شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
من أجل 14 آذار جديد
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

في ذاكرة اللبنانيين محطات كثيرة، لكن قلة منها شكّلت منعطفاً حقيقياً في تاريخ البلاد كما فعل يوم تظاهرة 14 آذار 2005. لم يكن ذلك اليوم مجرد تظاهرة ضخمة في وسط بيروت، بل لحظة نادرة اجتمع فيها اللبنانيون حول فكرة واحدة: استعادة الدولة. جاءت تلك اللحظة بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، الجريمة التي لم تهزّ لبنان فقط بل غيّرت مسار السياسة فيه. فاغتيال شخصية بحجم الحريري لم يكن حدثاً أمنياً عادياً، بل زلزالاً سياسياً كشف حجم الأزمة التي كان يعيشها لبنان تحت وطأة الوصاية الأمنية والسياسية التي فرضتها دمشق منذ نهاية الحرب الأهلية. لكن ما لم يتوقعه كثيرون آنذاك هو أن يتحول الحزن والغضب إلى انتفاضة شعبية بهذا الحجم. ففي 14 آذار 2005، خرج مئات الآلاف من اللبنانيين إلى ساحة الشهداء، في واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخ المنطقة، مطالبين بالحقيقة والعدالة، والأهم باستعادة السيادة الوطنية. أطلق العالم على تلك اللحظة اسم ثورة الأرز، لكن اللبنانيين الذين عاشوها يعرفون أنها كانت أكثر من مجرد “ثورة”. كانت لحظة وعي جماعي بأن الدولة ليست قدراً ضائعاً، وأن الوصاية ليست أبدية. نهاية مرحلة الوصاية لم يكن المشهد في ساحة الشهداء مجرد احتشاد بشري. كان إعلاناً واضحاً بأن مرحلة كاملة من تاريخ لبنان توشك على الانتهاء. فبعد ثلاثة عقود من النفوذ السوري في لبنان، وجدت دمشق نفسها أمام ضغط مزدوج: ضغط شعبي لبناني غير مسبوق، وضغط دولي تُرجم بقرار قرار مجلس الأمن 1559 الذي طالب بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان. في نيسان 2005، انسحبت القوات السورية من لبنان، منهية وجوداً عسكرياً بدأ عام 1976. بالنسبة لكثير من اللبنانيين، بدا الأمر وكأنه استعادة للاستقلال للمرة الثانية. لكن التاريخ اللبناني نادراً ما يسير في خط مستقيم. السيادة الناقصة سرعان ما تبيّن أن انسحاب الجيش السوري لم يعنِ نهاية الأزمة اللبنانية. فالوصاية العسكرية المباشرة انتهت، لكن معادلة السلاح خارج الدولة بقيت قائمة. وهنا دخل لبنان مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عنوانها الأساسي: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ في تلك السنوات، برز الدور المتنامي لـ حزب الله الذي كان يملك ترسانة عسكرية مستقلة عن الدولة اللبنانية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا السلاح إلى محور الانقسام السياسي في البلاد. قوى 14 آذار اعتبرت أن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل بوجود سلاح خارج مؤسساتها، بينما رأى الحزب أن سلاحه جزء من معادلة “المقاومة”. وهكذا دخل لبنان في صراع سياسي طويل حول مفهوم السيادة نفسه. من الأمل إلى الانهيار لو عاد اللبنانيون اليوم بذاكرتهم إلى مشهد ساحة الشهداء عام 2005، سيصعب عليهم التوفيق بين تلك اللحظة المليئة بالأمل وبين الواقع الذي يعيشونه اليوم. فبعد عقدين تقريباً، يبدو لبنان وكأنه ابتعد أكثر عن حلم الدولة التي طالب بها المتظاهرون يومها. الدولة اليوم ضعيفة، مؤسساتها شبه مشلولة، اقتصادها انهار، وشعبها يهاجر بأعداد غير مسبوقة. أما القرار السيادي الذي شكّل جوهر انتفاضة 14 آذار، فلا يزال موضوع صراع داخلي وإقليمي. لقد أثبتت السنوات الماضية أن المشكلة اللبنانية ليست فقط في الاحتلال أو الوصاية المباشرة، بل في عجز النظام السياسي نفسه عن إنتاج دولة قادرة. فالطائفية السياسية، والمحاصصة، والسلاح خارج الدولة، كلها عوامل جعلت مشروع الدولة الذي حلم به اللبنانيون في 2005 يتعثر مراراً. ماذا بقي من 14 آذار؟ قد يقول البعض إن 14 آذار انتهت كتحالف سياسي. وهذا صحيح إلى حد كبير. فالتحالف الذي حمل هذا الاسم تراجع تدريجياً، وتفرقت قواه، ودخلت بعض أطرافه في تسويات سياسية أضعفت خطابه الأصلي. لكن 14 آذار لم تكن مجرد تحالف سياسي. كانت فكرة. فكرة أن لبنان يجب أن يكون دولة سيدة حرة مستقلة. فكرة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد المؤسسات الشرعية وحدها. وفكرة أن لبنان لا يمكن أن يعيش كدولة طبيعية إذا بقي ساحة لتصفية صراعات المنطقة. هذه الأفكار لم تختفِ. ربما تراجعت سياسياً، لكنها بقيت حاضرة في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين الذين ما زالوا يؤمنون بأن قيام الدولة هو الحل الوحيد لأزمة لبنان المزمنة. لحظة لم تكتمل ربما كانت المشكلة الأساسية في تجربة 14 آذار أنها كانت لحظة تاريخية كبرى، لكنها لم تتحول إلى مشروع سياسي مستدام قادر على إعادة بناء الدولة. فالتحالف الذي قاد تلك اللحظة واجه تحديات هائلة: اغتيالات سياسية، انقسامات داخلية، وحروب إقليمية انعكست مباشرة على لبنان. لكن رغم كل ذلك، يبقى يوم 14 آذار 2005 لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. فقد أثبت أن اللبنانيين قادرون على كسر الخوف عندما يشعرون بأن بلدهم مهدد، وأنهم قادرون على إنتاج لحظة وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات التقليدية. ذكرى للمستقبل اليوم، حين تعود ذكرى 14 آذار، قد لا يخرج اللبنانيون بمئات الآلاف إلى الشوارع كما فعلوا قبل عشرين عاماً. لكن الأسئلة التي طرحها ذلك اليوم لا تزال مطروحة بقوة: هل يمكن للبنان أن يصبح دولة طبيعية؟ هل يمكن أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها؟ وهل يمكن للبنانيين أن يلتقوا مجدداً حول مشروع وطني جامع؟ ربما لا تحمل ذكرى 14 آذار اليوم الإجابات على هذه الأسئلة، لكنها تذكّر اللبنانيين بشيء أساسي: أن لحظة الدولة ممكنة. لقد حدثت مرة في ساحة الشهداء. ولا شيء يمنع أن تحدث مرة أخرى

«يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون»

وماذا عن الغفران عندما يعلم المذنبون علم اليقين وبوعي ما يفعلون؟ وماذا عن اللين تجاه من لا يبالون بالبلد، وبالآخرين، وحتى بذويهم؟ باسم خامنئي والجمهورية الإسلامية، يطلق حزب الله صواريخ على البلد الذي أباد قائده الأعلى بضربة واحدة. يشنّ قائد حزب الله المزعوم، نعيم قاسم، المختبئ، حروباً «كربلائية»، معارك تحمل أسماء آيات قرآنية، تكريماً لأصله، «المقاومة الإسلامية في لبنان». وفي هذه الأثناء، إنه الموت والدمار والذعر والفوضى. هل نسامحهم؟ إنه يفوق طاقة المسيح نفسه. وعلاوة على ذلك، ليس حزب الله وحده هو الملام، بل النظام بأكمله، وجميع السياسيين والنواب والوزراء الذين هم حلفاؤهم رسمياً، والذين يدافعون عنهم إما بدافع الذمية أو المصلحة. وهم أيضاً الآخرون، أولئك الذين يحشدون الجماهير ويزعمون أنهم ضد الميليشيا، ولكنهم في أول فرصة يتبادلون التحيات بحرارة، بينما يتقاتل أنصارهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى على أرض الواقع. من الآن فصاعداً، المعادلة بسيطة جداً، ثنائية: إما مع أو ضد. لم يعد هناك مكان للمنطقة الرمادية. أعلنت الميليشيا الإيرانية الحرب على لبنان بإطلاق صواريخها على إسرائيل، تلك الدولة التي يحكمها مجنون لا يدين بحريته إلا للحرب. لقد حان الوقت لمواجهة الواقع: هذه الميليشيا لا تمت للبنان بصلة ولا تمثل الشيعة اللبنانيين الحقيقيين. وعندما تخوض حرباً ضد بلدك الذي تنتمي إليه باسم بلد آخر، فإن هذا بالتأكيد لا يُسمى مقاومة، بل خيانة....

