شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حرب الشرق الأوسط: هل نتجه نحو التصعيد المفتوح؟

خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، تقاطعت جملة من المؤشرات الميدانية لتوحي بأن الحرب المستعرة بين إيران والمحور الإسرائيلي-الأميركي باتت على مشارف عبور عتبة جديدة من التصعيد، في منزلق خطير لم يبقَ لبنان بمنأى عنه. وفي اليوم الثالث عشر للعملية العسكرية التي أطلق عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب اسم «الغضب الملحمي»، اشتدت حدة التوتر بشكل ملحوظ على الجبهتين المزدوجتين، الإيرانية-الإسرائيلية واللبنانية-الإسرائيلية، مع تسجيل تزامن لافت في التحركات بين حزب الله وطهران. وجاء التصعيد الليلي في تبادل الرشقات الصاروخية بين طهران وتل أبيب، تزامناً مع إعلان حزب الله مساء الأربعاء انطلاق عملية «العصف المأكول» (في إشارة إلى جيش أبرهة الذي، وفقاً للقرآن، رُجم بحجارة من طين رمتها طيور)، ليؤكد ارتباط الميدان بالتوترات المتصاعدة حول مضيق هرمز الاستراتيجي؛ الأمر الذي يهدد بتحويل هذا الممر المائي إلى نقطة تحول حاسمة في مسار النزاع العسكري الراهن. بالنسبة لواشنطن، يبقى أمن ناقلات النفط والسفن التي تعبر المضيق خطاً أحمر لم تتردد طهران في تجاوزه، مما أدى إلى اشتعال أسعار النفط في السوق الدولية. وهي استراتيجية كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد حذر منها، لكن إيران تتمسك بها وتستخدمها كسلاح لتشديد الضغط عليه عبر زعزعة استقرار السوق النفطية العالمية. ومنذ استهداف إسرائيل، يوم الأحد، مستودعات للوقود في طهران، رد نظام الملالي باستهداف حقول نفط ومستودعات وقود في دول الخليج. وفي ليل الأربعاء الخميس، تعرضت ناقلتان على الأقل لهجوم قبالة سواحل العراق، بعد ساعات قليلة من استهداف سفينة شحن. أدى هذا الوضع بدول الخليج إلى خفض إنتاجها النفطي بمقدار 10 ملايين برميل يومياً على الأقل، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة. أما نظام الملالي، الذي يغامر اليوم ببقائه، فيستخدم كل أوراقه المتاحة، مبدياً استعداداً لخوض حرب استنزاف لم تنجح حتى الساعة في ثني خصومه المصممين على المضي في عمليتهم العسكرية حتى النهاية، كما تكرر تل أبيب وواشنطن. وحتى الآن، يبدو أن استراتيجيته أدت إلى نتائج عكسية. فبعد أن سلك سلوكاً متذبذباً خلال الأيام الماضية، ملمحاً إلى أن الحرب قد تتوقف قريباً جداً، أعلن الرئيس ترامب مساء الأربعاء أن على واشنطن «إنهاء المهمة» في إيران، وأنه ليس وارداً بالنسبة إليه «التوقف في منتصف الطريق والمغادرة مبكراً». وفي حين أكد أن «إيران باتت قريبة من الهزيمة»، إلا أنه أبقى الغموض يلف طبيعة أهداف الحرب: هل يتعلق الأمر بتغيير النظام، وهو ما أشار إليه في بداية النزاع، أم مجرد تحييد التهديد النووي أو قدرة طهران على تطوير صواريخ باليستية يمكن أن تشكل تهديداً للولايات المتحدة؟ وتتقاطع تصريحاته مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أكثر مباشرة بشأن أهداف الحرب: القضاء على نظام الملالي بسبب التهديد الوجودي الذي يمثله لبلاده، وعلى ذراعه العسكرية، حزب الله. وفي هذه المنظور، تتجه تل أبيب نحو توسيع عمليتها العسكرية في لبنان. وقد أعلن ذلك وزير دفاعها، إسرائيل كاتس، يوم الخميس، غداة انعقاد مجلس أمن إسرائيلي مصغر لمناقشة الخطوات التالية للانخراط العسكري في لبنان، حيث بات الجيش الإسرائيلي يحتل، وفقاً لوسائل إعلام تل أبيب، ثماني عشرة نقطة استراتيجية بدلاً من خمس، وذلك في إطار التحضير لتوغل بري محتمل. أعلن يسرائيل كاتس صدور أوامر إلى لجيش الإسرائيلي بالاستعداد لـ«توسيع عملياته في لبنان»، محذراً من احتمال احتلال أراضٍ لبنانية لضمان أمن قرى الشمال الإسرائيلي، في حال لم تضع الحكومة حداً لأنشطة الحزب العدائية. كما أكدت إسرائيل عزمها على التحرك «في كل مكان في لبنان، من الشمال إلى الجنوب مروراً بالبقاع»، في وقت لا تزال فيه الحكومة اللبنانية عاجزة عن كبح جماح الجنون القاتل والمدمر لهذه المنظمة. بعد مرور أسبوع على قراره التاريخي القاضي بحظر أنشطة الحزب الميليشياوية وملاحقة مطلقي الصواريخ باتجاه إسرائيل، لم تفِ الحكومة بعد بالتزامها، مكتفيةً بإدارة الأزمة الإنسانية الناجمة عن المغامرة الجحيمية التي زجّ فيها وكلاء إيران المحليون لبنان واللبنانيين. وفي هذا السياق، قرر مجلس الوزراء، في جلسته يوم الخميس، استدعاء القائم بالأعمال الإيراني للبحث معه في مسألة وجود ممثلين عن الحرس الثوري الإسلامي في لبنان معه. بيد أن المقررات لم تأتِ على ذكر أنشطة الحزب، ولا حتى المهمة التي كُلفت بها القوى العسكرية والأمنية لاحتوائها. وعليه، نعود إلى نقطة الصفر، حيث عجز الدولة التي تتوهم أن لبنان واللبنانيين لديهم الكثير ليخسروه إذا ما غامرت في هذا الحقل الملغوم، في حين أن الغالبية الساحقة من اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم، لا يتمنون سوى أمر واحد: الخلاص من الحزب وأنشطته الإجرامية.

