شعار Levant Time

استراتيجيا

جيوسياسية حرب إيران: الاستراتيجية الأمريكية الكبرى الجديدة

تتمحور استراتيجية الأمن القومي (NSS) للولايات المتحدة لعام 2025 حول مبدأ "أمريكا أولاً" وتتطلب المزيد من الاستقلالية الاستراتيجية من حلفائها الأوروبيين الذين يضغط عليهم الرئيس دونالد ترامب لتولي مسؤولية الدفاع عن قارتهم. وبذلك ستكون يدا واشنطن طليقتين للتركيز أولاً على وضعها الداخلي وعلى القارة الأمريكية المخترقة من قبل الصين وروسيا، ثم على حوض المحيط الهادئ. ولتحقيق هذه الغاية، من الضروري لها أن تقلل من تدخلها في الشرق الأوسط وأن تحافظ على استقراره بشكل مستدام. ولهذا الغرض، أصبح التحييد النهائي لتهديد إيران وحزب الله أمراً حتمياً. إن إضعاف إيران من شأنه أن يمهد الطريق لتوسيع غير مسبوق لاتفاقيات إبراهيم لتشمل المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية. اتفاقيات إبراهيم تمثل اتفاقيات إبراهيم، التي انطلقت خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، قطيعة مع الدبلوماسية التقليدية "Land for Peace" ("الأرض مقابل السلام"، أو "دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة مقابل السلام")، لصالح نهج "Peace through Prosperity"، أو "السلام من خلال الازدهار"، وهو ما يعني: الازدهار بدلاً من دولة للفلسطينيين. تشمل اتفاقيات إبراهيم في المرحلة الحالية إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب وكازاخستان. وتهدف إلى تشكيل كتلة أمنية عربية إسلامية إسرائيلية، أو "ناتو إقليمي"، يضم إسرائيل والدول العربية، قادر على التنظيم الذاتي للشرق الأوسط واحتواء إيران بشكل مستقل. ومن شأن ذلك أن يسمح للولايات المتحدة بتقليص قواتها البرية، وتوفير المليارات، مع الاحتفاظ بدور الوسيط في المنطقة، والانسحاب للتركيز على أولويتها "أمريكا أولاً"، والتحول نحو آسيا لمواجهة الصين دون ترك فراغ أمني قد تملأه طهران أو موسكو. وفي إطار هذه الاستراتيجية أيضاً، تُعد تركيا شريكاً لا غنى عنه لواشنطن، كثقل موازن حيوي في مواجهة إيران وروسيا، رغم البعد الأيديولوجي لأنقرة والتوترات المستمرة حول القضية الكردية. الحصار المفروض على إيران: استراتيجية خنق ولكن بها ثغرات تعيش إيران في وضع بقاء اقتصادي حرج في مواجهة الحصار البحري الأمريكي المفروض في 13 أبريل 2026. ولا يتوقف هذا الحصار عند مضيق هرمز، بل يمتد إلى خليج عمان، ويمنع ناقلات النفط والسفن الأخرى من الرسو في ميناءي جاسك وتشابهار الواقعين خارج الخليج العربي. وهذا يشل من حيث المبدأ تقريباً كل الواردات والصادرات البحرية الإيرانية، وخاصة النفط. في مواجهة هذا الحصار البحري، يمكن لطهران أن تصمد تقنياً لعدة أشهر بفضل العائدات التي ضمنها الارتفاع الحاد في أسعار برميل النفط بين فبراير ومنتصف أبريل 2026، والتي عوضت جزئياً عن الانخفاض في الكميات المصدرة. وتصل الخسائر اليومية الإيرانية إلى حوالي 435 مليون دولار. كانت طهران قد توقعت هذا السيناريو من خلال تطوير بنى تحتية لتجاوز مضيق هرمز، لكن قدرتها تظل غير كافية إلى حد كبير. يتمثل ذلك في بحر قزوين الذي يوفر طريقاً نحو روسيا وكازاخستان، لكن الإمدادات عبر هذا الطريق تظل هامشية مقارنة بالاحتياجات الوطنية. وهناك أيضاً السكك الحديدية والطرق التي تربط إيران بتركيا والعراق وتركمانستان لاستيراد السلع الاستهلاكية وتصدير المنتجات غير النفطية. لا يمكن لهذه الطرق البديلة بأي حال من الأحوال أن تعوض عن الخليج العربي، الذي كان يمر عبره 90٪ من النفط الإيراني قبل الأزمة. هناك استراتيجية أخرى تتبعها طهران لكسر الحصار والالتفاف على العقوبات الدولية: "أسطول الظل" (أو الأسطول المظلم - dark fleet) والذي يمثل ركيزة البقاء الاقتصادي للنظام وتمويل حلفائه الإقليميين، وخاصة حزب الله. وهو عبارة عن شبكة سرية واسعة تضم 320 ناقلة نفط تعتمد عليها إيران لتصدير نفطها الخام. وللإفلات من المراقبة الدولية والأمريكية، تنشر ناقلات النفط التابعة لأسطول الظل هذا تكتيكات تمويه متطورة من خلال تعطيل أنظمة الإشارات الخاصة بها لتصبح "غير مرئية" أو من خلال اللجوء إلى تزوير إحداثياتها الجغرافية على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). ثم يتم نقل النفط في عرض البحر، عن طريق المسافنة، إلى ناقلات نفط أخرى بهدف إخفاء المصدر الإيراني للشحنة. يتم تعزيز هذه المنظومة من خلال الاستخدام المتكرر لأعلام الملاءمة (بنما وليبيريا وجزر كوك) والشركات الوهمية التي تتخذ من دبي أو هونغ كونغ مقراً لها، مما يسمح بتغييرات متكررة في الهوية والملكية. وعلى الرغم من الحصار البحري الأمريكي الصارم، إلا أن هذا الأسطول يُظهر فعالية مستمرة. ووفقاً لـ Lloyds، فقد نجحت بالفعل 29 إلى 35 ناقلة نفط من أسطول الظل في تجاوز الطوق البحري الأمريكي لتسليم نفطها الخام إلى الصين. وتسمح هذه الخدمات اللوجستية الخفية لطهران بالحفاظ على إيرادات طوارئ حيوية، متحدية الاختناق الاقتصادي التام الذي تسعى إليه الإدارة الأمريكية. ومع ذلك، فقد استولت البحرية الأمريكية بالفعل على ست سفن من هذا الأسطول الوهمي وأجبرت 29 ناقلة نفط عادية أخرى على التراجع بعد أن حاولت تجاوز الحصار. على أي حال، وبدون رفع الحصار أو تدخل دبلوماسي واسع النطاق، فإن الاختناق الاقتصادي لإيران قد يصبح أمراً لا رجعة فيه بحلول صيف عام 2026. وبالتالي فإن إيران مخنوقة ولكنها لا تظهر أي علامة واضحة على التراجع. ومع ذلك، تتجه أنظار واشنطن وطهران بتكتم نحو الصين. دور الصين: حل يلوح في الأفق تبرز الصين اليوم باعتبارها العميل الرئيسي والدرع الاقتصادي الوحيد لإيران. وفي الوقت نفسه، تحتاج بكين إلى سوق الولايات المتحدة، الأكبر في العالم، لتحقيق التوازن في اقتصادها. كما تحتاج واشنطن إلى الصين لتزويد المواطن الأمريكي بالسلع الاقتصادية بأسعار معقولة. وهذا يمنح الصين القدرة على العمل كوسيط براغماتي في الأزمة الحالية. تُعد العلاقات الصينية الإيرانية بمثابة طوق نجاة حقيقي للجمهورية الإسلامية، كما أن العلاقات الصينية الأمريكية تتجه نحو التهدئة. في عام 2025، استوعبت الصين ما يقرب من 90٪ من صادرات النفط الإيرانية عبر أسطول الظل، ولكن هذا لا يمثل سوى جزء بسيط من الواردات الصينية. وعلاوة على ذلك، ونظراً لخشيتها من تعطل إمداداتها العالمية من الطاقة وصادراتها، ألمحت الصين إلى أنها تَعِد بتنفيذ استثمارات بقيمة 400 مليار دولار في إيران كان مخططاً لها في الأصل في عام 2021، مقابل مرونة من جانب الإيرانيين. وقد أشاد الرئيس ترامب بدور بكين في تسهيل وقف إطلاق النار في أبريل 2026. بالإضافة إلى ذلك، تتجنب الصين أي دعم عسكري مباشر لطهران وقد خففت من التوترات حول تايوان. الإدارة الأمريكية تحافظ على مسار استراتيجية الأمن القومي (NSS) من جانبها، تستخدم واشنطن الترابط التجاري مع الصين كسلاح ضغط صامت، من خلال الاستمرار في فرض عقوبات تمنع الصين من الوصول إلى التكنولوجيا والمعدات الأمريكية، والحد من الصادرات الصينية الحيوية إلى الولايات المتحدة. وفي عام 2025 بالفعل، انخفضت هذه الصادرات بمقدار 37 مليار دولار مقارنة بعام 2024. في أكتوبر الماضي، التقى ترامب وشي جين بينغ في سيول وقاما بتخفيف العقوبات من كلا الجانبين. وكان من المقرر أن يلتقيا مرة أخرى في أبريل 2026 لمواصلة الانفراج في حربهما التجارية، لكن هذه القمة تأجلت بسبب حرب إيران. يُعد رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على الصين حاجة استراتيجية لشي جين بينغ الذي يجد نفسه مضطراً للعب دور الوسيط وممارسة الضغط على إيران. ومن منظور جيوسياسي، من خلال إرساء الاستقرار في الشرق الأوسط بهذه الطريقة عبر الضغط الصيني الأمريكي المشترك، تضمن أمريكا علاقة متوازنة مع منافستها الآسيوية، كما تنص على ذلك استراتيجية الأمن القومي (NSS) لعام 2025.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)
بقلم
خليل حلو
نُشر
أبريل 25, 2026 - 01:49

