شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
عالمٌ يُعاد كتابته، وجمهورٌ يُعاد ترويضه

يدخل النظام العالمي مرحلةً انتقاليةً تسمها إعادةُ البناء لا الانهيار. فالنظامُ الذي أرسته نهايةُ الحرب العالمية الثانية، والذي انفردت بقيادته الولايات المتحدة — وأكثرَ من أي وقت مضى منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1990 — يتكيّف اليوم مع معطيات جديدة. ثقلُ الصين الاقتصادي يمنحها رافعةً استراتيجية تمتدّ أبعدَ بكثير من دوائر التجارة والمال، فتُرسّخها منافساً قوياً للولايات المتحدة. وإن كان نمطُ تدخّلها يختلف عن نمط القوى الغربية، فإن نفوذها المتنامي في مناطق كالشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ليس في نهاية المطاف سوى وجهٍ آخر من وجوه الاستعمار الجديد، ومن ثمّ ليس أقلَّ وطأةً على المصالح الأمريكية الكونية. أما روسيا، وعلى الرغم مما أفقدته الحربُ في أوكرانيا من رصيدها الاستراتيجي، فإنها ليست في وارد التهوين من شأنها باعتبارها قوةً عالمية. فهي لا تزال تمارس نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط وسواهما، وتحتفظ بشبكة نفوذ جيوسياسي ممتدة. وهكذا تبقى، في حسابات واشنطن، تهديداً حقيقياً — أضعفَ مما كانت عليه، غير أنه ليس بائداً. والأهم من ذلك كله أن الانخراط المتذبذب للقوى التقليدية — كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا — وما تراكم عليها من تحديات داخلية، قد أوجد فراغاً استراتيجياً أتاح لطيف جديد من الفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط وآسيا الصعودَ إلى مرتبة «صانعي النفوذ» الجدد. المشهدُ الناشئ متعدد الأقطاب، وهو في الوقت ذاته بالغُ التشابك. باتت المنافسة في جوهرها اقتصاديةً وتكنولوجية. فالسيطرة على سلاسل التوريد والبنى التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي وتدفقات الطاقة والمعادن النادرة أصبحت ترسم خرائط النفوذ الاستراتيجي أشدَّ تأثيراً وأبقى أثراً من أي توسع إقليمي مادي. في هذا السياق، باتت الشركاتُ الكبرى والمؤسسات المالية تمارس تأثيراً عابراً للحدود غير مسبوق، وتكشف عن أشكال جديدة من هشاشة الدول. من منظور واقعي، يمثّل ذلك تبدّداً جزئياً للسلطة بعيداً عن قبضة الدولة. فرغم أن الحكومات تبقى الفاعلَ الرئيسي، فإن قدرتها على إسقاط نفوذها باتت تتآكل تحت وطأة كيانات خاصة تمسك بزمام الأصول الحيوية. والدول التي تعتمد على سلاسل توريد خاضعة لسيطرة أجنبية، أو على منصات رقمية، أو أسواق رأس المال، تجد نفسها مقيّدة هيكلياً في استقلاليتها الاستراتيجية، مما يُضيّق حريةَ حركتها حتى في الملفات التي كانت تُعدّ تاريخياً شأناً سيادياً خالصاً. وهكذا تُصبح الإكراهاتُ الاقتصادية ونقاط الاختناق التكنولوجية والرافعة المالية بدائلَ عن القوة العسكرية. قد تبدو هذه الحقيقة الجديدة وكأنها تُرسّخ تبادلاً معقداً للاعتماد المتبادل، تضطلع فيه الشركاتُ بدور الوساطة بين الاقتصادات الوطنية. بيد أن هذا التشابك ليس بمتكافئ. فالدول المندمجة في الأسواق العالمية، من دون أن تمتلك ناصية السيطرة المحلية على تمويلها وتكنولوجيتها وطاقتها، هي الأشدّ عُرضةً للصدمات الخارجية وللقرارات الصادرة عن جهات خاصة تقع خارج نطاق رقابتها. كثيراً ما يوازي حجمُ الفاعلين من غير الدول وتأثيرُهم ذلك الذي تحظى به الدول القومية، مما يُثير نقاشات جوهرية حول الحوكمة والتنظيم والتوازن الاقتصادي. فالحوكمة تتحول تدريجياً من المؤسسات العامة إلى شبكات الشركات العابرة للحدود، التي تضع المعايير وتتحكم في تدفق البيانات وتؤثر في المنظومات التنظيمية. وسلطة الدولة لا تُمحى، لكنها تتفتت وتُقاسَم مع فاعلين من غير الدول، تحرّكهم اعتبارات الربح وإدارة المخاطر ومصالح المساهمين لا الاستراتيجية الوطنية. بالنسبة للشرق الأوسط، تنطوي هذه المرحلة الانتقالية على مخاطر وفرص في آنٍ معاً. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي ومبادرات التحول في قطاع الطاقة والاستثمارات في البنية التحتية تُرسّخ المنطقة عقدةً محوريةً في الشبكات العالمية المتشكّلة. والسؤال ليس هل ستتأثر المنطقة — بل كيف ستتمكن من صياغة هذا التحول والاستفادة منه. وقدرة دول الشرق الأوسط على ذلك تتفاوت تفاوتاً كبيراً، وهي في جوهرها مشروطة بهشاشات بنيوية متجذّرة. كثيرٌ من هذه المواطن الهشّة تضرب جذورها في إرث التكوين الاستعماري للدول، الذي أفرز حدوداً ومؤسساتٍ واقتصاداتٍ سياسية لا تنسجم مع واقع المجتمعات. وقد اعتمدت نماذج الحكم التي تلت الاستقلال في الغالب على الإكراه والريوع الخارجية والمحسوبية، عوضاً عن المشاركة السياسية الشاملة، مما أفضى إلى عقود اجتماعية واهية أو ممزّقة. ومع الوقت، زادت