الحرب الإيرانية - الأميركية: كيف يمكن أن تنتهي؟

غالبًا ما تغفل التحليلات جوهر الرهانات؛ فنحن إما نغرق في إفراط من الموضوعية مع افتقارٍ إلى الخيال، أو العكس تمامًا. وأحيانًا، نخلط بين تمنياتنا وبين الواقع. والحقيقة الثابتة هي أن أكثر الأحداث مأساوية، كما نهاياتها، لم يتوقعها قطّ أكثر المحللين تمرسًا. وحدهم قلّة من المستنيرين امتلكوا رؤية استشرافية، لكن نادرًا ما وجدت أصواتهم آذانًا صاغية في دوائر القرار العليا، الغارقة في التجاذبات السياسية والمالية والاقتصادية. المحفز للحربين العالميتين قلّة هم الذين توقعوا نشوب الحرب العالمية الأولى، إذ لم تكن لدى أي من الأطراف المتحاربة رغبة في خوضها، لاسيما بعد الاتفاقات وتقاسم نفوذ القوى العظمى في العالم آنذاك. وقد وصف المحللون تلك الحرب بـ«حرب الختام (Der des Ders)»، انطلاقاً من قناعتهم بأنها لن تتكرر أبداً، وأن ألمانيا قد خضعت بشكل نهائي. ولكن بعد عشرين عاماً، بسطت ألمانيا سيطرتها على أوروبا عبر حرب ثانية أكثر دماراً، وكادت أن تسيطر على العالم لولا التدخل الأميركي. لقد كان مفتاح النهضة الألمانية وتفوقها العسكري يكمن في التكنولوجيا. وينطبق التشخيص نفسه على عشية الحرب العالمية الأولى: فقد كان العالم في خضم ثورة صناعية وتكنولوجية أدت إلى ظهور أسلحة غير مسبوقة، لا سيما الدبابة، والطائرة المقاتلة، والأساطيل الحربية ذات الهياكل المعدنية بالكامل، والسفن الحربية التي تعمل بالنفط بدلاً من الفحم، والمدافع عديمة الارتداد، والبنادق شبه الآلية. وبدورها، أدت سباقات التسلح التي تلت ذلك إلى تحفيز نشوب الحربين العالميتين. القرن الحادي والعشرون: تقنيات التسلح في متناول الجميع أما من ناحية التسلح، فإن الوضع العالمي اليوم لا يختلف كثيراً عما كان عليه في بداية القرن الماضي، باستثناء أننا بتنا في عصر الطائرات المسيّرة، والصواريخ والقذائف الذكية على أنواعها، والرادارات عالية الدقة، والطائرات والصواريخ الخفية (الشبح)، والمنظومات الدفاعية المضادة للصواريخ، والأسلحة النووية، والروبوتات القتالية، والوسائل الكهرومغناطيسية، والتقنيات السيبرانية. ولم تعد هذه المعدات والوسائل حكراً على القوى العظمى، إذ باتت متوفرة اليوم لدى دول مثل أوكرانيا وكوريا الشمالية وإيران. وإن توفر هذه التكنولوجيات يشجع الأنظمة العدائية على أن تكون أكثر تحدياً، كما يمنح الدول الضعيفة نسبياً، مثل أوكرانيا، قدرة على الصمود والمقاومة في وجه قوى أكثر نفوذاً. لم يتوقع أحد هجوم حماس من غزة في تشرين الأول 2023. فبفضل صواريخها وطائراتها المسيّرة المصنعة محلياً، وآلاتها الطائرة المبتكرة بوسائل بسيطة، ومقاتليها المتمكنين تكنولوجياً، تمكنت الحركة من احتلال جنوب إسرائيل مؤقتاً. وعشية الحرب الحالية، كان من الواضح أن إيران لم تعد قادرة على الاعتماد على حلفائها الإقليميين، لا سيما حزب الله وحماس وميليشيات الحشد الشعبي العراقي، بعدما أضعفتهم حرب استمرت خمسة عشر شهراً مع إسرائيل. علاوة على ذلك، كان يُعتقد أن طهران باتت «خارج معادلة التأثير» بعدما لحقت بقداتها العسكرية والنووية أضرار جسيمة خلال «حرب الـ 12 يوماً» في حزيران 2025، خصوصاً وأنها كانت آنذاك منخرطة في مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي. تبدّدت هذه الافتراضات وظهر خطؤها؛ فبينما كانت إيران تفاوض، كانت في الوقت نفسه تعيد بناء مخزونها من الطائرات المسيّرة المصنعة محلياً، والتي أثبتت فاعليتها في أوكرانيا، فضلاً عن الصواريخ البالستية المتطورة، وصواريخ «كروز» عالية الدقة، والصواريخ فوق الصوتية(Supersonic) عابرة البحار والمضادة للسفن، والصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic)، وصواريخ ذات رؤوس متعددة يصل مداها إلى أكثر من 2000 كيلومتر. وهذا ما يعزز قدرة نظام الملالي على إغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة في الخليج العربي. في الثمانينيات من القرن الماضي، وخلال الحرب العراقية-الإيرانية، لم تتردد طهران في زرع ألغام بحرية في هذا المضيق، مما استدعى حينها هجوماً أميركياً مدمراً على بحريتها لضمان حرية المرور في الممر المائي. أما اليوم، فقد أثبت الحرس الثوري الإسلامي خبرته عبر اللجوء إلى مزيج معقد من تكنولوجيات رادارات المراقبة، والطائرات المسيّرة، والزوارق المسيّرة الانتحارية، والصواريخ بر-بحر، والغواصات القزمية (تمتلك إيران 18 منها على الأقل، وهي صعبة الرصد بشكل خاص)، والألغام البحرية التي ورد ذكرها في أحدث التقارير الأميركية. شرطان لإنهاء الحرب بات إغلاق طهران لمضيق هرمز يتبلور كواقع ملموس، على الرغم من التراجع الكبير في القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية. إلا أن الإيرانيين ما زالوا يحتفظون بإمكانات تكنولوجية كافية، وإن كانت محدودة، كالألغام والطائرات المسيّرة، لإغلاق المضيق. وبما أن إبقاء هذا الممر المائي مفتوحاً أمام الملاحة يمثل مصلحة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، فقد بلغت المواجهة مرحلة بات معها مستقبل الرئيس دونالد ترامب رهناً بقدرته على حماية هذه المصلحة؛ فإذا أعطى انطباعاً بأن إيران قد ردعته، فإن ذلك سيزلزل الأركان الجيوسياسية العالمية وسيتسبب بخضة سياسية كبرى داخل الولايات المتحدة. ثمة اعتبارات تكنولوجية أخرى ذات تداعيات جيوسياسية: فإيران، كما يشير مسؤولوها أنفسهم، لا تزال تحوز 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بعيداً عن أعين وسائل المراقبة الأميركية. كما يمتلك هذا البلد أجهزة طرد مركزي قادرة على تخصيب هذا اليورانيوم بنسبة 90%، ما قد يمهد الطريق لإنتاج سلاح نووي. إن الخطر هنا لا يكمن بتاتاً في إطلاق إيران قنبلة ذرية عبر صاروخ بالستي، بل يكمن في احتمال أن تعمد طهران – التي سبق ورعت عمليات إرهابية، وهي حليفة لميليشيات نفذت هجمات مماثلة، وتأوي وفق تقارير عدة ناشطين من تنظيم القاعدة –في لحظة يأس، إلى نقل هذه المواد المشعة إلى منظمات قد تستخدمها لتنفيذ نسخة جديدة من «11 أيلول» تكون أكثر تدميراً. هذه الاعتبارات تجعل من غير المرجح أن ينتهي النزاع نهايةً هزيلة أو مبتورة. فإيران تخوض معركة وجود وتشن حرباً نفسية لتعطي انطباعاً بالثبات وتحقيق النصر، في حين يتمسك الرئيس ترامب بمطلب الاستسلام الكامل لطهران. إن هذا الصراع لا يمكن أن ينتهي إلا بنصر حاسم للولايات المتحدة على طريقة «فون كلاوزفيتز» – وهو أمر مكلف بكل المعايير – أو عبر مفاوضات تُرغم إيران على التخلي عن موادها الانشطارية عالية التخصيب، وتفكيك قدراتها التي تهدد الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز. وفي غضون ذلك، تستمر رحى الحرب في الدوران، بينما تزداد إيران ضعفاً يوماً بعد يوم.

عندما تتحارب الآلهة
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

“في كلِّ جيل يقومون لإبادتنا، والقدّوس باركوه يُنجينا من أيديهم.” هاغاداه عيد الفصح يتخطى النزاع الدائر حالياً بين إسرائيل وإيران وأذرعها حدودَ الإطار العسكري والجيوسياسي الذي يصرّ بعضهم على حصره فيه. إن السيميولوجيا التي يوظّفها الطرفان — أسماء العمليات، والعبارات المختارة للإعلان عنها أو الردّ عليها — تكشف عن معركة ذات طابع ديني وميتافيزيقي بامتياز، يدّعي فيها كلّ فعل عسكري أنه ينتسب إلى سياق الإتمام الكتابي. وخلافاً لما هو متعارف عليه من أن أسماء العمليات العسكرية تخضع لمنطق الدعاية الرامية إلى إرهاب العدو، فإن هذه الزخارف البلاغية تضطلع هنا بدور مغاير تماماً، إذ تقف في صلب الجهاز الحربي ولبّه. وهي تُعين على فهم لماذا يجري هذا الصراع على مستوى يتجاوز الزمن التاريخي الدياكروني المحض. أربع عبارات على الأقل كثّفت هذا المنطق منذ أن استعادت المواجهات زخمها: “العصف المأكول”، اسم العملية الصاروخية التي أطلق عليها حزب الله يوم الأربعاء؛ و”الصاع صاعَين”، الرسالة التي بثّها الجيش الإسرائيلي باللغة العربية رداً عليه؛ وقبل ذلك، Rising Lion وRoaring Lion — الأسد القائم، الأسد الزئير — اسما العمليتين الإسرائيليتين ضد إيران عامَي 2025 و2026. وكل واحدة من هذه العبارات تستحضر ذاكرة كتابية بالغة الدقة، انتُقيت بوعي تام، مما يجعل من العسير قراءتها على أنها مجرد لافتات عسكرية عابرة. “العصف المأكول” حين وصف حزب الله عملياته بمسمّى العصف المأكول، نهل من السورة الخامسة والمئة من القرآن الكريم — سورة الفيل — التي ترسم مصير أبرهة، الملك المسيحي اليمني الذي سيّر جيشه نحو مكة المكرمة ليهدم الكعبة. فكان الجزاء الإلهي شاملاً في قسوته، يكاد يبلغ حدّ الجماليّة في ردائه: صار الجنود كعصف مأكول، كبقايا جافة يذرّيها الريح دون أن يُبقي منها شيئاً، حتى دون حرمة جثة تُبكى. والمرجعية بيّنة واضحة، صُنعت لتشحذ همّة جمهور حزب الله. يلعب الحزب هنا على وتر الذاكرة الجمعية الفطرية والمباشرة، مستحضراً طابعاً انتقامياً عقابياً في مواجهة وطأة الهجوم الإسرائيلي. والجدير بالإشارة، ما وراء شهرة المرجعية، دقّةُ المقارنة التي تبنيها. فأبرهة لم يكن عدواً عادياً. كان مسيحياً حليفاً لبيزنطة، يؤمن بأنه حامل رسالة حضارية، وكان جيشه يمتلك الفيلة — رمز القوة التكنولوجية في عصره. وتُرسّخ هزيمته في القرآن الكريم أن القوة المادية، مهما بلغت من الإبهار، لا تقوم أمام الإرادة الإلهية. والمقارنة مع إسرائيل — الدولة المتقدمة تكنولوجياً المدعومة من الولايات المتحدة في حربها على إيران — مصنوعة لتُقرأ دون عناء، كأمر بديهي، في الأوساط التي يتداول فيها هذا الخطاب. “الصاع صاعَين” الردّ الإسرائيلي بليغ في دلالته. فبثّ رسالة الصاع صاعَين بالعربية — “مثلَين بمثل” — يضع الجيش الإسرائيلي في موقع من يختار تعبيراً عربياً كلاسيكياً يتردد صداه في سجلات متعددة في آنٍ واحد: سجل اللغة العربية ذاتها حيث يدل التعبير على مبدأ الردّ المضاعف؛ والسجل التوراتي حيث الـ«سياه» العبرية — الابنة اللغوية والدلالية للصاع العربي — تعبر الأسفار وحدةً لقياس الحبوب، وأهم من ذلك، استعارةً للانتقام الإلهي. عقوبتان في مقابل واحدة. هذا الأصل التوراتي يستحق الوقوف عنده. يُعلن إشعياء أن أورشليم نالت ضعف ذنوبها (40:2). ويُبشّر إرميا بأن الله سيردّ للأمم المعادية ضعفَين (16:18). ويُردّد سفر الرؤيا البنية ذاتها: “ردّوا لها مثلَي أعمالها” (18:6). ووراء هذه النصوص كلها يلوح المبدأ التلمودي “ميداه كنيغيد ميداه” — “المثل بالمثل” — أساس الفقه الديني اليهودي الذي تقوم بموجبه العدالة على إرجاع ما وقع بعينه أو مضاعفته. والجيش الإسرائيلي، وهو يردّ على خصومه بالعربية في هذا السجل الكتابي المشترك، يقول في ما يقول: نحن نعرف نصوصكم، ونعرف ما يوازيها في نصوصنا، وفي هذا العمق المشترك نردّ عليكم. الحرب الميتافيزيقية والإسكاتولوجية في كامل بهائها، مقرونةً بعنف محاكاتي أصيل يستجيب تماماً للنموذج الذي حدّده رينيه جيرار. المناورة لا تسعى إلى الخروج من الإطار الذي رسمه الخصم، بل إلى احتلاله من الداخل وقلب منطقه — وهو، كما سيتفق الخبراء، أبلغ أسلحة حرب الإشارات وأنجعها. “Rising Lion”، “Roaring Lion” كان اسم العملية ضد البرنامج النووي الإيراني في 13 يونيو 2025 — Rising Lion، الأسد القائم — ينهل أصلاً من نبوءة بلعام في سفر العدد (24: 8-9). المشهد يُشكّل في ذاته بنيةً سردية لافتة في اتساقها: بلعام كان كاهناً