في سلسلة من المقالات التي نستهلها اليوم، نتوخى مقاربة الواقع الراهن في ضوء تجارب الماضي، بمنأى عن ا لخطابات الحماسية أو الأيديولوجيات الرومانسية التي غالباً ما تغفل الواقع، تاركين للقارئ حرية استخلاص النتائج الضرورية. لقد آن الأوان، في هذا السياق، لمواجهة «سيمفونية»المقاومة العقيمة مواجهةً جدية؛ ليس عبر خطاب مضاد، بل من خلال مقاربة معمّقة تكرّس ثقافة دولة القانون، تلك الدولة التي لا يمكن أن تُبنى إلا على ركائز السيادة المطلقة. لفهم الحاضر، لا شيء يعلو فوق إعادة قراءة التاريخ المعاصر، الحاضر دوماً في الذاكرة. فالحروب التي وضعت إسرائيل وحزب الله في مواجهةمباشرة تستدعي مراجعةً عميقة، أولاها تلك التي دارت عام 1993 مع ما سبقها من أحداث مفصلية، ناهيك عن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في 25 أيار 2000، وما سبقه وتلاه من محطات، لا سيما حروب 1996، و2006، و2023-2024، و2026. ثلاثة وثلاثون عاماً من الصراعات التي قد تبدو، للوهلة الأولى، غارقة في الفوضى؛ لكنها في الواقع ليست سوى مسارٍ شديد الوضوح، يُمسك بخيوطه نظام الملالي في طهران. أحداثٌ لا تزال تتوالى وفق مشهدية تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة، بصفتها قوةً عالمية بلا منازع منذ عام 1990، بل وباتت - طوعاً أو كرهأ - قوةً إقليمية وازنة بحكم نفوذها المتغلغل في دول المنطقة كافة باستثناء إيران، وبفعل قواعدها العسكرية المنتشرة في العالم العربي. مصالح واشنطن وتل أبيب ودمشق والرياض وطهران تتقاطع فتتلاقى وتتباعد أو تتصادم في حركة ديناميكية مستمرة، بينما تبقى مصلحة لبنان الوحيدة - والمنسية منذ خمسين عاماً - متمثلةً في استعادة سيادته أولاً، ثم إعادة بناء مؤسسات الدولة. لقد لعب الفاعلون من خارج إطار الدولة، وهم كثر في لبنان، لاسيما حزب الله وحماس وغيرهما من التنظيمات المسلحة غير الشرعية، وحتى الأحزاب اللبنانية المتحالفة مع حزب الله - والمدعومة أو المهادنة من قِبل قوى إقليمية - أدواراً محورية طوال العقود الماضية، معرقلةً قيام سيادة لبنان. أما فرص استرداد هذه السيادة التي لاحت خلال تلك السنوات، فقد أُجهضت على أيدي صنّاع القرار المحليين؛ إما بسبب نقص الكفاءة، أو تغليباً لمصالح ضيقة وشخصية، أو بدافع الجبن والارتهان والمطامع والموالاة لجهات شتى. أجندات حزب الله الثلاثة يواصل حزب الله العمل وفق ثلاث أجندات متوازية. الأولى، إقليمية، تتمحور حول التدخل في الشؤون العربية لزعزعة استقرارها لصالح إيران، ولاسيما في العراق الجار الغربي للجمهورية الإسلامية، وذلك للحؤول دون بروز زعيم جديد على غرار صدام حسين، الذي لا يزال يشكل كابوساً لملالي طهران. أما الأجندة الثانية، فتتركز حول إسرائيل وتستند إلى خطاب «المقاومة»، الذي يُوظَّف لخدمة الأجندة الثالثة والمحلية، والمتمثلة في فرض الهيمنة المطلقة على لبنان. أما قاعدة الحزب الشعبية، المسكونة بأيديولوجيا دينية تجعلها فوق أي نقاش، فهي على قناعة تامة بأنها مؤتمنة على «مهمة إلهية». وهي في ذلك تستلهم النموذج الإيراني؛ حيث تقبع الدولة ككيان قائم شكلاً، بينما تظل القرارات الكبرى محصورة بيد الحرس الثوري الإيراني، وهو دولة عميقة داخل الدولة، بتشعبات اجتماعية واقتصادية وأمنية وعسكرية. إن النموذج اللبناني الذي يطمح إليه الحزب الموالي لإيران هو «دولة-واجهة» تقتصر مهامها على تصريف الأعمال والشؤون البروتوكولية، بينما يتمدد حزب الله داخل الدولة وخارجها عبر ميليشياته ومؤسساته السياسية والثقافية والاجتماعية. وبذلك، ينفرد هو باتخاذ القرارات الاستراتيجية ويُسقطها على البرلمان والحكومة. أما بالنسبة لجمهوره، فهو يجسد مفهومهم للسيادة، وضمانتهم الاجتماعية والأمنية، وقبل كل شيء، طموحاتهم الأيديولوجية. هذه المعضلة تقع اليوم في صلب الحدث، لكن مسار الحزب «الإلهي» على مدى العقود الأربعة الماضية، والذي أفضى إلى الواقع الراهن، يستحق إعادة قراءة متأنية، لاسيما من أجل الأجيال اللبنانية التي وُلدت في ظل هيمنته. فبالنسبة لهذه الأجيال، بات الحزب جزءاً من يومياتها، بل ويرى البعض إمكانية التعايش مع سلاحه باسم «مقاومة» تتمدد منذ 44 عاماً. وفي هذا السياق، تبدو بعض الأرقام والوقائع شديدة الدلالة: فالحرب التي انتهت بمعاهدة وستفاليا دامت 30 عاماً؛ والحرب العالمية الأولى أربع سنوات؛ والثانية ست سنوات؛ وحرب الهند الصينية تسع سنوات؛ وحرب فيتنام عشر سنوات؛ بينما الصراع العربي-الإسرائيلي (بمعزل عن فلسطين) استمر 25 عاماً... بات من الجليّ أن حزب الله، ومنذ 44 عاماً، لا يستمد شرعيته إلا من عباءة «حالة الحرب» المستمرة؛ ومن هنا، فليس له أي مصلحة في وضع حدٍّ لحروبه مع إسرائيل. لقد أضحى واضحاً أن اللبنانيين وحدهم يملكون مفتاح الحل لأزماتهم، وذلك عبر إنهاء حالة الحرب مع الدولة العبرية، دون الضرورة للذهاب نحو معاهدة سلام. ست دول عربية سبقت بيروت في هذا المضمار. وبمقدور لبنان تحقيق ذلك بالاستناد إلى دعم هذه الدول العربية والدول الصديقة. اتفاق الطائف وبالعودة إلى إعادة قراءة الماضي القريب، تشكل محطة اتفاق الطائف نقطة الانطلاق، وهو الذي وُقّع في 22 تشرين الأول 1989 في المملكة العربية السعودية بمباركة أميركية. كان الهدف منه وضع حد للحروب التي توالت على لبنان طوال 15 عاماً. أما الحربان الأخيرتان اللتان عجّلتا في توقيع هذا الاتفاق وفرض تطبيقه بالقوة، فكانتا الأكثر دماراً، ونقصد بهما «حرب التحرير» اللبنانية-السورية و«حرب الإلغاء» اللبنانية-اللبنانية. فقد هددت هاتان الحربان بتقسيم الدول العربية وعرقلة مسار الاستقرار الإقليمي المعقد الذي كانت تنشده واشنطن والرياض مع نهاية حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران. لقد صار تطبيق الاتفاق، الذي تعثر لشهور، أولوية لدى رعاته عقب الغزو العراقي للكويت في 2 آب 1990؛ إذ كان وقف الحروب المستمرة في لبنان، بالنسبة لجميع اللاعبين الدوليين والإقليميين، أمراً لا بد منه، بعد توقيع الاتفاق المذكور. وبناءً عليه، أعطى المجتمع الدولي والعربيالضوء الأخضر لسوريا البعثية لفرض الاستقرار في لبنان بالقوة العسكرية، مقابل انضمامها إلى التحالف العربي-الدولي المناهض للعراق والرامي إلى تحرير الكويت. وهكذا، اجتاحت قوات دمشق، في 13 تشرين الأول 1990، قصر بعبدا ووزارة الدفاع الوطني، الخاضعين لسلطة الحكومة العسكرية اللبنانية برئاسة العماد ميشال عون. وبعد بضعة أشهر، وتحديداً في مطلع عام 1991، دُحرت القوات العراقية من الكويت واحتلت قوات التحالف الدولي المناهض لصدام أجزاءً من العراق. كانت النتيجة إضعاف نظام صدام حسين، وهو ما أفسح المجال لتعاظم نفوذ إيران وحليفها حزب الله. وشكّلت تلك المرحلة نقطة الانطلاق للحروب التي خاضها الحزب ضد إسرائيل، بما لها وما عليها، قبل انسحاب إسرائيل من لبنان في 24 أيار 2000. شهدت تلك الحقبة انقلاباً في المشهد العالمي مع سقوط جدار برلين، وتراجع الاتحاد السوفياتي وحلفائه الإقليميين، بمن فيهم العراق وسوريا، ثم تقارب الأخيرة مع الولايات المتحدة، مما منحها حرية تحرك واسعة في لبنان. علاوة على ذلك، كانت دول الخليج، الحليفة للولايات المتحدة (التي باتت القوة الوحيدة بلا منازع على الساحة الدولية)، مصطفّة إلى جانب سوريا الأسد، وتُهادن إيران في مواجهة عراق صدام. غير أن هذه الواقعة، التي اختلفت جذرياً عما سبقها، لم يحسن قراءتها آنذاك رئيس الحكومة العسكرية العماد عون، مما أدى إلى كارثة 13 تشرين الأول 1990. (يتبع)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3)
بقلم
خليل حلو
نُشر
أبريل 24, 2026 - 12:51