حزب الله، ماذا فعلت بإخوانك؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر

حزب الله، كان لديك على الأرجح ما تثبته! بإطلاقك، في الساعات الأولى من يوم الاثنين 2 مارس، «وابلاً من الصواريخ وسرباً من الطائرات المسيرة» باتجاه إسرائيل، كان لديك بالتأكيد فكرتك الخاصة. حتى هذا اليوم، العواقب لا تحصى: أكثر من سبعمائة قتيل، إبادة بلا رحمة لأحياء بأكملها، ما يقرب من تسعمائة ألف منكوب خارج منازلهم، منهم أكثر من 150 ألفاً لم يجدوا ملجأً إلا في ظروف الحرمان والازدحام في الملاجئ الجماعية! لماذا لم تتحمّل الأمر بصبر؟ لم يكن بإمكانك إظهار كل هذا القدر من عدم النضج وأنت تعلم أن رد إسرائيل سيكون غير متناسب. بصفتك «حركة مقاومة معلنة ذاتياً»، لم تكن قادراً على مواجهة الجيش الإسرائيلي (تساهل)، خاصة بعد أن تم «قطع رأسك» يوم 17 سبتمبر من خلال «أجهزة النداء». فماذا كان الهدف من عملك الاستفزازي؟ لم تكن ألعابك النارية الحقيرة لتغير مجرى الوضع، علماً أن الصواريخ التي أطلقت من إيران أثبتت عدم فعاليتها وعدم كفايتها، وأظهرت ضعف نظام ديني يائس. سيُزعم أن قرارك في 2 مارس، وهو تاريخ يجب تذكره، لم يكن قرارك الخاص، بل كان تمليه مكاتب إيران أكثر من المصالح اللبنانية البحتة. سيُقال أيضاً إنك لم تستطع الوقوف مكتوف الأيدي بينما كان المرشد الأعلى يُقتل وإيران تُفتت يومياً دون عقاب. دعنا نقبل تبعيتك للإخوة الكبار في قم وأصفهان وطهران، ولنعترف بالمناسبة أن هذا لا يشرف «مقاومة» لبنانية مزعومة. التضحية عديمة الجدوى والهزيمة الظافرة حزب الله، أنت، باختصار، «دخلت المحرقة» وسحبت أتباعك إليها، بينما كان نظام آيات الله قد فقد بالفعل بريقه ولم يكن يعيش إلا في فترة سماح. قيل إن عملك الانتقامي كان جنوناً محضاً، هروباً إلى الأمام، وقبل كل شيء انتحاراً. ولكن ألم يكن بالأحرى تضحية عقيمة؟ لم يكن بإمكانك تقبّل خسارة المرشد الأعلى دون إراقة الدماء. كنت ستُعتبر ناكراً للجميل، فقد استثمر النظام الإيراني الكثير في بناء هيكلتك وتدريبك العسكري. وبما أنك لا تملك ترسانة فتاكة كافية ولا تستطيع إلحاق خسائر (أو القليل جداً) في إسرائيل، فقد قررت إلحاقها بمجتمعك الخاص. يا له من دليل غير معقول وإجرامي على «الأخوة» (fratellanza)، هذه الأخوة في السلاح التي تحكم القضايا المشبوهة! لقد حذرنا عالم أنثروبولوجيا من قبل من التضحية عديمة الجدوى التي يمكن أن تتخذ بسهولة شكل التضحية بالنفس (1). إن تدخلك المسلح الانتحاري حَمَى بالتأكيد «هويتك المجتمعية المتخيلة»، ولكنه كان على حساب البقاء الفعلي لمجموعتك الطائفية. انظر جيداً إلى الظروف التي يعيش فيها النازحون من الجنوب والضاحية، وهم منتشرون على كامل التراب الوطني. فكر جيداً فيما فعلته بهم! ومع ذلك، وعلى الرغم من بؤسهم اليومي، فإن ولاءهم لك ثابت لا يتزعزع (2). وهذا لأنهم يتحركون في مجال أخروي، هو مجال «الهزيمة الظافرة». ولتوضيح ذلك، مشهد أتباعك الذين، في إنكارهم لواقعهم، يدّعون أنك منتصر بينما أنت في هزيمة كاملة. حزب الله، لقد قدمت الجسد الاجتماعي للشيعة لحملة تشهير إعلامية لتجيب «دائماً على أهبة الاستعداد» لمرشديك ومحسنّيك من الهضاب الإيرانية. هل قمت، بقلب الأولويات، بجعل أتباعك كبش فداء؟ هذا الارتباك في العقل السياسي لا يُفسر إلا كمرآة لعقلية بدائية، أو على الأقل تعبير عن حالة تنويم مغناطيسي. والباقي على هذا المنوال! أمام هذا التشويه للمنطق السليم، ماذا نقول غير: «كل هذا البؤس من أجل قليل من المجد»! 1-بول دوموشيل، التضحية عديمة الجدوى. مقال عن العنف السياسي، باريس، فلاماريون، 2001. 2- إلا ربما عندما يعبرون عن رأيهم سراً.