أجنبياً استدعاه بالاق ملك موآب ليلعن إسرائيل. حاول ثلاث مرات، فخرج لسانه رغمه وعلى غير إرادته ببركة في كل مرة. وفي تلك البركة الثالثة المُكرَهة يرد المقطع: “جثا وربض كالأسد وكالأسد العادي، من يُقيمه؟” هذه البنية السردية تحقق شيئاً لاهوتياً فريداً: فهي تجعل فم العدو الراغب في اللعن شاهداً على مناعة إسرائيل. القوة لا يُعلنها أصحابها، بل تفرض نفسها على من أمّلوا إنكارها. بل تنبثق بفضلهم. أن تُسمّي عملية عسكرية باسم هذا المقطع، يعني استحضار هذا النموذج الأصلي بعينه: كنا راقدين، نقوم الآن، وعلى أعدائنا أنفسهم أن يُقرّوا بأن أحداً لا يستطيع منعنا. بنيامين نتنياهو هو من أعلن أنه شخصياً اختار اسم العملية استناداً إلى هذه النبوءة. وفي تصريح رئيس الحكومة الصريح بأنه يقرأ فعله في ضوء الإتمام التوراتي ما يكشف عن الثقل النبوي الذي يريد منحه للحرب — لإضفاء الشرعية الدينية عليها على الأرجح — وكذلك عن اللحظة التي تمر بها إسرائيل وعن الطريقة التي يفهم بها قادتها، أو على الأقل يقدّمون بها، علاقتهم بالتاريخ. ثمة طبقة قرائية لم تُبرَز بما يكفي: كان الأسد أمام شمس مشرقة شعار إيران الإمبراطورية، شعار الأعلام الفارسية قبل عام 1979. بتسمية عمليته على هذا النحو، ترمي إسرائيل عصفورين بحجر واحد. فهي تخاطب مواطنيها بمرجعية توراتية — وترسل في الوقت ذاته إلى الإيرانيين رسالة تستحضر ذاكرتهم الوطنية، ذاكرة فارس الملكية التي محتها الجمهورية الإسلامية. والمعنى الضمني: الأسد يقوم لا ضد إيران، بل ضد نظام الملالي، وثمة شيء من فارس القديمة ربما يقف على هذا الجانب من الحدود. يبلغ الجنون السيميائي هنا ذروته. أمر يدهش ويُرعب. والنص الذي يعكس بنية بركة يعقوب لابنه يهوذا في التكوين (49:9) — “ربض كأسد وكلبوة، من يُقيمه؟” — يخلق استمراراً نبوياً يضمّ التوراة بأسرها: أسد يهوذا هو النسب الملكي، وأورشليم التي لا تزال شعاراتها تحمل الأسد الماشي، وهو في التقليد المسيحي “أسد سبط يهوذا” في سفر الرؤيا (5:5)، الذي يقوم بعد أن كان كالمهزوم. هذه الرمزية تُفعّل مفهوم القوة الكامنة التي تنتقي لحظتها — الأسد الرابض ليس أسداً ضعيفاً، بل أسد ينتظر، مُستعدٌّ للانقضاض على فريسته في الوقت المناسب. فليس غريباً في هذا السياق أن تُسمَّى الهجمة الإسرائيلية الجديدة Roaring Lion — الأسد الزئير. وهو — بالعبرية شَعَغَات هَعَرِي — يمثل الحلقة الثانية في سلسلة مقصودة، تسلسل مستعار مباشرة من الرمزية الأسدية التوراتية. أسد بلعام الرابض يقوم، ثم يزأر قبل أن يضرب. والزئير في كتب الأنبياء ليس استعارة للغضب: إنه علامة الفعل الإلهي قبيل حدوثه. عاموس (3:8): “الأسد زأر، من لا يخاف؟” يوئيل (4:16): “والرب يزأر من صهيون”. نتنياهو شيّد مسلسلاً في فصلين كتابيين. ما يجمعهما؟ الحملة العقابية الانتقامية. والألفياوية. البوريم وخلاص الشعب اليهودي يستحق البعد الزمني لهذه الأحداث عناية خاصة. فتبادل الصواريخ والرسائل يجري في الأيام التي تعقب مباشرة عيد البوريم المحتفَل به هذه السنة يومي 2 و3 مارس 2026. المصادفة وحدها تستوقف المرء، إذ تُكثّف في أيام قليلة كامل المفارقة الفارسية الإسرائيلية. يُحيي البوريم ذكرى نجاة الشعب اليهودي من مشروع إبادة دبّره هامان، وزير ملك فارس أحشويروش — مشروع يرمي إلى “الإهلاك والقتل والإبادة لجميع اليهود، من الشباب والشيوخ والأطفال والنساء، في يوم واحد”، وفق عبارات سفر أستير بالذات. تدور الأحداث في شوشن، سوسة الإيرانية اليوم. فالعيد لا يُحيل على رجع صدى شرقي ضبابي، بل على تهديد إبادة آتٍ من فارس ذاتها، تصدّت له امرأة بدهائها وردّته على صاحبه. هامان يُشنق على خشبة كان قد أعدّها لمردخاي. البنية السردية هي بنية الانقلاب التام — ولهذا بالذات يُسمّى البوريم عيد القرعة: هامان كان قد استخرج قرعة لتحديد تاريخ المجزرة، وتلك القرعة نفسها هي ما انقلب عليه. أن تستأنف الحرب بكثافة متجدّدة في الأسبوع الذي يلي هذا العيد — الذي يُمثّل منذ خمسة وعشرين قرناً نجاة يهودية في وجه تهديد فارسي — قد لا يكون ثمرة حساب متعمّد. غير أنه في صراع أثبت الطرفان فيه إتقاناً رفيعاً للسيميولوجيا الدينية، يبقى احتمال المصادفة الأقل إقناعاً. وحتى لو كانت مصادفة، فإن أصحاب التقاليد المعنية لن يفوّتوا قراءتها على أنها آية — وهو ما يُؤدّي، في عالم الحروب الإسكاتولوجية، إلى نتيجة واحدة بالضبط. ما يُضيفه التقويم إلى المشهد هو عمق تعجز التحليلات الجيوسياسية العادية عن استيعابه: فالمواجهة تتجاوز الصراع بين دولتين أو أيديولوجيتين، لتطرح في مواجهة بعضها ذاكرتَين