التكريساتُ الاستبدادية والنزاعاتُ المسلحة وسوءُ الإدارة الاقتصادية من تآكل شرعية الدولة وقدرة مؤسساتها. ومع ذلك، فإن التحول الأعمق يجري على مستوى المجتمعات. فقد أفضى تعادُ الاستقرار — من التقلبات المالية إلى الصدمات الجيوسياسية — إلى إعادة تشكيل التوقعات العامة. ما كان يُشعل ردود فعل جماهيرية مستدامة صار اليوم لا يثير سوى استجابات محدودة. دورات المعلومات تتسارع، والأزمات تتراكب، مما يُقلّص آفاق انتباه الرأي العام. هذا التحول لا يعني بالضرورة توجيهاً ممنهجاً للرأي، لكنه يعكس تحولاً بنيوياً في آليات امتصاص المجتمعات للاضطراب. وقد باتت القدرة على التكيّف سمةً محددة للمجتمعات المعاصرة. غير أن الخطر يكمن في أن التكيّف من دون مشاركة فاعلة قد يُضعف الانخراط المدني على المدى البعيد. النظامُ العالمي الناشئ لن تُشكّله المنافسةُ الاستراتيجية بين الدول وحدها، بل أيضاً الطريقةُ التي تفسّر بها المجتمعاتُ التغيرَ المتواصل وتتجاوب معه. في نهاية المطاف، قد لا يكون التحول الأعمق جيوسياسياً، بل معرفياً. إذ مع تبدّد السلطة على الدول والشركات والشبكات العابرة للحدود، يجد المواطنون أنفسهم أمام أنظمة حكم تبدو بعيدةً ومبهمةً وعسيرة التأثير فيها. والسؤال المحوري هو: هل تتجاوب المجتمعات مع هذا التعقيد من خلال تجديد انخراطها السياسي، أم أنها تنكفئ إلى مجاراة دائمة لأُطر لم تعد تُسهم في صياغتها؟ في سياقات كثيرة، أفرز التعرّضُ المديد للأزمات والهشاشة الاقتصادية والتبعية الخارجية سياسةَ المهادنة بدلاً من المشاركة. فالمواطنون يعيدون معايرة توقعاتهم نزولاً، مُؤثِرين الصمود والتكيف الفردي على العمل الجماعي. والحكمُ، في المقابل، يخاطر بالانزلاق إلى نشاط تكنوقراطي يكتفي بإدارة الاضطراب عوضاً عن بلورة مشاريع سياسية مشتركة. هذا التحول المعرفي — من المِلكية إلى التحمّل — ينخر ببطء في أُسس المحاسبة والرضا. لن يُحسم مآل هذه المرحلة الانتقالية بالدول والشركات والمؤسسات وحدها. فهو رهينٌ بما إذا كان المواطنون سيظلون فاعلين في صياغة أُطر الحكم، أم سيستكينون إلى حالة من التكيّف الأبدي مع قوى لم يعودوا يُجادلونها. العالمُ يُعاد كتابته في الزمن المباشر. وما إذا كانت الفاعلية الإنسانية ستتطور بالتوازي مع ذلك — أو ستتآكل تحت ثقل التعقيد والإرهاق — سيحدد ليس شرعية نماذج الحكم المستقبلية وحسب، بل طبيعةَ الحقبة القادمة برمّتها.

موت الإله وشيوع الزمان
بقلم
علي خليفة
نُشر

عرف الشيعة "موت الإله" قبل أكثر من ألف عام، عندما انقطع نسل الحسن بن علي العسكري ومات مسمومًا، فكان آخر الأئمة الأعلام المعصومين. ولم يخلُ الفقه السياسي الشيعي إلى فسحة عزاء، بل أصرّ أن تستمرّ ولاية الإله وعصمة الوليّ. فتولّد إبن الحسن، على الأوجب، ثم غاب غيبة صغرى، تلتها غيبة كبرى، على الأحوط... وهكذا، دفع الفقه السياسي الشيعي عنه فكرة "موت الإله"، وهرب منها إلى آخر الزمان... وعلّق الزمان تاركًا شعرةً تقوم على انتظار المهدي الذي سيعود من غيبته ليملأ الأرض عدلاً وقسطًا بعد أن مُلِئت ظلمًا وجورًا... جولة في المخيال السياسي الشيعي ما قبل الخميني بانتظار فرجه الشريف، يبقى التاريخ السياسي بالنسبة للشيعة مجموعة مظالم ومآسٍ. لا يتنكّرون لها ولا يعملون على اتقائها، بل على العكس تمامًا فإنها تراكم ضروري لعودة المهدي. علاوة على ذلك، وقف الشيعة طويلاً في حِلّ من الدولة باعتبارها غير شرعية، وتوجّسوا من مفاهيم الحداثة وما آلت إليه، إلا وسع ما حلّلته بعض المرجعيات، في فلتات مفردة، وتفاوت كبير بين انفتاح وانغلاق. بانتظار المهدي، صاحب الزمان، يجد المخيال السياسي الشيعي نفسه أمام انسداد معرفي ومأزق وجودي. فانقطع الوصل مع الإله، وبانتظار عودة حجّته، يصبح الزمان مشاعًا بغياب صاحب الزمان. ما قاد نفرًا من الشيعة عبر العصور إلى الانكفاء عن السلطة ومقاطعتها. البعض الآخر من الشيعة تعاطى مع السلطة القائمة بحكم أنها ضرورية، إذ لا بد للناس من إمرة بِرّ أو فاجر. وكاد انسداد الفقه السياسي لدى الشيعة أن يفضي إلى تبنّي مشروع الدولة المدنية ويدخل منها إلى الحداثة، إذ لا بديل يقدّمه غير الانتظار أو التعامل مع الواقع القائم بحكم الضرورة. من هنا، قبل الخميني، كان الشيعة من تلقاء ذواتهم، قد أماتوا الله، على قارعة الانتظار الطويل لعودة حجته. وكان انخراط الشيعة طبيعيًا في أحزاب ومنظمات قومية وتقدّمية وماركسية ويسارية واشتراكية وليبرالية وعلمانية وإلحادية... هذه التيارات السياسية والفكرية ملأت مكان الإله الذي أدار ظهره وجعل عباده ينتظرون وصله. نافذة الحداثة الغربية وإغلاقها في إيران "الله مات، ونحن من قتلناه"، بحسب الفيلسوف فريدريش نيتشيه. هكذا بادر المجتمع الغربي الحديث لتحجيم دور الدين كمرجعية أخلاقية. بالنتيجة، نمت وازدهرت منظومات معرفية واقتصادية وتكنولوجية في ظروف مؤاتية لكلّ متطلبات النماء والرخاء والهناء. ولم يعد الدين إلى الفضاء العمومي إلا مصحوبًا بإبستمولوجيا العلوم كنظرية في المعرفة قدّمت إجابات على الأسئلة الكبرى للإنسانية من خارج صندوق الإجابات الجاهزة للأديان، وفلسفة الأديان التي حوّلت العقائد في المجتمعات الغربية إلى حقائق نسبية. تعدّد الآلهة وتجدّدها، نسبية الحقيقة وتقدير الحاجة لها، تغيير الزعيم ومحاسبته في إطار تداول السلطة، التنوّع كمصدر غنى والاختلاف في إطار إدارة التعدّدية: كلها براديمات مترادفة للحداثة. والنتيجة تحرّر الإنسان وتعزيز حقوقه كمواطن فرد، ودولة ذات مرجعية مدنية لتشريعاتها وقوانينها، رفاه الفرد والمصلحة العُليا للمجتمع، ونزعة عقلانية لتثبيت هذه المندرجات أو إعادة تقييمها والبناء عليها. بالمقابل، لن أناقش هنا الحداثة ونقد الحداثة، ولن أستعيد فوكو الهارب منها إلى أحضان الثورة الإسلامية في إيران، قبل أن يعود ويغيّر رأيه منها، باحثًا عن ضالّته لنقد الحداثة، كما ليفي – شتراوس وغيره، في السياق الطبيعي لتطوّر المجتمعات. وظلّ من قبيل الحرث في المياه استخراج مشروع سياسي للمجتمع من أوراق الفقه السياسي الشيعي. إلى أن جاء الخميني واستخرج نظرية ولاية الفقيه من أقبية التراث الديني، ليقفل النافذة على الحداثة الغربية في إيران والمنطقة العربية. فجعل نسخةً طبق الأصل في عيون الشيعة عن صاحب الزمان، ونصّب الوليّ الفقيه الإيراني نائباً عنه! كيف يعمل العقل الغيبي للشيعة في ظلّ عقيدة ولاية الفقيه؟ للوليّ الفقيه شيعته في حواضر عربية كثيرة. هم "المستضعفون" من حكوماتهم وفي دولهم الوطنية. لذلك، عليهم أن يدينوا بالولاء والطاعة للوليّ الفقيه على حساب انتمائهم إلى هوياتهم الوطنية وقضايا مجتمعاتهم، بل له عليهم ما للنبيّ وما لله. وما الحدود السياسية إلا موانع رخوة أمام "الولاية" المتمدّدة. بينما "نصرة المستضعفين" أينما كانوا في العالم، فهي القيمة القاعدية لدستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية. و"تصدير الثورة"، لهذه الغاية، هي الطريق لبسط النفوذ والتوسّع. بذلك، كسر الوليّ الفقيه انتظار الشيعة للمهدي، كونه نائبًا له وحاضرًا بينهم في نفس الوقت. وأبقاهم في حال انتظار دائم. فأصبح عقلهم يقوم على الغيبيات التي تحلّ محل المقاربات الواقعية. وتطغى بالنتيجة إرادة التعطيل في كافة المجتمعات حيث يتواجد شيعة الوليّ الفقيه؛ فالعبرة في تكليفه الشرعي الذي يقرّه نيابةً عن ملايين الشيعة! ويحلّ الخراب والدمار والقضم من الداخل، فالحكم ثورة دائمة وتصدير ثورة، لا استقرار وسلام وسيادة للدول في إطار موجبات الأمن الوطني لكلّ منها. وتستعر الحروب الدائمة ويصبح القتل عادة في مقابل تغييب التنمية ومتطلّباتها… أو تنتشر الويلات وسفك الدماء وهتك القيم الإنسانية وتشيع الفوضى والقلاقل؛ فتلك إرادة ربانية ولا مجال للالتفاف! يصبح كلّ قتيل شهيدًا، وكل شهيد سعيد، هنيئًا لقد مات! ما يستدعي المباركة أكثر من العزاء لصاحب الزمان الإمام المهدي والأمة الإسلامية! السقوط على الأرض معراج للسماء وارتقاء، ووشاح الموت وسام إلهي. وصولاً إلى الهزيمة الكاملة والسقوط المدوّي في الثقافة والسياسة والأمن والحضارة في إيران وخارج إيران! وهنا يأتي دور تقديس الجهل وإنكار الواقع فتصبح الهزيمة انتصاراً، والذلّة عزة، وكرامة النفس طاعة عمياء… ولا مجال لمساءلة الولي الفقيه أو محاسبته ولا وكلائه وأتباعه لأنّ مبايعته هي إبراء للذمة! يعمل الشيعي في عقيدة الولي الفقيه، في الأنظمة الموازية للمجتمع في دولته ولا يعمل لصلاح المجتمع ككلّ؛ لأن ما يهمه تكليفه الشرعي الذي يخلص له ويغشّ في كلّ ما عداه. الشيعي في عقيدة الولي الفقيه، لا يفاضل بعقلانية بين الخيارات، ولا يأبى الفوضى والتخريب، ولا يضيره أن يعيش في مجتمع بلا دولة، ولا يتوانى إن وقع الموت عليه أو هو وقع على الموت... تسليم أمره لوليّ أمره هو مفتاح فهم عقله وسلوكه، لا العقلانية كمقاربة منهجية. الأسئلة ذات النزعة العقلانية، الطبيعية، العادية كالتنمية والإنتاج والاستقرار ليست من العقل الغيبي للشيعة في عقيدة الوليّ الفقيه. موت الخامنئي وكلّ آلهة التمر "الخامنئي مات، ونحن من قتلناه." تستطيع الإدارة الأميركية بعد هذا الإعلان إخراج الشيعة من كهف فقههم السياسي وعقلهم الغيبي بالضربة القاصمة وإدخالهم إلى الحداثة. وإذا عاد الخامنئي الإبن، كما أبناء الآلهة، فستكشف ثورة التواصل عورات قدسيته المزعومة، من مؤهلات غير كافية للمرجعية الدينية إلى سهولة استهدافه وإصابته بما يحيله من كلّ الجهات إلى إله من تمر يسهل أكله، كما درج المسلمون غالبًا على مرّ التاريخ إذ يأكلون آلهتهم إذا جاعوا...