التصعيد يتسع، المصالح الفرنسية مهددة
بقلم
تيلدا أبو رزق
نُشر

تتأكد المخاوف من تورط الصراع العسكري بين إيران والمحور المكون من إسرائيل والولايات المتحدة مع تسارع التطورات على الأرض وتصاعد المواجهة السياسية والعسكرية بين طهران وواشنطن. في اليوم الرابع عشر من الحرب التي تحتدم منذ 28 فبراير، تصر واشنطن وتل أبيب على رغبتهما في تدمير القدرات العسكرية لطهران التي ترد بتوسيع نطاق هجماتها، بعد ساعات قليلة من الرسالة العدوانية المتلفزة للمرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، على الرغم من إصابته في الضربة العنيفة التي أودت بحياة والده، علي خامنئي. الدبلوماسية، من جانبها، لا تزال لا يبدو أن لها مكان في هذه المواجهة التي لا تزال نتيجتها غير مؤكدة. للمرة الأولى منذ بداية الصراع، تستهدف إيران أهدافًا فرنسية في المنطقة. ومع ذلك، تقليديًا، تحافظ باريس على علاقات ودية مع الجمهورية الإسلامية، مع الحفاظ على موقف نقدي بشأن بعض الملفات. من المثير للاهتمام ملاحظة أن الهجوم لم يتم تنفيذه مباشرة من قبل طهران، على عكس الهجوم الذي استهدف قاعدة بريطانية في قبرص في 2 مارس. وقد اعترضت إسرائيل الصواريخ التي أطلقتها إيران، وفقًا لوزير الدفاع البريطاني، جون هيلي. وقد أعلنت مجموعة سرية موالية لإيران تطلق على نفسها اسم أصحاب الكهف، يوم الجمعة، مسؤوليتها عن الهجوم الليلي بطائرات مسيرة ضد قاعدة فرنسية في أربيل بالعراق، حيث قُتل جندي فرنسي وأصيب خمسة آخرون على الأقل. ووفقًا لهذه المجموعة، فإن هذا رد على نشر حاملة الطائرات شارل ديغول في الخليج. وهي مبادرة اتخذها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «لغرض دفاعي». كما أعلن أصحاب الكهف عزمهم استهداف جميع المصالح الفرنسية في المنطقة وليس في العراق فقط. ومع ذلك، يجب ألا يُعزى الهجوم على القاعدة الفرنسية فقط إلى رد على نشر شارل ديغول. تسعى إيران بشكل خاص إلى إرسال رسالة إلى الرئيس ماكرون الذي انتقدها بشدة الأسبوع الماضي، واصفًا علي خامنئي، المرشد الأعلى السابق الذي قُتل في ضربات إسرائيلية أمريكية، بأنه «جلاد». كما هاجم إيمانويل ماكرون حزب الله، منتقدًا إياه على جره لبنان إلى حرب لا تعنيه. وهكذا، بينما تواصل واشنطن وتل أبيب الإصرار على تصميمهما على تدمير القدرات العسكرية لطهران، يسعى نظام الملالي جاهداً لإظهار أنه يحافظ على هذه القدرات وأن لديه دائمًا القدرة على زيادة الضغط على «أعدائه»، من خلال تكثيف هجماته بالصواريخ والطائرات المسيرة، ولا يزال