جريحتين، تتقاطع تواريخ إحيائهما بدقة تراجيدية. فارس التي كانت إمبراطورية هامان هي اليوم إمبراطورية خامنئي — والبوريم الذي كان يحتفل بنصر قديم على عدو قديم، يجد نفسه يحتفل، في هذا السياق الجديد، بشيء لم يُحسم بعد. ظل هرمجدون ما يُميّز هذا الصراع عن الحروب العادية — وهذه ربما سمته الأكثر إقلاقاً لكل من لا يزال يأمل بحلّ سياسي — هو أن أطرافه الرئيسيين لا يُفكّرون بمنطق الانتصار التكتيكي أو موازين القوى القابلة للتفاوض، بل بمنطق الغاية التاريخية والإتمام الإسكاتولوجي. ثيوقراطية خامنئي مُشيَّدة حول عقيدة المهدي، الإمام الغائب الثاني عشر الذي يُنهي عودتُه التاريخ. وفق القراءات الأنثروبولوجية لهذا التقليد، عودته مشروطة بفوضى عارمة تسبقها، مما يجعل تدمير إسرائيل يتجاوز كونه هدفاً سياسياً، إذ يُقدَّم بوصفه شرطاً لاهوتياً للإتمام الإسكاتولوجي، استثماراً في نهاية الزمان يسعى مروّجوه إلى تعجيل قدومه. وفي اليهودية القومية الدينية، وفي التيارات الإنجيلية الأمريكية التي تُشكّل ركيزة دعم حاسمة لإسرائيل، تُقرأ الأحداث الراهنة كثيراً من خلال منظور حزقيال (38-39) — نبوءة جوج وماجوج، تحالف الأمم من الشمال والشرق يُعرّض نفسه لإسرائيل المجموعة في أرضها، ويكشف انهزامُه مجدَ الله أمام الأمم جميعاً. ما يجعل تصادم هاتين الإسكاتولوجيتين بالغ الخطر، هو ما كانت حنّة أرندت ستُعرّفه على الأرجح بوصفه الإغراء الجوهري للمفكر السياسي المتحوّل إلى نبيّ: الخروج من حقل الفعل الإنساني — الذي لا رجعة فيه صحيح، لكنه غير قابل للتنبؤ ومتعدد الأوجه ومفتوح دائماً على المفاجئ — والدخول في حقل الضرورة حيث كل شيء مكتوب مسبقاً ودور الفاعل فيه مجرد الامتثال. حرب تُعاش على أنها إتمام لمصير مكتوب لا تعرف حداً ولا تنازلاً، لأن التوقف قبل الغاية النبوية يُفضي إلى خيانة النبوءة ذاتها. هذا على الأرجح، بلغة أخرى ومراجع مختلفة، ما رصده باسكال في زمانه: الإنسان الذي يؤمن بأنه يعمل باسم الله قادر على بلوغ الحدود القصوى التي لا يصلها الإنسان الأناني المجرد، لأن الأناني على الأقل لا يزال يملك ما يخسره. يواجه الشرق الأوسط اليوم إسكاتولوجيتين تعملان كقوتين مُلقاتَين نحو بعضهما في أفق الإبادة الشاملة. لم تُوظَّف إتقانُ النصوص المقدسة في خدمة السلام، الحاضر بدوره في تلك النصوص ذاتها، بل في خدمة الحرب. فسفر العدد ذاته الذي يحتوي نبوءة الأسد يحتوي أيضاً أحكاماً في الرحمة. والقرآن الكريم ذاته الذي يستحضر العصف المأكول تجوب آيات المصالحة أرجاءه. اختيار النصوص هو إذاً اختيار لما يريد المرء أن تكون عليه — وهذا الاختيار يخصّ البشر وحدهم. نبوءة بلعام هي ربما، في هذا الضوء، الصورة الأدق للمشهد. بلعام جاء يلعن وبارك — لا فضيلةً منه، بل لأن شيئاً في الواقع الذي كان شاهداً عليه أبى الاستجابة للعنة التي أُمر بإطلاقها. غير أن النبوءة تحتوي أيضاً سؤالاً لا يُطرح بما يكفي من الجدية: “من يُقيمه؟” — سؤال خطابي في النص يعني أنه لا أحد — بيد أنه في واقع الصراع الراهن يُشير بالضبط إلى ما يفعله المتحاربون، كلٌّ بطريقته: استفزاز الأسد المعادي وإكراهه على النهوض، ثم الاكتشاف بأنهم وجدوا أنفسهم في موقع من أطلق حركة لم يعد يُمسك بزمامها. وهو ما لا يخلو من استذكار رمز ديني آخر، هرمجدون، نهاية الأزمنة، المشترَك بين التقليدين المتحاربين، يرى فيه كلٌّ منهما علامة العودة — عودة الديميورغوس عند أحدهما، وعودة المهدي عند الآخر. للأسف الشديد لأولئك الذين يشهدون، عاجزين وتحت وابل من النار، هذا الصراع الملحمي الخارج عن الزمن بين هذيانين ألفياوَيّين. ببليوغرافيا أرندت، حنّة، أصول الشمولية (سوي، 1972). أرندت، حنّة، الوضع البشري (كالمان-ليفي، 1961). أمير-معزي، محمد علي، الإمام الهادي في الشيعية الأصيلة (فيردييه، 1992). أمير-معزي، محمد علي، الدين الخفي (ڤران، 2006). بارت، رولان، أسطوريات (سوي، 1957). خسروخاور، فرهاد، الإسلاموية والموت — الشهادة الثورية في إيران (لارماتان، 1995). خسروخاور، فرهاد، حين يتكلم القاعدة (غراسيه، 2006). شولِم، غيرشوم، المسيحانية اليهودية (كالمان-ليفي، 1974). فيليو، جان بيير، نهاية العالم في الإسلام (فايارد، 2008). كاميرون، أڤيريل وكونراد، لورنس (تحرير)، الشرق الأدنى البيزنطي والإسلامي المبكر (دار درويِن، 1992). كوربان، هنري، في الإسلام الإيراني (4 مجلدات، غاليمار، 1971-1972). نيهر، أندريه، جوهر النبوة (المطبعة الجامعية الفرنسية، 1955). هورويتز، إليوت، شعائر متهورة: عيد البوريم وإرث العنف اليهودي (مطبعة جامعة برينستون، 2006).

