

ليس من السهل اختصار، في أسطر وفقرات قليلة، مسيرة مؤرخ كبير عاش زهاء مئة عام وبقي حتى أيامه الأخيرة منغمساً في المتابعة والكتابة والتأليف ومنشغل البال حيال ما يجري في بلاده، وعلى الدوام كانت قضيته واحدة: فلسطين. وليد الخالدي الذي غاب عنا منذ أيام قليلة جمع في حياته المديدة الكثير من الصفات لعل أهمها ما وُصف به مراراً وما شهدت عليه أبحاثه وكتبه بأنه حارس رواية النكبة وهو نفسه الذي دحض الرواية الصهيونية في فلسطين.
منذ رحيله، نُشرت عنه مرثيات في كبريات الصحف العالميّة والعربيّة تمحورت حول إنجازاته العملية الرصينة وحول الأدوار العديدة التي لعبها في السياسة، وحول العديد من الأنشطة الأخرى التي اتخذت أشكالاً مختلفة. يمكن القول أن صفتين أساسيتين تميّزت بهما شخصيّة الخالدي، الباحث الفلسطيني العربي الذي عرفه المجتمع الأكاديمي الغربي، كما عرفه المجتمع الأكاديمي العربي، بالنظر إلى معرفته الموسوعيّة ومرجعيته العلميّة خصوصاً المتصلة بقضيّة فلسطين.
الصفة الأولى تتصل بتمسكه الصارم بالمعايير العلميّة والأكاديميّة في البحث العلمي وعدم تهاونه في هذا الأمر، وهو ما بنى له مصداقيّة عاليّة بين صفوف الأكاديميين في الجامعات الغريبّة والعربيّة على حد سواء. وفي كل كتبه المنشورة ومحاضراته ومقالاته، لم يحد الخالدي قيد أنملة عن هذا المعيار، لا بل عممّه على جميع العاملين معه، مكرّساً بذلك مساراً تأريخيّاً حاسماً وغير قابل للجدل.
الصفة الثانية عقله المؤسساتي الذي ترجمه في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة في بيروت سنة 1963 كمرجع علمي مختص بقضيّة فلسطين والصراع العربي- الإسرائيلي، وهي مؤسسة بحثيّة عربيّة مستقلة تماماً ولا تتبع لأي طرف سياسي، ولا تتوخى الربح التجاري، ولقد نشرت في الحقبة التي تولى فيها أمانة سرها ما يزيد عن 800 كتاب مرجعي حول القضية الفلسطينية باللغات العربية والانكليزية والفرنسية والاسبانية، وتُرجمت بعض كتبها إلى لغات أخرى أيضاً.
من الممكن تخيّل حجم التحديات التي واجهت مؤسسة بحثيّة كهذه المؤسسة، وسبل التعامل مع الضغوطات التي يمكن أن تعترض عملها من كل حدب وصوب، وهي التي تجعل من استقلاليتها مسألة في غاية الصعوبة خصوصاً أنها مختصة في البحث عن قضيّة معقدة، قضية فلسطين، التي اندلع حولها الصراع منذ ما قبل نكبة 1948. ويُضاف إلى ذلك، أن هذه المؤسسة تعتمد- في إطار سعيها الحثيث على استقلاليتها الأكاديميّة- على الدعم والتبرعات الماليّة غير المشروطة بما يحول دون استرهانها لهذه الجهة أو تلك أو لهذا الطرف أو ذاك.
وفي هذا المجال، يقول المدير العام للمؤسسة خالد فرّاج: "لقد عمل الخالدي على تكريس مجموعة من القيم والمفاهيم الجمعيّة داخل المؤسسة، ميّزتها من غيرها من المؤسسات وأماكن العمل الأخرى. وقوام هذه القيم هو انصهار العلين في المؤسسة مع القيمة العامة التي أرساها، ومع جوهر القضيّة التي أنشئت المؤسسة من أجلها، وهي تثبيت الحق لأصحابه عبر البحث العلمي الرصين".[1]
إن مجرّد صمود مؤسسة بحثيّة عربيّة- في منطقة قلّما تهتم بالبحث العلمي- لأكثر من ستة عقود دون أن ترتمي في "أحضان" أي جهة سياسيّة أو ماليّة أو حزبيّة هو إنجاز يُسجّل لها وللقائمين عليها، وهو المسار الذي خطّه بالأساس وليد الخالدي، وعمل على تثبيته على مدى سنوات طويلة.
***
كان وليد الخالدي صاحب مبدأ، وهو الذي عُرف عنه أنه استقال من جامعة أوكسفورد سنة 1956 رفضاً لانخراط بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل بعدها للبحث والتعليم في الجامعة الأميركيّة في بيروت. من الممكن تصوّر صعوبة اتخاذ قرار كهذا لأستاذ جامعي ثلاثيني يُدرّس في واحدة من أهم الجامعات الغربيّة، ففي هذه الحالة جعل الخالدي الموقف القومي المبدئي يسمو فوق اعتباراته الشخصيّة الخاصة، وفي طليعتها مسيرته الجامعيّة التي تعرّضت للانقطاع في أوكسفورد ومن ثم استأنفها في بيروت التي كانت تعج بالحياة والحريّة، الأمر الذي أتاح له بعد سنوات الشروع في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة التي لا يزال مقرها الرئيسي في بيروت إلى يومنا هذا.
