرار 425 على انسحاب إسرائيل الفوري وغير المشروط من لبنان، وعلى نشر 3000 عنصر من قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة «اليونيفيل في ذلك الوقت. إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

ما هي البدائل في حرب إيران؟
Por
خليل حلو
Publicado
أبريل 29, 2026 - 14:16

يُجمع عدد كبير من المحللين الغربيّين على أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق أهدافها في الحرب ضد إيران. وتستند هذه القراءات، بشكل أساسي، إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط الذي ألقت تداعياته بظلالها على الاقتصاد العالمي، ولا سيما على أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية داخل الولايات المتحدة؛ وهو ملف يتصدر بانتظام اهتمامات الصحافة الأميركية. ويرى هؤلاء المحللون أن طهران باتت اليوم في موقع أقوى ضمن مسار المفاوضات. فأين تكمن الحقيقة وسط هذه المعطيات؟ عودة إلى الدوافع الحقيقية للحرب يجزم المحلل الجيوسياسي جورج فريدمان بعدم اقتناعه بقدرة بنيامين نتنياهو على استدراج دونالد ترامب إلى الحرب. ولا يعود ذلك، بحسب الخبير، إلى صعوبة إقناع الأخير فحسب، بل لأن البرنامج النووي الإيراني يمثل مصدر قلق للولايات المتحدة أكثر مما يمثله لإسرائيل. علاوة على ذلك، تُظهر استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025 (NSS 2025) أن أولويات واشنطن باتت تتركز في الداخل الأميركي وعلى مستوى القارة الأميركية؛ إذ يسعى ترامب إلى تقليص الدور الأميركي في الشرق الأوسط، تاركاً مهمة إدارة شؤون المنطقة لحلفائه من الموقعين على اتفاقات أبراهام. بيد أن إيران تظل عقبة كأداء في هذا المسار، نظراً لما تشكله ترسانتها العسكرية من تهديد وتدخلاتها المستمرة في دول المنطقة. الاستراتيجية الأميركية: إضعاف إيران يتمثل هدف واشنطن، إذاً، في إضعاف إيران والميليشيات الموالية لها. ومع سقوط نظام البعث في سوريا، وانحسار قوة حزب الله وحركة حماس، وصولاً إلى الضربات الأميركية - البريطانية ضد الحوثيين بين آذار وأيار 2025، فقدَ نظام الملالي الكثير من قدراته على الهيمنة. ولاحقاً، أدت ضربات حزيران 2025 ضد الداخل الإيراني إلى تدمير دفاعاته الجوية، وإلحاق أضرار جسيمة ببرنامجه النووي وبقدراته على إنتاج الصواريخ. ومع توقف تلك الضربات، سارع الإيرانيون على مدى ثمانية أشهر إلى استنفار إمكاناتهم، ونجحوا في ترميم جانب من تلك الأضرار. إلا أن الحرب الراهنة حرمت الجمهورية الإسلامية من جزء كبير من ترسانتها، وقيدت قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين. وفي ظل اقتصاد إيراني يترنح تحت الركام، فإن المعضلة الحقيقية لنظام الملالي ستبرز إذا ما أفضت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران إلى اتفاق لا يتضمن رفعاً للعقوبات. تطول قائمة الناقمين في الداخل الإيراني، وفي مقدمهم الأقليات المهمشة (الأكراد، الآذريون، البلوش، التركمان...)، إلى جانب التجار، والطلاب، والنساء، والبراغماتيين؛ وربما يمتد الاستياء إلى الارتش (الجيش الإيراني) الذي يرى أن الحرس الثوري يحظى دائماً بالأولوية على حسابه. ومع ذلك، يظل عامل الوقت اللازم لتغيير سلوك طهران أو نظامها أمراً مجهولاً. فالضربات الجوية لم تثنِ طهران، التي لا تزال تحتفظ بقدرات غير متماثلة كافية لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإرباك الاقتصاد العالمي، وشن هجمات ضد دول المنطقة. علاوة على ذلك، لا تزال لدى حماس وحزب الله القدرة والإرادة لإعادة ترتيب صفوفهما مع مرور الوقت. وفي حين لا تزال عملية السلام في غزة هشّة، فإن المسار التفاوضي اللبناني لا يزال في بداياته. وخلاصة القول، إن تحقيق الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط قد أحرز تقدماً، لكنه يظل منقوصاً؛ بيد أن لدى واشنطن اليوم أولويات أكثر إلحاحاً. البرنامج النووي الإيراني: تهديد حقيقي بعد ضربات حزيران 2025، تعرّض البرنامج النووي الإيراني لأضرار جسيمة. ومع ذلك، كانت طهران تملك القدرة على إعادة تنشيطه، نظراً لاستمرار حيازتها 430 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة يمكن رفعها بسهولة إلى 90%. كما أن أجهزة الطرد المركزي اللازمة لهذا الغرض ظلت سليمة داخل مصانع الإنتاج، إذ لم تكن قد وُزعت بعد في المواقع النووية التي طالها القصف، فضلاً عن أن الجامعات الإيرانية واصلت نقل المعرفة التقنية والخبرات اللازمة في هذا المجال. وخلاصة القول، كان بإمكان إيران، في غضون سنوات قليلة، استعادة قدراتها وحيازة سلاح نووي. ومع اندلاع الحرب الراهنة، لا شك في أن الأضرار التي لحقت بهذا البرنامج باتت أكثر جسامة، غير أنه لا تتوفر حتى الساعة أي تقييمات موثوقة في هذا الشأن. وتسعى الولايات المتحدة بكل قوتها إلى منع إيران من إعادة تنشيط برنامجها النووي، ليس خوفاً من امتلاك الجمهورية الإسلامية صواريخ مزودة برؤوس نووية – وهو أمر لا يقلق واشنطن بالقدر نفسه – بل بسبب صلات نظام الملالي بتنظيم القاعدة، المسؤول عن هجمات 11 أيلول 2001، والذي استضافت إيران قادته على أراضيها. فالمسؤولون الأمنيون في الولايات المتحدة يخشون تحديداً تكرار سيناريو «11 أيلول نووي»؛ حيث يتم تسليم قنبلة ذرية إيرانية صغيرة الحجم إلى تنظيم القاعدة، تُخبأ ضمن شحنة تجارية وتُرسل إلى ميناء نيويورك مثلاً، لتخلف كارثة تحصد أرواح مئات الآلاف. وهذا السيناريو ليس من قبيل الخيال، خصوصاً أن القاعدة سبق أن ضربت العمق الأميركي ودولاً أخرى. وبالمثل، فإن «أذرع إيران الطولى»، المسؤولة عن هجمات سابقة في الأرجنتين ودول الخليج وبلغاريا، قادرة بدورها على تنفيذ مخطط مماثل. كيف ستنتهي هذه الحرب؟ في المحصلة، لا يزال النظام الإيراني صامداً، ولم يطرأ أي تغيير على سلوكه. وعلى الرغم من تراجع قدراته النووية وترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل ملحوظ، إلا أنها تظل واقعاً قائماً. وفيما لا يزال الحرس الثوري يغلق مضيق هرمز، تفرض البحرية الأميركية حصاراً بحرياً، في وقت تتصاعد فيه العقوبات ضد الجمهورية الإسلامية (بما في ذلك العقوبات الأوروبية). ومع ترنّح الاقتصاد الإيراني تحت الركام، تراوح مفاوضات إسلام آباد مكانها، لتبقى الحرب فصلاً لم يكتمل بعد. لا يمكن للجمهورية الإسلامية أن تدعي تحقيق «نصر بيري» (نصر مكلف يعادل الهزيمة)، إلا أمام أنصارها السذج والمؤدلجين. وفي المقابل، يظل انتصار الولايات المتحدة عبر الضربات الجوية وحدها أمراً بعيد المنال. ومع أن خيار العملية البرية الأميركية لا يزال قائماً، إلا أن ترامب لا يبدو ميالاً لخوضها نظراً لتكلفتها الباهظة. ومع تزايد الضغوط على الرئيس الأميركي بسبب الأثمان التي تفرضها الحرب على الاقتصاد العالمي، يبدو أن عامل الوقت لا يصب في مصلحته. صحيح أن إيران تعيش حالة اختناق، وأن الوقت لا يخدمها بتاتاً، إلا أن ذلك لا يمنعها من الرهان على هذا العامل بالذات للتلاعب بالرأي العام الأميركي ضد ترامب، تماماً كما فعل الشيوعيون إبان حرب فيتنام مع الرئيسين جونسون ونيكسون. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الخسائر البشرية الأميركية في هذه الحرب لا تزال طفيفة مقارنة بحروب فيتنام والعراق وأفغانستان. وفي المقابل، فإن النجاحات العسكرية التي حققها البنتاغون تفوق بأشواط ما تحقق في تلك الحروب. وإذا ما استمرت إيران في المراهنة على كسب الوقت، فإن شن عملية برية أميركية خاطفة وواسعة النطاق ضد أهداف محددة في الداخل الإيراني يظل خياراً غير مستبعد، وإن كان مكلفاً.