في سلسلة مقالات، نسعى إلى تسليط الضوء على الوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزين الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل الهدف وتترك للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. في هذا السياق، آن الأوان لمواجهة الخطاب العقيم للمقاومة، ليس بخطاب مضاد، بل بنهج معمق يدعم سيادة القانون، التي لا يمكن بناؤها إلا على أساس السيادة. قدّمت المقالتان الأوليان إعادة تفسير للأحداث المحيطة بصعود حزب الله إلى السلطة، بدءًا من اتفاق الطائف مرورًا بعملية "تصفية الحسابات" و"اتفاق يوليو" (1993)، وصولًا إلى عشية حربه الثانية مع إسرائيل. المرحلة الثالثة: حرب عصابات حزب الله ضد أوسلو ومدريد على مدى ثلاث سنوات تلت عملية "تصفية الحسابات" (يوليو/تموز 1993)، لم يتقدم تنفيذ اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل إلا ببطء شديد، مدفوعًا بضغوط واشنطن التي تمسكت باستراتيجيتها مهما كلف الأمر لاحتواء الصراع بين إسرائيل وحزب الله، بهدف منعه من تقويض عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، وسعيًا في الوقت نفسه إلى تعزيز جهود التقارب بين تل أبيب ودمشق. علاوة على ذلك، ناقشت واشنطن وتل أبيب علنًا إمكانية إجراء مفاوضات إسرائيلية لبنانية وشيكة، في ضوء أنباء من لبنان تشير إلى أن جيش البعث السوري شن حملة قمع ضد حزب الله. لاحقًا، تبين أن هذه الأنباء كانت تضليلًا إعلاميًا دبره الإيرانيون بتواطؤ من حافظ الأسد. لإضفاء مصداقية على خداعها، سربت طهران معلومات تشير إلى أن إيران ستقدم الآن مساعدات عسكرية لحزب الله عبر قنوات أخرى غير سوريا، ما يوحي بأن سوريا مستعدة لخفض التوترات في جنوب لبنان. ولزيادة إقناع المراقبين بحسن نوايا سوريا، أرسل الإيرانيون بالفعل شحنة أسلحة، تم اعتراضها في تركيا، الأمر الذي أثار استياء أنقرة. في الواقع، كان السوريون يلعبون بورقتين متناقضتين: من جهة، ورقة السلام، التي سمحت لهم بالتلاعب بواشنطن، ومن جهة أخرى، ورقة فشل مفاوضات السلام. كان الأمريكيون، بعد أن اعتقدوا أن السوريين اختاروا السلام، مقتنعين بأن ضغطهم على تل أبيب ودمشق قد أتى ثماره... بينما في الحقيقة، لم يكن الأمر كذلك. كان حافظ الأسد في الواقع يستعد لفشل عمليتي أوسلو ومدريد، متقاربًا أكثر فأكثر مع إيران، ويلتقي سرًا بصدام حسين، الذي كان خاضعًا للعقوبات الأمريكية. استغل الأسد وطهران استراتيجية الاسترضاء الأمريكية، واقتناعاً منهما بحدود ضغط واشنطن، عززا مصالحهما في لبنان، لا سيما من خلال دعم حزب الله وتسليحه وتقويته. وبين عامي 1993 و1996، شنّ حزب الله حرب استنزاف ضد جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي، مستخدماً الصواريخ والقذائف والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق. وردّ جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي، من جانبهما، بالمدفعية والقوة الجوية. وحاول المتحاربون تجنيب المدنيين وفقاً لـ"اتفاقية يوليو 1993"، لكن دون جدوى. وفي كل مواجهة، تدخلت الولايات المتحدة سريعاً كوسيط، مانعةً إسرائيل من تصعيد أعمالها الانتقامية إلى ما بعد نقطة حرجة. وبحلول أوائل عام 1996، كان عدد القتلى الإسرائيليين في ازدياد. فمنذ انتهاء عملية "تصفية الحسابات"، وبسبب التكتيكات المتقدمة لحزب الله، قُتل 210 جنود إسرائيليين و110 جنود من جيش لبنان الجنوبي. بالإضافة إلى ذلك، سقط ما بين 60 و80 مدنياً لبنانياً داخل وخارج "المنطقة الأمنية"، نتيجة غارات عشوائية أو انفجارات. من جانبه، خسر حزب الله 200 مقاتل، بينهم عناصر اغتيلوا، وآخرون أُسروا، وآخرون نجوا من محاولات القبض عليهم. الخطوة الرابعة: عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية ضد حزب الله أنهت الحرب الثانية بين حزب الله وإسرائيل، والتي أُطلق عليها اسم عملية "عناقيد الغضب" (11-27 أبريل/نيسان 1996)، "اتفاق يوليو/تموز"، ومثّلت تصعيداً خطيراً يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة بين الجانبين. كان هدف إسرائيل الضغط على لبنان وسوريا لاحتواء عمليات حزب الله. خلال هذه العملية، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي 1800 طلعة جوية، واستهدف 500 هدف، شملت بنى تحتية مدنية وعسكرية، وهجّر 400 ألف مدني - وهو رقم يتطابق تماماً مع الوضع الراهن، بالإضافة إلى تدمير قرى في الجنوب. بلغت هذه الحرب ذروتها بقصف المدفعية الإسرائيلية لمركز تابع لقوات اليونيفيل في بلدة قانا، حيث كان مئات المدنيين يسعون للجوء، مما أسفر عن مقتل 106 أشخاص. زعمت إسرائيل أن ما حدث كان خطأً، بينما وصفه حزب الله بأنه متعمد. ومع ذلك، أثارت مجزرة قانا ضغوطًا دولية هائلة، مما أدى إلى وقف إطلاق النار. فشلت عملية "عناقيد الغضب" في وقف إطلاق صواريخ كاتيوشا على إسرائيل، وانتهت بعد ستة عشر يومًا من القتال باتفاق مكتوب غير موقع، أُطلق عليه اسم "اتفاق أبريل"، بوساطة من فرنسا والولايات المتحدة. نصّ هذا الاتفاق على قاعدة اشتباك هشة وغير واضحة المعالم: "لن يطلق حزب الله النار من المناطق المأهولة بالسكان، ولن تقصف إسرائيل المناطق المأهولة بالسكان". علاوة على ذلك، شُكّلت لجنة تضم الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل لمراقبة الانتهاكات والتحقيق في الشكاوى. وهي تشبه إلى حد كبير "الآلية" التي أُنشئت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، والذي أعقب حرب غزة، وضمّ الأعضاء أنفسهم باستثناء سوريا، بالإضافة إلى قوات اليونيفيل. وبعد مرور 33 عامًا، أثبتت هاتان اللجنتان عدم فعاليتهما في وقف الأعمال العدائية. أكد "اتفاق أبريل 1996" حق حزب الله في استهداف مواقع عسكرية داخل "المنطقة الأمنية" جنوب نهر الليطاني، التي تحتلها إسرائيل ويسيطر عليها جيش لبنان الجنوبي، مع تجنيب المدنيين والمناطق السكنية على ضفتي النهر وفي إسرائيل. واعتُبر هذا الاتفاق نقطة تحول حاسمة، إذ أضفى شرعية ضمنية على عمليات حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي داخل الأراضي اللبنانية، وعزز بشكل غير مباشر النفوذ الإيراني المتنامي في لبنان. في الواقع، كانت طهران الرابح الأكبر من هذا الاتفاق، وأثبتت لحلفائها السوريين والفلسطينيين، وكذلك لأعدائها الأمريكيين والإسرائيليين، قدرتها على شن حروب عبر وكلائها، وبالتالي تقويض مساري أوسلو ومدريد للسلام. ومن المفارقات، أن وقف إطلاق النار واستمرار أنشطة حزب الله يتوافقان تمامًا مع الأهداف الأمريكية المتمثلة في الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات لسوريا، وتشجيع سوريا على التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل (يتبع). إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

خطاب 17 نيسان يجب أن لا يبقى حبراً على ورق
بقلم
خليل حلو
نُشر
أبريل 18, 2026 - 20:58

في لبنان، أعاد وقف إطلاق النار الذي أعلنه دونالد ترامب، والذي دخل حيز التنفيذ ليلة الخميس إلى الجمعة، وخطاب رئيس الجمهورية جوزيف عون للأمة يوم الجمعة، والذي لاقى ترحيباً من قبل الشخصيات السيادية والعديد من كتاب الأعمدة، إحياء أمل الجمهور. سارع حزب الله إلى انتقاد الخطاب الرئاسي بشدة، ووصل الأمر إلى حد التهديدات، على الرغم من أن اسمه لم يذكر صراحة فيه ولو لمرة واحدة. ومع ذلك، يذكر هذا الخطاب، الجدير بالثناء في حد ذاته، بالخطاب الافتتاحي في 9 يناير 2025، والذي لم يتم تنفيذه بعد. سيدعو دونالد ترامب الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض لإجراء مفاوضات مباشرة. تبدأ المحادثات بين الأطراف المتحاربة دائمًا بمواقف متناقضة، يليها عادةً حل وسط. يكون هذا الحل عادةً لصالح الطرف الأقوى ولكنه يقدم ضمانات للطرف الأضعف، عندما تكون هناك إرادة حقيقية للحل. قبل الخوض في التكهنات حول نتائج المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المتوقعة، يجدر التذكير بمحادثات السلام الإقليمية السابقة. مصر في سلام مع إسرائيل منذ 48 عاماً والأردن منذ 32 عاماً. في وقت توقيع اتفاقيات السلام، تعرضت الدولتان لجميع أنواع الشتائم من قبل الدول التي زعمت أنها تنتمي إلى «جبهة الرفض». تراوح اتفاقيات أوسلو الفلسطينية الإسرائيلية مكانها منذ 33 عاماً، بسبب نقص الإرادة الإسرائيلية والانقسامات الفلسطينية. تعمل اتفاقيات أبراهام للتطبيع، الموقعة من قبل الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب مع إسرائيل، بشكل جيد للغاية على الرغم من حرب غزة التي اندلعت بسبب هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. ومع ذلك، في أعقاب هذه الحرب، جمدت المملكة العربية السعودية فتح محادثات التطبيع مع إسرائيل. لقد حسبت سوريا بشار الأسد أن من مصلحتها عدم توقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل، والاحتفاظ بموقف متطرف، والتحالف مع إيران. كان للأسد أولويتان: من جهة، الحفاظ على نظامه وتأمين خلافته لابنه؛ ومن جهة أخرى، الحفاظ على سيطرته على لبنان. وقد رأى أن السبيل الوحيد لتأمين هذه الأهداف هو عدم الانخراط في سلام قد يهدد نظامه، الذي، إذا حُرم من حالة العداء مع إسرائيل، لن يتمكن بعد الآن من تبرير سيطرته على لبنان ولا قمعاته الداخلية. إن الرغبة في التوصل إلى اتفاق سلام من الجانبين هي مفتاح نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المستقبلية. وهذا السلام سيحرم حزب الله من خطابه «المقاوم» ومن شرعية هيكله الميليشياوي. يجب على التشكيل الموالي لإيران أن يغير خطابه وربما يتخلى عن سبب وجوده. وبالتالي، لا ينبغي توقع أن يقدم تنازلات. علاوة على ذلك، فإنه يعلن بوضوح أنه لا يريد مفاوضات ولا سلام. فماذا سيفعل لبنان خلال محادثات واشنطن؟ من الواضح تمامًا أن هناك نقطة مشتركة بين لبنان وإسرائيل: تفكيك ميليشيا حزب الله. من الناحية الجيوسياسية، هذا يعني نهاية الهيمنة الإيرانية التي تمارس منذ 44 عامًا على شرق البحر الأبيض المتوسط. لكن هذا لن يكون سهلاً. في هذه الحالة، كيف ستحل السلطة اللبنانية هذه المشكلة؟ لقد أعلن الشيخ نعيم قاسم بالفعل موقفه، مؤكداً بصراحة أنه سيواصل المقاومة حتى الرمق الأخير، وسيستمر في رفض تسليم أسلحته قبل الانسحاب الإسرائيلي ووضع استراتيجية أمن قومي (للاحتفاظ بأسلحته تحت مسمى آخر). هل طرح الرئيس ومستشاروه، و/أو مجلس الوزراء، مشكلة حزب الله على طاولة النقاش بنهج متعدد الاتجاهات؟ هل وضعوا استراتيجية عسكرية وأمنية ودبلوماسية واقتصادية واجتماعية... استراتيجية متكاملة كما تتطلبه أي عملية بهذا الحجم؟ هل هناك عمل جماعي في هذا الاتجاه؟ أم سيتسترون خلف جيشنا، كما يفعلون منذ أغسطس 2025؟ يجب العلم أن الحرب التي شنها حزب الله لدعم إيران والتي توقفت للتو بوقف إطلاق النار الحالي، هي الخامسة بين هذا التشكيل وإسرائيل منذ عام 1993. وبالتالي، يتمتع حزب الله بخبرة 33 عامًا في كيفية الاستفادة من الهدن لإعادة تنظيم صفوفه، وإعادة تسليح نفسه، والتراجع عن التزاماته بتسليم أسلحته، كما فعل في قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006 ووقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024. إذا تعثرت محادثات السلام اللبنانية الإسرائيلية، فيجب أن نستعد للأسف لحرب سادسة من هذا النوع، وستكون مدمرة بنفس القدر، إن لم يكن أكثر. لم يتمكن ولاية الرئيس إلياس الهراوي من مواجهة حزب الله. أما ولايتي إميل لحود وميشال عون فقد منحتا كل الدعم لهذا التنظيم. وحده الرئيس ميشال سليمان اقترح خارطة طريق لاستعادة سيادة الدولة، مع إعلان بعبدا (يونيو 2012) كنقطة انطلاق، والذي سرعان ما تم إفشاله وشلّه من قبل حزب الله والتيار الوطني الحر (ميشال عون) والحزب الديمقراطي اللبناني (طلال أرسلان). وقد اتهم الرئيس سليمان بكل الشرور من قبل منتقديه، في سياق حملة إعلامية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. لطالما اعتبر حزب الله الدولة قشرة، تستخدم كغطاء قانوني مزخرف، لكنها تظل تحت رحمته. يجب على المفاوضين اللبنانيين في محادثات السلام أن يقدموا حلولاً موثوقة لهذه المشكلة التي مضى عليها 44 عاماً والتي ساهم العديد من رجال السلطة الحالية في استمرارها. وبدون ذلك، ستأتي الحلول من الخارج كما كان الحال على مدى 50 عاماً. يجب أن يظهر حد أدنى من الجدية والمصداقية، وإلا فإن الخطاب الرئاسي الصادر في 17 أبريل، الواعد ومصدر الأمل، قد لا يتبعه عمل وينتهي به المطاف كخطاب القسم.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2)
بقلم
خليل حلو
نُشر
أبريل 17, 2026 - 13:40

ستتيح هذه السلسلة من المقالات فهمًا أفضل للوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزةً الخطابات العاطفية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي لا تُحقق الغاية المرجوة، تاركةً للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. علاوة على ذلك، فقد آن الأوان لمواجهة خطاب المقاومة العقيم بجدية، لا بخطاب مضاد، بل بعمل جاد من خلال تعزيز سيادة القانون، التي لا يمكن إرساءها إلا من خلال السيادة. استعرض الجزء الأول الوضع الدولي والإقليمي الذي أدى إلى اتفاق الطائف وبداية صعود حزب الله إلى السلطة. يُبين هذا الجزء الثاني كيف استمرت ميليشيا حزب الله في الوجود وتعزيز قوتها تحت رعاية مزدوجة من سوريا وإيران. يهدف دمشق إلى تعزيز موقفها على طاولة مفاوضات السلام مع إسرائيل، بينما يهدف طهران إلى تقويض أي محاولة للسلام بين إسرائيل من جهة، وسوريا ولبنان من جهة أخرى. الجزء الثاني : تنفيذ اتفاق الطائف صاغ اللبنانيون أنفسهم اتفاق الطائف، الموقع في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1989، ولا سيما بنوده المتعلقة بالإصلاحات الدستورية الداخلية. وكان هذا الاتفاق ثمرة جولات عديدة من الحوار بين الأطراف اللبنانية، جرت على مراحل منذ عام 1976. وقد غيّر هذا الاتفاق موازين القوى بين الطوائف في البلاد، ومنح مجلس الوزراء صلاحيات أوسع على حساب رئيس الجمهورية. علاوة على ذلك، كان الوثيقة الوحيدة التي هدفت إلى إنهاء الحروب التي كانت تعصف بالبلاد. بل إنه نصّ صراحةً على تفكيك الميليشيات المسلحة. ومع ذلك، فقد سلّط خبراء القانون الدستوري الضوء، ولا يزالون يسلطون الضوء، على العديد من أوجه القصور الدستورية التي خلّفها الاتفاق. ولم تكن هذه هي أوجه القصور الوحيدة، إذ تضمن الاتفاق عيبًا آخر أكثر أهمية، ولكنه الآن لاغٍ: وهو الاعتراف الضمني باحتلال حزب البعث السوري للبنان، بموافقة الدول العربية والمجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة. كانت واشنطن قلقة بشأن استقرار لبنان، ورأت أن هذا الاستقرار لا يمكن ضمانه إلا من خلال نظام دمشق، حتى لو كان ذلك على حساب قمع الحريات. كان من الضروري، في نظرها، تمهيد الطريق لاتفاقية سلام بين إسرائيل وسوريا، ثم ضم لبنان، الذي كان خاضعًا للاحتلال السوري. عندما غزت قوات الرئيس العراقي صدام حسين الكويت في أغسطس/آب 1990، بعد أشهر قليلة من توقيع اتفاقية الطائف التي عارضتها حكومة الجنرال ميشال عون، أصبح استقرار لبنان أولوية قصوى ليس فقط للداعمين العرب للاتفاقية، بل وأكثر من ذلك للأمريكيين، الذين لم يعودوا يرغبون في تشتيت انتباههم بلبنان، وأرادوا التركيز على أزمة الكويت. في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990، حصلت دمشق على موافقة عربية ودولية لغزو الجزء اللبناني الذي لم تكن تسيطر عليه، مقابل الانضمام إلى التحالف المناهض لصدام والمكلف بتحرير الكويت. وباستغلال سيطرته شبه الكاملة على لبنان، نفّذ حافظ الأسد اتفاقية الطائف بشكل انتقائي فقط، وفقًا لاحتياجاته لترسيخ احتلاله للبلاد. وهكذا، عيّن النظام السوري إلياس الهراوي ثم إميل لحود رئيسين للدولة، كلٌّ منهما لمدة تسع سنوات، في مخالفةٍ لأحكام الدستور. وخلال فترة رئاستهما، تمتع حزب الله بحريةٍ غير مسبوقة، وكثّف من تسليحه من إيران عبر سوريا. ولم يكن لرئيسي الوزراء والوزراء المتعاقبين في عهد الهراوي ولحود أي سلطة على الشؤون العسكرية والأمنية، إذ كانت هذه الأمور حكرًا على السوريين، الذين تمثّلت استراتيجيتهم في ممارسة ضغطٍ شديد على إسرائيل من لبنان، عبر حزب الله، الذي كان يعمل بحرية في جنوب البلاد وفي سهل البقاع. الخطوة الأولى: تفكيك الميليشيات باستثناء حزب الله خلال عام ١٩٩١، وبعد غزوهم، حرص السوريون على تفكيك الميليشيات الخارجة عن سيطرتهم. ولم يُمنح حزب الله حصانةً من اتفاق الطائف فحسب، بل شجّعته دمشق ودعمته أيضًا لشنّ حرب عصابات ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل جزءًا من جنوب لبنان. كان الهدف هو الضغط على تل أبيب لتحسين موقف حافظ الأسد في مفاوضات السلام مع إسرائيل، التي بدأت عقب مؤتمر مدريد الذي عُقد في العام نفسه. من جانبها، دعمت طهران حزب الله لترسيخ وجودها على الساحة اللبنانية، والتغلغل في الدولة اللبنانية، وإضعافها، وتصدير ثورة الخميني، وفقًا للدستور الإيراني. تجدر الإشارة إلى أن هذا الدعم المزدوج ابقى نفوذ حزب الله حتى انسحاب القوات السورية من لبنان في 26 أبريل/نيسان 2005. ومنذ ذلك الحين، أصبح حزب الله تحت وصاية إيرانية في المقام الأول، وقد تعزز هذا النفوذ ولا يزال مستمراً حتى اليوم. المرحلة الثانية: حرب الأيام السبعة بين حزب الله وإسرائيل اشتدّت حرب العصابات التي شنّها حزب الله ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي وحليفها جيش لبنان الجنوبي في عامي 1992 و1993، تحت شعار "المقاومة". وفي 25 يوليو/تموز 1993، ردّت إسرائيل بشنّ أول حرب كبرى لها ضد حزب الله، والتي أُطلق عليها اسم "عملية تصفية الحسابات"، والمعروفة أيضاً باسم "حرب الأيام السبعة". انتهت هذه الحرب في 31 يوليو/تموز 1993، تحت ضغط من الولايات المتحدة، وتحديداً من وزير الخارجية وارن كريستوفر. تمثّلت أهداف إسرائيل في تدمير البنية التحتية لحزب الله، وقطع إمداداته، والقضاء عليه في منطقة جنوب لبنان، والضغط على الحكومة اللبنانية بتهجير المدنيين إلى بيروت. انتهت هذه الحرب التي استمرت سبعة أيام باتفاق غير مكتوب بين الجانبين، عُرف باسم "اتفاق يوليو"، ينص على عدم استهداف المدنيين من كلا الجانبين، مع استمرار العمليات العسكرية ضد الأهداف العسكرية لدى كلا الجانبين. منذ بداية الأعمال العدائية، تدخلت واشنطن سريعًا للتوسط في هذا الاتفاق، سعيًا منها لإبقاء سوريا ضمن عملية السلام في مدريد. ورأت إدارة الرئيس جورج بوش الأب أن الاستخدام المفرط للقوة من جانب إسرائيل عاملٌ قد يُجبر سوريا على الانسحاب من المفاوضات. أسفرت "عملية تصفية الحسابات" عن مقتل 120 مدنيًا لبنانيًا وإصابة 500 آخرين، ونزوح 300 ألف شخص، وتدمير وإلحاق أضرار بآلاف المباني. بلغت خسائر حزب الله عددًا غير محدد من القتلى، ودُمرت عشرات المواقع القتالية. أما إسرائيل، فقد خسرت جنديين ومدنيًا واحدًا. (يتبع) إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