يقول عنه المؤرخ الإسرائيلي الشهير المناهض للصهيونية إيلان بابيه: "في حديث غير رسمي جرى بيني وبينه (...)، علمتُ أنه كان ثمّة سبب آخر لاستيائه من أكسفورد؛ إذ كان يسعى بصفته أكاديميّاً لأن يحاضر ويكتب عن نكبة 1948 حتى في ذلك الزمن، لكن اتضح له أن أكسفورد في تلك الآونة لم تعترف بالنكبة كموضوع جدير بالدراسة الأكاديميّة".[2]
كثيرة هي البصمات الأكاديميّة التي تركها وليد الخالدي مثل كشفه عن مضمون "خطة دالت" التي وضعتها العصابات الصهيونيّة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية لا سيما في عامي 1947- 1948. وهي الخطة التي تناقض كل السرديّة التي تقوم على فكرة أن الأراضي الفلسطينية كانت غير مأهولة أو أن سكانها غادروها بإرادتهم.
ويتوقف الخالدي بإسهاب عند قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة فيقول بشكل مبهر: "لقد أصبح قرار التقسيم الذي صـدر عـن الجمعيـة العامـة لـلأمم المتحـدة سـنة 1947 ذا أهمية حاسمة في رواية المنتصرين، إلى درجـة أن فقـداناً جماعيـاً للـذاكرة التاريخيـة محى كل ما سبقه من أحداث في الماضي البعيد والمتوسط والسابق مباشـرة لـه، كمـا لـو أن قـرار التقسـيم هـو بدايـة القضـية الفلسـطينية وأصـلها، لا الـذروة المأسـاوية (بالنسـبة إلى الفلسطينيين) لكل ما سبقه منذ بداية الصهيونية السياسية.[3]
ولأن البحث العلمي لا ينفصل عن مجريات السياسة وتحولاتها، شارك وليد الخالدي- دون أن ينخرط بما يؤثر على استقلاليته الأكاديميّة- في العديد من مجالات النشاط السياسي، وساهم حيث يمكن في صياغة موقف ورؤية فلسطينيّة على قاعدة التمسك بالحقوق الوطنيّة المشروعة، فهو "كان ضمن الدائرة المقربة من مسؤولي حركة القوميين العرب ومحل ثقة العديد من قادتها (...)، كما نسج علاقات وثيقة مع مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية (...). وفي أوائل السبعينات، إنخرط الخالدي في اتصالات خاصة مع الولايات المتحدة نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية".[4] ولمن لا يعرف، كان له دور أساسي في كتابة الخطاب التاريخي الشهير لرئيس منظمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات الذي ألقاه في الأمم المتحدة سنة 1974.
إلا أن المحطة الهامة الأخرى تمثلت في مشاركته في الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك في محادثات السلام في مدريد سنة 1991 التي قامت على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، والتي شكلت محطة مفصليّة في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي ولو أنها أفرغت من مضمونها تدريجياً وتم تجاوزها من خلال مفاوضات أوسلو التي اتسمت بالسرية وأفضت إلى الاتفاق الشهير سنة 1993.
حول النكبة، والقرى الفلسطينية والتهجير المنهجي للفلسطينيين نشر وليد الخالدي كتابين مرجعيين: "كي لا ننسى" و"قبل الشتات"، ومراجعتهما كفيلة بدحض الرواية الإسرائيليّة التي تقول بأن دولة إسرائيل قامت على أرض بلا شعب! وسوف تبقى كتب وليد الخالدي ومؤلفاته مرجعاً للباحثين والطلاب لسنواتٍ إلى الأمام، وهو الذي كان معلماً مشرفاً على المئات من الباحثين الذين تتلمذوا على يديه سواء في الجامعات أم في مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
بعد رحيل هذا المؤرخ الكبير، يجب أن تبقى قضيّة فلسطين أمانة في أعناق جميع الأحرار حول العالم لأنها قضيّة أخلاقيّة وإنسانيّة تماماً كما هي قضيّة سياسيّة.
[1] فرّاج، خالد. "في مئويّة وليد الخالدي: الرسالة التي تحوّلت إلى منهج عمل". ملحق خاص في مناسبة مئويّة وليد الخالدي صادر عن مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 143). ص 123. بيروت. صيف 2025.
[2] بابيه، إيلان. "وليد الخالدي ونشأة الدراسات الفلسطينية 1963- 2025". المصدر أعلاه، ص 57.
[3] مجلة الدراسات الفلسطينية. المجلد 9. العدد 33 (شتاء 1998). ص 3
[4] الخالدي، رشيد. "وليد الخالدي الرائد والمجدد". ملحص خاص في مناسبة مئويّة وليد الخالدي صادر عن مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 143). ص 18- 19. بيروت. صيف 2025.