تصعيد ليلي خطير بين إسرائيل وحزب الله

تصعيد خطير وقع مساء الأربعاء بين إسرائيل وحزب الله. أطلق الحزب الموالي لإيران في بداية المساء ما يقرب من 200 صاروخ في بضع دقائق على شمال إسرائيل والجليل. لم يتأخر الطيران الإسرائيلي في الرد بسلسلة من الغارات العنيفة بشكل خاص على الضاحية الجنوبية التي غطتها سحب كثيفة من الدخان الأسود بسرعة. في أعقاب التصعيد الذي بدأه حزب الله، أشارت مصادر إسرائيلية في وقت متأخر من المساء (بتوقيت بيروت) إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يدرس مع هيئة أركانه احتمال توسيع التدخل البري في لبنان. وفي هذا الإطار، أشارت مصادر أمنية إسرائيلية مساء الأربعاء إلى أن الولايات المتحدة قد تشارك في غارات جوية "في بعلبك والبقاع". وذكر المصدر نفسه أن "العملية العسكرية لن تتوقف عند الليطاني". وأضاف المصدر الإسرائيلي: "سنتصرف من الجنوب إلى الشمال، وجميع الأهداف مشروعة". إدانة إيران وحزب الله في الأمم المتحدة على الصعيد السياسي والدبلوماسي، نقلت قناة الحدث العربية تصريحًا لمستشار عسكري رفيع للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وعد فيه بـ "تدمير إسرائيل". وهي تصريحات تعكس بلا شك رغبة نظام الملالي في المضي قدمًا. في نيويورك، تم إدانة سلوك الجمهورية الإسلامية وحزب الله بشدة وبالإجماع. في ختام اجتماع استثنائي خصص للحرب في إيران والوضع في لبنان، وافق مجلس الأمن على قرار قدمته الأردن ودول الخليج يدين الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج. ويطالب قرار الأمم المتحدة "بالوقف الفوري للهجمات الإيرانية". في وقت سابق من بعد ظهر الأربعاء، تلا السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة بيانًا، بحضور سفراء الاتحاد الأوروبي، وصف فيه دخول حزب الله في الحرب ضد إسرائيل بأنه "غير مسؤول". وأضاف السفير الفرنسي أن الحزب الموالي لإيران يجب أن "يوقف هجماته ضد إسرائيل ويسلم أسلحته للحكومة اللبنانية". وفي السياق نفسه، أكد رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه (صديق كبير للبنان منذ سنوات عديدة)، أن فرنسا يجب أن تساعد السلطات اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، الذي "لا يدافع عن لبنان، بل يخدم مصالح إيران"، كما أشار. من جانبها، أدانت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، خلال اجتماع مجلس الأمن، موقف حزب الله، مشيرة إلى أن هذا الحزب "رفض التعاون مع الحكومة اللبنانية لإعادة بسط سيادة الدولة وتطبيق قرار احتكار السلاح". أما سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، فقد وضع لبنان أمام خيار لا يترك مجالًا للتردد. وصرح قائلاً: "الحكومة اللبنانية أمام البديل التالي: إما أن تفكك الجهاز العسكري لحزب الله، وإما أن نفعل ذلك بأنفسنا". تجدر الإشارة، من ناحية أخرى، إلى أنه بالتزامن مع التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، حدث تطور كبير في إيران خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. فقد أشارت وكالة أنباء إيرانية إلى "مقتل عشرة على الأقل من قوات الأمن خلال اشتباكات مع عناصر مسلحة في طهران". ولم يتم الحصول على تفاصيل حول حجم هذا الحادث.

تخاذل الدولة، وجهٌ آخر للانتحار

أسبوعٌ مضى على اندلاع حربٍ جديدة، هي الخامسة خلال أربعة وثلاثين عاماً، بين إسرائيل وحزب الله. حربٌ إضافية لم يُردها اللبنانيون يوماً، ولم يختاروها. فما كانت الاتفاقات التي أنهت الحروب الأربع السابقة سوى هُدناتٍ وظّفتها إيران وحزب الله من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، للاستعداد للجولة التالية، وذلك تحت أنظار نظام الأسد، أباً وابناً، وبمباركة رؤساء وحكومات لبنانية ارتهنت لقرار دمشق أو طهران، لا سيما في عهود الهراوي ولحود وميشال عون. لقد سدّد مناصرو حزب الله، طوعاً، فواتير هذه الحروب من لحمهم الحيّ، مستسلمين لخَدَرِ الأيديولوجيا، بينما سدّدها سائر اللبنانيين، كرهاً وقسراً، والدول العربية، التي غطّت تكاليف إعادة الإعمار لدوافع إنسانية وجيوسياسية. إنه السيناريو ذاته يتكرر منذ أربعة عقود: حربٌ، فوقف إطلاق النار، فخطاباتُ «نصرٍ» إلهي، فتآكلٌ في سلطة الدولة، فيما ينهمك الحزب في التحضير لحروبٍ لا تنتهي، وسط سيلٍ من الأكاذيب المتبادلة، وصولاً إلى اندلاع الحرب من جديد. وتقول الحكمة الشعبية في هذا السياق: «الحمار لا يتعثر بالحجر مرتين». ومما لا شكّ فيه، أن رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي يتولى رئاسة القوات المسلحة بموجب المادة 49 من الدستور، ومعه رئيس الحكومة نواف سلام، الذي تملك حكومته صلاحية تعيين قائد الجيش وسائر القيادات الأمنية والعسكرية، يمثلان اليوم أول سلطة تنفيذية منذ العام 1990 التي تحظى بتقاطع توازنات إقليمية ودولية تسمح باستعادة السيادة المفقودة منذ عام 1968. كما تستفيد هذه السلطة من التفافٍ محلي غير مسبوق، ومن فرص عربية ودولية ملموسة لم تتوافر لغيرها من قبل. في تشرين الثاني 2024، وبعد ثلاثة عشر شهراً من استنزاف الحرب، استجدى حزب الله وقفاً لإطلاق النار مع إسرائيل، وتصدّر نبيه بري مشهد المفاوضات. أما حكومة ميقاتي، فلم تجرؤ على قبول الترتيبات إلا بعد نيل «الضوء الأخضر» من الحزب. وهكذا، وفي مناورةٍ مكشوفة، أوحى الطرف الذي طلب الهدنة وكأنه يمنُّ بها بـ«كرمه»، مواصلاً في الوقت عينه التغني بانتصاراتٍ وهمية وحملة إنكارٍ تثير الذهول. ومنذ خمسة عشر شهراً، يقع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأعضاؤها في فخّ التلاعب الذي يمارسه حزب الله؛ إما عن درايةٍ وقصد، وإما لعجزٍ فاضحٍ ومقيت. فقد تنصّل الحزب، منذ اللحظة الأولى، من التزاماته بتطبيق