توقعات وغموض: إلى أين ستؤدي حرب إيران؟
بقلم
خليل حلو
نُشر
أبريل 2, 2026 - 18:29

في هذا الأسبوع الخامس من الحرب الإيرانية، تبدو تصريحات الرئيس ترامب مبهمة. وكذلك تصريحات القادة الإيرانيين. وحده الموقف الإسرائيلي واضح: الأولوية للمتطلبات العسكرية والأمنية. تأتي المعلومات الواردة من مسرح العمليات، والتحليلات الاجتماعية والسياسية في الدول الثلاث المتحاربة، بشكل رئيسي من الصحافة. وغالبًا ما تكون المصادر المذكورة منحازة، ولا تسلط الضوء إلا على جزء من الحقائق التي تخدم أطروحات مؤلفيها. يجب أن نلاحظ أن غالبية الصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة الغربية تركز بشكل أكبر على تكاليف الحرب، بدلاً من التركيز على حصيلتها الاستراتيجية التي لا يمكن أن تكون سياسية بحتة ولا عسكرية بحتة، بل يجب أن تشكل توليفة استراتيجية فريدة. يضع العسكريون استراتيجيتهم الخاصة موضع التنفيذ لخدمة الأهداف الوطنية. ويفعل صناع القرار الشيء نفسه على المستوى السياسي. يجب أن يأخذ تقييم هذه الحملة كل هذا في الاعتبار. يهمل بعض المحللين أن مسار الحرب يعتمد بشكل وثيق على الموارد العسكرية والاقتصادية لكل طرف متحارب. هذه تشكل المحدد الرئيسي للنجاح أو الفشل. تأتي الأيديولوجيا، والرغبة في القتال، والتحفيز، والتضامن الداخلي لكل طرف بعد ذلك. يعتبر المواطن الأمريكي أن الصراع العسكري المستمر يلقي بعبء على محفظته. تشكو بعض الشركات الأمريكية من الخسائر. والبعض الآخر، على العكس من ذلك، يحقق أو سيحقق أرباحًا. من المؤكد أنه بعد الحرب، سيتعافى الاقتصاد الأمريكي الذي يركز بشكل متزايد على القارة الأمريكية واستئناف التبادلات مع الصين، بسهولة، كما يراهن ترامب. تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن اللقاء المرتقب بين ترامب وشي جين بينغ، والذي تم تأجيله لبضعة أشهر، سيعقبه توقيع عقود ضخمة. قد تشتري بكين من واشنطن 600 طائرة بوينغ بقيمة 140 مليار دولار، وصويا بقيمة 20 مليار دولار، ناهيك عن النفط والغاز الأمريكيين، ورفع القيود عن شراء بكين للرقائق الإلكترونية من شركة Nvidia الأمريكية. في المقابل، قد تستورد الولايات المتحدة من الصين «العناصر الأرضية النادرة»، الضرورية لتصنيع أجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، والتي فرض عليها شي جين بينغ قيودًا صارمة، دون أن ننسى المنتجات الصينية منخفضة التكلفة المخصصة للمستهلكين الأمريكيين. على الصعيد العسكري، تتجنب واشنطن وستتجنب بعناية أي غرق أو حرب استنزاف، التي أشار إليها خصوم ترامب بشكل خاص، على غرار حروب فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث حاولت الولايات المتحدة، دون نجاح، تغيير الأنظمة. الخسائر الأمريكية، البشرية وفي المعدات العسكرية، ضئيلة نسبيًا حتى الآن، والموارد العسكرية والاقتصادية بعيدة كل البعد عن النضوب. وقد حدد البنتاغون أيضًا أربعة إلى ستة أسابيع لتحقيق أهدافه، ولا يزال هذا الموعد ضمن الحدود المعلنة في البداية. أما إيران، فهي تمر بوضع اجتماعي واقتصادي كارثي. وقد تفاقم هذا الوضع في عام 2025 عندما كثفت واشنطن العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية، مما أدى إلى خنق الاقتصاد الإيراني بشكل أكبر وتقليل تدفق الدولارات بشكل كبير من البنوك العراقية. ومن المرجح أن يتدهور هذا الوضع بشكل أكبر بعد الصراع. بالإضافة إلى ذلك، فإن هيمنة الحرس الثوري الإيراني الواضحة على الملالي والشخصيات الرئيسية في النظام، تزيد من استياء الأرتش (الجيش الإيراني النظامي)، الذي نجا حتى الآن من القصف الإسرائيلي-الأمريكي، وكذلك من الإصلاحيين مثل الرئيس مسعود بيزشكيان، والأقليات الكردية والبلوشية والعربية والأذرية، التي لا تطلب سوى التحرك عسكريًا. هذه الخلافات قد تؤدي إلى تطرف الحرس الثوري داخل البلاد. ستحتاج إيران إلى عقدين على الأقل للتعافي. باختصار، فشل استراتيجية الحرس الثوري على المستوى الإقليمي خلال العقدين الماضيين واضح: فقد كلفت مئات المليارات من الدولارات دون جدوى. إيران في حالة خراب. قبل اندلاع الصراع، كانت الجمهورية الإسلامية تمتلك أكبر وأكثر ترسانة من الصواريخ والطائرات بدون طيار تنوعاً في الشرق الأوسط، تتميز بتطور نحو صواريخ باليستية تعمل بالوقود الصلب، وبالتالي قابلة للانتشار بسرعة، وعالية الدقة، ومخزونات هائلة من الذخائر المتسكعة بعيدة المدى. وفقًا للتقديرات، كانت إيران تمتلك مخزونًا يتراوح بين 2000 و 3000 صاروخ باليستي بعيد المدى (2000 كم) وقصير المدى (300 كم)، بما في ذلك صواريخ فتاح فرط صوتية , قادرة على الوصول إلى سرعات تتجاوز 10 ماخ، وصواريخ خرمشهر بعيدة المدى بحمولة تزيد عن طن، قادرة على حمل رؤوس حربية متعددة وقد أظهرت فعاليتها. كما كانت تمتلك حوالي 480 قاذفة صواريخ متحركة. وقد أنتجت إيران بكميات كبيرة عشرات الآلاف من الطائرات الانتحارية بدون طيار، وخاصة طائرات شاهد-136 الشهيرة، بمدى تشغيلي يتراوح بين 1500 و 2500 كيلومتر. لقد زودت هذه الترسانة بقدرات صينية دقيقة، مما سمح بضرب هوائيات الرادار الأمريكية، مما أدى إلى تدمير حوالي سبعة رادارات أمريكية متطورة وفتح ثغرة في الدفاعات الصاروخية. وأخيرًا، استثمرت إيران بكثافة في منشآت الإنتاج والتخزين تحت الأرض لتأمين ترسانتها، مما يجعل تدميرها بالكامل من الجو أكثر صعوبة. استهدفت استراتيجية الحرس الثوري الإيراني قدرة على إغراق الأهداف، بهدف إرباك أنظمة الدفاع، وقد نجحت جزئيًا فقط نظرًا لأن معدل النجاح في إصابة الهدف أظهر نجاحًا بنسبة 5 إلى 10%. وقد انخفضت هذه القدرات بمقدار الثلثين بعد شهر من الصراع، وفقًا للأمريكيين والإسرائيليين. وهي مستمرة في التناقص. يستعد البنتاغون في الأيام المقبلة لحملة برية طويلة الأمد، مع نشر آلاف الجنود الأمريكيين الإضافيين، كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست وشبكة سي بي إس. تستعد الوحدات الأمريكية النخبوية، ولا سيما قوات نافي سيلز، والرانجرز، ومشاة البحرية (المارينز)، والفرقة 83 المحمولة جوًا، وتوفر لواشنطن خيارات مرنة لعمليات محتملة داخل إيران، تهدف إلى إبادة ما تبقى من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وكذلك البرنامج النووي. حذرت صحيفة طهران تايمز من أن الخطة الأمريكية ستبدأ باستهداف اغتيالات لكبار المسؤولين، كما حدث في بداية الصراع العسكري، تليها ضربات ضد البنى التحتية الاستراتيجية. ستشمل المرحلة البرية لاحقًا آلاف المقاتلين المحليين، الإيرانيين وغير الإيرانيين، قادمين من الشمال الغربي، وربما من الأكراد، مدعومين بـ 5000 جندي أمريكي موزعين بين البحرين والمحاور البحرية، مع نشر حاملة الطائرات الثالثة. ولا تزال نفس المصادر تشير إلى أن المارينز والمظليين سيقتحمون المطارات في مدينة بندر عباس الساحلية ومدن أخرى، لتسهيل الجسور الجوية، بينما ستضرب الفرق المحمولة جوًا المواقع المتعلقة بالصواريخ والبرنامج النووي. هذه التأكيدات من طهران تايمز تعني أن إيران تستعد لمواجهة هذه الخطة. في هذه الأثناء، تستمر الضربات الأمريكية والإسرائيلية بفضل السيطرة الجوية، وتواصل تدهور الترسانة الإيرانية. بالنظر إلى كل هذا، الملاحظة هي كالتالي: الإيرانيون، على الرغم من انتكاساتهم العسكرية وخسائرهم الفادحة، لا يظهرون أي مرونة ورغبة في تقديم تنازلات استراتيجية. وبالتالي فإن النصر الأمريكي سيكون محدوداً على الصعيد العسكري، مع تحييد القدرة الإيرانية على الإضرار على المدى الطويل. في المقابل، وعلى الرغم من تأكيدات ترامب، لا يزال الحرس الثوري الإيراني صامدًا، مما يجعل اختراق المفاوضات مستبعدًا للغاية. وبالتالي تظل الاستنتاجات سابقة لأوانها بانتظار تطبيق أو عدم تطبيق الخيار البري الأمريكي.

