شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
عندما يصبح رفض التفاوض جهلاً أو خيانة

في اللحظة التي يعيشها لبنان اليوم، لم يعد النقاش يدور حول تفاصيل تقنية من نوع: هل تكون المفاوضات مع إسرائيل مباشرة أم غير مباشرة؟ هل تسبقها هدنة أم تأتي بعدها؟ هذه أسئلة ثانوية أمام السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا نفاوض أصلاً، وماذا يعني أن ترفض دولة التفاوض؟ في أبسط تعريفاته، التفاوض في العلاقات الدولية ليس علامة ضعف ولا استسلاماً. التفاوض هو الأداة الطبيعية التي تستخدمها الدول لإدارة الصراعات عندما تصبح كلفة الحرب أعلى من قدرتها على الاحتمال. هكذا تعمل الدول العاقلة. فالحروب نفسها تنتهي دائماً بالتفاوض: بعد الدماء، بعد الدمار، بعد أن يكتشف المتحاربون أن القوة وحدها لا تحل المشاكل، ولا تصنع استقراراً دائماً. لهذا السبب تفاوضت دول خاضت حروباً طاحنة. تفاوضت الولايات المتحدة مع فيتنام بعد حرب طويلة، وتفاوضت مصر مع إسرائيل بعد حربين كبيرتين، وتفاوضت قوى أوروبية خاضت قروناً من الحروب قبل أن تبني نظاماً سياسياً جديداً في القارة. التفاوض ليس استثناءً في التاريخ السياسي، بل هو القاعدة. لهذا تحديداً يصبح رفض التفاوض، عندما تكون البلاد مدمرة ومئات آلاف المواطنين مهجّرين، موقفاً لا يمكن قبوله أخلاقا، ولا تفسيره بسهولة. ففي مثل هذه اللحظات لا يكون رفض التفاوض موقفاً بطولياً، بل يتحول إلى أحد الأمور التالية: جهل بطبيعة العلاقات الدولية، أو تهرب من المسؤولية، أو استهتار بحياة الناس ومصير البلد، أو أن من يمنع التفاوض لا يملك القبول به دون موافقة مرجعيته، وهنا إيران، ويكون هو من يلعب دور حكومة فيشي، وليس حكومة لبنان على ما هدّد به القماطي، الذي هو نائب في البرلمان بالمناسبة. يعيش لبنان اليوم إحدى أخطر لحظاته منذ نهاية الحرب الأهلية. أكثر من ثمانمئة ألف لبناني نزحوا من بيوتهم في الجنوب ومناطق أخرى، ومن غير الواضح إمكانية عودتهم او توقيتها، قرى بأكملها تحولت إلى مناطق أشباح. الاقتصاد الذي كان بالكاد يتنفس قبل الحرب أصبح أقرب إلى الانهيار الكامل. ومع ذلك، ما زال النقاش في البلاد يدور وكأن المشكلة مجرد خلاف نظري حول شكل التفاوض. لكن الحقيقة البسيطة والمرة والقاسية: هي ان هذه الحرب لم تقررها الدولة اللبنانية، ولم يعلنها مجلس الوزراء، ولم يصادق عليها البرلمان، ولم يطلبها الشعب. الذي قرر فتح الجبهة هو حزب الله، الذي يتصرف منذ سنوات كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة وتهيمن عليها، وترتبط استراتيجياً بإيران وتندمج في صراعاتها الإقليمية. وهنا تكمن العقدة الأساسية. فالحرب بالنسبة للحزب ليست محاربة إسرائيل او الدفاع عن لبنان، بل جزء من معركة إيران الإقليمية. ولذلك يقول قادته إنها «معركة وجودية». لكنها في الواقع معركة وجودية بالنسبة للحزب نفسه ودوره الإقليمي، لا بالنسبة للشعب ولا للدولة اللبنانية التي تدفع ثمنها دماراً وتهجيراً وانهياراً اقتصادياً. في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الحرب بمنطق مختلف تماماً. بالنسبة لها، ما يجري هو فرصة قد لا تتكرر لتصفية الخطر العسكري الذي يمثله حزب الله على حدودها الشمالية. لهذا ليس من الواقعي الاعتقاد أن إسرائيل ستوقف عملياتها بسهولة، أو أنها ستكتفي بوقف إطلاق نار مؤقت يعيد الأمور إلى ما كانت عليه. المنطق العسكري والسياسي في إسرائيل يقول إن هذه قد تكون الفرصة الأخيرة لتغيير المعادلة في لبنان. بين هذين المنطقين يقف لبنان الدولة شبه عاجز. دولة لم تقرر الحرب لكنها تدفع ثمنها، ودولة يُطلب منها التفاوض بينما قرار القتال ليس بيدها أصلاً. ولهذا يطرح رئيس الجمهورية فكرة التفاوض. ليس لأن التفاوض خيار مريح أو لأن الظروف مثالية، بل لأن استمرار الحرب يعني ببساطة دفع لبنان إلى الخراب التام. التفاوض في هذه الحالة ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من المجتمع والدولة. غير أن المشكلة لا تكمن في فكرة التفاوض نفسها، بل في البيئة السياسية التي تحيط بها. ففي بلد لا تحتكر فيه الدولة السلاح ولا القرار العسكري، يصبح التفاوض مهمة شبه مستحيلة. كيف يمكن لدولة أن تفاوض على وقف الحرب بينما طرفاً داخلياً يستمر بالحرب، ويمتلك القدرة على إشعالها من جديد متى شاء، ووفق حسابات إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية المباشرة؟ هنا تحديداً يظهر الخطر الأكبر. فلبنان قد يجد نفسه في أسوأ السيناريوهات الممكنة: حرب طويلة لا يستطيع حسمها، وتسوية، ستكون مهينة، تُفرض عليه من الخارج بعد دمار أكبر بكثير. وهذا ليس احتمالاً نظرياً. تاريخ لبنان الحديث مليء بقبول اوضاع فُرضت عليه بعد أن عجز عن اتخاذ قراره بنفسه. إن النقاش الحقيقي الذي يجب أن يخوضه اللبنانيون اليوم ليس حول شكل المفاوضات، بل حول استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم. فدولة لا تملك هذا القرار لا تستطيع حماية شعبها، ولا تستطيع حتى أن تفاوض باسمهم. في نهاية المطاف، لا توجد دولة في العالم تستطيع العيش إلى الأبد في حالة حرب مفتوحة، ولا يوجد مجتمع يستطيع تحمّل تهجير مئات آلاف من أبنائه بلا أفق للعودة. ولهذا فإن التفاوض ليس خياراً أخلاقياً أو أيديولوجياً، بل واجب سياسي وأخلاقي تجاه المواطنين. أما تحويل رفض التفاوض إلى شعار بطولي بينما يدفع الناس ثمن الحرب من حياتهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبل أولادهم، فليس بطولة. إنه في أفضل الأحوال وهم سياسي خطير، وفي أسوأ الأحوال استخفاف بمصير بلد كامل وخيانة للجمهور الذي اعتمد عليه لحمايته. السؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان لم يعد: هل نفاوض أم لا؟ السؤال الحقيقي أصبح أبسط وأكثر إلحاحاً: ما هو مصير لبنان؟