القرار 1701، مغطىً بدعمٍ كامل من نبيه بري. لقد استغل «الحزب الإلهي» هذه الأشهر الخمسة عشر لإعادة تنظيم صفوفه بدعمٍ مباشر من الحرس الثوري الإيراني، كل ذلك تحت أنظار سلطة تنفيذية اختارت إما التغاضي أو العمى المتعمّد، من دون أي أسباب تخفيفية تشفع لها. ولم يكتفِ الحزب بذلك، بل استفاد أيضاً من «قصر نظر»القوى السيادية التي غرقت في وحل الحسابات الانتخابية، واستُنزفت في صراعاتها البينية على تقاسم الحصص والمقاعد النيابية؛ تلك المقاعد التي لم تُسمن ولم تُغنِ من جوع أمام زلزال الأحداث الاستراتيجية، وخير دليلٍ على ذلك الغياب المبهر للجنة الدفاع الوطني النيابية عن السمع. وها هي إعادة هيكلة الحزب تتبدّى اليوم للعيان وبكل وقاحة، وكأن عقارب الساعة توقفت منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024. وفي غضون ذلك، يدفع جيشنا الوطني ثمن تقاعس السلطة، بل ثمن تواطؤِ شريحةٍ واسعة منها مع حزب الله، ما يضع صدقية المؤسسة العسكرية ومستقبلها على المحك. أما تلك القرارات "الحازمة" التي اتُّخذت لنزع سلاح الحزب في آب 2025 – أي بعد ثمانية أشهر من تنصيب الرئيس جوزيف عون ونيل حكومة سلام الثقة – فقد تلاشت تدريجياً وذابت في رمال المماطلة؛ اللعبة المفضلة والمستترة التي يتقنها الحزب. لقد استغرقت قيادة الجيش وقتاً طويلاً لعرض خطتها في منطقة جنوب الليطاني، ثم جاء التنفيذ مَشوباً بالتسويفِ والمماطلة. واليوم، فقدت هذه الإجراءات صدقيتها بالكامل مع عودة المواجهات بين حزب الله وإسرائيل إلى ما كانت عليه سابقاً في تلك المنطقة. وأمام هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال جوهري: لقد بارك رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء الخطة وآليات تنفيذها في الجنوب، ولم يبديا أي تحفظ أو ملاحظة على المواعيد والجداول الزمنية، رغم وضوح التحذيرات الدولية من مغبة إعادة تنظيم صفوف الحزب، ورغم المؤشرات الجلية لضيق ذرع إسرائيل. لكن، وللأسف، سادت حالة من الصمم العضال. وبطبيعة الحال، أضحت الخطط المتعلقة بشمال الليطاني أضحوكة سمجة، ما لم تحدث معجزةٌ ما. وأمام هذا المشهد القاتم، من المسؤول؟ أهو رئيس الجمهورية؟ أم رئيس الحكومة؟ أم مجلس الوزراء مجتمعاً؟ أم السلطة التنفيذية برمتها؟ أم جيشنا الوطني؟... لا بد من التأكيد هنا على أن السلطة الإجرائية تملك الصلاحيات المطلقة فوق القوات المسلحة، غير أن العادة السيئة في لبنان منذ عام 1968، تقتضي دوماً تحميل المؤسسة العسكرية تبعات تقاعس السلطة السياسية وانغلاق أفقها. هكذا كان المشهد في عام 1973، حين دفع ضباط منطقة الجنوب ثمن المواجهات بين الجيش ومنظمة التحرير الفلسطينية في صيدا بنقلهم من مراكزهم. وفي عام 1975، أدى شلل السلطة التنفيذية والانزلاق نحو الحرب الأهلية إلى الإطاحة بقائد الجيش آنذاك، العماد إسكندر غانم. وفي عام 1984، تكررت المأساة؛ إذ انتهت المعارك بين الجيش من جهة، وميليشيات حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وجيش التحرير الفلسطيني وجيش الاحتلال السوري من جهة أخرى، بإقالة قائد الجيش العماد إبراهيم طنوس... وبالعودة إلى واقعنا الراهن، الذي لا يشبه أياً من المحطات السابقة، نجد أنفسنا أمام انقسامٍ عمودي حاد يضع حزب الله وبيئته في كفة، وسائر اللبنانيين في الكفة المقابلة، فيما يواصل نبيه بري وحركة أمل سياسة المراوغة. وأمام هذا المشهد، لا خيار ثالث: إما الركون إلى التقاعس المعهود وإمّا المبادرةُ إلى القرار. في حال التقاعس، ستتحول السلطتان التنفيذية والتشريعية إلى مجرد ديكور باهت، ولن يعود لديهما ما تتفاوضان عليه مع المحافل العربية والدولية، وبالتأكيد ليس مع إسرائيل. أما إذا قررت السلطة التنفيذية الخروج من غيبوبتها والإقدام على الفعل، فإن الحاضنة العربية ستلقي بثقلها خلف أي قرار يُتخذ، لا سيما وأن إيران باتت تستهدف الدول العربية استراتيجياً. كما أن الدعم الأوروبي والأميركي سيكون مضموناً بلا أدنى شك؛ وهو أمرٌ نادر الحدوث، إذ تطغى التباينات بين واشنطن والاتحاد الأوروبي على كل ملفات العالم، وتتلاشى فقط حين يتعلق الأمر بلبنان. فعندما تحسم السلطة التنفيذية خيارها بلا مواربة، ويمارس رئيس الجمهورية دورَه الفعلي كقائدٍ أعلى للقوات المسلحة، وعندما تمسك السلطة الإجرائية بزمام المبادرة من خلال المجلس الأعلى للدفاع، مواكِبةً أدق تفاصيل تحركات المؤسسة العسكرية بصفة يومية، حينها سيلتزم الجيش بالتنفيذ كما دأب دائماً منذ عام 2000. فمتى توفر الغطاء السياسي الصريح للمهمة العسكرية، ولو من دون إجماعٍ شامل، ستكون النتائج ملموسةً ومحققة بلا ريب. أما لجنة الدفاع الوطني النيابية، فبمقدورها على الأقل ــ وحتى في غياب التوافق ــ أن تفعّل دورها الرقابي بمساءلة السلطة التنفيذية وقيادة الجيش على حد سواء، وتسمية الأمور بأسمائها لتحميل المسؤوليات لمن يتحملها فعلياً. إنَّ المبادرة إلى الفعل، بكل ما تحمله من مخاطر، تظل مغامرةً أقل كلفةً من الاستسلام للجمود، لا سيما حين تستعر نيران الحروب بين ديناصورات المنطقة. فخلال الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من حياد سويسرا وميل أغلبيتها نحو الثقافة الألمانية، إلا أنها أعلنت التعبئة العامة، ومنعت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية من استخدام أراضيها أو التواصل عبرها. لقد أرست سويسرا استراتيجية عسكرية دفاعية حصينة في المعقل الجبلي الذي يمثل قلب البلاد. استراتيجيةٌ كهذه ممكنةٌ حتماً في لبنان، ومسؤولية اجتراحها تقع على عاتق السلطة التنفيذية لا العسكر. وفي هذا السياق، نستذكر قول جورج كليمانصو، الطبيب والصحفي الملقب بـ«النمر»، وصانع نصر فرنسا في الحرب العالمية الأولى: «الحربُ شأنٌ أخطر من أن يُترك للجنرالات!»

