

في شباط/فبراير 2026، يشهد الخليج توتراً يوشك أن ينفجر.
في حركة عسكرية نادرة لم تشهدها المنطقة منذ الحرب الباردة، أكمل الأسطول الأميركي الخامس نشر قواته.
تتناوب أسراب القاذفات الاستراتيجية على القواعد الأمامية، بينما تواجه تل أبيب تشويشاً متقطعاً في إشارات نظام تحديد المواقع (GPS). وتتراوح الأخبار بين توقعات بـ«حرب عالمية ثالثة» وسرديات درامية عن «تحالف صيني‑روسي يتهيأ للدفاع عن طهران حتى الرمق الأخير».
يراقب العالم عبر شاشات الرادار الشرارة التي قد تشعل الصراع.
بعيدُا عن الضجيج الإعلامي، تبقى هذه المواجهة جديرة بالتحليل من منظور أكثر واقعية: نظرية الألعاب.
تُعنى نظرية الألعاب، وهي أحد فروع الرياضيات التطبيقية، بدراسة التفاعلات الاستراتيجية حيث تتوقف نتائج كل طرف على قرارات الآخرين. لا يتعلق الأمر بالأخلاق أو الخطاب، بل بالحوافز والقيود والتوازنات.
وعند النظر إلى الأزمة من هذا المنظور، تظهر أقل فوضوية وأكثر انتظاماً كنتيجة لتعديل قسري للديناميات الكلية.
النتائج الجيوسياسية
يشكّل تفعيل القوة العسكرية أكثر الوسائل بروزاً لتسوية المنازعات الجيوسياسية المثيرة للجدل. فمسألة «الهجوم أم التريث» هي في جوهرها مجرد اختيار لطريقة التسوية – بالوسائل العسكرية أو عبر التفاوض.
ومع ذلك، قد لا يغيّر ذلك النتائج الجيوسياسية.
لفهم التوازن الذي يسعى النظام الدولي لتحقيقه، لا بد من تحديد ما هو على المحك لكل طرف.
الولايات المتحدة
أهداف واشنطن واضحة:
– القضاء على القدرة النووية الإيرانية الحدية.
– تفكيك القدرات الصاروخية الهجومية المتوسطة والبعيدة المدى.
– إضعاف أو تفكيك شبكات الأذرع الإقليمية لطهران.
يمكن للولايات المتحدة التعايش مع نظام الملالي – بشرط أن يوقف سياساته المزعزعة للاستقرار الإقليمي وأن يزيل التهديد الوجودي الذي يشكّله لإسرائيل.
وقد كلف الانتشار العسكري الأخير في الشرق الأوسط مئات الملايين من الدولارات. ويجب الآن تحويل قدرة الردع المكتسبة إلى نتائج استراتيجية ملموسة. وتسعى واشنطن لتأمين الممرات الطاقية وتحرير الموارد والقدرات الاستراتيجية لإعادة توجيهها نحو منطقة الهند–المحيط الهادئ.
إسرائيل
بالنسبة لإسرائيل، المعادلة مسألة وجودية.
يشكّل البرنامج النووي الإيراني وبنيته التحتية الصاروخية خطاً أحمر. فكل قدرة نووية حدية متبقية تُفقد مصداقية الردع طويل المدى.
هدف إسرائيل ليس مجرد احتواء رمزي، بل تفكيك فعلي للقدرات التي قد تتيح التدمير الشامل.
الدول العربية الإقليمية
بالنسبة للدول الملكية الخليج والدول العربية الإقليمية، تكمن الأولوية في الحفاظ على الاستقرار.
تعتمد اقتصاداتها على صادرات الطاقة المستمرة وعلى أمن التجارة البحرية عبر مضيق هرمز. وأي حرب ستعرّض البنى التحتية الحيوية للخطر – من محطات النفط ومرافق تحلية المياه إلى المراكز المالية.
هدفها واضح وبسيط: منع التصاعد المنهجي للصراع.
الصين وروسيا
لدى بكين وموسكو أهداف أكثر دقة وتعقيدًا.
فهما لا ترغبان بأن تسيطر الولايات المتحدة بشكل مباشر على احتياطيات الطاقة الإيرانية، ولا ترغبان في أن يُمحى دور إيران أو تُدمج ضمن المجال الغربي.
تلعب إيران دورًا محوريًا على الصعيد الجيوسياسي:
– تستقطب الاهتمام العسكري للولايات المتحدة.
– تزود الصين بالنفط بأسعار منخفضة.
– تُرسّخ نفوذًا متعدد الأقطاب في المنطقة.
إن أصبحت إيران مُسالمَة تمامًا ومتوافقة مع الغرب، ستتمكن الولايات المتحدة التحوّل بشكل حازم نحو منطقة الهند–المحيط الهادئ، وهو السيناريو الذي تسعى بكين لتجنبه.
النظام الإيراني وحرس الثورة الإسلامية
بالنسبة لنظام الملالي وحرس الثورة الإسلامية، الهدف هو البقاء. فالبرنامج النووي والقدرات الباليستية ليست مجرد أدوات استراتيجية، بل أصول تمنح الشرعية، إذ تبرر احتكار حرس الثورة للموارد الاقتصادية والسلطة السياسية.
أي استسلام غير مشروط سيُفكّك البنية الداخلية للسلطة، وقد يثير تمردًا داخل صفوف الحرس.
الأذرع الإقليمية
يواجه حزب الله والحوثيون والجماعات الموالية الأخرى واقعاً أكثر قسوة: البقاء تحت وطأة الاستنزاف. فبدون دعم لوجستي وعسكري مستمر، تتدهور هذه القوى لتتحول من قوات شبه تقليدية إلى ميليشيات متجزئة.