في اليوم العاشر للحرب: التصعيد الكلامي يشتعل بين الأطراف المتحاربة

في اليوم العاشر لبدء الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على إيران، والذي أدى إلى اشتعال المنطقة برمتها وصولاً إلى لبنان، تستمر حدة التوتر في الارتفاع. فبينما تصعّد السلطات الأميركية والإسرائيلية من لهجتها، تردّ أركان النظام الإيراني - الذي يصارع من أجل بقائه - بحدة متزايدة، وكأن الروح قد دُبّت فيهم من جديد منذ إعلان هوية المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد رسم معالم المرحلة يوم الإثنين، حين صرّح في مقابلة مع شبكة سي بي إس (CBS) بأنه يعتقد أن «الحرب قد انتهت تقريباً»، معتبراً أن النزاع يسير «بوتيرة أسرع بكثير» مما كان مقرراً في الجدول الزمني الأولي. وفي المقابل، جاء ردّ الحرس الثوري في بيان حازم أكد فيه: «نحن من سيقرر متى تنتهي هذه الحرب». الإيرانيون لم يكتفوا بالتصريحات النارية، بل ذهبوا إلى حد التهديد بـ«قطع صادرات النفط طوال مدة الحرب»، وهو ما استدعى رداً مباشراً منترامب. فالرئيس الأميركي توعد بـ«ضربات أكثر قسوة» في حال أقدمت طهران على تنفيذ تهديدها. وبدوره، ردّ مستشار الأمن القومي الإيراني عليلاريجاني، معتبراً أن تهديدات ترامب «ليست سوى فقاعات فارغة»، ومؤكداً أن «إيران لا تخشى أحداً». ماذا يخفي هذا السجال الحاد في التصريحات، لا سيما من الجانب الإيراني؟ لا تزال المعطيات المتوافرة عن الأوضاع في الداخل الإيراني شحيحة للغاية، بفعل القصف الإسرائيلي-الأميركي العنيف والمتواصل الذي يستهدف المدن وبشكل خاص البنى التحتية الإيرانية. وفي جميع الأحوال، جاء تصريح جديد للرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثلاثاء ليربك المشهد من جديد؛ فترامب، الذي يهوى اللعب على وتري التصعيد والتهدئة، أكد أنه «سمع بأن طهران تريد التفاوض»، وأنه مستعد لذلك. من جهته، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه يعمل على «تكسير عظام» النظام الإيراني، مجدداً دعوته الشعب الإيراني إلى الثورة. مسيحيو الجنوب في لبنان، لا تزال الحرب مستعرة، وتتوالى أوامر الإخلاء التي يطلقها الجيش الإسرائيلي لمناطق بأكملها. ويواصل الطيران الإسرائيلي استهداف الأذرع المالية لـ«حزب الله»، وتحديداً مؤسسة القرض الحسن، حيث دُمرت فروع عدة لها، معظمها في الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد طُلب من سكان سبعة أحياء في هذا القطاع إخلاء منازلهم «حتى إشعار آخر». ومع ذلك، شهد اليومان الماضيان أحداثاً دامية في قرى حدودية مسيحية لا تُصنف، بطبيعة الحال، ضمن معاقل حزب الله. ففي بلدة علما الشعب، استُهدف السبعيني سامي غفري يوم الأحد برصاص مسيّرة أثناء قيامه بريّ أرضه، وقد أثار مقتله تساؤلات لدى المراقبين. والإثنين، جاء دور بلدة القليعة لتشهد دوامة من العنف أودت بحياة الكاهن بيار الراعي، وذلك بعد لجوء مقاتلين من حزب الله إلى خلف منزل مأهول لإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل. وكان الجيش الإسرائيلي قد نشر الإثنين شريط فيديو يظهر «تسلل عناصر مسلحة إلى قرية مسيحية في جنوب لبنان»، والمقصود بهم عناصر من حزب الله. هل رمت هذه الهجمات إلى ترهيب سكان تلك القرى المتمسكين بالبقاء في أرضهم، أم أنهم وقعوا فعلياً بين مطرقة إسرائيل وسندان حزب الله؟ وفي كل الأحوال، قرر أهالي علما الشعب إخلاء بلدتهم تحت حماية قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل)، فيما تلقى أهالي رميش اتصالات من الجيش الإسرائيلي تطالبهم بإخراج نازحين شيعة كانوا قد استضافوهم في منازلهم، وقد جرى نقلهم لاحقاً إلى مدينة صور. أمام هذا التصعيد العنيف في لبنان، أعربت فرنسا عن قلقها البالغ، وطلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي في نيويورك، مُرتقب غداً الأربعاء 11 آذار. الظهور العلني الأول لمحمد رعد كذلك، طبعت مساء التاسع من آذار إطلالة لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، في أول ظهور علني له منذ سريان شائعات عن اغتياله من قِبل إسرائيل في الأيام الأولى للنزاع. فبعد ساعات قليلة على مشاركته في الجلسة النيابية التي صوّت فيها وزملاؤه لمصلحة تمديد ولايتهم لمدة سنتين، استعاد رعد أدبيات الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، مهاجماً الحكومة على خلفية قرارها في 2 آذار اعتبار الأنشطة العسكرية للميليشيا غير قانونية، ومشدداً على أن لبنان «ليس أمامه من خيار سوى المقاومة». وتُشكّل هذه المواقف تحدياً إضافياً للحكومة ولرئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي كان قد اتهم حزب الله عشية ذلك بالتسبب في انهيار لبنان. كما تُعدّ محاولة جديدة لشدّ أزر القواعد الشعبية التي باتت تعاني، وبشكل متزايد، من خيبة أمل واضحة. من جهته، زار الرئيس جوزيف عون وزارة الدفاع يوم الثلاثاء، مدافعاً عن المؤسسة العسكرية وقائد الجيش العميد رودولف هيكل، الذي يتعرض بشكل متزايد لسلسلة من الهجمات منذ أن جرّ حزب الله لبنان مجدداً إلى حرب عبثية، ومنذ تكليف المؤسسة العسكرية تنفيذ قرار الحكومة القاضي بحظر الأنشطة شبه العسكرية الهدّامة لهذا الحزب. وأعطى رئيس الجمهورية إشارة واضحة إلى أن قائد الجيش «لن يُقال من منصبه»، منتقداً الأصوات التي ترتفع للمطالبة برحيله.

الحربُ... لِعَدَمِ كِفايةِ البدائل
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر

أنتمي إلى ذلك الجيل الذي ترعرع في كنف الحرب، ويخشى اليوم أن يوارى الثرى معها، بعدما أضاع زهرة عمره في ترقّب غدٍ أفضل أو رجاءٍ لا يتحقق. أنا من جيل «ما بين الزمانين»، الذي عاصر حقبة ما قبل العام 1975، لكنه عجز عن استحضار ذكريات صبا حقيقية منها. نحن الجيل الذي يقتاته الندم دون أن يقوى على طي الصفحة؛ الجيل الذي توهّم أن شباب اليوم، على اختلاف انتماءاتهم، سيتعظون من خيباتنا، فيؤثرون الحياة على ميتة يُراد لها أن تكون «استشهادية». لا أزال، ككثيرين غيري، في حالة من الذهول أمام انجرار بلادي مجدداً إلى أتون حرب عبثية، بدلاً من توقيع معاهدة سلام؛ تلك المعاهدة ذاتها التي أتاحت لبقية العرب المضيّ قُدُماً بخطوات عملاقة، في وقتٍ كنّا نتوهّم فيه أننا نمسك بـ «كأس الخلاص» في المنطقة. وها نحن اليوم نُقذف إلى الصفوف الخلفية، مرغمين على معاينة واقعٍ مؤلم: إن جغرافيتنا كما ديمغرافيتنا ستُعاد صياغتهما إلى الأبد. لم يعد السؤال اليوم: «نرحل أم نبقى؟»، بل بات الرهان على وجود البلاد بحدّ ذاته، وهو وجودٌ أصبح في عين الخطر. فالمسألة لا تكمن فيما إذا كانت لإسرائيل نية مبيّتة لشنّ ضربة استباقية أم لا، فهذا نقاشٌ تجاوزته الأحداث. أما حزب الله، وبإطلاقه تلك الرشقات الصاروخية، فقد قدّم لها الذريعة التي تُجرّدنا من حق التذرّع بالقانون الدولي، هذا إذا افترضنا أصلاً أنَّ ثمة قانوناً دولياً لا يزال قائماً. فاليوم، يثير الحديث عن النظام الفيدرالي حفيظة الكثيرين، ولعلّ البلاد أصغر من أن تحتمل مثل هذا الطرح. أما اتفاق الطائف، فيبدو أنه دخل طور الاحتضار في ظلّ هشاشة العيش المشترك. ألم تكن تلك المقولة الشهيرة عن «العيش المشترك» اللبناني سوى واجهة زائفة حجبت خلفها دوماً التوترات الكامنة؟ وهل هذا التعايش ليس في الحقيقة سوى «تساكنٍ» قسري، كما تصفه المؤرخة ديما دو كليرك؟ تلك «المساكنة» التي باتت هي الأخرى اليوم، مهددة بالانهيار. وها هو لبنان، ومعه سلطاته التي لم تكفَّ يوماً عن المراوغة والتميع في مسألة نزع سلاح الميليشيا تحت ذريعة تحاشي الحرب الأهلية، يجد نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام حرب شاملة. جرت العادة أن يختار المرء أخفّ الضررين، لكنَّ لبنان لم يختَر شيئاً؛ بل ترك نفسه ينجرف مع التيار، مستنفداً الوقت ضياعاً، شأنه في ذلك شأن الإيرانيين الذين كانوا يدركون سلفاً خواتيم الأمور. فالتحالفات لا تُبنى ولا تُنقض بناءً على تقاربات ثقافية أو مذهبية، بل هي محضُ تقاطعٍ للمصالح؛ وحين تتقارب هذه المصالح، لا بدَّ من ركوب القطار، حتى لو آلت الرحلة إلى انحرافه عن السكة بعد عقود. هكذا هو العالم، ولا سيما عالمنا اليوم الذي فقد صوابه. وبينما كانت أوروبا غارقةً في هواجس تخلّفها في سباق الذكاء الاصطناعي، باغتتها الحرب في أوكرانيا، في وقتٍ اتخذ فيه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي طابعاً مزمناً. وبعيداً جداً عن «الريفايرا» التي وعد بها ترامب، ها هو لبنان يجد نفسه عالقاً في شباك نظام ملالي هو الأكثر قتامةً وجنائزية. قد يظن البعض أنَّ هذه المرة هي الحاسمة والنهائية، غير أنَّه في هذا الجزء من العالم، لا شيء نهائياً على الإطلاق؛ فكلُّ شيءٍ هنا متقلب، وكلُّ شيءٍ ينحني أمام أهواء هذه الديكتاتورية أو تلك. فلا جدوى إذن من توهّم أنَّ الطريق قد سلكت مسار الانفراج، فالمسألة ليست سوى مسألة وقت قبل أن نرى الأعشاب الضارة تنبت من جديد. أما عن المفارقات السريالية، فلبنان لم ينتهِ من فصولها بعد؛ إذ في يوم واحد، استيقظ اللبنانيون – وهم الذين لم يُستشر لهم رأي – على تمديدٍ لولاية برلمانهم لسنتين إضافيتين، وعلى إخلاء سبيل عناصر مسلحة بكفالة زهيدة لم تتجاوز العشرة دولارات. ولحفظ ماء الوجه، بادر أحد الوزراء إلى إحالة القاضي المسؤول عن هذه الهرطقة إلى التفتيش القضائي. وبعد كل هذا، هل يجرؤ أحدٌ على القول إنَّ العيش في لبنان لا يمنحك «عرضاً» يستحق كلَّ فلسٍ دفعته؟ * الآراء الواردة في هذه المقالة هي آراء الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة موقف هيئة التحرير .