يحاصر مضيق هرمز، على الرغم من الولايات المتحدة. بعد ساعات قليلة من تهديدات المرشد الأعلى الإيراني الجديد الذي وعد بإغراق المنطقة في الفوضى، تكثفت الهجمات الإيرانية ضد القواعد الأمريكية في المملكة العربية السعودية، حيث تم اعتراض 56 طائرة مسيرة في ليلة الخميس إلى الجمعة، وفقًا للرياض، وفي الإمارات العربية المتحدة والكويت حيث أصاب صاروخ مبنى سكنيًا بشكل مباشر. كما أعلنت تركيا أن حلف شمال الأطلسي اعترض صاروخاً إيرانياً في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط كان قد أُطلق باتجاهها. في إسرائيل، قال مسؤولون عسكريون، نقلت عنهم وسائل إعلام، إنهم لاحظوا انخفاضاً في وتيرة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، وخاصة ضد الأراضي الإسرائيلية. لكن هذا الأخير لا يزال تحت نيران هجمات حزب الله الذي أطلق عدة رشقات ضد شمال إسرائيل في ليلة الخميس إلى الجمعة ثم مرة أخرى يوم الجمعة، مما يغرق لبنان أكثر في دوامة عنف لا يزال غير قادر على كبحها. رداً على ذلك، لم تكتف إسرائيل بقصف المناطق والقرى التي تنتشر فيها التشكيلة الموالية لإيران أو تنفيذ اغتيالات مستهدفة، كما حدث في النبعة، شمال بيروت، صباح الجمعة، بل شرعت في تنفيذ تهديدها بضرب البنى التحتية المدنية اللبنانية. الأهداف الأولى: جسران على مستوى نهر الليطاني في جنوب لبنان، أحدهما يربط أقضية صور والنبطية وبنت جبيل والزهراني ولهذا السبب يكتسب أهمية استراتيجية. وفي غضون ذلك، بدأ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، زيارة رسمية للبنان. في الظروف الراهنة، تعتبر هذه الزيارة شكلية بحتة، حيث لا تملك الأمم المتحدة أي أدوات ضغط أو مجال للمناورة لإنهاء الصراع الدائر، أو التدخل من أجل إبعاد لبنان عن التهديد الذي يمثله حزب الله لأمن البلاد على المدى الطويل. وفي رسالة على شبكته الاجتماعية، تروث سوشيال، أعاد الرئيس ترامب التأكيد على أن طهران على وشك الاستسلام. «نحن ندمر تماماً النظام الإرهابي الإيراني، عسكرياً واقتصادياً وبطرق أخرى». وأضاف: «البحرية الإيرانية اختفت، وقواتهم الجوية لم تعد موجودة، والصواريخ والطائرات المسيرة وكل شيء آخر دمرت، وقادتهم محووا من على وجه الأرض». وقد كرر دونالد ترامب هذه الرسالة نفسها خلال اجتماع افتراضي لقادة مجموعة السبع. ووفقًا لموقع أكسيوس، فقد أشار إلى هزيمة وشيكة للغاية. قبل ساعات قليلة، أكد مجتبى خامنئي، الذي أصيب في الضربة التي أودت بحياة والده علي خامنئي، أنه لا يمكن لإيران أن «تستسلم».

