شعار Levant Time
العودة إلى المقال
استراتيجيا

الحرب الإيرانية - الأميركية: كيف يمكن أن تنتهي؟

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر مارس 12, 2026 - 12:57

غالبًا ما تغفل التحليلات جوهر الرهانات؛ فنحن إما نغرق في إفراط من الموضوعية مع افتقارٍ إلى الخيال، أو العكس تمامًا. وأحيانًا، نخلط بين تمنياتنا وبين الواقع. والحقيقة الثابتة هي أن أكثر الأحداث مأساوية، كما نهاياتها، لم يتوقعها قطّ أكثر المحللين تمرسًا. وحدهم قلّة من المستنيرين امتلكوا رؤية استشرافية، لكن نادرًا ما وجدت أصواتهم آذانًا صاغية في دوائر القرار العليا، الغارقة في التجاذبات السياسية والمالية والاقتصادية.

 

المحفز للحربين العالميتين

 

قلّة هم الذين توقعوا نشوب الحرب العالمية الأولى، إذ لم تكن لدى أي من الأطراف المتحاربة رغبة في خوضها، لاسيما بعد الاتفاقات وتقاسم نفوذ القوى العظمى في العالم آنذاك. وقد وصف المحللون تلك الحرب بـ«حرب الختام (Der des Ders)»، انطلاقاً من قناعتهم بأنها لن تتكرر أبداً، وأن ألمانيا قد خضعت بشكل نهائي.

 

ولكن بعد عشرين عاماً، بسطت ألمانيا سيطرتها على أوروبا عبر حرب ثانية أكثر دماراً، وكادت أن تسيطر على العالم لولا التدخل الأميركي. لقد كان مفتاح النهضة الألمانية وتفوقها العسكري يكمن في التكنولوجيا. وينطبق التشخيص نفسه على عشية الحرب العالمية الأولى: فقد كان العالم في خضم ثورة صناعية وتكنولوجية أدت إلى ظهور أسلحة غير مسبوقة، لا سيما الدبابة، والطائرة المقاتلة، والأساطيل الحربية ذات الهياكل المعدنية بالكامل، والسفن الحربية التي تعمل بالنفط بدلاً من الفحم، والمدافع عديمة الارتداد، والبنادق شبه الآلية. وبدورها، أدت سباقات التسلح التي تلت ذلك إلى تحفيز نشوب الحربين العالميتين.

 

القرن الحادي والعشرون: تقنيات التسلح في متناول الجميع

 

أما من ناحية التسلح، فإن الوضع العالمي اليوم لا يختلف كثيراً عما كان عليه في بداية القرن الماضي، باستثناء أننا بتنا في عصر الطائرات المسيّرة، والصواريخ والقذائف الذكية على أنواعها، والرادارات عالية الدقة، والطائرات والصواريخ الخفية (الشبح)، والمنظومات الدفاعية المضادة للصواريخ، والأسلحة النووية، والروبوتات القتالية، والوسائل الكهرومغناطيسية، والتقنيات السيبرانية.

 

ولم تعد هذه المعدات والوسائل حكراً على القوى العظمى، إذ باتت متوفرة اليوم لدى دول مثل أوكرانيا وكوريا الشمالية وإيران. وإن توفر هذه التكنولوجيات يشجع الأنظمة العدائية على أن تكون أكثر تحدياً، كما يمنح الدول الضعيفة نسبياً، مثل أوكرانيا، قدرة على الصمود والمقاومة في وجه قوى أكثر نفوذاً.

 

لم يتوقع أحد هجوم حماس من غزة في تشرين الأول 2023. فبفضل صواريخها وطائراتها المسيّرة المصنعة محلياً، وآلاتها الطائرة المبتكرة بوسائل بسيطة، ومقاتليها المتمكنين تكنولوجياً، تمكنت الحركة من احتلال جنوب إسرائيل مؤقتاً.

 

وعشية الحرب الحالية، كان من الواضح أن إيران لم تعد قادرة على الاعتماد على حلفائها الإقليميين، لا سيما حزب الله وحماس وميليشيات الحشد الشعبي العراقي، بعدما أضعفتهم حرب استمرت خمسة عشر شهراً مع إسرائيل. علاوة على ذلك، كان يُعتقد أن طهران باتت «خارج معادلة التأثير» بعدما لحقت بقداتها العسكرية والنووية أضرار جسيمة خلال «حرب الـ 12 يوماً» في حزيران 2025، خصوصاً وأنها كانت آنذاك منخرطة في مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي.