من بريست-ليتوفسك إلى لبنان
بقلم
زياد عبد الصمد
نُشر

بين دروس التاريخ وضغوط الحرب، يعود السؤال نفسه: هل تستطيع دولة منهكة أن تؤجل الخسارة الكبرى عبر تسوية صعبة، أم أن الاتفاق تحت اختلال موازين القوى يتحول إلى عبء طويل الأمد على السيادة والاستقرار؟ حين تدخل الدول لحظة الخطر الوجودي، لا يعود السؤال كيف تنتصر، بل كيف تمنع الانهيار الكامل. في هذا المعنى، يتجاوز النقاش اللبناني الدائر اليوم حول المبادرة التي أطلقها الرئيس جوزيف عون لفتح مسار مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية حدود السجال السياسي اليومي، ليطرح مسألة أعمق تتعلق بحدود الواقعية الممكنة حين تصبح الدولة نفسها مهددة في تماسكها وقدرتها على البقاء. وقد أثارت هذه المبادرة انقسامًا واضحًا بين من يرى فيها محاولة واقعية لوقف الانهيار ومنع توسع الحرب، وبين من يعتبر أن أي تفاوض يجري تحت ضغط النار واختلال موازين القوى قد يتحول إلى تسوية قاسية تُفرض على لبنان وتترك آثارًا بعيدة المدى على سيادته ومستقبله السياسي. وفي مثل هذه اللحظات، يعود التاريخ ليطرح نماذج سبق أن واجهت فيها دول أو أنظمة سياسية خيارًا بالغ الصعوبة: القبول بتسوية مؤلمة لتفادي الانهيار الكامل. بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917، وجدت القيادة الجديدة في روسيا نفسها أمام واقع قاسٍ: دولة منهكة، جيش متفكك، واقتصاد ينهار بعد سنوات من الحرب العالمية الأولى. في تلك اللحظة، أدرك فلاديمير لينين أن استمرار الحرب مع ألمانيا قد يؤدي إلى سقوط السلطة الجديدة قبل أن تتمكن من تثبيت أركانها، لذلك كلّف ليون تروتسكي بالتفاوض لإنهاء الحرب. لكن القرار لم يكن سهلًا. فقد انقسمت القيادة البلشفية حول طبيعة الموقف الواجب اتخاذه. دعا لينين إلى قبول السلام حتى لو كان قاسيًا ومذلًا، معتبرًا أن الأولوية هي إنقاذ الثورة وكسب الوقت لإعادة بناء الدولة. في المقابل حاول تروتسكي اعتماد صيغة وسط تقوم على وقف القتال من دون توقيع معاهدة مهينة، بينما رفض تيار داخل الحزب بقيادة نيكولاي بوخارين أي تسوية مع ألمانيا ودعا إلى مواصلة ما سمّاه "الحرب الثورية". لكن الوقائع العسكرية حسمت الجدل سريعًا. فقد استأنف الجيش الألماني هجومه وتقدم داخل الأراضي الروسية دون مقاومة تُذكر، ما دفع القيادة البلشفية إلى القبول بتوقيع معاهدة بريست ليتوفسك عام 1918. كانت المعاهدة قاسية، إذ فرضت على روسيا التنازل عن مساحات واسعة من الأراضي وخسائر اقتصادية كبيرة، ولذلك وُصفت آنذاك بأنها سلام مهين. غير أن لينين اعتبرها خطوة اضطرارية ومؤقتة لحماية المشروع السياسي الأكبر: بقاء الثورة نفسها. وبالفعل، بعد أقل من عام انهزمت ألمانيا في الحرب وسقطت المعاهدة عمليًا، فيما تمكنت السلطة البلشفية من تثبيت نفسها وخوض الحرب الأهلية والانتصار فيها. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الحدث مثالًا كلاسيكيًا في التاريخ السياسي على القبول بتسوية قاسية لإنقاذ مشروع أو دولة مهددة بالانهيار. اليوم يُستحضر هذا المثال كثيرًا في النقاشات السياسية في لبنان، خصوصًا في ظل الحرب المفتوحة مع إسرائيل والتداعيات الكارثية التي تضرب البلاد. فلبنان يعيش وضعًا شديد الهشاشة: اقتصاد منهار، بنية اجتماعية متصدعة، وملايين المواطنين مهددون بالنزوح أو الفقر بعد أن تهدمت مدنهم وقراهم وبيوتهم، ما يشكل ضغطًا هائلًا على النسيج الاجتماعي ويهدد وحدة لبنان وتماسكه. في مثل هذا السياق، يطرح البعض فكرة أن الواقعية السياسية قد تفرض أحيانًا قبول تسويات صعبة أو غير متكافئة لوقف الحرب ومنع انهيار الدولة والمجتمع. لكن في المقابل، يرفض كثيرون هذا الطرح ويعتبرون أن أي تسوية غير متوازنة قد تتحول إلى إملاء دائم يكرّس اختلال موازين القوى ويضعف سيادة الدولة على المدى الطويل. وتعزز هذا النقاش قراءة التجارب اللبنانية السابقة مع إسرائيل، إذ تُظهر المحطات التفاوضية والتفاهمية المتعاقبة أن هامش المناورة اللبناني كان يتقلص تدريجيًا كلما ازداد اختلال موازين القوى وتراجعت قدرة الدولة على الإمساك الكامل بعناصر قوتها. فمن اتفاق 17 أيار الذي حمل أبعادًا سياسية وأمنية واسعة لكنه سقط قبل تنفيذه، إلى تفاهم نيسان الذي نظم قواعد الاشتباك دون معالجة أصل النزاع، مرورًا بـ قرار مجلس الأمن 1701، وكل ما أعقبه من تفاهمات وترتيبات أمنية هدفت إلى ضبط الأعمال العدائية، كانت الوقائع الميدانية والسياسية تدفع تدريجيًا نحو شروط أكثر تقييدًا للحركة اللبنانية. ومن هذا المنظور، يرى بعض المراقبين أن السؤال لا يتعلق فقط بطبيعة أي تسوية محتملة اليوم، بل أيضًا بما إذا كانت الظروف الراهنة — على قسوتها — قد تبقى أقل كلفة من شروط قد تُفرض لاحقًا إذا استمر التدهور العسكري والسياسي وتعمق اختلال موازين القوى أكثر. فالمعضلة اللبنانية لا ترتبط فقط بشروط التسوية الممكنة، بل أيضًا بوجود خطاب سياسي ما زال يرفض الإقرار بحدود القوة ويخلط بين الواقعية والاستسلام، في حين أن الاستمرار في هذا المنطق قد يدفع المجتمع والدولة معًا إلى مزيد من الانهيار، ويجعل كلفة أي تسوية لاحقة أشد قسوة على لبنان سياسيًا وسياديًا واقتصاديًا. غير أن الفارق بين زمن بريست-ليتوفسك وزمننا الحاضر يكمن أيضًا في طبيعة النظام الدولي. ففي عام 1918 لم يكن هناك إطار مؤسسي عالمي قادر على رعاية