كما ينخفض نفوذها الاستراتيجي بسرعة في غياب استمرار سلاسل الإمداد.
لماذا لا يمكن التوصل إلى «حل وسط شامل»
على المستوى الظاهر، قد يُتصوّر وجود صيغة بسيطة: نزع السلاح مقابل التطبيع الاقتصادي.
لكن عند النظر إلى الحوافز بعين الدقة، يصبح التوصل إلى إجماع سلس أمرًا بعيد المنال.
– لا يمكن للخامنئي توقيع أي وثيقة «تسلبه كل أدوات القوة» دون أن تثير معارضة في صفوف حرس الثورة.
– لا تستفيد الصين وروسيا من إيران مُسالمَة تقع تحت السيطرة الأميركية، إذ ستتمكن الولايات المتحدة من توجيه قواتها نحو آسيا.
– لا يمكن لحرس الثورة الإسلامية قبول نزع السلاح دون الحصول على تعويض مناسب.
لذلك، لا يمكن أن يتحقق التوازن على شكل سلام مطلق.
يجب أن يكون مضبوطًا بعناية.
التوازن المصوَّغ بدقة
أكثر الحلول منطقية للتقارب لا تكمن في استسلام كامل، بل في استئصال استراتيجي عالي الدقة – أي تقليص محدد لبعض القدرات مع الحفاظ على قدرات أخرى.
يستقر النظام الدولي حول ثلاثة محاور أساسية.
1 – تحييد القدرة النووية الحدية
لا مجال للغموض. لا يمكن السماح بأي سيناريو جزئي مثل «59.9%» على طريقة شرودنغر. تُفكك أجهزة الطرد المركزي عالية الأداء، وتُزال المخزونات المخصّبة من الأراضي الإيرانية، مع اعتماد آليات تحقق صارمة ولا رجعة فيها.
تحصل إسرائيل والولايات المتحدة على حماية فعلية، بينما تحتفظ إيران بسردية الاستخدام النووي المدني والسلمي.
2 – ضبط نطاق الصواريخ الباليستية
تم تدمير الصواريخ الباليستية متوسطة وطويلة المدى القادرة على الوصول إلى إسرائيل وأوروبا، بينما تم الإبقاء على الصواريخ المجنحة المضادة للسفن الساحلية.
يحافظ هذا على القدرة الدفاعية التكتيكية لإيران في مضيق هرمز، ويضمن عدم قدرة الأسطول الأمريكي الخامس على مغادرة ساحة العمليات بسهولة.
وبذلك، تحافظ كل من الصين وروسيا على موطئ قدم استراتيجي يبقي الانتباه الأميركي موجهًا جزئيًا إلى الخليج.
3 – تقليص قدرات شبكات الأذرع الإقليمية
تم قطع سلاسل توريد الذخائر الموجهة بدقة والروابط المالية.
يتحول حزب الله والجهات الفاعلة الأخرى من قوات إقليمية استراتيجية إلى كيانات محلية محدودة التأثير. وتحظى إسرائيل بأمن ملموس على الحدود، بينما تحافظ طهران على نفوذها الخطابي عبر رواية «محور المقاومة».
لماذا قد يوافق الحرس الثوري على هذا؟
يكمن الجواب في تبديل الأولويات الداخلية.
ترتكز الأنظمة الاستبدادية على آليات التعويض: عندما يتوقف التوسع الجيوسياسي الخارجي، يزداد استحواذ النظام على الموارد الداخلية.
مقابل التنازل عن الطموحات النووية وشبكات الأذرع الإقليمية، قد يحصل الحرس الثوري على:
– الحق في إدارة الأموال التي تم تحريرها.
– حقوق إدارة حصص صادرات النفط.
– توسيع احتكاراته الاقتصادية داخل البلاد.
ستكون التحوّلات جليّة: من زعيم حرب جيوسياسية إلى وصي أوليغارشي داخلي.
كما سيؤدي تخفيف العقوبات والإيرادات النفطية إلى كسب ولاء النخب.
«التوازن الزومبي»
لن تكون التسوية النهائية لهذه الأزمة على شكل انتصار أو هزيمة، بل على شكل ترتيب مستقر هيكليًا، لكنه غامض أخلاقياً –«توازن زومبي».
– تقضي الولايات المتحدة وإسرائيل على الخطر النووي الوجودي بشكل كامل.
– تحافظ الصين وروسيا على نقطة طاقة خارج النفوذ الغربي.
– ينجو النظام الإيراني، مركزاً اهتمامه على الداخل ومرتبطاً بمعاملات اقتصادية انتقائية.
تتوقف إيران عن كونها لاعبًا مراجعيًا يسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لتصبح موصلًا للطاقة ضمن نظام متعدد الأقطاب.
تُستخرج «أسنانها» – العتبة النووية، الصواريخ الاستراتيجية، وشبكات الهجوم المحيطية – بينما تبقي على «مخالبها» – الجهاز الأمني الداخلي والقدرة على حجب الحركة البحرية.
في هذه المرحلة، قد لا تهدف المقاتلات التي تقلع من حاملات الطائرات إلى تغيير النتيجة بقدر ما تهدف إلى تشكيل رافعة للتفاوض.
السؤال الأساسي ليس فيما إذا كانت الضغوط ستفرض تغييراً هيكلياً، بل فيما إذا كانت الأيديولوجيا ستُستبدل بالمصلحة بالبقاء، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوضع الاقتصادي والمالي الراهن لإيران سيؤدي على المدى الطويل إلى تراجع قوة النظام ثم انهياره.
لهذا السبب، فإن المفاوضات طويلة ومتوترة وتُدار بعناية فائقة.
ففي هذه اللعبة، يكون التوازن واضحًا من الناحية الرياضية، حتى لو بقي غير مُعَبَّر عنه سياسيًا.