There Can Be Only One
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

تستدعي التصريحات الأخيرة لنائب الأمين العام لحزب الله محمد رعد، ولمحمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي للحزب، تأملاً عميقاً في المعنى السياسي للصراع الدائر. يتحدث قماطي عن “فرصة ذهبية” للدولة، انطلاقاً مما يدّعي حزب الله أنه “أثبت” على أرض الواقع، لإرساء معادلة ردع ينبغي توطيدها الآن. أما رعد، فيسقط قناعه تماماً ويوجّه اتهاماته صراحة إلى الدولة، محمّلاً إياها مسؤولية الامتناع عن التورط في نزاع اصطنعه حزبه بنفسه من لا شيء. ويتمسّك نائب الأمين العام بعناد بإرادته في تحرير الأراضي اللبنانية من احتلال… لم يكن قائماً قبل أن تقرّر ميليشياته افتعال الأعمال العدائية انتقاماً للمرشد الروحي الإيراني! لا حاجة إلى التأكيد على أن هذا الخطاب يمثّل إنكاراً صريحاً للواقع. صحيح أن حزب الله يثبت راهناً أنه، رغم سلسلة الانتكاسات الفادحة التي مني بها عام 2024، والاستهداف المتواصل لكوادره من قِبَل إسرائيل حتى في مراحل الهدوء النسبي، والضغوط الدولية والمحلية المتصاعدة من أجل نزع سلاحه، لا يزال يمثّل تهديداً. لكن تهديداً لمن، في حقيقة الأمر؟ ذلك أن خطاب الحزب لا يتوجّه إلى تل أبيب، بل إلى الدولة اللبنانية. في عام 2008، حين أقدمت حكومة السنيورة على القرار الجريء القاضي بتفكيك شبكة الهاتف الثابت للحزب الموالي لإيران، أجاب حسن نصر الله بأن “السلاح موجود لحماية السلاح”، وأطلق بعدها حملته العسكرية العقابية على بيروت والجبل. تصريحات قماطي تُنبئ بأن هذا المنطق لا يزال قائماً، في الوقت الذي يتكاثف فيه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من الإيماءات الرامية إلى استعادة احتكار العنف المشروع. يتضح جلياً، من قراءة ما بين سطور خطاب الحزب، أن المسألة ليست الحفاظ على القدرات العسكرية للمقاومة بمفهومها الحرفي الضيق، بل ضرورة «حزبلة» الدولة اللبنانية مرة واحدة وإلى الأبد، لإبقائها في محور المواجهة، أي في دائرة النفوذ الإيراني، في مواجهة الضغوط الأميركية والرغبة في التفاوض مع إسرائيل. بعبارة أخرى، يريد الحزب «بسدرة» الدولة، على غرار ما يجري في إيران من تمكين لنجل خامنئي وسيطرة الحرس الثوري على أجهزة الدولة. هذا هو رد الحزب على قرار السلطة التنفيذية اللبنانية بنزع سلاحه. وعليه، فإن نتيجة هذا الحرب العبثية التي افتعلها الحزب ستكون، بصورة أو بأخرى، وجودية بالنسبة للبنان. فثمن تدمير الحزب سيكون باهظاً على لبنان، إذ سيُعرض بيروت على الأرجح لنفوذ إسرائيلي مباشر ويُثقل كفة أي تفاوض مع تل أبيب — فضلاً عن حجم الكارثة الإنسانية والبنية التحتية والاقتصادية والمالية المتفاقمة يوماً بعد يوم. وثمن “انتصار” بيروسي — يكفي لتحقيقه الصمود أطول وقت ممكن وإلحاق أكبر أذى بالخصم — لن يكون أقل فداحة، إذ سيُضعف الدولة اللبنانية أمام الحزب ضعفاً إضافياً. والمفارقة أنه أياً كانت نتيجة الصراع، سيخسر لبنان على صعيد السيادة، سواء في مواجهة إسرائيل أم إيران. في هذا السياق، تعود إلى الذهن عباراة فيلم Highlander لراسل مولكاهي: “There Can Be Only One"” - “لا يمكن أن يبقى إلا واحد.” وليس الأمر هنا إسرائيل في مواجهة حزب الله. بل الأمر — بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها — يخص لبنان بأسره في مواجهة حزب الله ورغبته الثابتة في الانتقام من البنية الدولاتية والنموذج اللبناني. لا مكان إلا لواحد فقط، لا غير . ولا بد أن يكون هذا الواحد الدولة — والنموذج اللبناني، مهما تكن عيوبه — الذي أُؤتمن على حراسته. هل يمكن تجنّب هذا الصراع الذي لا مناص منه، والضارب جذوره منذ عقدين؟ إزاء الطبيعة الميليشياوية المحاربة والغطرسة المتعالية لحزب الله، لا بد من الإجابة بالنفي: لا. بيد أن السؤال الذي يظل قائماً هو: كيف يستطيع دولة أن تواجه منظمة انتحارية بطبعها، مستعدة للقتال حتى آخر لبناني للحفاظ على لبنان تحت قبضة وليّها الإيراني، دون أن تنزلق إلى لعبتها القذرة من العنف والتشريع لذاتها عبر موقف الضحية. للمرة الأولى منذ الفرصة الضائعة في 14 آذار 2005، تواجه الشرعية معمودية نار حقيقية. عليها أن تستعيد، عبر توازن بالغ الدقة، سلطتها غير المتنازع عليها واحتكارها للعنف المشروع دون تنازل، مع حماية ثقافة التواصل والسلام في مواجهة ثقافة العنف والإقصاء. بعبارة أخرى: وإن كانت الشرعية عاجزة عن منع الحزب من الانتحار، فإنها قادرة — وملزمة — بأن تجدد نفسها، بعيداً عن المصالح الضيقة لزعماء العشائر والطوائف، وأن تقترح نموذجاً يكون، مرة واحدة وإلى الأبد، في النقيض التام من النموذج الشمولي والمستهتر للفوضى والمُميت للحرس الثوري، ونموذجاً جديراً بإرث محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسن الأمين وهاني فحص في تعدديتهم ونهضويتهم. هذا النموذج ليس نموذج الطلاق بين الطوائف، بل نموذج الوحدة غير القابلة للتجزئة، الضامن الحقيقي الوحيد للسيادة، كما في 2005. وهو نموذج لا يتوجّه فحسب ضد إيران وذريتها الأيديولوجية والميليشياوية، وضد إسرائيل أو أي وصاية سياسية أو مادية أخرى، بل يتوجّه من الداخل نحو توافق إيجابي على إرادة الاستمرار في العيش معاً. يخوض حزب الله، ومعه شريحة من الطائفة الشيعية، المسار ذاته من الغرور والتضخّم الذي قاد كل طائفة من طوائف لبنان، مدفوعة بتياراتها السياسية المتطرفة، إلى الاعتقاد بأن لبنان يمكن أن يُختزل في هيمنتها ورؤيتها للبلد. وقد دفعت كل منها ثمناً باهظاً على ذلك. حان وقت استخلاص العبرة، ونبذ الكبرياء جانباً، ونبذ المراءة معها. لا يكتفي حزب الله اليوم بالانتحار. بل يضع في الوقت عينه لبنان أمام نفسه وأمام لحظة حقيقة. إمّا أن يقرّر، مرة واحدة وبصورة نهائية، على أساس من اختيار عقلاني ناضج، تأسيس دولة مركّبة ديمقراطية حديثة ومتماسكة، تحترم التعددية والتنوع وخصوصية جميع مكوناتها، وتُتيح مساراً حقيقياً للتفرد المواطني تجاوزاً للانتماءات العشائرية والطائفية؛ وإمّا أن يختار الانهيار والطلاق، مع ما يحمله هذا الخيار من مخاطر فشل جديد في المنعطف. أصوات المنادين بالخيار الثاني، بعد عقود من خيبات الأمل المرّة والمؤلمة المتراكمة على امتداد قرن كامل، باتت أكثر حضوراً. وحتى لو شكّلت إغراءٌ الانكفاء على الذات مسكّناً قوياً لأنصار الطائفية، فإن لبنان الكبير، بكل نقائصه، يظل ضرورة للجميع، بقدر ما يمنح — وهذا البُعد لا يُبرَز بالقدر الكافي — قوةً وشرعيّةً لجميع مكوناته من خلال التعددية: إذ تُضفي كل منها شرعيّةً على الأخرى في مواجهة المنطقة وتقلّباتها. يعيش شريحة من اللبنانيين لبنان الكبير بوصفه لعنةً ومعاناةً، لأنهم لا يرون فيه سوى مصائبه وعلله. بيد أنه أيضاً، في كل يوم، في أصغر اللقاءات المثرية وأبسط تبادلات العطاء على جميع المستويات بين مواطنيه، ثمة تجربة حياة إنسانية فريدة من نوعها، لا سيما في هذه البقعة من العالم. شريطة أن تُتاح له إمكانية إدارة صراعاته في سلام، في كنف دولة وظيفية سيادية محايدة تجاه صراعات المنطقة وتحتكر العنف وتتمتع بحوكمة رشيدة، وتعمل في ظل معادلة إدارية قابلة للحياة، وقبل كل شيء عقداً اجتماعياً وسياسياً يحوز موافقة جميع اللبنانيين، مرتكزاً على احترام الدستور والقانون والحريات العامة والخاصة وخصوصيات كل فئة. ويستلزم هذا بطبيعة الحال حنكة رجال دولة تكاد تكون شبه منعدمة اليوم، إذ إن رجال الحكم هم من حوّلوا لبنان في الماضي، خطأً بعد خطأ، وعبوديةً بعد عبودية، وجنوناً بعد جنون، من جنة إلى جحيم. ولكن الأحداث كثيراً ما تفرز هذا النوع من الرجال الاستثنائيين، شريطة أن يقرّروا إظهار الشجاعة والتجرد والإحساس بالشأن العام. المعركة الدائرة ليست معركة هزيمة حزب الله أو انتصاره أو بقائه. لا. إن اجتثاث ورم خبيث من الجسد يعرّض التشخيص الحيوي للخطر. وعليه، فإن ما يتقرّر راهناً أمام أعيننا هو الجسد، بل والروح أيضاً، للبنان. أمد الله في عمر المريض وأعانه على الصمود. وإن خرج سليم البنية، فليحذر من خيار قد يندم عليه أكثر في نصف القرن المقبل.