الحرب في إيران: الوضع الراهن
بقلم
خليل حلو
نُشر
مارس 29, 2026 - 17:06

إلى أي اتجاه تتجه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى؟ هذا سؤال يُطرح يوميًا منذ اندلاع العمليات العسكرية، وقد أجاب عليه العديد من المحللين والسياسيين، الذين يلعبون دور العرافين، بتسرع ويقين. ومع ذلك، يجب توفير مجموعة من البيانات الملموسة، والتي يصعب الحصول عليها، من أجل الحصول على إجابات دقيقة لهذا التساؤل. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أننا غالبًا ما نخلط بين الرغبات والحقائق، ويصف المحللون أحيانًا أفكارهم الخاصة بدلاً من تحليل وقائع ملموسة. الاستخبارات العسكرية، سواء كانت أمريكية أو إسرائيلية أو إيرانية، أو حتى روسية وصينية، هي الوحيدة القادرة على تحديد وضع كل طرف على الأرض، مع العلم أنها في الماضي ارتكبت أحيانًا أخطاء جسيمة في التقدير. مجموعة البيانات التي يجب الحصول عليها لتقييم حالة كل طرف متحارب بدقة قدر الإمكان لا حصر لها، ومنها: خسائره الدقيقة؛ مخزونه من الذخيرة لكل معدة؛ خطة معركته ومرونتها؛ مسار عمله العسكري؛ أداء كل وحدة من وحداته المشاركة في الميدان؛ توفر وحداته القتالية الاحتياطية؛ الحالة الذهنية لصناع القرار على المستوى العسكري والسياسي الأعلى؛ وضعه الاقتصادي والمالي قطاعًا بقطاع؛ اعتماده على خطوط الإمداد، أو العكس استقلاليته من حيث الموارد (البشرية، الزراعية، الطاقوية، الصناعية، المالية، العسكرية...)؛ قدرته على الصمود؛ وضعه الاجتماعي والسياسي وضغوطه الداخلية؛ إرادته لمواصلة القتال؛ حالة إرهاقه ومهارته في تنفيذ المناورات العسكرية والسياسية. بيانات ديناميكية ستظل عملية جمع كل هذه المعلومات غير مكتملة وستتطلب استخدامًا ذكيًا للذكاء الاصطناعي لاستخلاص استنتاجات موثوقة. ومع ذلك، تبقى الحيطة واجبة فيما يتعلق بالتقييمات والتوصيات المقدمة لصناع القرار، سواء كانوا ترامب أو نتنياهو أو محمد باقر قاليباف. كل منهم محاط بالخبراء، ولكن كل منهم يمارس قيادته ضمن حدود لا يمكن التنبؤ بها دائمًا. يجب الإشارة أيضًا إلى أن هذه البيانات ديناميكية وتخضع لتغييرات ساعة بساعة. لذلك، من الصعب رسم صورة كاملة للوضع وتقديم توقعات دقيقة. يمكن سد الثغرات بخيال المحلل، والذي يعتمد بدوره على خبرته ومستوى خبرته واتجاهه الأيديولوجي وانتمائه السياسي. وبالتالي، قد تكون هناك ثغرات في تقديرات المحلل. وحدهم ذوو الخبرة والثقافة الكافية يمكنهم إصدار رأي موثوق، يتسم غالبًا بالحذر والتواضع، دون المبالغة أو التقليل من قدرات أي من الأطراف المتحاربة. علاوة على ذلك، قد يكون الاستعانة بدروس التاريخ مفيدًا. معركة ديان بيان فو (مارس 1954) هي مثال على ذلك، مع العلم أنها جرت في سياق مختلف تمامًا. لقد أسقط الفيتناميون الشيوعيون القاعدة العسكرية الفرنسية في ديان بيان فو، وكانت هزيمة مذلة لفرنسا. كان من المعروف جيدًا أن ديان بيان فو كانت ستُنقذ، وأن الفيتناميين بقيادة هوشي منه كانوا سيهزمون، لو تدخلت الولايات المتحدة بطيرانها ليوم أو يومين، لكن أيزنهاور اعتبر أن مثل هذا العمل كان سيدفع الصين إلى التدخل كما فعلت في كوريا قبل أربع سنوات. بالإضافة إلى ذلك، كان يعلم أن الشيوعيين يسيطرون أيديولوجيًا على السكان الفيتناميين ويسيطرون أيضًا على الريف. ونتيجة لذلك، كانت الحرب ستطول رغم تدخله. أسئلة جوهرية بناءً على هذا المثال، يمكننا ملاحظة الحقائق التالية فيما يتعلق بالحالة الراهنة: التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي لا يمكن إنكاره؛ لا الروس ولا الصينيون سيتدخلون إلى جانب إيران؛ الأمريكيون يشكلون تحالفًا دوليًا لضمان أمن مضيق هرمز لتقليل الضغط على الاقتصاد العالمي، على الرغم من الاستياء الأوروبي؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام طهران لا يسيطر على جميع سكانه، ناهيك عن المناطق الريفية في شمال وجنوب البلاد. في المقابل، قد تهدد عدم شعبية الحرب في الولايات المتحدة الجزء الثاني من ولاية ترامب. يُظهر النظام الإيراني صمودًا ظاهريًا رغم عدم شعبيته، وتشير تقارير صحفية إلى أن الشعور بالانتماء الوطني لدى الإيرانيين يحافظ على الحد الأدنى من التماسك تحت القصف. كل هذه البيانات المتاحة تفرض الحذر في التقييمات. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال عدد من الأسئلة بدون إجابات دقيقة، باستثناء ربما لدى أجهزة المخابرات العسكرية، ومنها: ماذا تبقى من القدرات العسكرية غير المتماثلة لدى الإيرانيين؟ إلى أي مدى يمكن لهذه القدرات أن تكون ضارة، مهما كانت ضئيلة؟ هل يساعد الروس والصينيون الإيرانيين أم لا؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هو حجم ونوعية هذه المساعدات، وما مدى فعاليتها في إطالة أمد الصراع؟ هل الوقت يعمل ضد الإيرانيين أم الأمريكيين أم كليهما؟ ما هي الحالة الذهنية الحقيقية للباسداران والملايين، والقيادة الأمريكية؟ ما مدى رغبة القتال في كلا الجانبين؟ ماذا عن وزن الضغوط الداخلية على صناع القرار في كل من الجانبين؟ ... الشكوك كثيرة. ومع ذلك، يمكننا تأكيد ما يلي: التوقع الأدنى هو أن النظام الإيراني سيُحرم بالتأكيد من الموارد التي كانت لديه لتوسعه الإقليمي، مما سيقلل بشكل كبير من قدرته على الإضرار، ولفترة طويلة. في أفضل الأحوال، ستغير طهران موقفها، وستسلم اليورانيوم المشع إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتوقف دعمها لأدواتها الإقليمية، وتوافق على الحد من طائراتها المسيرة وصواريخها الباليستية وصواريخ كروز. لا يمكن التنبؤ بسقوط النظام في المرحلة الحالية. بين هذه التوقعات المتطرفة توجد العديد من الاحتمالات، بما في ذلك تفكك إيران إلى كيانات عرقية على خلفية عدم الاستقرار و/أو الحرب الأهلية، مع امتداد ذلك إلى الدول المجاورة. لذلك يمكننا أن نسهب في الحديث عن هذا الموضوع في صفحات كاملة في غياب بيانات كاملة ودقيقة، ومع ذلك فإن العالم العربي ونحن أنفسنا سنشهد بالتأكيد أيامًا أفضل.

مذكّرة سياسية وعسكرية
بقلم
خليل حلو
نُشر
مارس 18, 2026 - 23:03

منذ فترة، تتهم شريحة واسعة من الرأي العام الجيش – و/أو قائده – بالتقاعس عن أداء واجبه، إن لم يكن التمرد على الحكومة التي طلبت منه تفكيك الترسانة العسكرية التابعة لحزب الله. بذلك، أصبحت المؤسسة العسكرية الهدف المفضل لبعض الصحافيين والمدونين وناشطي التواصل الاجتماعي، في حين أنها تلقى الإعجاب، بل وتكاد تُقدّس، من قبل نظرائهم في المعسكر المقابل. والمثير للسخرية وغير المقبول في آن، هو أن «محبّي» اليوم كانوا بالأمس يتهمون الجيش بكل الموبقات. فقد كانوا يعايرونه بـ«العمالة» لـ«الإمبريالية» الأميركية (وهي تسمية جاهزة يلصقها الغوغاء بكل ما لا يروق لهم)، وذلك في إشارة إلى التعاون العسكري بين لبنان والولايات المتحدة؛ علماً أنه لولا المساعدات الأميركية، لكان جيشنا خارج الخدمة، نظراً لهزالة ميزانية الدفاع. ينضم هؤلاء «المعجبون الجدد» بالمؤسسة العسكرية إلى صفوف المحبين الدائمين الذين يكادون يخنقون الجيش من فرط عناقهم له. أما أولئك الذين يشككون في الجيش في كل الظروف – وهم كثر – فيدّعون أنه لم يحمهم يوماً، متناسين سجلاً حافلاً من التضحيات يمتد لقرن من الزمن، لا سيما منذ ستينيات القرن الماضي. ويتذرع هؤلاء، بحق أحياناً، بحجج مثل السلوك العام لبعض العسكريين، أو المداخلات التلفزيونية لبعض المتقاعدين، وغيرها؛ إنهم يركزون على التفاصيل ويتجاهلون الجوهر عن سابق تصور وتصميم. لقد حول هؤلاء جميعاً الجيش اللبناني إلى «مادة إعلامية»، وهو أمر ضار على المستويات كافة. وبطبيعة الحال، فإن الإصلاح في مجالي الأمن والدفاع أمر ملح، إلا أن هذا يقع ضمن اختصاص السلطة التشريعية، صاحبة الصلاحية في هذا الشأن. لا ينبغي لجيشنا أن ينخرط في السياسة؛ ومع ذلك، فإن المآزق الوطنية وإفلاس السلطة وضعاه في بؤرة الاهتمام. وهكذا، فمنذ عام 1958 – وعقب «حرب أهلية مصغرة» في ذلك الحين – زُجّ بالعسكريين في المعترك السياسي، وهو ما لم يُعدّوا له على الإطلاق، وقليلون منهم فقط من يتأقلمون معه. وبالعودة إلى الجانب العملياتي للجيش، فإنه يتلقى، بالإضافة إلى المساعدات العسكرية الأميركية، دعماً من دول أوروبية وعربية. أما إيران، العزيزة جداً على قلب حزب الله وحلفائه الدائمين، وأولئك «الموسميين» (لحسابات انتخابية)، فلم يسبق لها أن قدمت عرضاً جاداً لمساعدة مؤسستنا العسكرية، رغم أن عقيدتها تقوم على الدفاع عن البلاد ضد أي عدوان، بما في ذلك العدوان الإسرائيلي. لم تقترح طهران سوى مساعدات عسكرية «سطحية» للجيش، بينما احتفظت بالمساعدات الجدية لحزب الله، لا سيما الصواريخ المضادة للدروع من الجيل الأحدث، والمسيرات، وصواريخ أخرى من أنواع شتى، فضلاً عن المساعدات المالية. غابت المؤسسة العسكرية عن الوجود الفعلي في جنوب لبنان منذ عام 1975، وهو ما أدى إلى الوضع الراهن. وقد فُسّر هذا الغياب بشكل خاص بإرادة الاحتلال السوري، لا سيما اعتباراً من عام 1990. فمنذ ذلك العام، كان الرؤساء المنصّبون في بعبدا خاضعين لدمشق التي منعتهم من فرض السيادة الوطنية في جنوب لبنان. وقد حرص الرئيس إميل لحود – الذي كانت تربطه علاقة صداقة وطيدة بنظيره السوري حافظ الأسد – مع حكوماته المتعاقبة، على منع القوات النظامية من الانتشار جنوباً بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان في 25 أيار 2000، وذلك بذريعة أن مزارع شبعا لا تزال محتلة، وبأن جيشنا لا ينبغي أن يلعب دور «حرس حدود» لإسرائيل. لكنه بهذا التصرف، سهّل انتشار حزب الله في تلك المنطقة، «بزعم» تحرير هذه المزارع، مما كبّدنا حرب 2006 المدمرة، والمقولة الشهيرة للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله «لو كنت أعلم». وبعد عام واحد، احتلت منظمة فتح الإسلام (وهي تنظيم منبثق عن القاعدة) مخيم نهر البارد الفلسطيني شمال طرابلس، وكانت تخطط لإقامة إمارة إسلامية في شمال لبنان، تدين بالولاء لأسامة بن لادن. عندما خاض الجيش مواجهته ضد «فتح الإسلام» – التي فجرت حافلة في عين علق بالمتن الشمالي موقعةً ضحايا مدنيين، ونفذت عمليات سطو على المصارف، وقتلت في غضون ساعة واحدة 29 من جنودنا – قال حسن نصر الله حرفياً: «المخيمات الفلسطينية خط أحمر». آنذاك، تجاوز الجيش هذا الإنذار وسحق التنظيم الإرهابي، مقدماً 170 شهيداً. وفي تلك الأثناء، كان حزب الله يحاصر السرايا ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة عبر اعتصام استمر لأشهر، في محاولة لـ«انقلاب أبيض». لاحقاً، في عام 2008، دفع المأزق السياسي بالعماد ميشال سليمان إلى سدة الرئاسة. وقد أنهى الأخير ولايته وهو مُتّهم بكل الموبقات من قبل حزب الله. فقد رفض ميشال سليمان الخضوع، على عكس سلفه، والأهم من ذلك أنه صاغ استراتيجية دفاعية تهدف إلى استعادة سيادة الدولة؛ وهو ما اعتُبر «خطيئة مميتة» لا تُغتفر في نظر الميليشيا، لأنها قد تؤدي إلى نهايتها. في عام 2016، نصب حزب الله وحلفاؤه، بعد تفاهم مع السياديين، ميشال عون في بعبدا. وقد حرص الأخير، منذ مطلع ولايته، على منع صياغة أي استراتيجية دفاعية كان سلفه، ميشال سليمان، قد طرحها على الطاولة؛ متذرعاً بأن الاستراتيجيات تتبدل، ولا جدوى من وضع واحدة. صرح لاحقاً في مناسبات عدة بأن الجيش عاجز عن الدفاع عن البلاد. وعندما اشتبكت القوات المسلحة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في معركة «فجر الجرود» صيف عام 2017، وخرجت منها منتصرة وكانت تستعد لشن الهجوم النهائي ضد التنظيم، أُجهض النصر الكامل بأمر من الرئيس عون؛ حيث جرى إجلاء مقاتلي داعش في حافلات نحو سوريا، إثر تسوية بين حزب الله والتنظيم. وبعد شهر واحد، في تشرين الأول 2017، صرح ميشال عون – الحليف الوثيق لحزب الله، وبطلب منه بالتأكيد – أمام الصحافة قائلاً: «إن وضع لبنان الاقتصادي لا يسمح بتجهيز الجيش، وهناك أسباب تمنع حصر السلاح في يده حصراً»، معتبراً أن «أي حل في الشرق الأوسط سيفضي إلى تسوية لمشكلة سلاح حزب الله». في الوقت الراهن، اتخذت السلطة مواقف «محمودة» فيما يخص استعادة السيادة؛ ومع ذلك، فإن القوات المسلحة لا تقوم بتنفيذها، نظراً لأن هذه المهمة تتطلب إشرافاً مستمراً من جانب السلطة التنفيذية، وهو أمر لا يزال غائباً. فالسلطة التنفيذية تواصل المماطلة أو تقترح مبادرات بائدة. وختاماً، يريد كل طرف أن تتطابق مهمة الجيش مع رغباته، ويستغلها كـ«مادة إعلامية»، سلباً أو إيجاباً، لتحقيق شهرة سياسية. إن المسؤول الحقيقي الذي يجب محاسبته يبقى السلطة التنفيذية – التي تضم مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية – فضلاً عن البرلمان، بانتظار أن يسمح رئيسه نبيه بري بذلك، وأن يحترم مبدأ فصل السلطات. أما مونتسكيو، فمن المؤكد أنه يتقلب الآن في قبره.