الاتفاقات أو توفير ضمانات لتنفيذها. أما اليوم، ورغم كل ما يعتري النظام الدولي من ثغرات واختلالات، فإن وجود الأمم المتحدة وشبكة من الآليات الدبلوماسية والقانونية يمكن أن يوفر حدًا أدنى من الضمانات. وفي حالة لبنان، قد تشكل الرعاية الدولية، إلى جانب الحضانة العربية، شبكة أمان لأي اتفاق محتمل، بما يساهم في ضمان التزام الأطراف به والحد من احتمالات انهياره أو تحوله إلى مجرد هدنة مؤقتة. غير أن أي نقاش جدي حول تسوية محتملة في لبنان يصطدم مباشرة بمسألة السلاح خارج إطار الدولة، باعتبارها العقدة الأكثر تأثيرًا في تحديد موقع لبنان التفاوضي وحدود قدرته على الالتزام بأي اتفاق مستقبلي. فوجود حزب الله بوصفه قوة عسكرية تمتلك قرارًا ميدانيًا يتجاوز الإطار المؤسسي للدولة يجعل أي تفاوض مزدوجًا بطبيعته: تفاوضًا بين الدولة اللبنانية وإسرائيل من جهة، ونقاشًا داخليًا غير محسوم حول من يملك القرار النهائي في مسائل الحرب والسلم من جهة أخرى. ومن دون معالجة هذا التعارض، قد تبقى أي تسوية معرضة للاهتزاز، لأن نجاح أي اتفاق لا يرتبط بالنصوص وحدها، بل بوجود سلطة واحدة قادرة على احتكار القرار السيادي وتنفيذ الالتزامات الناتجة عنه. ولهذا، يبقى السؤال المطروح أمام اللبنانيين اليوم ليس فقط ما إذا كانت التسوية ضرورية أو ممكنة، بل كيف يمكن صياغتها ضمن إطار دولي يضمن استدامتها ويحمي لبنان من أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة صراع مفتوح. ففي النهاية، ليست المشكلة في أن تكون التسوية قاسية، بل في أن يصبح رفضها اليوم مدخلًا إلى شروط أشد قسوة غدًا. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل أيضًا بقدرتها على إدراك اللحظة التي يصبح فيها إنقاذ ما يمكن إنقاذه شرطًا لبقاء الدولة نفسها.

تصفية لاريجاني وقائد «البسيج» يضيق الخناق على إيران

من شأن الضربة الإسرائيلية التي أودت بحياة رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني – أحد أبرز صقور النظام في الجمهورية الإسلامية – وقائد ميليشيا «البسيج»، ذراع النظام الأمنية الضاربة، غلام رضا سليماني، أن تشكل منعطفاً حاسماً في مسار الحرب الدائرة بين إيران ومحور إسرائيل–الولايات المتحدة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد أعلن رسمياً في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء، مقتل الرجلين في غارات إسرائيلية مركزة استهدفت العاصمة الإيرانية ليل الاثنين–الثلاثاء. وإلى حدود ساعة متأخرة من بعد الظهر، لم تكن طهران قد أكدت هذه الأنباء أو نفتها، إذ اكتفت وسائل الإعلام الإيرانية بالإعلان عن «إطلالة متلفزة مرتقبة» لعلي لاريجاني – في سيناريو يعيد إلى الأذهان ما سبق الإعلان الرسمي عن مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في ضربات إسرائيلية في 28 شباط 2026 – وذلك قبل بث رسالة خطية نُسبت إلى لاريجاني، واقترنت ببيان للمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي توعد فيه بـ«الاستمرار في الحرب حتى هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل». هذا في الوقائع. أما في الأبعاد، فقد سدّدت إسرائيل ضربة موجعة جديدة لإيران، لا تقتصر تداعياتها على هيكلية المنظومة العسكرية–الأمنية للجمهورية الإسلامية فحسب. فبعد تصفية علي خامنئي، حرصت القيادة الإيرانية على الترويج لوجود «سلسلة خُلفاء» تمتد لأربعة مستويات ضمن هذه الهيكلية؛ وهي رسالة وُجّهت إلى تل أبيب وواشنطن بقدر ما وُجّهت إلى الداخل الإيراني المتلهّف للخلاص من «ديكتاتورية الملالي الإجرامية». وعلى الصعيد العسكري، يسلط اغتيال لاريجاني الضوء مجدداً على تفوّق المحور الإسرائيلي–الأميركي، الذي يبدو أنه يقترب تدريجياً من تحقيق أهداف حربه: تقويض النظام الحالي في طهران، أو إضعافه جوهرياً على أقل تقدير، ومنع الجمهورية الإسلامية من حيازة أو إنتاج أسلحة بالستية أو نووية في المستقبل. في هذه الحرب، تمسك تل أبيب وواشنطن بزمام «المبادرة الاستراتيجية»، وهو ما تجلى بوضوح في عمليات الاغتيال والعمليات العسكرية المركزة. ومن خلال هذا النهج، يفرض الطرفان ضغطاً تصاعدياً مستمراً على طهران، التي لا تزال تراوح في «مربع الدفاع» وفق منهجية تفتقر – على عكس خصميها – إلى رؤية استراتيجية واضحة المعالم. فبعد مرور ثمانية عشر يوماً على بدء الصدام العسكري تواصل الجمهورية الإسلامية غاراتها الجوية «الروتينية» ضد القواعد الأميركية وأهداف مدنية في دول الخليج، تزامناً مع استهداف إسرائيل عبر حزب الله انطلاقاً من لبنان. وبحسب وكالة «فرانس برس»، تعرضت السفارة الأميركية لهجومين بفاصل ساعات قليلة بين يومي الاثنين والثلاثاء. كما سقطت قذيفة على فندق يقع ضمن «المنطقة الخضراء» الشديدة التحصين في العراق. وفي وقت متأخر من المساء، استهدفت مسيّرات إيرانية أحد الحقول النفطية الرئيسية في جنوب العراق – وهو حقل متوقف عن العمل كان قد استُهدف الجمعة الماضي – دائماً وفقاً للمصدر نفسه. إلا أن طهران، وبالرغم من تعطيلها حركة ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز – الأمر الذي أثار حفيظة واشنطن العاجزة عن حشد شركائها الأوروبيين لضمان سلامة هذا الشريان الاستراتيجي للتجارة الدولية – لا تزال تبدو عاجزة عن إحداث أي نقطة تحول من شأنها تغيير مسار الصدام العسكري القائم، أو على الأقل، إرغام الولايات المتحدة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وعليه، وبالنظر إلى هذه النقطة الأخيرة، يكتسب اغتيال علي لاريجاني أبعاداً سياسية استثنائية، كونه يتقاطع مع ما كررّه