"الحرس" يضع يده على إيران
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

وضع "الحرس الثوري" من خلال فرض مجتبى خامنئي "مرشدا" خلفا لوالده نهاية لنظام قام في أساسه على رفض التوريث. يكفي للتأكد من ذلك التوجيه الأوّل الذي صدر عن مجتبى بعيد الإعلان عن توليه موقع "المرشد" الذي يمثل السلطة العليا المطلقة في "الجمهوريّة الإسلاميّة". جاء في التوجيه الذي يعكس رغبة "الحرس" في التصعيد الآتي: " أولاً: نمنح القوات المسلحة تفويضاً كاملاً ومطلقاً لاختيار الزمان والمكان والوسيلة المناسبة للرد على أي اعتداء طال أو يطول أمننا القومي. - ثانياً: إن حماية المنشآت الحيوية والنووية هي خط أحمر، وأي تجاوز له يمنحكم الصلاحية لضرب أهداف استراتيجية في عمق أراضي المعتدين وحلفائهم دون انتظار إذن مسبق. - ثالثاً: إن الرد يجب أن يكون حازماً ومزلزلاً، ليفهم الاستكبار العالمي أن تغيير القيادة في إيران لا يعني ضعفاً، بل هو اشتعال لروح الانتقام والتحدي". يبدو أن "الحرس" قرّر اعتماد التصعيد في كلّ الإتجاهات، بما في ذلك دول الخليج الجارة انطلاقا من "روح الإنتقام". ليس مجتبى خامنئي، في نهاية المطاف، سوى أداة من أدوات هذه اللعبة التي كان والده صانعا لها... لا يمثل اختيار مجتبى خامنئي نجل "المرشد" الراحل ليحل مكان والده مفاجأة. يعود ذلك إلى أن علي خامنئي عمل منذ وصوله إلى موقع "المرشد" إلى تكريس سيطرته على مرافق الدولة بمشاركة "الحرس الثوري". بات "الحرس" يمثّل السلطة... وقد مارس هذه السلطة بالفعل عندما قرّر أن يكون مجتبى "المرشد" بهدف واحد وحيد يتمثل في حماية المصالح المشتركة بين السلطة العليا، ذات الصلاحيات المطلقة، في إيران من جهة و"الحرس" نفسه من جهة أخرى. تحوّل "الحرس" في عهد علي خامنئي، الذي عمّر 37 عاما، بين 1989 و2026 إلى العمود الفقري للنظام، بل إلى وحش لا مجال لضبطه. تبيّن في ضوء الأحداث الأخيرة أنّ من يحكم إيران هو "الحرس الثوري". يؤكّد ذلك أنّ الكلام الذي يصدر عن رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان كلام لا قيمة تذكر له. عمليا، لم تعد في إيران توازنات معيّنة بين الإصلاحيين والمتشددين. لم تعد، في ظلّ الحرب الدائرة، فائدة من هذه اللعبة التي كان خامنئي الأب يتقنها ويجعلها تصبّ في خدمة النظام ومناوراته. مع غياب علي خامنئي، كان لا مفرّ من استمرار دولة "الحرس الثوري" عبر نجله. تماما مثلما لم يكن ممكنا أن يخلف حافظ الأسد أحد غير نجله بعدما امضى الرجل ثلاثين عاما في السلطة. كان مطلوبا بعد وفاة حافظ الأسد بقاء السلطة والثروة داخل العائلة نظرا إلى التلازم بين هذين العاملين. مارس علي خامنئي، بصفة كونه "الوليّ الفقيه"، أي ظلّ الإمام الغائب على الأرض، السلطة على نحو مطلق. استطاع، عبر "الحرس"، أن يكون صاحب حصة كبيرة في الاقتصاد عبر شركات معيّنة وعبر مؤسسات تابعة لـ"المرشد". لم يكن النشاط الاقتصادي لـ"الحرس" بعيدا عن مجتبى الذي خصص معظم وقته لتكوين سلطة خاصة به عبر جمع الثروة... على غرار ما فعله بشّار الأسد في سوريا طوال ربع قرن، قبل اضطراره إلى الفرار إلى موسكو. يرمز اختيار مجتبى خامنئي لموقع "المرشد"، على الرغم من عدم امتلاكه الثقافة الدينيّة والمواصفات التي تؤهله لذلك، إلى دخول النظام الإيراني مرحلة جديدة هي مرحلة التوريث. يفرض اختيار مجتبى خامنئي ليحل مكان والده، في "جمهوريّة إسلاميّة" قامت على أساس رفض التوريث، طرح سؤال محدّد. يتعلّق هذا السؤال بمدى التزام مجتبى للسياسات المتشددة التي كان يتبعها والده. معنى ذلك، هل "المرشد" الجديد نسخة عن "المرشد" الراحل... أم أنّه شخص برغماتي يعرف أنّ حماية النظام القائم تقوم فقط على بقاء "الحرس الثوري" في السلطة. إلى أي حدّ يبدو مجتبى، الذي يبلغ الـ56 من العمر، مستعدا لإيجاد صيغة تفاهم مع إدارة ترامب ومع بنيامين نتانياهو وحكومته. يعرف "المرشد" الجديد، قبل غيره وفي ضوء ما حلّ بوالده في الثامن والعشرين من شباط – فبراير الماضي، أن الخيار أمامه بين العيش تحت الأرض وبين التعرّض للإغتيال. سارع "الحرس الثوري" إلى اطلاق دفعة جديدة من الصواريخ في اتجاه إسرائيل بعيد الإعلان عن إختيار مجتبى "مرشدا" جديدا. الأكيد أنّ مثل هذا التصرّف يستهدف إنقاذ ماء الوجه. المسألة مسألة أيام قليلة يتبيّن بعدها هل مصلحة "الحرس الثوري" في متابعة الحرب أم إيجاد طريقة للإستسلام من منطلق أن الأولويّة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بما في ذلك الصناديق الماليّة والإستثمارات التي يديرها مجتبى وآفراد العائلة؟ طريق الإستسلام واضحة. توجد شروط معروفة لا يمكن للأميركيين والإسرائيليين التراجع عنها، بدءا بالبرنامج النووي وانتهاء بالأذرعة الإيرانية مرورا بالصواريخ الباليستية والمنصات. ظاهرا، لا يمكن للنظام الإيراني القبول بهذه الشروط. لكنّ عليه في الواقع التكيف معها عن طريق مساومات تفرضها الحاجة إلى البقاء في السلطة بأي ثمن. في النهاية لم يجمع علي خامنئي ونجله مجتبى و"الحرس" كلّ تلك الثروة سوى من أجل البقاء في السلطة. السلطة تأتي بالثروة والثروة تخدم البقاء في السلطة. لم تخدم الظروف على خامنئي، لكن ليس ما يشير أنّ مجتبى، من خلال المعلومات المتوافرة عن سلوكه، من هواة الإنتحار. قد يكون مختلفا عن والده، بل مختلفا جذريا عنه، خصوصا أنّه تعرّف على كيفية جمع ثروة كبيرة وكيفية وضع هذه الثروة في خدمة السلطة، سلطة "الحرس" الذي يريد من مجتبي أن يكون أداة طيعة لديه لا أكثر... هل يحول تحوله إلى أداة في خدمة "الحرس" دون الإنتحار الذي تسير "الجمهوريّة الإسلاميّة في اتجاهه بخطوات حثيثة؟