مضيق هرمز بين التوتر الإيراني – الإسرائيلي ومصير التجارة العالمية

في الجغرافيا السياسية المعاصرة، توجد نقاط محدودة على الخريطة يمكنها أن تغيّر مسار الاقتصاد العالمي في لحظات. ويُعدّ مضيق هرمز واحدًا من أهم هذه النقاط. فهذا الممر البحري الضيق الذي يفصل بين ايران و سلطنة عمان يشكّل الشريان الأساسي لتصدير النفط والغاز من الخليج إلى العالم. ومن هنا، فإن أي توتر عسكري في المنطقة، خصوصًا في ظل التصاعد المستمر في الصراع بين إيران واسرائيل ، يضع هذا المضيق في قلب المعادلة الدولية. فالمسألة لا تتعلق فقط بصراع إقليمي أو مواجهة عسكرية محدودة، بل باحتمال اهتزاز أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد العالمي. أهمية المضيق في النظام الاقتصادي العالمي يمر عبر مضيق هرمز يوميًا نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وتعتمد دول صناعية كبرى في آسيا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية بشكل أساسي على الطاقة القادمة من الخليج عبر هذا الممر. ولذلك، فإن مجرد التلويح بإغلاق المضيق أو تضييق حركة الملاحة فيه كفيل بإحداث صدمة في الأسواق العالمية. فالاقتصاد الدولي، رغم ضخامته، يبقى حساسًا للغاية تجاه أي تهديد لإمدادات الطاقة. المضيق كسلاح جيوسياسي لطالما استخدمت إيران ورقة مضيق هرمز في سياق المواجهة مع الغرب. ففي كل مرة تتصاعد فيها الضغوط السياسية أو العقوبات الاقتصادية، تعود التهديدات بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه. لكن هذه الورقة لم تكن يومًا سهلة الاستخدام. فإغلاق المضيق بشكل كامل يعني مواجهة مباشرة مع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدةالتي تعتبر حرية الملاحة فيه جزءًا من أمنها الاستراتيجي. إلا أن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في إغلاق كامل للمضيق، بل في تضييق غير مباشر للملاحة عبر: • تهديد السفن التجارية. • استهداف ناقلات النفط. • زرع ألغام بحرية. • تصعيد عسكري محدود في الخليج. مثل هذه الخطوات قد لا تغلق المضيق رسميًا، لكنها كفيلة بإرباك حركة الملاحة ورفع كلفة النقل والتأمين بشكل كبير. الصراع الإيراني – الإسرائيلي وتوسّع ساحة المواجهة في السنوات الأخيرة، تحوّل الصراع بين إيران وإسرائيل إلى مواجهة متعددة الساحات، تمتد من سوريا إلى البحر الأحمر والعراق. ومع تصاعد التوترات العسكرية، بات الخليج نفسه جزءًا من هذا المشهد. فأي ضربة إسرائيلية واسعة ضد المنشآت النووية أو العسكرية الإيرانية قد تدفع طهران إلى الرد عبر أدوات مختلفة، من بينها الضغط على الملاحة في مضيق هرمز. في هذه الحالة، لن يكون الهدف بالضرورة تعطيل التجارة العالمية بالكامل، بل إرسال رسالة استراتيجية مفادها أن أي حرب ضد إيران ستدفع ثمنها الأسواق العالمية. الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمة الطاقة في حال تضييق الملاحة في المضيق، ستكون الصدمة الأولى في أسواق النفط. فالأسواق تتفاعل بسرعة مع المخاطر الجيوسياسية، وقد ترتفع الأسعار بشكل حاد خلال أيام قليلة. ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي بدوره إلى سلسلة من التأثيرات الاقتصادية: • زيادة كلفة النقل والشحن. • ارتفاع أسعار السلع الأساسية. • تصاعد التضخم في معظم الدول. • تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. وفي عالم لم يتعافَ بالكامل بعد من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، فإن صدمة طاقة جديدة قد تكون لها آثار عميقة وطويلة الأمد. تداعيات إقليمية أوسع التوتر في مضيق هرمز لا يقتصر تأثيره على الاقتصاد العالمي، بل يمتد إلى الاستقرار السياسي في المنطقة. فدول الخليج التي تعتمد على تصدير الطاقة عبر هذا الممر تجد نفسها في موقع شديد الحساسية، بين الحاجة إلى حماية تجارتها وبين مخاطر الانجرار إلى صراع إقليمي واسع. كما أن أي تصعيد عسكري كبير قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة الأمن في الشرق الأوسط، مع احتمال توسع المواجهة إلى جبهات أخرى. لبنان في قلب العاصفة الإقليمية بالنسبة إلى لبنان، فإن أي تصعيد كبير بين إيران وإسرائيل لن يبقى بعيدًا عن ساحته. فلبنان يشكل إحدى الساحات الأكثر حساسية في هذا الصراع، نظرًا لدور حزب الله الذي يُعدّ الحليف الإقليمي الأبرز لإيران. و مع اندلاع المواجهة في المنطقة، وجد لبنان نفسه أمام أحد سيناريوهين: إما الانزلاق إلى جبهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل، أو الدخول في مرحلة ضغط سياسي وأمني كبير نتيجة التوتر الإقليمي. وفي الحالتين، الاقتصاد اللبناني، المنهك أصلاً، هو من أكثر المتضررين، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو عبر اضطراب حركة التجارة في المنطقة. بين الردع والانفجار رغم كل هذه المخاطر، يدرك معظم الأطراف أن تعطيل مضيق هرمز بالكامل قد يؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها. ولذلك بقيت التهديدات في معظم الأحيان ضمن إطار الردع السياسي أكثر من كونها خيارًا عمليًا للتنفيذ. لكن التاريخ يُظهر أن الأزمات الكبرى غالبًا ما تبدأ بحوادث محدودة أو سوء تقدير بين الأطراف المتصارعة. وفي منطقة متوترة كمنطقة الخليج، يكفي حادث واحد في البحر ليشعل سلسلة من التفاعلات التي يصعب السيطرة عليها. إذًا يبقى مضيق هرمز واحدًا من أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي. فهو ليس مجرد ممر بحري لنقل النفط، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وصراعات الشرق الأوسط. ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، يزداد احتمال أن يتحول هذا المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية في صراع يتجاوز حدود المنطقة. وفي عالم يعتمد بشكل كبير على تدفق الطاقة من الخليج، فإن أي اضطراب في هذا الشريان الحيوي قد يكون كافيًا لإحداث زلزال اقتصادي عالمي. وفي نهاية المطاف، يذكّرنا مضيق هرمز بحقيقة بسيطة: في النظام الدولي المعاصر، قد يكون مضيق ضيق على الخريطة قادرًا على التأثير في مصير اقتصادات العالم بأسره.

الحرس الثوري لم يضع وقته في لبنان...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يشير هذا العدد الكبير من الصواريخ التي اطلقت من الأراضي اللبنانية في اتجاه إسرائيل حديثا إلى أمور عدّة. في مقدّم هذه الأمور أن "الحرس الثوري" الإيراني، على عكس السلطة اللبنانيّة، لم يضع وقته منذ التوصل إلى إتفاق وقف النار بين "حزب الله" وإسرائيل. كان ذلك في 23 تشرين الثاني – نوفمبر 2024 أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. وقد لعب الرئيس نبيه برّي دورا محوريا في التوصل إلى الاتفاق الذي يعكس حاجة الحزب، في حينه، إلى وقف المعارك بأي ثمن. تبيّن بكل وضوح أنّ إسرائيل استغلت إتفاق وقف النار لتأكيد أنّها تمتلك حرّية متابعة حملتها على "حزب الله"، فيما استغلّ "الحرس الثوري" الاتفاق لتكريس وجوده في لبنان والإعداد لمرحلة المواجهة بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى. نعم، لم يضع "الحرس الثوري" وقته. عاود نشاطه في لبنان عبر ما بقي من "حزب الله". ظهرت نتائج نجاح "الحرس" في مرحلة مع بعد إغتيال "المرشد" علي خامنئي قبل نحو إسبوعين. كانت نتيجة الإغتيال انضمام لبنان كلّيا إلى الحرب التي تخوضها إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كيف دخل لبنان هذه الحرب؟ ما مسؤولية الدولة اللبنانيّة عن ذلك؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة التي نشهد فيها توسيعا إسرائيليا للإحتلال ومزيدا من الغارات التي ركّزت على أهداف محددة في لبنان... وصولا إلى داخل بيروت. الغريب في الأمر أنّه لم يعد من وجود لـ"حزب الله" في لبنان. عفوا، هناك وجود للحزب متى تدعو حاجة "الحرس الثوري" الإيراني إلى ذلك. يروي الذين يعرفون الحزب من داخل أنّ ضابطا في "الحرس" أمر مقاتلين من الحزب باطلاق الصواريخ، من الأراضي اللبنانيّة، في اتجاه إسرائيل. أعلن الضابط الإيراني بذلك فتح جبهة جنوب لبنان مجددا. حصل ذلك غصبا عن رغبة الدولة اللبنانية، بمن في ذلك رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام... وأكثرية اللبنانيين. لم يكن نعيم قاسم على علم بتفاصيل ما حصل. عرف، من التلفزيون، عن إطلاق الصواريخ مثلما عرف مجتبى خامنئي بإختيار "الحرس" له "مرشدا". استغلّ مجتبى مناسبة خطابه الأول منذ تعيينه في موقعه الجديد ليقول أنّه "سمع بتعينه من التلفزيون". المفارقة في أنّه وجد من يقرأ الخطاب الذي غاب عنه شخص "المرشد" الجديد الذي يبدو أنّه يعاني من جروح أصيب بها... وربّما يعاني أكثر من ذلك! يبدو أنّ معنى كل ما حدث، أكان في لبنان أو في إيران نفسها، أنّ "الحرس" صاحب القرار الأخير في البلدين من جهة وأنّه لم يجد أفضل من "حزب الله" ليكون واجهته في لبنان من جهة أخرى. لم يعد من شكّ أنّ "الحزب"، الذي لم يكن يوما سوى لواء في "الحرس الثوري" عناصره لبنانيّة، بات ميليشيا مذهبيّة لبنانيّة في إمرة ضباط إيرانيين. بين جهل السلطة اللبنانية، على كلّ المستويات، بما يدور على أرض لبنان وفي المنطقة، خصوصا معنى التغيّر الذي حصل في سوريا، وبين التطورات الأخيرة المتمثلة في الحملة العسكرية الإسرائيليّة الجديدة لا يمكن تجاهل أن لبنان يمرّ في مرحلة مصيريّة. تكمن المشكلة في أنّ لبنان الرسمي لم يستوعب أن الوقت لم يكن يعمل في مصلحته. أدرك الوقت لبنان. من الواضح أنّ الفرص التي اتيحت منذ اتفاق 23 تشرين الثاني – نوفمبر 2024 لن تتكرّر. لا إدراك لواقع يتمثّل في أنّه لم يكن ممكنا أن يكون جوزف عون رئيسا للجمهورية لولا هزيمة "حزب الله" في "حرب إسناد غزّة". لو كان الحزب لا يزال حيّا يرزق، هو وأمينه العام السابق حسن نصرالله، لكان تمسّك بمرشّحه سليمان فرنجيّة الذي كان مفترضا أن يكون رئيسا للجمهورية. كان الحزب مصرّا على أن يكون مرشّحه رئيسا للجمهورية، تماما مثلما حصل عندما فرض ميشال عون رئيسا في تشرين الأوّل – أكتوبر 2016 وأوصله مع صهره جبران باسيل إلى قصر بعبدا. أوصلهما إلى رئاسة الجمهوريّة كي تكون الرئاسة في لبنان في خدمة إيران ومشروعها التوسعي المعادي لكلّ ما هو عربي في المنطقة لا أكثر... ما مضى قد مضى. ما الذي يستطيع لبنان عمله حاليا بعدما استطاعت "الجمهوريّة الإسلاميّة" إعادة فتح جبهة جنوب لبنان عن طريق "الحرس الثوري"؟ هل يمكن تفادي أخطاء الماضي القريب الذي عمره سنة وبضعة أشهر فقط؟ الجواب أنّ لا خيار آخر غير التعاطي مع الواقع المتمثل في أن البلد صار، مثله مثل إيران، تحت سلطة "الحرس الثوري". كيف مواجهة هذه السلطة التي هي تعبير، وإن بشكل مختلف، عن الهيمنة الإيرانيّة الكاملة على لبنان؟ ثمّة حاجة إلى ردّ لبناني. لا ردّ ذا قيمة من دون كسر حاجز الخوف من "حزب الله" الذي لم يعد له وجود يذكر باستثناء أنّه أداة مسيطر عليها كلّيا من "الحرس الثوري". مرّة أخرى، لم يضع "الحرس" وقته منذ خريف العام 2024 عندما توصل لبنان إلى اتفاق وقف النار مع إسرائيل. عزّز وضعه في لبنان. أكّدت ذلك كمية الصواريخ التي تطلق في اتجاه إسرائيل. سيدفع لبنان غاليا ثمن إطلاق هذه الصواريخ وثمن عدم إدراكه أنّ الوقت لا يعمل لمصلحته وأنّ كلّ كلام عن تجريد "حزب الله" من سلاحه لا قيمة له من دون أفعال على الأرض. كانت الحاجة إلى أفعال بغض النظر عن الثمن الذي سيترتب على ذلك من دون خوف من التهويل بحرب أهليّة وما شابه ذلك من تهديدات لا مجال لترجمتها على أرض الواقع...