الحرب الإيرانية - الأميركية: كيف يمكن أن تنتهي؟
بقلم
خليل حلو
نُشر
مارس 12, 2026 - 12:57

غالبًا ما تغفل التحليلات جوهر الرهانات؛ فنحن إما نغرق في إفراط من الموضوعية مع افتقارٍ إلى الخيال، أو العكس تمامًا. وأحيانًا، نخلط بين تمنياتنا وبين الواقع. والحقيقة الثابتة هي أن أكثر الأحداث مأساوية، كما نهاياتها، لم يتوقعها قطّ أكثر المحللين تمرسًا. وحدهم قلّة من المستنيرين امتلكوا رؤية استشرافية، لكن نادرًا ما وجدت أصواتهم آذانًا صاغية في دوائر القرار العليا، الغارقة في التجاذبات السياسية والمالية والاقتصادية. المحفز للحربين العالميتين قلّة هم الذين توقعوا نشوب الحرب العالمية الأولى، إذ لم تكن لدى أي من الأطراف المتحاربة رغبة في خوضها، لاسيما بعد الاتفاقات وتقاسم نفوذ القوى العظمى في العالم آنذاك. وقد وصف المحللون تلك الحرب بـ«حرب الختام (Der des Ders)»، انطلاقاً من قناعتهم بأنها لن تتكرر أبداً، وأن ألمانيا قد خضعت بشكل نهائي. ولكن بعد عشرين عاماً، بسطت ألمانيا سيطرتها على أوروبا عبر حرب ثانية أكثر دماراً، وكادت أن تسيطر على العالم لولا التدخل الأميركي. لقد كان مفتاح النهضة الألمانية وتفوقها العسكري يكمن في التكنولوجيا. وينطبق التشخيص نفسه على عشية الحرب العالمية الأولى: فقد كان العالم في خضم ثورة صناعية وتكنولوجية أدت إلى ظهور أسلحة غير مسبوقة، لا سيما الدبابة، والطائرة المقاتلة، والأساطيل الحربية ذات الهياكل المعدنية بالكامل، والسفن الحربية التي تعمل بالنفط بدلاً من الفحم، والمدافع عديمة الارتداد، والبنادق شبه الآلية. وبدورها، أدت سباقات التسلح التي تلت ذلك إلى تحفيز نشوب الحربين العالميتين. القرن الحادي والعشرون: تقنيات التسلح في متناول الجميع أما من ناحية التسلح، فإن الوضع العالمي اليوم لا يختلف كثيراً عما كان عليه في بداية القرن الماضي، باستثناء أننا بتنا في عصر الطائرات المسيّرة، والصواريخ والقذائف الذكية على أنواعها، والرادارات عالية الدقة، والطائرات والصواريخ الخفية (الشبح)، والمنظومات الدفاعية المضادة للصواريخ، والأسلحة النووية، والروبوتات القتالية، والوسائل الكهرومغناطيسية، والتقنيات السيبرانية. ولم تعد هذه المعدات والوسائل حكراً على القوى العظمى، إذ باتت متوفرة اليوم لدى دول مثل أوكرانيا وكوريا الشمالية وإيران. وإن توفر هذه التكنولوجيات يشجع الأنظمة العدائية على أن تكون أكثر تحدياً، كما يمنح الدول الضعيفة نسبياً، مثل أوكرانيا، قدرة على الصمود والمقاومة في وجه قوى أكثر نفوذاً. لم يتوقع أحد هجوم حماس من غزة في تشرين الأول 2023. فبفضل صواريخها وطائراتها المسيّرة المصنعة محلياً، وآلاتها الطائرة المبتكرة بوسائل بسيطة، ومقاتليها المتمكنين تكنولوجياً، تمكنت الحركة من احتلال جنوب إسرائيل مؤقتاً. وعشية الحرب الحالية، كان من الواضح أن إيران لم تعد قادرة على الاعتماد على حلفائها الإقليميين، لا سيما حزب الله وحماس وميليشيات الحشد الشعبي العراقي، بعدما أضعفتهم حرب استمرت خمسة عشر شهراً مع إسرائيل. علاوة على ذلك، كان يُعتقد أن طهران باتت «خارج معادلة التأثير» بعدما لحقت بقداتها العسكرية والنووية أضرار جسيمة خلال «حرب الـ 12 يوماً» في حزيران 2025، خصوصاً وأنها كانت آنذاك منخرطة في مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي. تبدّدت هذه الافتراضات وظهر خطؤها؛ فبينما كانت إيران تفاوض، كانت في الوقت نفسه تعيد بناء مخزونها من الطائرات المسيّرة المصنعة محلياً، والتي أثبتت فاعليتها في أوكرانيا، فضلاً عن الصواريخ البالستية المتطورة، وصواريخ «كروز» عالية الدقة، والصواريخ فوق الصوتية(Supersonic) عابرة البحار والمضادة للسفن، والصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic)، وصواريخ ذات رؤوس متعددة يصل مداها إلى أكثر من 2000 كيلومتر. وهذا ما يعزز قدرة نظام الملالي على إغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة في الخليج العربي. في الثمانينيات من القرن الماضي، وخلال الحرب العراقية-الإيرانية، لم تتردد طهران في زرع ألغام بحرية في هذا المضيق، مما استدعى حينها هجوماً أميركياً مدمراً على بحريتها لضمان حرية المرور في الممر المائي. أما اليوم، فقد أثبت الحرس الثوري الإسلامي خبرته عبر اللجوء إلى مزيج معقد من تكنولوجيات رادارات المراقبة، والطائرات المسيّرة، والزوارق المسيّرة الانتحارية، والصواريخ بر-بحر، والغواصات القزمية (تمتلك إيران 18 منها على الأقل، وهي صعبة الرصد بشكل خاص)، والألغام البحرية التي ورد ذكرها في أحدث التقارير الأميركية. شرطان لإنهاء الحرب بات إغلاق طهران لمضيق هرمز يتبلور كواقع ملموس، على الرغم من التراجع الكبير في القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية. إلا أن الإيرانيين ما زالوا يحتفظون بإمكانات تكنولوجية كافية، وإن كانت محدودة، كالألغام والطائرات المسيّرة، لإغلاق المضيق. وبما أن إبقاء هذا الممر المائي مفتوحاً أمام الملاحة يمثل مصلحة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، فقد بلغت المواجهة مرحلة بات معها مستقبل الرئيس دونالد ترامب رهناً بقدرته على حماية هذه المصلحة؛ فإذا أعطى انطباعاً بأن إيران قد ردعته، فإن ذلك سيزلزل الأركان الجيوسياسية العالمية وسيتسبب بخضة سياسية كبرى داخل الولايات المتحدة. ثمة اعتبارات تكنولوجية أخرى ذات تداعيات جيوسياسية: فإيران، كما يشير مسؤولوها أنفسهم، لا تزال تحوز 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بعيداً عن أعين وسائل المراقبة الأميركية. كما يمتلك هذا البلد أجهزة طرد مركزي قادرة على تخصيب هذا اليورانيوم بنسبة 90%، ما قد يمهد الطريق لإنتاج سلاح نووي. إن الخطر هنا لا يكمن بتاتاً في إطلاق إيران قنبلة ذرية عبر صاروخ بالستي، بل يكمن في احتمال أن تعمد طهران – التي سبق ورعت عمليات إرهابية، وهي حليفة لميليشيات نفذت هجمات مماثلة، وتأوي وفق تقارير عدة ناشطين من تنظيم القاعدة –في لحظة يأس، إلى نقل هذه المواد المشعة إلى منظمات قد تستخدمها لتنفيذ نسخة جديدة من «11 أيلول» تكون أكثر تدميراً. هذه الاعتبارات تجعل من غير المرجح أن ينتهي النزاع نهايةً هزيلة أو مبتورة. فإيران تخوض معركة وجود وتشن حرباً نفسية لتعطي انطباعاً بالثبات وتحقيق النصر، في حين يتمسك الرئيس ترامب بمطلب الاستسلام الكامل لطهران. إن هذا الصراع لا يمكن أن ينتهي إلا بنصر حاسم للولايات المتحدة على طريقة «فون كلاوزفيتز» – وهو أمر مكلف بكل المعايير – أو عبر مفاوضات تُرغم إيران على التخلي عن موادها الانشطارية عالية التخصيب، وتفكيك قدراتها التي تهدد الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز. وفي غضون ذلك، تستمر رحى الحرب في الدوران، بينما تزداد إيران ضعفاً يوماً بعد يوم.

