
الأمر الواقع الذي فرضه حزب الله بعد حرب 2006

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم أعمق للوضع الراهن على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات العاطفية والأيديولوجية والرومانسية التي تتجاوز الحقائق، تاركةً للقارئ استخلاص النتائج المناسبة.
كانت الأجزاء الثلاثة عشر السابقة إعادةَ قراءة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف وحتى التطبيق المنقوص للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006.
منذ انتهاء حرب الثلاثة والثلاثين يوماً عام 2006 مع إسرائيل، عكف حزب الله على إعادة بناء نفسه من حيث التسليح وإعادة الهيكلة وإعادة الانتشار. بمعنى آخر، تلقّى ضربةً موجعة خلال تلك الحرب، غير أنه أدهش إسرائيل بقدراته العسكرية، ثم تحوّل خلال العامين التاليين إلى قوة مسلحة حقيقية ذات ثقل إقليمي، وذلك بفضل أربعة عوامل: خبرته الميدانية المكتسبة، والدعم الإيراني، والجسر البري السوري (في عهد نظام الأسد) الرابط بين طهران وبيروت، والتسوية التي أبرمها أمينه العام حسن نصر الله مع الرئيس اللبناني آنذاك إميل لحود.
وهكذا، أُعيد تفعيل ممرات الإمداد اللوجستي القادمة من سوريا، مما أفضى إلى قفزة نوعية وكمية في ترسانة الميليشيا الموالية لإيران.
تشير بعض التقديرات إلى أن قدراتها الصاروخية تضاعفت عشر مرات، إذ ارتفع عدد صواريخها من نحو 15,000 صاروخ عام 2006 إلى ما يزيد على 150,000 قذيفة عام 2018، شاملةً ليس الصواريخ التقليدية فحسب، بل أيضاً صواريخ جديدة بمديات أطول لم تكن تمتلكها من قبل، في مقدمتها الصواريخ الدقيقة، ولا سيما فاتح-110 المُصنَّعة محلياً بتحويل الطرازات القديمة من صواريخ زلزال، وذلك بإضافة أنظمة توجيه أثناء الطيران وتحويل زعانفها الثابتة إلى زعانف متحركة، فضلاً عن اقتناء صواريخ مضادة للسفن دقيقة وبعيدة المدى، كصواريخ سيلك وورم الصينية ونسخها الإيرانية، وحتى صواريخ ياخونت الروسية التي يبلغ مداها 300 كيلومتر.
وانضافت إلى هذه الترسانة طائرات مسيّرة انتحارية، وأخرى حاملة للصواريخ، وطائرات استطلاع وما إلى ذلك، إضافةً إلى صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من نوع مانباد.
أما على صعيد إعادة الانتشار، فقد نقلت الميليشيا الشيعية بنيتها العسكرية إلى داخل النسيج العمراني وفي أحضان التجمعات السكنية.
باتت المدن والقرى الشيعية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت قلاعاً معقدة حقيقية تمزج بين الطابع العسكري والعمراني، مموّهةً بعناية فائقة، حيث يختلط المدنيون بالمقاتلين في نسيج يصعب فكّه، مما يجعل الخط الفاصل بين المقاتل وغير المقاتل خطاً يستحيل رسمه.
علاوة على ذلك، كثّف حزب الله لجوءه إلى منظمات مدنية واجهة لتأمين دوريات مراقبة مدنية، أبرزها منظمة «خضر بلا حدود» المسجّلة بوصفها منظمة غير حكومية تُعنى بحماية البيئة والتشجير.
وقد أدّت مراكز تقدّم هذه المنظمة ومشاتلها الواقعة على امتداد الخط الأزرق دوراً طويلاً في إخفاء البنى التحتية العسكرية ومستودعات الذخيرة والأنفاق القتالية لحزب الله.
وزيادةً على ذلك، وتحت ذريعة حماية ممتلكات خاصة أو مناطق تشجير، اعتاد أعضاؤها على إعاقة وصول مفتشي قوة اليونيفيل طوال العقدين اللذين أعقبا حرب 2006.
وأخيراً، حرص مسلحو حزب الله على التواجد بلباس مدني عند مداخل المواقع المموّهة والأنفاق.
القيود التي تعاني منها اليونيفيل
لم تكن اليونيفيل في نسختها الجديدة المعزّزة بموجب القرار 1701 تُقدّم منذ البداية أي حل لمسألة نزع سلاح حزب الله.
فهي ليست قوة ضاربة، إذ تعمل وفق الفصل السادس لا الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
رفض المساهمون الأوروبيون، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، أن يحلّ جنود القبعات الزرق محلّ الدولة في تنفيذ عمليات نزع السلاح بالقوة. فضلاً عن ذلك، لم يتح الانتداء الأممي إجراء عمليات تفتيش منهجية.
أفضى هذا الوضع إلى تعايش اليونيفيل مع حزب الله، لا بمعزل عن اتصالات غير مباشرة بين الطرفين عبر أجهزة الاستخبارات اللبنانية، ومن خلال الرؤساء البلديين والمنظمات غير الحكومية المنتسبة إلى حزب الله، ولا سيما بعد اندلاع الحرب في سوريا وتكاثر المقاتلين الإسلاميين على جانبَي الحدود اللبنانية السورية.
في هذا السياق، تعرّضت اليونيفيل خلال عام 2011 لثلاثة هجمات على الأقل أسفرت عن إصابة 16 عنصراً من الكتيبتين الإيطالية والفرنسية، ونُسبت إلى مسلحين مرتبطين بتنظيم القاعدة، لا سيما كتائب عبدالله عزام الفلسطينية المنبثقة من مخيمات الفلسطينيين في جنوب لبنان.