الرئيس ترامب مراراً في الآونة الأخيرة، من أن الحوار مع طهران لا يندرج ضمن الأولويات الراهنة؛ إذ تتقدم عليه ضرورة «ترجمة» أهداف الحرب المرسومة على أرض الواقع. وعلى الرغم من انتمائه إلى «جناح الصقور» في السلطة الإيرانية، إلا أن علي لاريجاني – رجل ثقة علي خامنئي – كان يضطلع بدور محوري في المفاوضات التي خاضتها إيران سواء في الملف النووي أو في علاقاتها مع دول الخليج. ومن شأن غيابه أن يفقد طهران محاوراً وازناً لدى المجتمع الدولي، وقد يضعف قدرتها التفاوضية – في حال قيّرت للنظام الاستمرارية – في أي حوار مستقبلي محتمل ضمن إطار «الشرق الأوسط الجديد» الذي تترسم معالمه. وفي هذا السياق، أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التأكيد الثلاثاء: «إننا بصدد تشكيل شرق أوسط جديد، منبثق من القوة»، بحسب ما نقلت عنه وسائل إعلام إسرائيلية. وتأتي تصفية قائد ميليشيا «البسيج» – الذراع القمعية التي تولت وأد الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الملالي بالحديد والنار – لتصبّ في إطار الأهداف التي يسعى محور إسرائيل–الولايات المتحدة إلى تحقيقها، والمتمثلة في الدفع نحو تغيير للنظام في إيران. إن غياب رأس الهرم في هذه الميليشيا، في وقت يبقى فيه خلفه – أياً يكن – في مرمى النيران الإسرائيلية، من شأنه أن يمنح الإيرانيين قوة دفع لاستعادة زخم تحركاتهم الاحتجاجية. ويبقى السؤال الجوهري المطروح: كيف ستتلقف طهران هذه «اللطمة» القاسية الجديدة؟ هل تلجأ إلى إغلاق مضيق هرمز في محاولة لابتزاز الولايات المتحدة وزيادة الضغوط عليها؟ أم تدفع بأداتها العسكرية اللبنانية، حزب الله، نحو تصعيد وتيرة ضرباته ضد إسرائيل؟ علماً أن الحزب لم يثبت، حتى اللحظة، سوى قدرته على استدراج إسرائيل لتدمير ما تبقى من مناطق نفوذه، فيما بدا عاجزاً تماماً عن مساعدة «راعيِه» الإيراني في تغيير قواعد الاشتباك أو قلب الموازين. بل على العكس تماماً، فإن ذهاب حزب الله نحو تصعيد عملياته العسكرية لن يؤدي إلا إلى تفاقم مخاطر اجتياح بري إسرائيلي واسع النطاق للبنان؛ وهو خيار تلوّح به تل أبيب علانية منذ فترة، وحشدت له – بحسب التقارير الإسرائيلية – نحو 450 ألف جندي من قوات الاحتياط. وفي ظل هذه «المقامرة الانتحارية»، يغامر الحزب بإغراق لبنان أكثر فأكثر في دوامة عنف دموية، لا تخدم سوى مصالح ولِيّه الإيراني.

لبنان وكنيسته في مهبّ ثلاث «حروب مقدّسة»

تجد الكنيسة في لبنان نفسها اليوم في مهبّ ثلاث «حروب مقدّسة»؛ بين نزعتين أصوليّتين إسلاميّتين متمايزتين، شيعيّة وسنّيّة، وأصوليّة يهوديّة، فضلاً عن انحراف دينيّ يتمحور حول نهاية الأزمنة يتمثّل في «الصهيونيّة المسيحيّة». وتتقاطع هذه المتخيّلات الروحيّة المتصارعة عند محور ارتكاز واحد هو القدس – مدينة السلام بامتياز. خلال زيارته للبنان، وجّه البابا ليون الرابع عشر إلى اللبنانيين رسالةً هي عينُها التي ما انفكّ يوجّهها، منذ اعتلائه السدّة الرسوليّة، إلى شعوب العالم قاطبةً، ولا سيّما الشباب المسيحيّ المشرقيّ، قائلاً: «كونوا صُنّاع سلامكم الخاص، واجعلوا من أنفسكم روافع صلبة لإرساء سلام الأديان». إنّ هذه الكلمات تتوجه إلى أبناء وبنات وطنٍ يُعتبر جزءاً لا يتجزّأ من الأرض المقدسة، وبالتالي، حاملاً لرسالةِ تجمّعٍ وشركة. يُعتبر لبنان منارةً وضمانةً لجميع مسيحيي الشرق الأوسط، لكونه البلد الوحيد في المنطقة الذي لا يزال فيه المسيحيّون التاريخيّون متجذّرين بعمقٍ وزخمٍ في صلب المجتمع. وهو الوطن الذي رأى فيه البابا يوحنا بولس الثاني «رسالة حريّة ونموذجاً للتعدّدية للشرق كما للغرب». وبفضل ارتباطهم بالفاتيكان منذ قرون، مع تمسّكهم بجوهرهم المشرقيّ، نجح موارنة لبنان ومدارسهم في جعل هذا البلد جسراً استثنائياً بين الشرق والغرب. وفي المقابل، تنظر بعض الرؤى الدينية الأميركية، ولا سيّما تلك المرتبطة بـ«الصهيونية المسيحية»، إلى الشرق الأوسط – ومن ضمنه لبنان – بوصفه مسرحاً نبويّاً يرتكز على وجود دولة إسرائيل وأمنها. وفي هذا المنظور، لا تُعدّ النزاعات الإقليميّة مجرّد صراعات سياسية، بل تندرج ضمن قراءة «رؤيويّة» للتاريخ، مرتبطة بنهاية الأزمنة. ومن واجب الكنيسة أن تخاطب أصحاب هذه الرؤى بلغة الحقيقة والمحبّة. حذرٌ وتبصّر تؤمن الكنيسةُ بدورها بنهاية الأزمنة، بيد أنها تؤمن بها بذاك الحذر والتبصّر اللذين اكتسبتهما على مدار ألفي عام، وبعد منزلقاتٍ كثيرة عرفتها في تاريخها. ولولا نعمة الله، لظلّت هذه المنزلقات قابلةً للتكرار في كل حين. غير أن لدى الكنيسة ما تقوله في هذا الشأن، ولا سيّما فيما يخصّ تطويعالدين لتشريع العنف. فبالنسبة إلى الكنيسة، العنف «المشروع» الوحيد هو ذاك الذي يمارسه الإنسان ضدّ «ما يجعل الإنسان نجساً»، أي ما «يخرج من القلب من أفكار شريرة، وقتل، وزنى، وفجور، وسرقة، وشهادة زور، وتجديف» (متى 15). إنّ هذا العنف يُمارس أولاً وقبل كل شيء ضدّ الذات. كما يمكن ممارسته خارجها، ولكن في حدود الدفاع المشروع عن النفس. غير أن هذا المفهوم بحدّ ذاته، والوارد في تعليم الكنيسة الكاثوليكية، يجب أن يُستخدم بالحذر اللازم؛ إذ إنه يخضع حالياً لمراجعة عقائدية، خصوصاً حين يُستحضر بصفة جماعية تحت مسمّى «الحرب العادلة». «ولاية الفقيه» في إيران، تنصّ العقيدة الإسلاميّة لـ«الوليّ الفقيه» على أنّ الحكومة، إبّان غيبة الإمام الثاني عشر – المعروف بـ«إمام الزمان» (القرن العاشر) – تقع تحت مسؤولية «فقيه» (عالمٍ بالتشريع واللاهوت). وهذه النظرية، التي طوّرها بشكل أساسي آية الله الخميني، هي حجر الزاوية في نظام «ثيوقراطي» يمنح رجال الدين الشيعة الصدارة في السلطة السياسية. ويُعتبر الفقيه «المرشد الأعلى»، إذ يتولى قيادة الأمّة الإسلامية مع امتلاك حق النقض (الفيتو) في المجالات كافّة، التشريعية منها والقضائية والعسكرية على حدّ سواء. ويتمّ اختيار الفقيه لنهج سياسة تكون أقرب ما يمكن لما كان سيفعله «المهدي» نفسه. وإذ دُمجت هذه العقيدة في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإنّ ممارستها في لبنان من قِبل حزب الله تطرح إشكالية خطيرة تتمثل في عدم توافقها مع التعدّدية الطائفية. وفي هذا السياق، أعلن الشيخ محمد حسين فضل الله نفسه في عام 1995 «مرجعاً للتقليد»، وهو ما يُعدّ اعتراضاً علنياً على مبدأ «ولاية الفقيه»، وذلك باسم «التقليد التعدّدي وغير الهرمي» للإسلام الشيعي. «علامات الساعة» في مقالٍ نُشر في العدد 422 من مجلّة «L’Histoire» (نيسان 2016)، أثار المؤرّخ جان-بيير فيليو مسألة «جهاد آخر الزمان». فقد ربطت شخصيات عدّة في النظام الثيوقراطي الإيراني – من الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله –علنًا بين الثيوقراطية القائمة في إيران وتبشيرها الأيديولوجي والعسكري، وبين اقتراب «زمن النهاية». ووفقاً لفيليو، فإنه «في السنّة كما في الشيعة، سيُعلَن عن نهاية الزمان من خلال سلسلة من المؤشرات، تُعرف بـ«علامات الساعة». وإلى جانب علاماتٍ متعارف عليها نسبياً – مثل صعود الوثنية، وازدراء الدين والروابط العائلية، وتفشّي الفساد وانحلال الأخلاق – ثمّة مؤشرات أخرى أكثر تحديداً: فالفصول ستكون مخادعة، والزمن سيتقارب، والصحاري ستُعمّر وتُبنى، وجبلٌ من ذهب سيخرج من نهر الفرات، و«الروم» (المسيحيون) سيهاجمون مدينتي أعماق ودابق في سوريا. وقد استدعى تنظيم الدولة الإسلامية هذه العلامات، بل وأطلق على مجلّته اسم «دابق». وفي مقاله، يستعرض فيليو مثالين تاريخيين لـ«الانتهازية المرتبطة بنهاية العالم»، وقعا في السودان عام 1883 وفي مكة عام 1979، وقد تمّ سحقهما. ويُذكّر المقال بأنّ حادثة الحرم المكي كانت عبارة عن عملية احتجاز رهائن نفّذها أصوليون إسلاميون ومعارضون للعائلة الحاكمة السعودية في المسجد الحرام بمكة، في 20 تشرين الثاني 1979، في ذروة موسم الحج. وكان يقود هذه العملية عريف متقاعد في الحرس الوطني السعودي، يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض الاعتراف بصهره، الذي كان حاضراً معهم، بوصفه «المهدي المنتظر». وقد برّر فعلته بسقوط شرعية آل سعود، معتبراً أن الأسرة الحاكمة غارقة في الفساد وحياة الترف، وأنها دمّرت الثقافة السعودية بسياسة الانفتاح على الغرب. يُسلّط جان-بيير فيليو الضوء على ظاهرة «النزعة الإشراقية المرتبطة بنهاية العالم» في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مستحضراً حالة محمود أحمدي نجاد، رئيس الجمهورية بين عامي 2005 و2013، الذي كان مقتنعاً بقرب عودة الإمام الغائب، بل إنه أكد «أن نور المهدي غمره وأحاط به أثناء إلقاء كلمته على منبر الأمم المتحدة». ويوضح المؤرخ أن «ميليشيا حزب الله اللبنانية ادّعت هي الأخرى تحقيق ’نصر إلهي‘ بعد شهر من المواجهات مع إسرائيل في صيف 2006؛ إذ استحضرت بروباغندا الحزب تدخّلاً مباشراً من المهدي إلى جانب المقاتلين الشيعة». ماذا عن إسرائيل؟ ماذا عسانا نقول عن إسرائيل؟ نعلم جميعاً كيف تحوّل «الوطن القومي» الصغير، الذي نصّ عليه تصريح بلفور (1918)، إلى «الأسد الزائر» الذي يقصف طهران (2026). فضلاً عن ذلك، شَهِدَ لبنان عن كثب حرب غزة التي ردّت فيها حكومة اليمين المتطرف، برئاسة بنيامين نتنياهو، على فظائع السابع من تشرين الأول بحرب إبادة. ولكشف النقاب عن «المسيانية القومية» لدى بنيامين نتنياهو، يكفي الاقتباس من كلمته المتلفزة عبر القناة الوطنية الإسرائيلية «i24» يوم الأربعاء 26 تشرين الأول 2023، حيث قال: «نحن شعب النور، وهم شعب الظلمة، والنور سينتصر على الظلمة. إن حربنا ضد حماس هي اختبار للبشرية جمعاء؛ إنها صراع بين محور الشر الذي تمثله إيران وحزب الله وحماس، وبين محور الحرية والتقدّم. لقد حان الوقت لنتّحد خلف هدف واحد، لنمضي قدماً ونحقق النصر بتضافر القوى، وبإيمان عميق بالعدالة، وإيمان راسخ بخلود الشعب اليهودي. سوف نحقق نبوءة إشعياء». حماس والحديث النبوي تتجلّى «الأبعاد الأخروية» لحركة حماس – وهي نتاج الإخوان المسلمين – بوضوح في ميثاقها الذي اعتُمد في 18 آب 1988؛ حيث تتمثّل أهدافها الأساسية في إقامة دولة فلسطينية، وتحرير الأراضي المحتلّة، وإزالة إسرائيل. غير أنّ أحد أبرز مقاطع ميثاق حماس هو «الحديث النبوي الأخروي» الوارد في المادة السابعة منه، والذي ينصّ على: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال واقتله». «الصهيونية المسيحية» والمجيء الثاني ليس هنا مَقام استعادة تاريخ الصهيونية التي كانت وراء قيام دولة إسرائيل؛ لكن يكفي، في سياق موضوعنا، الإشارة إلى أنّ الاعتقاد بمحورية دور دولة إسرائيل في «تاريخ الخلاص» يحضرُ بشكل خاص في بعض الأوساط الإنجيلية الأميركية، التي ترى في إسرائيل تحقيقاً لنبوءات كتابية. فبالنسبة إلى الكثير من مؤيدي هذا التيار، تُقرأ أحداث الشرق الأوسط من خلال رؤية للتاريخ مرتبطة بنهاية العالم؛ إذ تؤمن هذه الأوساط بأنّ عودة إسرائيل إلى أرضها («من النيل إلى الفرات») من شأنها أن تُعجّل في المجيء الثاني للمسيح. ويتمايز هذا الاعتقاد عن الصهيونية القومية من خلال فهمه الحرفي للنصوص الكتابية؛ إذ يعتبر هؤلاء الإنجيليون أنّ وجود دولة إسرائيل في حدّ ذاته هو الذي سيعيد يسوع إلى الأرض، ويضمن انتصار الله على قوى الشر، بينما يخلُصُ اليهود الذين سيعتنقون المسيحية. أما «الصهيونية المسيحية»، فقد كانت، حتى الأمس القريب، محطّ إدانةٍ من كنائس الأرض المقدسة. ففي بيانٍ صادرٍ في 17 كانون الثاني 2026، صنّف بطاركة الروم والأرمن والأرثوذكس هذا التوجّه ضمن فئة «الأيديولوجيات الضارّة». وأكد البيان أنّ هذه الأيديولوجيات «تُضلّل الرأي العام، وتزرع الشقاق، وتُلحق الضرر بوحدة الرعيّة». كما حذّر الموقّعون من «احتمال تطويعها سياسياً بما قد يؤذي الوجود المسيحي في الأرض المقدسة وفي الشرق الأوسط برمّته». إنّ التحذير واضحٌ ولا لبس فيه. بعيداً عن الصواريخ والتحالفات والخصومات الجيوسياسية، تكمن المعركة الحقيقية في لبنان – ومعركة كنيسته – في إثبات أنّ بلداً في الشرق الأوسط بمقدوره الحفاظ على تنوّعه الديني، وبناء دولة عادلة، ومقاومة «تطويع المقدّس» في السياسة. قد يبدو هذا المسعى طوباوياً، ولكن إذا نجح لبنان، في خضمّ كل هذه الاضطرابات، في كسب هذا التحدي – في منطقةٍ يطبعها الاستبداد الديني الأكثر عمى – فإنه قد يتحوّل من ساحة صراع إقليمي إلى منارةٍ ومحورٍ روحي للشرق الأوسط برمّته.

ترامب يذكر بالحجم الحقيقي للحرب ضد نظام الملالي

دخلت الحرب في إيران أسبوعها الثالث، وفي المرحلة الحالية، يخوض الطرفان المتواجدان، التحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، تصعيدًا عسكريًا سياسيًا يبدو أنه يتزايد. وقد رفع الرئيس دونالد ترامب لهجته في وجه حلفائه الغربيين لتجاوز تردداتهم بشأن إقامة تحالف واسع يتولى مسؤولية أمن الممر الملاحي لمضيق هرمز. وقد ذهب رئيس البيت الأبيض إلى حد التأكيد على أنه إذا استمر حلفاء الولايات المتحدة في رفضهم إرسال قوة بحرية عسكرية لتأمين مضيق هرمز، فإن العواقب على الناتو قد تكون وخيمة. بعد ظهر يوم الاثنين، كان على الرئيس ترامب أن يذكّر الرأي العام بالرهان الحقيقي للحرب الحالية التي شنت ضد نظام الملالي. وقد أشار في هذا الصدد، لمن لم يدركوا الأهمية الحقيقية لهذا الصراع: «ما يحدث حاليًا هو أمر بسيط مقارنة بسنوات الإرهاب التي مارستها النظام الإيراني». وأضاف رئيس البيت الأبيض أن «النظام الإيراني قد دُمر». إذا كان بعض الدول الغربية تظهر، في الوقت الحالي، ترددًا في الانخراط مباشرة في الصراع المسلح على المستوى العسكري، فإن الأمر على المستوى السياسي، هو تصعيد لفظي. وقد تواصل الرئيس إيمانويل ماكرون مع نظيره الإيراني، مسعود بيزشكيان، الذي أعرب له عن استيائه الشديد بشأن الاعتداءات الإيرانية المرتكبة ضد فرنسا ودول الجوار لإيران. من جانبه، أكد وزير الخارجية الألماني، يوهان واديبول، «الدعم الكامل» لألمانيا للولايات المتحدة وإسرائيل في الصراع الحالي، مؤكدًا أنه «من الواضح أن النظام الإيراني يشكل خطرًا على جيرانه، وعلى المنطقة بأكملها، وعلى حرية الملاحة، وعلى التنمية الاقتصادية العالمية». وأشار الوزير الألماني إلى أن «هذا الخطر يجب ألا يستمر في الوجود». أعادت الحكومة البريطانية تأكيد انتقاداتها لنظام إيران، موضحة أنها تجري اتصالات مع الدول الأوروبية لضمان أمن مضيق هرمز. وتجري اتصالات دبلوماسية بالفعل بين المستشاريات الغربية لضمان أمن الملاحة البحرية وضمان صادرات النفط دون عوائق. تبدو هذه المسألة حيوية بشكل خاص، حيث أن إغلاق المضيق أدى، بشكل متوقع، إلى ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، واقتربت من حاجز 110 دولارات للبرميل. نلاحظ في هذا السياق أن بعض شبكات التواصل الاجتماعي ذكرت صباح الاثنين معلومات تفيد بتشغيل السعودية لخط أنابيب تم بناؤه في الصحراء السعودية ويصب في البحر الأحمر. وقد تم بناء هذا الخط، حسب المصادر المذكورة، منذ سنوات عديدة لتشكيل طريق بديل لمضيق هرمز في حالة نشوب صراع. التصعيد العسكري على مستوى العمليات العسكرية، شهدت ليلة الأحد 15 مارس ونهار الاثنين 16 مارس تصعيداً واضحاً على جميع «الجبهات». فقد شن الطيران الإسرائيلي غارات مكثفة ضد البنية التحتية للنظام الإيراني في طهران. وفي الوقت نفسه، تعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت وعدة مناطق في المنطقة الجنوبية لقصف جوي عنيف جداً. ويبدو أن غارات الطيران الإسرائيلي كانت توفر غطاءً لانتشار جديد لوحدات مدرعة تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي في بعض مناطق الجنوب حيث تم الإبلاغ عن اشتباكات مع ميليشيات حزب الله. تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي أعلن يوم الاثنين بوضوح أن جيش الدفاع الإسرائيلي بدأ عملية واسعة النطاق في جنوب لبنان تهدف إلى تدمير جميع البنية التحتية لحزب الله في المنطقة الجنوبية من لبنان. وأضاف أن سكان قرى جنوب الليطاني لن يعودوا إلى ديارهم إلا بعد ضمان أمن سكان شمال إسرائيل.        بالتوازي، تكثفت عمليات إطلاق الصواريخ وهجمات الطائرات المسيرة ضد دول الخليج. وأعلنت السعودية يوم الاثنين، في وقت مبكر من بعد الظهر، أنها اعترضت ما لا يقل عن 60 طائرة مسيرة خلال ليلة الأحد وصباح الاثنين. ولم تنجُ الإمارات العربية المتحدة، وتوقفت حركة الملاحة الجوية في مطار دبي الدولي مؤقتًا بسبب حريق اندلع بالقرب منه جراء إطلاق صاروخ. ولم تسلم ضواحي مطار بغداد، حيث استهدفتها طائرات مسيرة وصواريخ إيرانية. أخيرًا، نشير إلى أن نظام الملالي وجه «للمسلمين في العالم ولجميع الدول الإسلامية» رسالة يحثهم فيها على اتخاذ موقف واضح بشأن الصراع الحالي. وهددت السلطات الإيرانية أيضاً باستهداف «الشركات الأمريكية» في الشرق الأوسط.   

الأدب في زمن الحرب: عندما تتصدّع اللغة، او تنتظر

حين نتحدث عن الأدب في زمن الحرب، غالبًا ما تتسارع الى اذهاننا اسئلة حول قدرة الأدباء في الانتاج، او كيف يمكنهم تحويل المعارك والموت والدمار، إلى روايات وقصائد وشهادات. لكن هذه الاسئلة على أهميتها، تخفي سؤالًا بعد أعمق. فالحرب تمنح الأدب موضوعًا جديدًا، ولكنها في الآن نفسه تهزّ الشروط التي تجعله ممكنًا. فالحرب تمسّ اللغة، والذاكرة، والإيقاع الداخلي للزمن كما القدرة على تحويل التجربة إلى سرد متين، يؤدي الوظيفة فالمعنى. هذا لأن الحرب ليست حدثًا خارجا عن الجسد، بل داخله. وعليه، فإن أثرها على الكتابة يظهر في النصوص التي تُكتب عنها، ولكن أيضاً في النصوص التي تتأخر، أو تتعثّر، أو تظهر في شكل متقطّع وغير مكتمل. ومن هنا نسأل: ماذا تفعل الحرب باللغة نفسها؟ وهل يمكن للغة أن تحتمل العنف؟ ومتى تختار الصمت على الانتاج؟ العنف وحدود اللغة في كتابها The Body in Pain تشير الباحثة الأميركية إيلين سكاري إلى العلاقة العميقة بين الألم واللغة. فالألم الجسدي الذي غالباً ما يكون تجربة تنتظر أن يعبَّر عنها، يكشف أيضاً حدود التعبير نفسه. فالعنف حين يبلغ حدًا معينًا، يمكنه ان يجعل اللغة تتراجع. من هنا، لا يكون العنف اعتداءً على الجسد فقط، بل اعتداءً على القدرة على القول. من هنا، لا يعود الأدب في زمن الحرب مجرد كتابة عن العنف. فإذا كانت الحرب تجربة كثيفة من الألم والخوف والانهيار، فمن الطبيعي أن تهتز اللغة التي يُفترض أن تعبّر عنها. يضيف علم الصدمة بعدًا آخر لهذا النقاش. فالباحثة كاثي كاروت ترى أننا لا يمكننا فهم الأحداث الصادمة كاملة لحظة وقوعها، لذلك نراها تعود لاحقًا في شكل ذكريات متقطعة، كوابيس غير مفهومة، أوجاعاً غريبة تصيب الجسد. "الصدمة ليست مجرد مرض في نفس مجروحة؛ إنها قصة جرح يصرخ". ما تقترحه كاروت هو أن الصدمة تقوم على نوع من التأخر بين الحدث وإدراكه. ولذلك، فإن التجربة العنيفة لا تتحول مباشرة إلى سرد. إنها تحتاج إلى زمن، غير محدد وغير قابل للعد ((unquantified قبل أن تصبح قابلة لان تتحول الى كلمات، تقال او تكتب. وعليه، لا تأتي الكتابة دائمًا في قلب الحدث، ومنه، هذا لان الأدب كثيرًا ما يتحرك في المسافة ما بين الحادثة وما أصبح ممكن فهمه، لكي يصاغ. كما تغيّر الحرب علاقة الإنسان باللغة، فهي تغيّر أيضاً علاقته بالزمن والمكان. هنا، يقدم إدوارد سعيد تحليلًا دقيقا في تأملاته حول المنفى. في مقالته Reflections on Exile يقول: " يشعر المنفيون بحاجة ملحّة إلى إعادة تركيب حياتهم المكسورة". المنفى هو اولا انتقال جغرافي ولكنه انقطاع في الاستمرارية التي تمنح الحياة معناها. فالمنفي يعيش في زمن مكسور: ماضٍ لم يعد حاضرًا، وحاضر مؤقت، ومستقبل غير واضح. وإذا كانت الكتابة الأدبية تحتاج، ولو جزئيًا، إلى إحساس بالاستمرارية، فإن الحرب والمنفى يضربان هذا الشرط الأساسي. إذا كانت سكاري وكاروت وسعيد يفسرون صعوبات الكتابة من الناحية النفسية والمعرفية، فإن أدورنو يطرح سؤالًا مختلفًا، سؤالًا أخلاقيًا. بعد الحرب العالمية الثانية، كتب أدورنو عبارته الشهيرة: "إن كتابة الشعر بعد أوشفيتز عمل بربري". رأى الكثيرون في هذه العبارة دعوة إلى الصمت امام هول الفظائع البشرية لأن كل ما يمكن قوله يعتبر عبثاً وسقوطاً اخلاقياً. بيد أن هذه العبارة تشير الى مأزق أعمق: لا يمكن للثقافة، بعد الكارثة، أن تستمر كما لو أن شيئًا لم يحدث. فالأدب لا يمكن أن يكتب ببراءة. يذهب موريس بلانشو خطوة أبعد من ادورنو، ليتحدث عن شكل مختلف من الكتابة، تلك التي تتأثر بمنطق الكارثة نفسه: "حين لا يعود هناك فرق بين أن نكتب أو ألا نكتب، تتغيّر الكتابة؛ فتصير كتابة الكارثة". غالبا ما تعتبر الكتابة عملًا متماسكًا يسعى إلى الاكتمال، ولكنها وفي زمن الكوارث، تصبح شذرات وملاحظات ومحاولات غير مكتملة، فاشلة في شكلها وفي تماسكها، مندثرة كجدار مبنى يتهاوى، صامتة، او ثرثارة، تتعثر. الأدب اللبناني والحرب الأهلية: زمن الكتابة بين الحرب والصمت تُظهر تجربة الأدب اللبناني المرتبط بالحرب الأهلية (1975–1990) أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بكيفية كتابة الحرب، بل بزمن الكتابة نفسه: متى يصبح من الممكن تحويل التجربة العنيفة إلى نص؟ ومتى يعجز الكاتب عن ذلك؟ فإذا نظرنا إلى الروايات التي تناولت الحرب الأهلية اللبنانية، نجد أنها كُتبت في لحظات زمنية مختلفة، تكشف علاقة معقدة بين العنف واللغة. في رواية "الجبل الصغير" (1977) لإلياس خوري، التي ظهرت في السنوات الأولى من الحرب، تُكتب التجربة بينما الحدث لا يزال مفتوحًا. تتقدم الرواية عبر مقاطع قصيرة وذكريات متفرقة وأصوات متداخلة، حيث تروي الشخصيات ما تعيشه من داخل التجربة المباشرة، بارتباكها ونقصها وعدم اكتمالها. بهذا المعنى، تبدو الرواية أقرب إلى شهادة تُكتب في قلب الحدث، حيث لا يزال الواقع نفسه غير قابل للفهم الكامل. لكن بعض الكتاب كتبوا الحرب من مسافة جغرافية، آخذين من المسافة، حصناً وملاذاً. ففي رواية "حكاية زهرة" (1980) لحنان الشيخ، وهي رواية كتبت في المنفى اللندني، تظهر الحرب من خلال تجربة امرأة تعيش داخل مدينة تتحول تدريجيًا إلى فضاء للعنف. تأتي الكتابة من موقع مراقبة مؤلمة من خارج الحدث، حيث يسمح البعد الجغرافي بدرجة من التأمل في التجربة، ولربما، بعض البلسمة والموضوعية. في المقابل، نجد نصوصًا لم تظهر إلا بعد الحرب. ففي أعمال هدى بركات، مثال "أهل الهوى" (1993) و"حارث المياه" (1998)، تأتي الكتابة بعد انقضاء السنوات الأكثر عنفًا. فالحرب لم تعد حدثًا مباشرًا، لأنها استعانت بالزمن المنصرم، لتتحول الى أثر نفسي عميق في داخل الشخصيات. تظهر الحرب هنا في شكل عزلة وانقطاع وتآكل للعلاقات الإنسانية. في رواية "باء مثل بيت… مثل بيروت" (2006) لإيمان حميدان، تصبح المدينة نفسها أرشيفًا لذاكرة متأخرة. تتداخل الحكايات الفردية مع التاريخ الجماعي، وتظهر الحرب بوصفها طبقة من الذاكرة التي لا تزال تتردد داخل المدينة. تكشف هذه الأمثلة أن الحرب الأهلية اللبنانية لم تُكتب في لحظة واحدة. في حين ان بعض النصوص كُتبت أثناء الحرب، نرى ان بعضها الآخر، كتب بعد سنوات طويلة على انتهائها. تبيّن أبحاث الصدمة أن الأحداث العنيفة غالبًا ما تُربك القدرة على تحويل التجربة إلى قصة متماسكة. لذلك تظهر الصدمة في شكل ذكريات متقطعة وأصوات متعددة وبنى سردية غير خطية. اما عن جبور الدويهي، فهو عاد في عدد من رواياته إلى سنوات الحرب الأهلية بعد مرور زمن طويل عليها. ففي روايات مثل "مطر حزيران" (2006) و"حيّ الأميركان" (2014)" و "شريد المنزل" (2012)، تظهر الحرب كذاكرة تعود إلى السطح عبر الحكايات العائلية وتاريخ القرى والمدن الصغيرة. يكتب الدويهي الحرب من موقع الاسترجاع، حيث زمن الروايات هو زمن يلي المعارك، حين تبدأ الذاكرة في إعادة ترتيب ما حدث. تبدو روايات الدويهي جزءًا من مرحلة لاحقة من كتابة الحرب، حيث يتغير هدف الكتابة من مجرد تسجيل للحدث، الى تناول أثره في النسيج الاجتماعي وفي العلاقات بين الأفراد والجماعات. بهذا المعنى، يمكن قراءة كثير من الروايات اللبنانية عن الحرب الأهلية بوصفها أشكالًا مختلفة من كتابة الصدمة الجماعية. شكلا، يمكن للتقطّع السردي وتعدد الأصوات وغياب الراوي المركزي ان تعكس خياراً جمالياً، ولكنها تعكس أيضاً زمنًا مضطرباً للكتابة نفسها. وقد ظهر شكل آخر من العلاقة بين الحرب والكتابة في تجربة الشاعر اللبناني وديع سعادة. غادر سعادة لبنان في أواخر سنوات الحرب، ليستقر في أستراليا، حيث كتب معظم أعماله الشعرية. لغة سعادة هادئة ومقتصدة، ولكنها مشبعة بإحساس الفقد والاقتلاع. يكتب سعادة الحرب من مسافة زمنية وجغرافية في آن واحد. فالقصيدة لا تستعيد المعارك أو تفاصيل العنف بقدر ما تستعيد الشعور العميق بالانقطاع الذي تركته الحرب في حياة الفرد، ليصبح المنفى مكاناً تتكشف فيه آثار التجربة التي لم يكن من الممكن التعبير عنها في لحظتها. تقدم تجربة وديع سعادة مثالاُ واضحاً على الكتابة المؤجَّلة للحرب. فالصمت الذي يسبق النص هو مرحلة من مراحلها، هذا لأن كل هذا العنف التراجيدي، يحتاج إلى زمن قبل أن يتحول إلى كلمات من الممكن صياغتها. إن الحرب لا تغيّر موضوع الأدب، بل زمن النص. ما يبدو تعثّراً أمام إيقاع الإنتاج السريع قد يكون لحظة يسبق فيها الواقع قدرة اللغة على اللحاق به. وفي تلك اللحظة، لا يختفي الأدب، لكنه ينتظر. ينتظر ان تتمكن اللغة من السير بين الركام. لنختم حول تساؤل يضع المنظومة الثقافية والاقتصادية داخل معادلة الأدب، تلك التي تحدد متى تصبح الحرب مادة قابلة للنشر والتداول. في عالم يحكمه منطق الإنتاج الثقافي السريع، تتحول المآسي الكبرى إلى موضوعات تتكاثر حولها الكتب والمقالات والشهادات في زمن قياسي. وقد شهدنا خلال الفترة الاخيرة، صدور مئات الكتب والنصوص حول غزة في ظل الإبادة الجارية، في ظاهرة تكشف كيف يمكن للمأساة أن تتحول بسرعة إلى حقل واسع للإنتاج الثقافي. ما يفتح سؤالًا آخر في سياق الحرب الحالية على لبنان: هل ستصبح الحرب اليوم، مادة استهلاكية، في ظل الصدمة المفتوحة على مصراعيها، وأفق أسود لا شمس له؟