تخاذل الدولة، وجهٌ آخر للانتحار
بقلم
خليل حلو
نُشر
مارس 11, 2026 - 17:03

أسبوعٌ مضى على اندلاع حربٍ جديدة، هي الخامسة خلال أربعة وثلاثين عاماً، بين إسرائيل وحزب الله. حربٌ إضافية لم يُردها اللبنانيون يوماً، ولم يختاروها. فما كانت الاتفاقات التي أنهت الحروب الأربع السابقة سوى هُدناتٍ وظّفتها إيران وحزب الله من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، للاستعداد للجولة التالية، وذلك تحت أنظار نظام الأسد، أباً وابناً، وبمباركة رؤساء وحكومات لبنانية ارتهنت لقرار دمشق أو طهران، لا سيما في عهود الهراوي ولحود وميشال عون. لقد سدّد مناصرو حزب الله، طوعاً، فواتير هذه الحروب من لحمهم الحيّ، مستسلمين لخَدَرِ الأيديولوجيا، بينما سدّدها سائر اللبنانيين، كرهاً وقسراً، والدول العربية، التي غطّت تكاليف إعادة الإعمار لدوافع إنسانية وجيوسياسية. إنه السيناريو ذاته يتكرر منذ أربعة عقود: حربٌ، فوقف إطلاق النار، فخطاباتُ «نصرٍ» إلهي، فتآكلٌ في سلطة الدولة، فيما ينهمك الحزب في التحضير لحروبٍ لا تنتهي، وسط سيلٍ من الأكاذيب المتبادلة، وصولاً إلى اندلاع الحرب من جديد. وتقول الحكمة الشعبية في هذا السياق: «الحمار لا يتعثر بالحجر مرتين». ومما لا شكّ فيه، أن رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي يتولى رئاسة القوات المسلحة بموجب المادة 49 من الدستور، ومعه رئيس الحكومة نواف سلام، الذي تملك حكومته صلاحية تعيين قائد الجيش وسائر القيادات الأمنية والعسكرية، يمثلان اليوم أول سلطة تنفيذية منذ العام 1990 التي تحظى بتقاطع توازنات إقليمية ودولية تسمح باستعادة السيادة المفقودة منذ عام 1968. كما تستفيد هذه السلطة من التفافٍ محلي غير مسبوق، ومن فرص عربية ودولية ملموسة لم تتوافر لغيرها من قبل. في تشرين الثاني 2024، وبعد ثلاثة عشر شهراً من استنزاف الحرب، استجدى حزب الله وقفاً لإطلاق النار مع إسرائيل، وتصدّر نبيه بري مشهد المفاوضات. أما حكومة ميقاتي، فلم تجرؤ على قبول الترتيبات إلا بعد نيل «الضوء الأخضر» من الحزب. وهكذا، وفي مناورةٍ مكشوفة، أوحى الطرف الذي طلب الهدنة وكأنه يمنُّ بها بـ«كرمه»، مواصلاً في الوقت عينه التغني بانتصاراتٍ وهمية وحملة إنكارٍ تثير الذهول. ومنذ خمسة عشر شهراً، يقع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأعضاؤها في فخّ التلاعب الذي يمارسه حزب الله؛ إما عن درايةٍ وقصد، وإما لعجزٍ فاضحٍ ومقيت. فقد تنصّل الحزب، منذ اللحظة الأولى، من التزاماته بتطبيق القرار 1701، مغطىً بدعمٍ كامل من نبيه بري. لقد استغل «الحزب الإلهي» هذه الأشهر الخمسة عشر لإعادة تنظيم صفوفه بدعمٍ مباشر من الحرس الثوري الإيراني، كل ذلك تحت أنظار سلطة تنفيذية اختارت إما التغاضي أو العمى المتعمّد، من دون أي أسباب تخفيفية تشفع لها. ولم يكتفِ الحزب بذلك، بل استفاد أيضاً من «قصر نظر»القوى السيادية التي غرقت في وحل الحسابات الانتخابية، واستُنزفت في صراعاتها البينية على تقاسم الحصص والمقاعد النيابية؛ تلك المقاعد التي لم تُسمن ولم تُغنِ من جوع أمام زلزال الأحداث الاستراتيجية، وخير دليلٍ على ذلك الغياب المبهر للجنة الدفاع الوطني النيابية عن السمع. وها هي إعادة هيكلة الحزب تتبدّى اليوم للعيان وبكل وقاحة، وكأن عقارب الساعة توقفت منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024. وفي غضون ذلك، يدفع جيشنا الوطني ثمن تقاعس السلطة، بل ثمن تواطؤِ شريحةٍ واسعة منها مع حزب الله، ما يضع صدقية المؤسسة العسكرية ومستقبلها على المحك. أما تلك القرارات "الحازمة" التي اتُّخذت لنزع سلاح الحزب في آب 2025 – أي بعد ثمانية أشهر من تنصيب الرئيس جوزيف عون ونيل حكومة سلام الثقة – فقد تلاشت تدريجياً وذابت في رمال المماطلة؛ اللعبة المفضلة والمستترة التي يتقنها الحزب. لقد استغرقت قيادة الجيش وقتاً طويلاً لعرض خطتها في منطقة جنوب الليطاني، ثم جاء التنفيذ مَشوباً بالتسويفِ والمماطلة. واليوم، فقدت هذه الإجراءات صدقيتها بالكامل مع عودة المواجهات بين حزب الله وإسرائيل إلى ما كانت عليه سابقاً في تلك المنطقة. وأمام هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال جوهري: لقد بارك رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء الخطة وآليات تنفيذها في الجنوب، ولم يبديا أي تحفظ أو ملاحظة على المواعيد والجداول الزمنية، رغم وضوح التحذيرات الدولية من مغبة إعادة تنظيم صفوف الحزب، ورغم المؤشرات الجلية لضيق ذرع إسرائيل. لكن، وللأسف، سادت حالة من الصمم العضال. وبطبيعة الحال، أضحت الخطط المتعلقة بشمال الليطاني أضحوكة سمجة، ما لم تحدث معجزةٌ ما. وأمام هذا المشهد القاتم، من المسؤول؟ أهو رئيس الجمهورية؟ أم رئيس الحكومة؟ أم مجلس الوزراء مجتمعاً؟ أم السلطة التنفيذية برمتها؟ أم جيشنا الوطني؟... لا بد من التأكيد هنا على أن السلطة الإجرائية تملك الصلاحيات المطلقة فوق القوات المسلحة، غير أن العادة السيئة في لبنان منذ عام 1968، تقتضي دوماً تحميل المؤسسة العسكرية تبعات تقاعس السلطة السياسية وانغلاق أفقها. هكذا كان المشهد في عام 1973، حين دفع ضباط منطقة الجنوب ثمن المواجهات بين الجيش ومنظمة التحرير الفلسطينية في صيدا بنقلهم من مراكزهم. وفي عام 1975، أدى شلل السلطة التنفيذية والانزلاق نحو الحرب الأهلية إلى الإطاحة بقائد الجيش آنذاك، العماد إسكندر غانم. وفي عام 1984، تكررت المأساة؛ إذ انتهت المعارك بين الجيش من جهة، وميليشيات حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وجيش التحرير الفلسطيني وجيش الاحتلال السوري من جهة أخرى، بإقالة قائد الجيش العماد إبراهيم طنوس... وبالعودة إلى واقعنا الراهن، الذي لا يشبه أياً من المحطات السابقة، نجد أنفسنا أمام انقسامٍ عمودي حاد يضع حزب الله وبيئته في كفة، وسائر اللبنانيين في الكفة المقابلة، فيما يواصل نبيه بري وحركة أمل سياسة المراوغة. وأمام هذا المشهد، لا خيار ثالث: إما الركون إلى التقاعس المعهود وإمّا المبادرةُ إلى القرار. في حال التقاعس، ستتحول السلطتان التنفيذية والتشريعية إلى مجرد ديكور باهت، ولن يعود لديهما ما تتفاوضان عليه مع المحافل العربية والدولية، وبالتأكيد ليس مع إسرائيل. أما إذا قررت السلطة التنفيذية الخروج من غيبوبتها والإقدام على الفعل، فإن الحاضنة العربية ستلقي بثقلها خلف أي قرار يُتخذ، لا سيما وأن إيران باتت تستهدف الدول العربية استراتيجياً. كما أن الدعم الأوروبي والأميركي سيكون مضموناً بلا أدنى شك؛ وهو أمرٌ نادر الحدوث، إذ تطغى التباينات بين واشنطن والاتحاد الأوروبي على كل ملفات العالم، وتتلاشى فقط حين يتعلق الأمر بلبنان. فعندما تحسم السلطة التنفيذية خيارها بلا مواربة، ويمارس رئيس الجمهورية دورَه الفعلي كقائدٍ أعلى للقوات المسلحة، وعندما تمسك السلطة الإجرائية بزمام المبادرة من خلال المجلس الأعلى للدفاع، مواكِبةً أدق تفاصيل تحركات المؤسسة العسكرية بصفة يومية، حينها سيلتزم الجيش بالتنفيذ كما دأب دائماً منذ عام 2000. فمتى توفر الغطاء السياسي الصريح للمهمة العسكرية، ولو من دون إجماعٍ شامل، ستكون النتائج ملموسةً ومحققة بلا ريب. أما لجنة الدفاع الوطني النيابية، فبمقدورها على الأقل ــ وحتى في غياب التوافق ــ أن تفعّل دورها الرقابي بمساءلة السلطة التنفيذية وقيادة الجيش على حد سواء، وتسمية الأمور بأسمائها لتحميل المسؤوليات لمن يتحملها فعلياً. إنَّ المبادرة إلى الفعل، بكل ما تحمله من مخاطر، تظل مغامرةً أقل كلفةً من الاستسلام للجمود، لا سيما حين تستعر نيران الحروب بين ديناصورات المنطقة. فخلال الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من حياد سويسرا وميل أغلبيتها نحو الثقافة الألمانية، إلا أنها أعلنت التعبئة العامة، ومنعت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية من استخدام أراضيها أو التواصل عبرها. لقد أرست سويسرا استراتيجية عسكرية دفاعية حصينة في المعقل الجبلي الذي يمثل قلب البلاد. استراتيجيةٌ كهذه ممكنةٌ حتماً في لبنان، ومسؤولية اجتراحها تقع على عاتق السلطة التنفيذية لا العسكر. وفي هذا السياق، نستذكر قول جورج كليمانصو، الطبيب والصحفي الملقب بـ«النمر»، وصانع نصر فرنسا في الحرب العالمية الأولى: «الحربُ شأنٌ أخطر من أن يُترك للجنرالات!»