التداعيات السياسية لحرب عام 2006
على الصعيد السياسي، تجلّى الضغط الذي مارسه حزب الله وحركة أمل وحليفهما التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون، بعد ثلاثة أشهر فحسب من انتهاء حرب الـ33 يوماً، في شكل حصار مؤسسي هدف إلى إضعاف السلطة التنفيذية إضعافاً دائماً.
في نوفمبر 2006، استقال خمسة وزراء شيعة ينتمون إلى حزب الله وحركة أمل، إضافةً إلى الوزير المسيحي يعقوب الصراف المقرّب من الرئيس إميل لحود، محتجّين على غياب "الثلث المعطّل" (1) لصالحهم في مجلس الوزراء، ومعلنين عدم شرعية الحكومة.
أدى ذلك إلى إضعاف شرعية رئيس الوزراء فؤاد السنيورة وأجبره على الحكم من موقع ضعف. ومنذ ديسمبر 2006، أسهم إقامة اعتصام حاشد في وسط بيروت يحاصر السرايا الحكومية، وقرار نبيه بري بعدم انعقاد البرلمان، في شلّ الحياة التشريعية وعرقلة الاستحقاق الرئاسي المقرّر في سبتمبر-أكتوبر 2007، مما زاد في تعميق الاختناق السياسي.
في الوقت ذاته، حوّل عجز الحكومة عن تفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، التي وصفتها بالمخالفة للقانون، محاولةَ استعادة السيادة إلى ذريعة للنزاع.
وقد أشعل القرار الحكومي القاضي بتجريد هذه الشبكة من شرعيتها في 5 مايو 2008 ردّ فعل عسكرياً من حزب الله في 7 مايو 2008.
انقلاب السابع من مايو
في السابع والثامن من مايو 2008، سيطر حزب الله على مناطق واسعة من بيروت الغربية، وهاجم مكاتب تيار المستقبل، وحاصر رئيس الوزراء فؤاد السنيورة مجدداً بالقوة المسلحة في السرايا الحكومية، مُثبتاً أن أي محاولة لإضعاف الميليشيا الموالية لإيران عسكرياً ستفضي إلى انهيار النظام العام.
أمام شبح الحرب الشاملة وانهيار الدولة، تراجع السنيورة بموافقة الوزراء أنفسهم الذين طالبوا بتفكيك شبكة حزب الله السرية، فألغى المراسيم المتعلقة بها، وقبل تحت تأثير الوساطة القطرية اتفاق الدوحة المبرم في 21 مايو 2008.
اتفاق الدوحة
إثر انقلاب السابع من مايو 2008، استدعت قطر، التي انتصبت وسيطاً في النزاعات العربية والشرق أوسطية معلنةً قوتها الناعمة، الزعماء اللبنانيين إلى الدوحة.
أثمرت جهود الأمير عن اتفاق فرض تشكيل حكومة وحدة وطنية تمنح حزب الله "الثلث المعطّل" (1)، أي حق النقض (الفيتو) في مجلس الوزراء.
كذلك نصّ الاتفاق ذاته على تحريم استخدام السلاح لحسم الخلافات الداخلية، وهو البند الذي تكرّر في جميع الاتفاقيات اللبنانية-اللبنانية منذ عام 1975 حتى بات مجرد "طقس شكلي".
غير أن وضع سلاح الحزب الموالي لإيران جرى تحصينه بذريعة "مواجهة إسرائيل"، فأصبحت هذه المسألة بذلك من المحرّمات التي لا تُقرب.
في نهاية المطاف، لم يكن هذا «التسوية» مجرد خيار تكتيكي بسيط، بل كان نتيجة تشابك معقد من الضرورات العسكرية والسياسية، في مقدمتها الحاجة إلى فك الانسداد الدستوري، وتحقيق الاستقرار الأمني، والحفاظ على وحدة وطنية (في مظهرها لا في جوهرها)، إذ كانت هذه الوحدة غائبة فعلياً على أرض الواقع.
وهكذا، وجدت أولى الحكومات السيادية في مرحلة ما بعد الوصاية السورية نفسها مضطرة للإذعان للوقائع والأمر الواقع المفروض على الأرض.
ونتيجةً لذلك، واصل حزب الله رفع راية «المقاومة» لغرض واحد لا غير: تخويف خصومه والإبقاء على سيطرته على مفاصل القرار السياسي في لبنان بأقل تكلفة ممكنة.
(1) يعود مفهوم «الثلث المعطّل» (أو الثلث الضامن) داخل الحكومة اللبنانية إلى تفسير مثير للجدل للدستور اللبناني المعدَّل عام 1990 بموجب اتفاق الطائف. فهذا المصطلح لا يرد حرفياً في نص الدستور، غير أنه يرتكز على ركيزتين دستوريتين أساسيتين: أولاهما المادة 65 التي تشترط لاتخاذ القرارات المتعلقة بـ14 موضوعاً «أساسياً»، كقانون الانتخاب وتعديل الدستور، الحصول على أغلبية الثلثين من أعضاء مجلس الوزراء، مما يمنح أي تكتل يضم ثلث الوزراء زائداً واحداً حق النقض (الفيتو) تلقائياً. وثانيتهما المادة 69 التي تنص على الاستقالة التلقائية للحكومة بأسرها إذا تجاوزت استقالات الوزراء ثلث عددهم. وقد جرى تكريس هذه الآلية المؤسسية، التي صُمِّمت في الأصل لضمان ميثاق العيش المشترك، وتحويلها إلى شرط لا غنى عنه في تشكيل الحكومات، وذلك خلال اتفاق الدوحة في مايو 2008، حين تحوّل هذا الحصص الحسابي إلى شرط سياسي راسخ، مما أعطى حزب الله حق الفيتو في جميع الحكومات المتعاقبة منذ عام 2008 حتى عام 2025.