صانعي القرار مُركزون على مضيق هرمز

يخضع سكان لبنان، فضلاً عن سكان دول المشرق والخليج والشرق الأوسط، لـ "صدمة باردة وحارة" حقيقية. فمن ناحية، تشير الشائعات إلى قرب انتهاء الأعمال العدائية على الجبهة الإيرانية (دون أن تشمل لبنان)، ولكن في الوقت نفسه، يمكن ملاحظة تصعيد واضح في مستوى العمليات العسكرية. شهد يوم الأربعاء 11 مارس وليلة 10 مارس تكثيفًا للغارات وإطلاق الصواريخ في أكثر من اتجاه. وهكذا، واصل الطيران الإسرائيلي في ليلة 10 مارس غاراته المكثفة ضد المراكز العصبية والبنى التحتية للنظام الإيراني في طهران وضد الضاحية الجنوبية لبيروت والعديد من قرى جنوب لبنان والبقاع. كما أُطلقت صواريخ على مواقع المعارضة الإيرانية الكردية في العراق، بينما شن طيران التحالف الأمريكي الإسرائيلي غارات على مقرات الميليشيا العراقية الموالية لإيران، «الحشد الشعبي»، وحزب الله العراقي، المتمركزين في العراق. كما تم الإبلاغ عن عدة تحذيرات صاروخية يوم الأربعاء في دبي والدوحة، على وجه الخصوص. ليلة الثلاثاء، استهدفت البحرية الإسرائيلية شقة في حي عائشة بكار، ببيروت الغربية. وأفاد الجيش الإسرائيلي أن مسؤولاً ومقراً تابعاً لمنظمة «الجماعة الإسلامية» السنية الأصولية قد استُهدفا بالصاروخ الذي أسفر عن أربعة قتلى. وفي الجنوب، يُزعم أن حوالي أربعين مدرعة إسرائيلية اتخذت مواقع لها في المنطقة الجنوبية، لا سيما بالقرب من بلدة الطيبة، مما قد يشكل مؤشراً مبكراً على وجود طويل الأمد للجيش الإسرائيلي في الجنوب بهدف فرض «منطقة عازلة» تهدف إلى تقليل التهديد على قرى شمال إسرائيل. وفي هذا الصدد، يقال إن هيئة الأركان الإسرائيلية قد أرسلت تعزيزات إلى الحدود مع لبنان، بما في ذلك وحدة كوماندوز مهمة. ضغوط دبلوماسية في مواجهة تصاعد التوتر على الأرض، يخضع لبنان لضغوط دبلوماسية متزايدة. وقد تلا سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة إعلاناً، بحضور سفراء الاتحاد الأوروبي، واصفاً دخول حزب الله في الحرب ضد إسرائيل بأنه «غير مسؤول». وأضاف السفير الفرنسي أن الحزب الموالي لإيران يجب أن «يوقف هجماته ضد إسرائيل ويسلم أسلحته للحكومة اللبنانية». وفي السياق ذاته، أكد رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه (صديق كبير للبنان منذ سنوات عديدة)، أن فرنسا يجب أن تساعد السلطة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، الذي «لا يدافع عن لبنان، بل يخدم مصالح إيران» على حد قوله. من جانبها، نددت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، خلال اجتماع (مساء الأربعاء) لمجلس الأمن المخصص للبنان، بموقف حزب الله، مشيرة إلى أن هذا الحزب «رفض التعاون مع الحكومة اللبنانية لإعادة سيادة الدولة وتطبيق قرار احتكار السلاح». أما سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، فقد وضع لبنان أمام خيار لا يترك مجالاً للمماطلة. وصرح قائلاً: «الحكومة اللبنانية أمام البديل التالي: إما أن تفكك الجهاز العسكري لحزب الله، وإما أن نقوم نحن بذلك بأنفسنا»... ماذا عن مضيق هرمز ومجتبى خامنئي بالتوازي مع هذا التوتر على «الجبهات» التقليدية الآن، ظهرت نقطة ساخنة جديدة خلال الأيام الأخيرة: مضيق هرمز. ولا يخفي الحرس الثوري الإيراني رغبته في إغلاق هذا الممر البحري الاستراتيجي، لدرجة التهديد بتلغيمه. ولم يتأخر الرئيس دونالد ترامب في الرد على هذه التهديدات، مؤكداً بصراحة أن أي محاولة لتلغيم هذا المضيق ستؤدي إلى رد حازم بشكل خاص من جانب الجيش الأمريكي. وفي هذا الإطار، واصلت البحرية الأمريكية التدمير المنهجي للأسطول العسكري الإيراني، وقد تم إغراق ست عشرة سفينة لزرع الألغام. على المستوى السياسي، أو الجيوستراتيجي العالمي، تتجه أنظار القوى الإقليمية والدولية في المرحلة الحالية إلى تشكيل السلطة السياسية الجديدة في طهران بعد تعيين مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية، مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، الذي قُتل خلال الغارات الأولى للطيران الإسرائيلي على طهران في 28 فبراير. تؤكد مصادر متطابقة متعددة أن مجتبى خامنئي أصيب خلال الغارات الأولى في 28 فبراير. ويتم تداول معلومات متضاربة في وسائل الإعلام حول خطورة إصاباته وحالته الصحية. ويُزعم أن المرشد الجديد قد فُرض عملياً من قبل الحرس الثوري (الباسداران)، مما قد يعكس تصلباً في نظام الملالي تجاه الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة. وفي جميع الأحوال، سيتعين انتظار إعلان مجتبى خامنئي علناً عن خياراته السياسية والاستراتيجية الكبرى لتحديد المسار الذي قد تتخذه الأحداث، سواء فيما يتعلق بنتيجة الحرب أو مستقبل إيران والمنطقة بأسرها.