 

تبدّدت هذه الافتراضات وظهر خطؤها؛ فبينما كانت إيران تفاوض، كانت في الوقت نفسه تعيد بناء مخزونها من الطائرات المسيّرة المصنعة محلياً، والتي أثبتت فاعليتها في أوكرانيا، فضلاً عن الصواريخ البالستية المتطورة، وصواريخ «كروز» عالية الدقة، والصواريخ فوق الصوتية(Supersonic) عابرة البحار والمضادة للسفن، والصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic)، وصواريخ ذات رؤوس متعددة يصل مداها إلى أكثر من 2000 كيلومتر. وهذا ما يعزز قدرة نظام الملالي على إغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة في الخليج العربي.

 

في الثمانينيات من القرن الماضي، وخلال الحرب العراقية-الإيرانية، لم تتردد طهران في زرع ألغام بحرية في هذا المضيق، مما استدعى حينها هجوماً أميركياً مدمراً على بحريتها لضمان حرية المرور في الممر المائي. أما اليوم، فقد أثبت الحرس الثوري الإسلامي خبرته عبر اللجوء إلى مزيج معقد من تكنولوجيات رادارات المراقبة، والطائرات المسيّرة، والزوارق المسيّرة الانتحارية، والصواريخ بر-بحر، والغواصات القزمية (تمتلك إيران 18 منها على الأقل، وهي صعبة الرصد بشكل خاص)، والألغام البحرية التي ورد ذكرها في أحدث التقارير الأميركية.

 

شرطان لإنهاء الحرب

 

بات إغلاق طهران لمضيق هرمز يتبلور كواقع ملموس، على الرغم من التراجع الكبير في القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية. إلا أن الإيرانيين ما زالوا يحتفظون بإمكانات تكنولوجية كافية، وإن كانت محدودة، كالألغام والطائرات المسيّرة، لإغلاق المضيق. وبما أن إبقاء هذا الممر المائي مفتوحاً أمام الملاحة يمثل مصلحة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، فقد بلغت المواجهة مرحلة بات معها مستقبل الرئيس دونالد ترامب رهناً بقدرته على حماية هذه المصلحة؛ فإذا أعطى انطباعاً بأن إيران قد ردعته، فإن ذلك سيزلزل الأركان الجيوسياسية العالمية وسيتسبب بخضة سياسية كبرى داخل الولايات المتحدة.

 

ثمة اعتبارات تكنولوجية أخرى ذات تداعيات جيوسياسية: فإيران، كما يشير مسؤولوها أنفسهم، لا تزال تحوز 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بعيداً عن أعين وسائل المراقبة الأميركية. كما يمتلك هذا البلد أجهزة طرد مركزي قادرة على تخصيب هذا اليورانيوم بنسبة 90%، ما قد يمهد الطريق لإنتاج سلاح نووي. إن الخطر هنا لا يكمن بتاتاً في إطلاق إيران قنبلة ذرية عبر صاروخ بالستي، بل يكمن في احتمال أن تعمد طهران – التي سبق ورعت عمليات إرهابية، وهي حليفة لميليشيات نفذت هجمات مماثلة، وتأوي وفق تقارير عدة ناشطين من تنظيم القاعدة –في لحظة يأس، إلى نقل هذه المواد المشعة إلى منظمات قد تستخدمها لتنفيذ نسخة جديدة من «11 أيلول» تكون أكثر تدميراً.

 

هذه الاعتبارات تجعل من غير المرجح أن ينتهي النزاع نهايةً هزيلة أو مبتورة. فإيران تخوض معركة وجود وتشن حرباً نفسية لتعطي انطباعاً بالثبات وتحقيق النصر، في حين يتمسك الرئيس ترامب بمطلب الاستسلام الكامل لطهران.

 

إن هذا الصراع لا يمكن أن ينتهي إلا بنصر حاسم للولايات المتحدة على طريقة «فون كلاوزفيتز» – وهو أمر مكلف بكل المعايير – أو عبر مفاوضات تُرغم إيران على التخلي عن موادها الانشطارية عالية التخصيب، وتفكيك قدراتها التي تهدد الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز. وفي غضون ذلك، تستمر رحى الحرب في الدوران، بينما تزداد إيران ضعفاً يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل