شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

"​لبنان و"اليوم الذي يلي

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم إيلي الحاج
نُشر أبريل 9, 2026 - 22:25

​«متى تنتهي الحرب؟ أقول: حين نلتقي».

محمود درويش

​بطبيعتي متفائل. ولست مصفّحاً ضد الحزن. ولكن رغم سوداوية الحرب وبشاعتها، أعيش أكثر مراحل تفاؤلي هذه الأيام خلافاً لكثيرين. أعتقد أننا نعيش آخر حروب لبنان، وأفكّر في هدوء الليل بـ"اليوم الذي يلي الحرب". أفكّر بتعاطف إنساني، ومن دون لوم، بل بحياد تام، في الصدمة التي ستصيب بيوتاً تربّى أهلها على كراهية عميقة لإسرائيل وشعبها واليهود عموماً، من قوميين عرب، وقوميين سوريين، وشيوعيين، وإسلاميّين على تنوّع انتماءاتهم.

هؤلاء الذين لا يتحملون ذكر كلمة "إسرائيل"، فيسمّونها "الكيان الصهيونيّ" أو "الكيان المحتلّ والموقّت"، والذين فضّلوا في الماضي، وبعضهم حتى اليوم، أن يحرقوا لبنان إذا لم تتحرّر فلسطين، ورفعوا شعار "حرية العمل الفدائي الفلسطيني المسلّح على كل الأراضي اللبنانية"، فارضين على دولتهم القبول بالتنازل عن سيادتها من خلال "اتفاقية القاهرة" فداء لفلسطين. كيف سيتحملون واقعاً جديداً يتمثل في أن إسرائيل لن تخرج من لبنان هذه المرة إلا باتفاق شامل للسلام؟ وأن لا عودة إلى هدنة 1949، بل ترتيبات أمنية قاسية وصارمة تضمن أمن حدودها الشمالية إلى الأبد؟

ثمن باهظ سيضطرّ لبنان إلى دفعه لاسترداد أرضه

​أقول لمن يسألني هذه الأيام: عندما تحين ساعة التفاوض الحقيقي سيكون "البكاء وصريف الأسنان". هناك ثمن باهظ سوف نضطر إلى دفعه إذا أردنا استرداد أرضنا وأهلنا في الجنوب إلى الدولة اللبنانية.

​اقرأوا نص اتفاق الانسحاب الإسرائيلي لسنة 1983، الذي سمّيتموه تحقيراً "17 أيار" أو "اتفاق الذلّ والعار"؛ ذلك الاتفاق الذي أسقطتموه بانتفاضة 6 شباط 1984. أعيدوا قراءته وتمنّوا وصَلّوا أن تقبل إسرائيل بما يُشبهُه بعد الحرب. حدسي والمؤشرات أنها لن تقبل. هذه المرة لن تكتفي بانسحاب مشروط أو ترتيبات أمنيّة هشّة يمكن نسفها بعمليات انتحارية، ولن تكون الهجمات المتفرقة على مدى طويل ضد قوات احتلالها متاحة. فنظام الأسد لم يعد موجوداً كي يدعم "المقاومين" ويؤمّن خلفيّتهم، والنظام الثيوقراطي في إيران يتهاوى، والاتحاد السوفياتي لم يعد قائماً، والأرض خالية من سكانها خلافاً للسابق، وأهل الأرض هم المياه التي لا يعيش سمك المقاومة خارجها. ستطالب إسرائيل بضمانات دائمة، وبآليات مراقبة دولية حقيقية تشارك فيها ربما وتشرف عليها، أو تتنكب لهذا الدور جيوش الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية المناهضة للنظام الإيراني في أفضل الأحوال. وربما ستفرض الدول تغييرات جذرية في بنية الدولة اللبنانية نفسها، كي لا يتحول الجنوب، مرة أخرى، منصّة لإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل، وأرض أنفاق للانقضاض عليها.

​سيكتشف الذين بنوا هويتهم على "المقاومة الإسلامية في لبنان" أن النهاية جاءت، وأن "الخمينيّة" التي اعتنقوها إيماناً وأسلوب حياة أصبحت خارج الزمن، وعبئاً ثقيلاً عليهم وعلى عائلاتهم ولبنان برمّته، يستحيل حمله. سيواجهون واقعاً مريراً: أن فلسطين لم تتحرّر، بل إن لبنان دفع الثمن الهائل كاملاً، وإسرائيل لم تُهزم بل غدت قادرة على فرض شروطها. سيدرك اللبنانيون أن الذين أحرقوا بيروت مراراً، ودمّروا الجنوب مراراً، هم أنفسهم الذين يرفضون اليوم أي حلّ سياسي يحمي لبنان من تكرار الكارثة.

​لكن اليوم الذي أتحدث عنه ليس للانتقام أو الشماتة. إنه يوم اللقاء على اقتناع بأن الرهان على تحرير فلسطين على حساب وجود لبنان كان خطأً جسيماً. ما حصل أننا كنّا في مأساة فلسطين، فصرنا في مأساة فلسطين ولبنان معاً، ولم نربح سوى الدمار والوجع على الأبناء الذين انقصفت أعمارهم الفتيّة عبثاً. يومٌ يدرك فيه اللبنانيون أن السلام الذي ذهبت إليه دول عربية شقيقة ليس خيانة، بل هو أفضل الممكن، وأنه الخيار الوحيد الذي يحفظ ما تبقى من بلادنا ودولتنا. السلام الذي يعني حدوداً آمنة، ودولة قادرة على بسط سيادتها، واقتصاداً ينفتح بدل أن يُغلق تحت شعارات "الممانعة".

​سوف يكون ذلك اليوم بداية عهد جديد حقاً. عهد يخرج فيه لبنان من دائرة الحروب المتسلسلة واللامتناهية التي غذّتها أوهام "القضية المركزية" و"المقاومة المسلحة حتى الرمق الأخير" منذ سنة 1969. عهد يستعيد فيه اللبنانيون حقهم في الحياة الطبيعية: في بناء بيوتهم، وزرع أرضهم، وتربية أولادهم بعيداً عن دوي الانفجارات والغارات والصواريخ والخطابات النارية.

​ليس سهلاً على جيل تربّى على مبدأ أن "إسرائيل عدوّة إلى الأبد، وعلينا النضال بلا هوادة ومهما بلغت الخسائر لإزالتها من الوجود من النهر إلى البحر"، أن يستيقظ فجأة على واقع أن هذا "العدو" لن يرحل إلا بعد أن يوقّع اتفاقاً ثقيل الوطء يحميه. لكن التاريخ لا يرحم من يعيش في الماضي، واليوم الذي يلي الحرب سيكون، مهما طال الصراخ، يوماً لمَن اختاروا لبنان أولاً، سواء أبكروا أم تأخروا، كي يعيدوا البناء معاً ويبلمسوا جراح الوطن والنفوس.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل