شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
ضربات استراتيجية ضد إيران، اقتراح مفاوضات مباشرة لبنانية-إسرائيلية

في إيران، يثير مصير المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي تساؤلات، وقد استهدفت الطائرات الأمريكية جزيرة إيرانية ذات أهمية استراتيجية عالية. على الجبهة اللبنانية، تواصل إسرائيل هجومها البري على الرغم من بعض التطورات الدبلوماسية في الأيام الأخيرة حول فكرة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي أطلقتها الحكومة اللبنانية؛ وهو اقتراح لا يزال مرهوناً بالواقع على الأرض. للأسبوع الثاني على التوالي، يعيش الشرق الأوسط كقصة سريعة الوتيرة. يستمر الهجوم على إيران من قبل الجيشين الإسرائيلي والأمريكي، مع قصف مكثف وصل، في 14 مارس، إلى جزيرة خرج الإيرانية ذات الأهمية الاستراتيجية العالية، شمال الخليج الفارسي. تضم هذه الجزيرة بنى تحتية نفطية كبيرة تم تجنيبها عمداً من قبل الأمريكيين، بينما أشار الرئيس دونالد ترامب إلى أن المنشآت العسكرية قد دمرت بالكامل. يشكل الهجوم على هذه الجزيرة تطوراً أساسياً لأنه يهدد بشكل محتمل صادرات النفط الإيرانية. من جانبهم، عمل الإيرانيون، وخاصة عبر الحرس الثوري، على إظهار هيمنتهم على مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما لا يقل عن 20% من النفط العالمي. وقد أعلنوا منع مرور أي ناقلة نفط تابعة لـ «أعدائهم»، وهم الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهم، مع استثناء سفن دول مثل الهند، على سبيل المثال. هدد الإيرانيون كذلك بزرع الألغام في المضيق، مما أدى إلى رد أمريكي دمر بشكل كبير قدراتهم البحرية. في 14 مارس، دعا دونالد ترامب الدول المعنية بالمخاطر التي تهدد سفنها إلى إرسال سفن عسكرية لمرافقة ناقلات النفط أثناء عبورها هذا المضيق. ما نجح الإيرانيون في إثارته هو ارتفاع عالمي في أسعار النفط، وهو أمر يضر بالرئيس ترامب بشكل خاص، قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. لكن هجماتهم الخاصة ضد الدول العربية الخليجية والمصالح الأمريكية في المنطقة، وكذلك ضد إسرائيل، قد انخفضت بشكل كبير في شدتها. فهل هذا يعكس استنفاد قدراتهم العسكرية في مواجهة حجم الهجوم (الذي دمر، وفقًا لأعدائهم، جزءًا كبيراً من إنتاجهم العسكري)، أم هو تقليص تكتيكي في استخدام صواريخهم وطائراتهم المسيرة للصمود لفترة أطول، بنية واضحة لإرهاق أعدائهم والسماح لنظام الملالي بالبقاء؟ السؤال الآخر الذي شغل المراقبين هذا الأسبوع هو صحة المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي. تكثفت الشائعات حول حالته الصحية خلال الأسبوع، وظهر تدريجياً، لا سيما في تقارير أجهزة استخبارات إسرائيلية وأمريكية وردت في تصريحات رسمية، بأنه أصيب بجروح خطيرة خلال الضربة التي أودت بحياة والده، آية الله علي خامنئي، وعدة أفراد من عائلته المباشرة، بضربة إسرائيلية في طهران في 28 فبراير 2026، خلال بدء الحرب. وما عزز الشائعات هو الرسالة الأولى التي وجهها مجتبى خامنئي إلى الأمة الإيرانية في 12 مارس، والتي تلتها مذيعة ولم يظهر فيها الشخص المعني. خطاب يستعيد إلى حد كبير رسائل رئيس الأمن الإيراني المتشدد جداً، علي لاريجاني. على أي حال، تنتشر حوله أغرب الشائعات: يقال إنه مشوه و/أو بترت ساقاه، وإنه في غيبوبة، وإنه حتى توفي، وإنه نقل إلى روسيا لتلقي العلاج في المستشفى... يتبع. في هذه الأثناء في لبنان أما الجبهة اللبنانية، فلم تعرف هدوءاً خلال هذا الأسبوع، بل على العكس. لوحظت فيها هجمات منسقة بين حزب الله، الذي عاد مقاتلوه بأعداد كبيرة إلى جنوب الليطاني وإلى الحدود مع إسرائيل (إن كانوا قد ابتعدوا عنها أصلاً)، وهجمات قادمة مباشرة من طهران. الحزب، الذي وصفت الحكومة اللبنانية نشاطه بأنه غير قانوني منذ 2 مارس دون أن يتبع ذلك أي إجراء فعلي على الأرض، كثف عملياته اعتباراً من الأربعاء 11 مارس، حيث أطلق في ذلك اليوم مائة صاروخ في هجوم واحد. يبقى الجيش اللبناني هو الغائب الأكبر عن هذا الصراع. التطور الآخر على الأرض هو التوغل البري المتزايد للجنود الإسرائيليين في الأراضي اللبنانية. تدور معارك مع ميليشيات حزب الله في أكثر من قطاع، وخاصة حول قرية الخيام الاستراتيجية جداً في جنوب لبنان، مع إمكانية شن هجوم بري إسرائيلي تتضح معالمه أكثر فأكثر، لا سيما بالنظر إلى التعزيزات العسكرية على الحدود. الأسوأ بالنسبة للجبهة اللبنانية هو أنها قد تستمر حتى بعد الحرب في إيران، كما ظهر في التصريحات الإسرائيلية هذا الأسبوع. على الرغم من كل جهود الدعاية لحزب الله التي تهدف إلى تبرير دخوله الحرب، فإن توازن القوى لا يزال غير متكافئ أكثر من أي وقت مضى، حيث لم تسفر هجمات الحزب الموالي لإيران حتى الآن إلا عن مقتل عسكريين إسرائيليين اثنين (وفقًا لمصادر الجيش الإسرائيلي)، ولم تتسبب في أي حركة سكانية في شمال إسرائيل. في المقابل، في لبنان، يتصاعد عدد القتلى المدنيين (أكثر من 800 بالفعل وفقًا لوزارة الصحة)، وقد تجاوز عدد النازحين 800 ألف شخص وجدوا ملجأ في مناطق تعتبر أكثر أمانًا. تحاول الحكومة اللبنانية احتواء الحركة بنجاح متفاوت، وبدأت المساعدات الدولية تتدفق، ولكن بوتيرة لا تزال محدودة حتى الآن. في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى بيروت هذا الأسبوع، للتعبير عن «تضامنه» مع الشعب اللبناني. ومن غير المتوقع أن يُصغى المتحاربون إلى دعواته لخفض التصعيد. على المستوى السياسي، لا يزال اقتراح «المفاوضات المباشرة» مع إسرائيل الذي طرحه رئيس الجمهورية جوزيف عون في مراحله الأولى، على الرغم من أنه أحرز تقدماً في نهاية الأسبوع. بعد أن واجه هذا الاقتراح صمتاً أمريكياً وإسرائيلياً في الأيام الأولى، تلقى دعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نهاية الأسبوع، ويُطرح بالفعل إمكانية عقد مثل هذه المفاوضات مستقبلاً في قبرص أو باريس. ومع ذلك، نفت وزارة الخارجية الفرنسية، يوم السبت، أنها أعدت خطة سلام بين لبنان وإسرائيل. من الجانب اللبناني، يُتداول بالفعل حول تشكيل اللجنة التي ستكون مسؤولة عن المفاوضات، مع تداول أسماء مثل اسم الباحث بول سالم على سبيل المثال. ومع ذلك، لا تزال هناك نقطة مهمة غير معروفة، وهي الاسم الشيعي المحتمل، وهي نقطة يرفض رئيس مجلس النواب نبيه بري حسمها في الوقت الحالي، خاصة وأنه يسعى لفرض شرط وقف إطلاق النار قبل المحادثات. وقد طلب حزب الله نفسه، على لسان أمينه العام نعيم قاسم، في خطاب يوم الجمعة، من الحكومة اللبنانية «ألا تقدم تنازلات مجانية» لإسرائيل. من الجانب الإسرائيلي، يتمثل التطور الرئيسي في قيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتكليف الوزير السابق رون ديرمر بملف لبنان. حتى إشعار آخر، ومع ذلك، فإن الكلمة الأخيرة الرئيسية ستعتمد على نتائج التطورات على الأرض.

الهدف هو مواجهة، ليس «اللبنانيين»، بل مشروع الخميني.

كثيراً ما تحدثنا، خاصة قبل الحرب، عن «المعجزة اللبنانية»، عن لبنان الذي يشبه طائر الفينيق الذي ينهض من رماده. صورة جميلة... إلا أن لبنان الأرز، بعد أن نهض من رماده بلا توقف لأكثر من نصف قرن، أصبح اليوم يلهث... خاصة وأنه يقوّض من الداخل من قبل حزب لا يهتم بأي شكل من الأشكال بـ «مصلحة لبنان وبقاء شعبه»، كما أكد بحق الرئيس جوزيف عون في مداخلته، عبر الإنترنت، أمام قادة الاتحاد الأوروبي. لم يتردد رئيس الدولة في وضع الإصبع على الجرح باتهامه الصريح لحزب الله بإعادة تنشيط جبهة الجنوب اللبناني «لخدمة المصالح الإيرانية»، مؤكداً أن هدف التشكيل المتحالف مع الحرس الثوري هو إثارة «سقوط الدولة اللبنانية» ليدعي لاحقاً أنه هو، وحده، القادر على مواجهة إسرائيل. هذه هي إذن المشكلة الوجودية الحقيقية، بكل معنى الكلمة، التي يواجهها لبنان. إنها حقيقة بديهية للأحزاب وأقطاب النفوذ السياديين. ولكن عندما يأتي رئيس الجمهورية – الذي تتهمه بعض الأوساط باللين المفرط تجاه حزب الله – إلى وصم انحرافات الحزب الموالي لإيران أمام الهيئات الدولية، فهذا يعني أن الخطر على هذا الصعيد قد بلغ عتبة حرجة للغاية. ولسبب وجيه: إن سلوك حزب الله غير المنطقي، بل «غير المسؤول» – كما أكد السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة يوم الأربعاء – قد تجاوز كل تصور. وهذا هو بالتحديد الخطر الذي تجاهله قائد الجيش، اللواء رودولف هيكل، عندما خاطب قبل أيام ضباط «الصامتة الكبرى». سعياً لتبرير سلبية القوات في مواجهة التدفق الميليشيوي للتكوين الموالي لإيران، في انتهاك صارخ لقرارات مجلس الوزراء بهذا الشأن، أكد أن الجيش «يجب أن يبقى على مسافة متساوية من اللبنانيين». بوضوح، يجب على اليرزة، حسب رأيه، الامتناع عن تطبيق قرارات الحكومة لتجنب الدخول في مواجهة مع جزء من السكان. ولكن هذا يمثل مشكلة خاطئة، أو طريقة لطرح المشكلة بشكل مشوه تماماً. المطلوب ليس على الإطلاق مواجهة جزء من اللبنانيين. المطلوب هو مواجهة مشروع سياسي الذي يقوم أساسه الأيديولوجي، الثيوقراطي، العابر للحدود، على إنكار فكرة لبنان بحد ذاتها , لبنان التعددي، الليبرالي، المنفتح على العالم، الذي يحترم خصوصيات كل من مكوناته الاجتماعية. المشروع الخميني (إذ هو المقصود هنا) هو أيديولوجياً على النقيض التام من سبب وجود الكيان اللبناني، الذي لا يعترف بوجوده أصلاً، وينظر إليه فقط، وبشكل حصري، كساحة صراع بسيطة مع العالم الغربي وخط دفاع أول ضد إسرائيل. أليست إعادة فتح جبهة الجنوب في 2 مارس، للانتقام لمقتل المرشد الأعلى الإيراني، بكل ما يترتب عليها من عواقب على الصعيد اللبناني، هي أوضح دليل على الازدراء الكامل الذي يكنّه الحرس الثوري، وفي أعقابه حزب الله، للشرعية اللبنانية، ولأبسط مصالح لبنان، ولرغبة شعبه في البقاء؟ قد يرد البعض بأن مواجهة بين الجيش والميليشيا الموالية لإيران ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية والاستقرار الداخلي. فهل عواقب هذه الحرب الخامسة ضد إسرائيل في الجنوب، التي شنها حزب الله في 2 مارس بطلب من الحرس الثوري، أقل تكلفة؟ أكثر من ثمانمائة قتيل في أسبوعين، ما لا يقل عن 600 ألف من سكان الجنوب والضاحية أجبروا على النزوح، قرى جديدة دمرها الجيش الإسرائيلي، مئات الغارات الجوية المستهدفة بما تحمله من دمار وضحايا، وفوق كل ذلك، احتلال جديد يلوح في الأفق... وهذه المرة، على الأرجح، لن تقبل الدولة العبرية الانسحاب قبل فرض اتفاق يجعل حزب الله ومن يتبعهم يندمون على اتفاق 17 مايو أو شروط وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. ولكن ما يهم، أليس هو بقاء الحرس الثوري والنظام الاستبدادي والدموي للملالي في طهران؟ في ضوء هذه الحقائق الملموسة، فإن إظهار التساهل والتراخي تجاه حزب تُمثل أيديولوجيته الثيوقراطية، وعمله الميليشياوي، ودوره الإقليمي، ووجوده بحد ذاته، نقيض وأساس إنكار أسس بلد الأرز، لا يقل عن كونه انتهاكاً للدستور وضربة غادرة موجهة إلى لبنان.

الحالة الفلسطينيّة .. غزة
بقلم
هشام دبسي
نُشر

هي المستقبل الصورة المولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لمشروع "ريفييرا غزة" تعكس بجمالها المخيّلة العقارية للرئيس ترمب وصهره كوشنير. فهي تمتد على مساحة 365 كم 2 من الرمال الذهبية، تداعبها الأمواج المتوسطية الدافئة ومناخ يحلم به أثرياء البلاد الباردة. لم يَغِب عن الصورة المولّدة إلّا أصحاب الأراضي الّذين لا مكان لهم في المشهد المستقبلي حتى لو بصفة عمّال خدمات نظافة وبناء كمثل العبيد المحرّرين حديثاً من ذوي البشرة السمراء الّذين ساهموا بعضلاتهم وعَرَقهم في بناء العاصمة واشنطن وصيانتها وقت تأسيسها وصاروا غالبية سكانها حتى اليوم. لكن شعب غزة، لم يُستبعَد من الصورة فقط، بل لم يحصل أيضاً على وقف لاطلاق النار إذ صار متوسط القتلى والجرحى بالعشرات يومياً وهذا معدل مقبول على درجة قياس حرب الإبادة !!! لذا تُعتبَر الحرب منتهية عند الرئيس ترمب وما تقوم به حكومة نتنياهو هو ما يفرضه واقع الحال ليس إلّا. وليس له تصنيف او مسمّى سوى عمليات تنظيف؟!! إنّ مؤسّسي العاصمة واشنطن، يستحقون التكريم، كمحرّرين للعبيد، ومشغّلين للفقراء في بناء عاصمة القرار في العالم. فَهُم حقّاً اكثر انسانيةً وتحضراً من ورثتهم المعاصرين. لكننا اذا غادرنا واشنطن الى "أورشليم - القدس" ربما نحصل على صورة مغايرة مولَّدة هذه المرة من النصوص التوراتيّة. اذ تطالب فئةً واسعةً من السياسيّين والوزراء، و في مقدّمتهم الحاخامات المتشدّدين، حكومة نتنياهو بترحيل أهل غزة إلى أي مكان وعدم السماح بالبقاء لأكثر من مئة ألف فقط من "المختارين" جيّداً وذلك من أجل أعمال الخدمة. لكن ليس بصفتهم من أصحاب البشرة السمراء بل بصفتهم "دوابّ" حسب ما جاء في النصّ التوراتي، "دوابّ" سخّرها "الرّب" لخدمة "بني إسرائيل" العائدين من التّيه لأرض الميعاد. الحق أقول لكم، بأنّنا كفلسطينيّين لم ندرِ أنّ اللّه خلقنا على هذه الشاكلة و أنّ مهمّتنا في الأرض هي خدمتهم!! ولو كنا نعلم.. لَما قَبِلنا مشيئته. أمّا قصة غزة هي المستقبل، ليست جديدة، بل وُلِدَت في عهد الرئيس ترمب "الأول" ، عندما قرأ صهره كوشنير على حدّ قوله كافة الخطط التي فشلت في حل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، و نامت في أدراج البيت الأبيض. و وجد أنه قادر على استخلاص خطة ناجحة، سرعان ما أعلن عنها وقتذاك باسم "صفقة القرن" التي اعتَمدت المقاربة الإقتصادية الكفيلة بتحقيق الرفاه للفلسطينيّين بعيداً عن صُداع السياسة ... مُقترحاً أن يُشَكّل قطاع غزة قاعدة الحل الجغرافية، و ترتبط به مدن الضفة الغربية كلها باستثناء القدس الشرقية لأنّ ترمب ضمّها لاسرائيل و أثلج بها قلب نتنياهو و ربعه؛ بغاية تحقيق راحة المستوطنين من احتكاكهم اليومي بالأغيار "الغوييم" و منحهم ثلثي مساحة الضفة الغربية مكافأةً لصبرهم على السكان الأصليّين. لكنّ للقصّة بُعداً آخراً وجده السيد كوشنير في مخططات عهد الرئيس أوباما "الثاني" ، و هو تسمية هذا المشروع "بدولة فلسطين الإسلامية" و كان قد جرى التفاوض بشأنها مع "قيادة الأخوان المسلمين الدولية". و مع حركة حماس و كذلك مع الرئيس الأخواني المنتخب في مصر محمد مرسي، على أن تتولى حركة حماس التي تحكم قطاع غزة منذ انقلابها على الشرعية الفلسطينيّة عام ٢٠٠٧، تسويق هذه "الدولة الفلسطينيّة الإسلامية" التي تعترف "بيهوديّة" دولة اسرائيل، الشعار و الهدف الأثير عند نتنياهو في ذاك الوقت. لِما يتيح له هذا الشعار من قدرة على التخلص من كافة من يحملون الجنسية الإسرائيلية من غير اليهود. الا أن "كعب آخيل" هذه الخطة كان مقترح توسيع أرض القطاع على حساب صحراء سيناء كتعويض عن ضم ثلثي اراضي الضفة الغربية. من هنا تحركت الدولة العميقة المصرية في صراعها مع رئيسها المنتخب حتى تم اسقاطه. ربما على هذه الخلفية، اجتهد "كوشنير" في نزع أي بُعُد أيديولوجي لمقترحه. و اكتفى بالمضمون الاقتصادي و سمى مشروعه "بصفقة القرن" التي تجلب الرفاه للجميع في الشرق الأوسط!!؟ لذا لا بد من الاجابة على اسئلة تبدو بسيطة و ساذجة، مثل كيف يمكن تجاهل حق الملكية الفرديّة، و اسقاط حمايتها، و هي الركن الأهم في دستور الولايات المتحدة؟!! و كيف يمكن القفز عن حق تقرير المصير السياسي لشعب تجاوز تعداده في هذا العام خمسة عشر مليون نسمة، نصفهم يمارسون حياتهم في وطنهم، و نصفهم الآخر في الشتات؟!! و ماذا بقي من المآثرة الاميركية في لحظة تأسيس هيئة الأمم المتحدة ؟!! خاصةً و أن أمينها العام و فرق عمله في دائرة الاستهداف اليومي لترمب و نتنياهو!!؟ و من الذي يستحق جائزة السلام، دونالد ترمب أم انطونيوس غوتيريس!!؟ مجلس السلام تأسس هذه الهيئة بموجب قرار مجلس الأمن 2803 من أجل وقف حرب الإبادة في غزة و إدارة القطاع لمرحلة انتقالية غير محددة بالسنوات. فالأمر يعود إلى تفاهم واشنطن وتل أبيب فقط. و كان مجلس السلام هذا قد ألعن مهامه في متابعة اتفاق وقف إطلاق النار ودعم السلم و الأمن في القطاع بواسطة قوة دولية مؤقتة أيضاً. فضلاً عن تقديم التزامات مالية للاعمار والمساعدات الانسانية. و لمّا كان مجلس السلام لا يضم اي شخصية فلسطينية على الاطلاق خلصت التسويات لحل هذا الاستعصاء إلى ضرور تشكيل لجنة ادارية من كوادر التكنوقراط الفلسطينيّين، لهم صفة تنفيذية بأمرة المجلس حتى يتم الربط مع الشعب الغزي. بعد تجاهل السلطة الشرعية الفلسطينية وتغييبها عن دورها الطبيعي بفعل "الفيتو" الاسرائيلي. لكن عندما لجأ الرئيس الامريكي الى توسيع صلاحيات مجلس السلام بعيداً عن مضمون القرار الأممي، و اتجه لاعتباره آلية أوسع للسلام في المنطقة والعالم، آليّة تتجاوز إطار "هيئة الأمم المتّحدة" وقواعد عملها و قوانينها، ظهر الاعتراض من جانب الاتحاد الاوروبي وعدد من الدول العربية والاسلامية للتوكيد على أهمية احترام القانون الدولي و التمثيل الفلسطيني و ضرورة ربط اي خطة بالحل السياسي الشامل وتحقيق هدف انشاء الدولة الفلسطينيّة. وفي الاتجاه نفسه أعربت بكين عن تحفظاتها وكذلك أكدت موسكو على ضرورة التوازن والحفاظ على مشروعيّة الأمم المتحدة و تأمين دوراً فلسطينياًّ فاعلاً في ادارة المرحلة الانتقالية. ما تقدم أسفر عن العودة مرة أخرى للسلطة الفلسطينية من أجل تشغيل "معبر رفح" بموجب اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2005 كما لم يجد مجلس السلام أي حل لتأمين قوة شُرَطيّة داخلية للقطاع غير العودة أيضاً لجهاز الشرطة الفلسطيني المعترف به دولياً. و على هذه التحوّلات التي لم تعترف بها حكومة نتنياهو إلا مرغمة بالضغط الأميركي و العربي و الدولي . استطاع مجلس السلام أن يعقد اول اجتماع له في واشنطن في منتصف فبراير/ شباط الماضي وخلص إلى جمع نحو ١٧ مليار دولار و التحضير لخطة إعادة إعمار القطاع و التأكيد على دور اللجنة الادارية الفلسطينية في خطة التعافي وتثبيت وقف اطلاق النار والانتقال الى المرحلة الثانية من خطة ترامب ذات المراحل العشرين. لكن اين نحن الآن؟؟ أمام ضجيج الحرب مع ايران لم يعد أحد يسمع ما يجري في قطاع غزة حيث استطاع نتنياهو منع الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام بذريعة تسليم سلاح حماس أولاً، من دون الإفصاح عن اتفاق جرى في الدوحة و أعلن عنه الرئيس ترمب، بأنهم سمحوا لحركة حماس بالاستمرار في حكم غزة و بقاء سلاحها حتى تدخل القوة الدولية؟!! بينما جيش الاحتلال يوسع تواجده في المنطقة الصفراء التي تجاوزت نصف مساحة القطاع، ويقوم بعمليات عسكرية يومية تؤدي إلى تهجير الفلسطينيّين باتجاه البحر ما يجعل القطاع مقسوم عمودياً من الشمال إلى الجنوب وفق شارع صلاح الدين ، بأقل كثافة سكانية شرق الطريق و أعلى كثافة غربه. ولطالما أن قوة حفظ السلام الدولية تعاني من مشكلات قانونية بتعريفها وتحديد مهامها و يتأخر تشكيلها حتى كتابة هذه السطور فإن حكومة اسرائيل مستمرة في معدل عملياتها العسكرية لإعادة ترتيب مسرح قطاع غزة بما يناسبها أمنيّاً على المدى الطويل. إن هذا الوضع السائد جعل أعضاء اللجنة الادارية الفلسطينية يجلسون في مكاتبهم فقط ويفكرون بالاستقالة على قاعدة أن اللجنة الادارية الفلسطينية مقرها المؤقت في مدينة العريش المصرية، و قد منعت اسرائيل أعضائها ومسؤولها الأول المهندس علي شعث من دخول قطاع غزة كما منعت دخول الشاحنات المفترضة للمساعدات إلا ضمن تقليص أعدادها وتحديد نوعيتها باستخدام آليات ضغط مستمرة تؤدي إلى شح الإمدادات الغذائية المجانية ومنع دخول أي خيمة جديدة بعد اهتراء 90% من الخيم المستعملة و المتهالكة. فضلاً عن منع دخول معدات ثقيلة للبدء في إزالة الركام من الشوارع من أجل تعطيل البحث عن جثامين أكثر من عشرة آلاف مفقود تحت الانقاض. وحتى الآن لا إعلان يُذكر حول جدول الانسحاب الاسرائيلي من القطاع بل إنّ ما يجري ان جيش الاحتلال مستمر بجعل اللجنة الاداريّة بلا مقدرة على التواصل مع أهلها في القطاع وهذا ما صرّح به عدد من الشخصيات المشاركة. وما يجري واقعياً، هو تحويل قطاع غزة إلى منطقة عازلة اسرائيلية تجعل حياة الغزيين في "السلم" أكثر قسوة و أشد مذلّة منها في زمن حرب الإبادة. بينما يجري تدجين حركة حماس والتفاهم مع قادتها على دورهم في المرحلة المقبلة والسماح لجهازها العسكري- الأمني- الاداري بالاستمرار في حكم المنطقة الغربية من القطاع والعودة مجدداً لإدارة هذا الجزء الذي يضم ثلاثة ارباع الغزيين. بانتظار تسويات قادمة لا أحد يعلم طبيعتها اذا تُرك الامر لواشنطن وتل ابيب. في الوقت نفسه تعلن حكومة نتنياهو أنها ثابتة على مطلبها بترحيل الغزيين إلى صحراء سيناء و أنها لن تسمح بعودة القطاع إلى احتضان الكثافة السكانية فيه. باعتبار الفلسطيني كمّ بشري لا هوية له ولا إرادة ولا قرار. لقد تحوّل بقاء الانسان الفلسطيني في بلده هاجس وجودي لدولة اسرائيل. هكذا فجرت عملية ٧/اكتوبر أعمق المخاوف التي تستدعي إلغاء الآخر وليس البحث عن السلام مع الآخر. حقاً لم تصل شدة الكراهية بين الشعبين ما وصلت إليه الآن. إذ اتّخذت بُعداً مرضيّاً من الصعب معالجته او الشفاء منه في المدى المنظور.

لبنان بين شروط التفاوض وتعقيدات القرار
بقلم
زياد عبد الصمد
نُشر

تشترط إسرائيل سحب سلاح حزب الله قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو شرط تدرك مسبقًا أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تلبيته، إذ إن قرار الحرب والسلم لا يزال إلى حدّ كبير خارج إطار مؤسسات الدولة. ومع ذلك، سجّلت إسرائيل خطوة لافتة بتعيين رون درايمر رئيسًا للوفد الإسرائيلي إلى المفاوضات مع لبنان، وهو مسؤول رفيع المستوى في الحكومة الإسرائيلية ومقرّب من دوائر القرار، ولا سيما من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ما يضفي على هذه الخطوة طابعًا سياسيًا جديًا ورسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن إسرائيل مستعدة للدخول في مسار تفاوضي على مستوى عالٍ. في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية تشكيل وفد تفاوضي يعكس التوازنات الطائفية الداخلية التي يقوم عليها النظام السياسي. غير أن هذه المحاولة اصطدمت سريعًا بتعقيدات الواقع اللبناني، بعدما رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري تسمية العضو الشيعي في الوفد، مشترطًا وقفًا كاملًا لإطلاق النار قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه حزب الله رفضه وقف إطلاق النار قبل انتهاء الحرب على إيران، بل صرّح بأنه وضع كل إمكاناته في هذه الحرب وأنه إما سيقاتل حتى النهاية أو حتى تحقيق الانتصار. مثل هذه المواقف تغلق عمليًا الباب أمام إمكانية وقف إطلاق النار في المدى القريب، وتضيّق هامش المناورة أمام أي مبادرة سياسية أو مسار تفاوضي. كما أنها تكشف التباين الواضح بين منطق الدولة اللبنانية الساعية إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، ومنطق القوى المسلحة التي تربط قرارها بسياق إقليمي أوسع يتجاوز حدود لبنان. وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو إسرائيل وكأنها نجحت في تسجيل نقطة إضافية في ميزان الرأي العام الدولي؛ إذ ستظهر كطرف أبدى استعدادًا للتفاوض عبر موفد رفيع المستوى، فيما يبدو لبنان دولة عاجزة عن توحيد قرارها الداخلي أو الإيفاء بالمتطلبات التي يفرضها الانتقال إلى حل سياسي. وهذا الانطباع، سواء كان دقيقًا أم مبالغًا فيه، يضعف موقع لبنان التفاوضي ويزيد من صعوبة الدفاع عن مصالحه في المحافل الدولية. في المحصلة، تكشف هذه التطورات مرة أخرى عمق المأزق الذي يعيشه لبنان، حيث تتقاطع دولة محدودة القدرة مع قوة عسكرية وسياسية تتخذ قراراتها خارج مؤسساتها. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي مسار تفاوضي أو حل سياسي رهينة توازنات إقليمية لا يملك لبنان السيطرة عليها. وبينما تسعى الدولة إلى تثبيت موقعها على طاولة التفاوض، يبقى التحدي الحقيقي في استعادة قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الدستورية، لأن من دون ذلك سيبقى لبنان ساحةً لتصفية الصراعات الإقليمية بدل أن يكون دولة قادرة على حماية مصالحها الوطنية.

وليد الخالدي، مهندس المعرفة الفلسطينية

ليس من السهل اختصار، في أسطر وفقرات قليلة، مسيرة مؤرخ كبير عاش زهاء مئة عام وبقي حتى أيامه الأخيرة منغمساً في المتابعة والكتابة والتأليف ومنشغل البال حيال ما يجري في بلاده، وعلى الدوام كانت قضيته واحدة: فلسطين. وليد الخالدي الذي غاب عنا منذ أيام قليلة جمع في حياته المديدة الكثير من الصفات لعل أهمها ما وُصف به مراراً وما شهدت عليه أبحاثه وكتبه بأنه حارس رواية النكبة وهو نفسه الذي دحض الرواية الصهيونية في فلسطين. منذ رحيله، نُشرت عنه مرثيات في كبريات الصحف العالميّة والعربيّة تمحورت حول إنجازاته العملية الرصينة وحول الأدوار العديدة التي لعبها في السياسة، وحول العديد من الأنشطة الأخرى التي اتخذت أشكالاً مختلفة. يمكن القول أن صفتين أساسيتين تميّزت بهما شخصيّة الخالدي، الباحث الفلسطيني العربي الذي عرفه المجتمع الأكاديمي الغربي، كما عرفه المجتمع الأكاديمي العربي، بالنظر إلى معرفته الموسوعيّة ومرجعيته العلميّة خصوصاً المتصلة بقضيّة فلسطين. الصفة الأولى تتصل بتمسكه الصارم بالمعايير العلميّة والأكاديميّة في البحث العلمي وعدم تهاونه في هذا الأمر، وهو ما بنى له مصداقيّة عاليّة بين صفوف الأكاديميين في الجامعات الغريبّة والعربيّة على حد سواء. وفي كل كتبه المنشورة ومحاضراته ومقالاته، لم يحد الخالدي قيد أنملة عن هذا المعيار، لا بل عممّه على جميع العاملين معه، مكرّساً بذلك مساراً تأريخيّاً حاسماً وغير قابل للجدل. الصفة الثانية عقله المؤسساتي الذي ترجمه في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة في بيروت سنة 1963 كمرجع علمي مختص بقضيّة فلسطين والصراع العربي- الإسرائيلي، وهي مؤسسة بحثيّة عربيّة مستقلة تماماً ولا تتبع لأي طرف سياسي، ولا تتوخى الربح التجاري، ولقد نشرت في الحقبة التي تولى فيها أمانة سرها ما يزيد عن 800 كتاب مرجعي حول القضية الفلسطينية باللغات العربية والانكليزية والفرنسية والاسبانية، وتُرجمت بعض كتبها إلى لغات أخرى أيضاً. من الممكن تخيّل حجم التحديات التي واجهت مؤسسة بحثيّة كهذه المؤسسة، وسبل التعامل مع الضغوطات التي يمكن أن تعترض عملها من كل حدب وصوب، وهي التي تجعل من استقلاليتها مسألة في غاية الصعوبة خصوصاً أنها مختصة في البحث عن قضيّة معقدة، قضية فلسطين، التي اندلع حولها الصراع منذ ما قبل نكبة 1948. ويُضاف إلى ذلك، أن هذه المؤسسة تعتمد- في إطار سعيها الحثيث على استقلاليتها الأكاديميّة- على الدعم والتبرعات الماليّة غير المشروطة بما يحول دون استرهانها لهذه الجهة أو تلك أو لهذا الطرف أو ذاك. وفي هذا المجال، يقول المدير العام للمؤسسة خالد فرّاج: "لقد عمل الخالدي على تكريس مجموعة من القيم والمفاهيم الجمعيّة داخل المؤسسة، ميّزتها من غيرها من المؤسسات وأماكن العمل الأخرى. وقوام هذه القيم هو انصهار العلين في المؤسسة مع القيمة العامة التي أرساها، ومع جوهر القضيّة التي أنشئت المؤسسة من أجلها، وهي تثبيت الحق لأصحابه عبر البحث العلمي الرصين". [1] إن مجرّد صمود مؤسسة بحثيّة عربيّة- في منطقة قلّما تهتم بالبحث العلمي- لأكثر من ستة عقود دون أن ترتمي في "أحضان" أي جهة سياسيّة أو ماليّة أو حزبيّة هو إنجاز يُسجّل لها وللقائمين عليها، وهو المسار الذي خطّه بالأساس وليد الخالدي، وعمل على تثبيته على مدى سنوات طويلة. *** كان وليد الخالدي صاحب مبدأ، وهو الذي عُرف عنه أنه استقال من جامعة أوكسفورد سنة 1956 رفضاً لانخراط بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل بعدها للبحث والتعليم في الجامعة الأميركيّة في بيروت. من الممكن تصوّر صعوبة اتخاذ قرار كهذا لأستاذ جامعي ثلاثيني يُدرّس في واحدة من أهم الجامعات الغربيّة، ففي هذه الحالة جعل الخالدي الموقف القومي المبدئي يسمو فوق اعتباراته الشخصيّة الخاصة، وفي طليعتها مسيرته الجامعيّة التي تعرّضت للانقطاع في أوكسفورد ومن ثم استأنفها في بيروت التي كانت تعج بالحياة والحريّة، الأمر الذي أتاح له بعد سنوات الشروع في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة التي لا يزال مقرها الرئيسي في بيروت إلى يومنا هذا. يقول عنه المؤرخ الإسرائيلي الشهير المناهض للصهيونية إيلان بابيه: "في حديث غير رسمي جرى بيني وبينه (...)، علمتُ أنه كان ثمّة سبب آخر لاستيائه من أكسفورد؛ إذ كان يسعى بصفته أكاديميّاً لأن يحاضر ويكتب عن نكبة 1948 حتى في ذلك الزمن، لكن اتضح له أن أكسفورد في تلك الآونة لم تعترف بالنكبة كموضوع جدير بالدراسة الأكاديميّة". [2] كثيرة هي البصمات الأكاديميّة التي تركها وليد الخالدي مثل كشفه عن مضمون "خطة دالت" التي وضعتها العصابات الصهيونيّة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية لا سيما في عامي 1947- 1948. وهي الخطة التي تناقض كل السرديّة التي تقوم على فكرة أن الأراضي الفلسطينية كانت غير مأهولة أو أن سكانها غادروها بإرادتهم. ويتوقف الخالدي بإسهاب عند قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة فيقول بشكل مبهر: "لقد أصبح قرار التقسيم الذي صـدر عـن الجمعيـة العامـة لـلأمم المتحـدة سـنة 1947 ذا أهمية حاسمة في رواية المنتصرين، إلى درجـة أن فقـداناً جماعيـاً للـذاكرة التاريخيـة محى كل ما سبقه من أحداث في الماضي البعيد والمتوسط والسابق مباشـرة لـه، كمـا لـو أن قـرار التقسـيم هـو بدايـة القضـية الفلسـطينية وأصـلها، لا الـذروة المأسـاوية (بالنسـبة إلى الفلسطينيين) لكل ما سبقه منذ بداية الصهيونية السياسية. [3] ولأن البحث العلمي لا ينفصل عن مجريات السياسة وتحولاتها، شارك وليد الخالدي- دون أن ينخرط بما يؤثر على استقلاليته الأكاديميّة- في العديد من مجالات النشاط السياسي، وساهم حيث يمكن في صياغة موقف ورؤية فلسطينيّة على قاعدة التمسك بالحقوق الوطنيّة المشروعة، فهو "كان ضمن الدائرة المقربة من مسؤولي حركة القوميين العرب ومحل ثقة العديد من قادتها (...)، كما نسج علاقات وثيقة مع مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية (...). وفي أوائل السبعينات، إنخرط الخالدي في اتصالات خاصة مع الولايات المتحدة نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية".[4] ولمن لا يعرف، كان له دور أساسي في كتابة الخطاب التاريخي الشهير لرئيس منظمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات الذي ألقاه في الأمم المتحدة سنة 1974. إلا أن المحطة الهامة الأخرى تمثلت في مشاركته في الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك في محادثات السلام في مدريد سنة 1991 التي قامت على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، والتي شكلت محطة مفصليّة في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي ولو أنها أفرغت من مضمونها تدريجياً وتم تجاوزها من خلال مفاوضات أوسلو التي اتسمت بالسرية وأفضت إلى الاتفاق الشهير سنة 1993. حول النكبة، والقرى الفلسطينية والتهجير المنهجي للفلسطينيين نشر وليد الخالدي كتابين مرجعيين: "كي لا ننسى" و"قبل الشتات"، ومراجعتهما كفيلة بدحض الرواية الإسرائيليّة التي تقول بأن دولة إسرائيل قامت على أرض بلا شعب! وسوف تبقى كتب وليد الخالدي ومؤلفاته مرجعاً للباحثين والطلاب لسنواتٍ إلى الأمام، وهو الذي كان معلماً مشرفاً على المئات من الباحثين الذين تتلمذوا على يديه سواء في الجامعات أم في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بعد رحيل هذا المؤرخ الكبير، يجب أن تبقى قضيّة فلسطين أمانة في أعناق جميع الأحرار حول العالم لأنها قضيّة أخلاقيّة وإنسانيّة تماماً كما هي قضيّة سياسيّة. [1] فرّاج، خالد. "في مئويّة وليد الخالدي: الرسالة التي تحوّلت إلى منهج عمل". ملحق خاص في مناسبة مئويّة وليد الخالدي صادر عن مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 143). ص 123. بيروت. صيف 2025. [2] بابيه، إيلان. "وليد الخالدي ونشأة الدراسات الفلسطينية 1963- 2025". المصدر أعلاه، ص 57. [3] مجلة الدراسات الفلسطينية. المجلد 9. العدد 33 (شتاء 1998). ص 3 [4] الخالدي، رشيد. "وليد الخالدي الرائد والمجدد". ملحص خاص في مناسبة مئويّة وليد الخالدي صادر عن مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 143). ص 18- 19. بيروت. صيف 2025.

جزيرة خرج، ورقة رابحة جديدة في يد ترامب

تُنهي الحرب بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، والمحور الأمريكي الإسرائيلي الذي يشمل تِباعاً أوروبا ودول الخليج وتركيا من جهة أخرى، أسبوعها الثاني في هذا السبت الموافق 14 مارس. ركزت المرحلة الأولى من الصراع أساساً، من الجانب الغربي، على القضاء، منذ الساعات الأولى للهجوم في 28 فبراير، على حوالي أربعين عضواً من القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية العليا، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، تلتها حملة قصف جوي مكثف ومستمر بهدف تدمير البنى التحتية العسكرية والإدارية للنظام. من الجانب الإيراني، تضمنت العمليات العسكرية إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة استهدفت الأراضي الإسرائيلية، وكذلك دول الخليج، بالتوازي مع إعادة تنشيط جبهة جنوب لبنان فجر يوم 2 مارس. شهدت نهاية الأسبوع الثاني من الحرب تطوراً كبيراً ذا أهمية استراتيجية بالغة: قصف الطيران الأمريكي للمنشآت العسكرية والمدنية وهياكل الدفاع الجوي لجزيرة خارج الإيرانية، الواقعة شمال الخليج العربي، على بعد حوالي عشرين كيلومتراً من السواحل الإيرانية. لطالما وصفت جزيرة خارج بأنها «جوهرة التاج» للصناعة النفطية الإيرانية أو «كعب أخيل للطاقة» في إيران، وقد مثلت دائماً الرئة الاقتصادية الحقيقية لإيران. والسبب واضح: ما يقرب من 90 بالمائة من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر هذه الجزيرة، وهي سهلة الوصول لناقلات النفط العملاقة بسبب مياهها العميقة، على عكس الموانئ الأخرى. توفر الجزيرة أيضاً بنية تحتية تسمح باستقبال عدة ناقلات نفط عملاقة في وقت واحد وتخزين ما لا يقل عن 35 مليون برميل من النفط. أتاحت الأهمية الاستراتيجية العالية لجزيرة خارج للرئيس دونالد ترامب الحصول على ورقة رابحة في الصراع الذي ظهر قبل أيام حول مضيق هرمز ومحاولات الحرس الثوري لمنع حرية الملاحة البحرية في هذا الممر الحيوي للنقل. وهكذا أكد رئيس البيت الأبيض بوضوح، يوم السبت، أن الطيران الأمريكي دمر بالفعل المنشآت العسكرية والجوية والبحرية للجزيرة لكنه امتنع عن مهاجمة البنية التحتية النفطية. بالنسبة للرئيس ترامب، المعادلة واضحة: إذا حاول النظام الإيراني إغلاق مضيق هرمز، فإن الطيران الأمريكي سيدمر المنشآت النفطية في خارج، مما سيؤدي إلى خنق اقتصادي ومالي للجمهورية الإسلامية. فصادرات النفط تمثل بالفعل المصدر الرئيسي للدخل لإيران. لتحويل الأقوال إلى أفعال، قرر الجيش الأمريكي إرسال تعزيزات قوامها 2500 جندي من المارينز إلى منطقة الشرق الأوسط والخليج، مما زاد من الشائعات التي تداولت يوم السبت حول احتمال إنزال أمريكي في خارج لحل مشكلة مضيق هرمز. ويبدو واضحاً في هذا السياق أن نتيجة هذه المواجهة الحساسة سيكون لها تأثير مؤكد على أسعار النفط العالمية، وبالتالي على سعر البنزين في المضخات والمنتجات الاستهلاكية الرئيسية. وهذا التأثير بدأ يُلمس بالفعل نظراً لاستمرار إيران في إطلاق صواريخها ضد الدول النفطية في الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة حيث توقف النشاط في ميناء الفجيرة يوم السبت بسبب حريق ناجم عن إطلاق صاروخ. «النقاط الساخنة» الأخرى على صعيد «النقاط الساخنة» الأخرى في الصراع، تميزت ليلة الجمعة ويوم السبت بالغارات الجوية التقليدية وإطلاق الصواريخ، مستهدفة الضاحية الجنوبية وعدة قرى في جنوب لبنان، وكذلك شمال إسرائيل والجليل. بالتوازي، واصل الجيش الإسرائيلي تقدمه البطيء في بعض قطاعات المنطقة الجنوبية من البلاد. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي في هذا الصدد أن «الصراع دخل مرحلة جديدة»، مما يدعم فرضية احتلال إسرائيلي محتمل ومطول لمنطقة جنوب لبنان الواقعة جنوب الليطاني. على الصعيد الإقليمي، استُهدفت السفارة الأمريكية في بغداد بصاروخ أدى إلى أضرار مادية طفيفة، بينما أعلنت الحكومة العراقية عن اتخاذ إجراءات خاصة لمنع أي اعتداء جديد على المصالح الفرنسية في العراق، كما حدث قبل يومين.