شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
نقطتان ساخنتان تحت المجهر: البقاع الغربي وأصفهان

استحوذت منطقتان تكتسيان أهمية استراتيجية بالغة، ليل الاثنين - الثلاثاء، على صدارة المشهد الميداني في إطار العمليات العسكرية المستعرة في الشرق الأوسط منذ 28 شباط الماضي، وهما: أصفهان في إيران، والبقاع الغربي في لبنان. وفي التفاصيل، شنّ الطيران الأمريكي ليل الاثنين غارات اتسمت بعنف مفرط استهدفت منشآت حيوية في أصفهان، وطالت مخازنضخمة للأسلحة والذخيرة تابعة للحرس الثوري الإيراني. وأفادت مصادر أمريكية صباح الثلاثاء بأن القصف نُفّذ بواسطة قنابل خارقة للتحصينات من عيارات ثقيلة جداً، يتجاوز وزن الواحدة منها الطن، وذلك بهدف تدمير محتويات المستودعات المتموضعة في أعماق سحيقة تحت الأرض. وأظهرت مقاطع الفيديو التي بُثّت صباح اليوم، في أعقاب ليلة الجحيم التي عاشتها منطقة أصفهان، مشاهد لانفجارات زلزالية وأعمدة شاهقة من اللهب الكثيف وهي تتصاعد من المواقع التي استهدفها سلاح الجو الأمريكي. تكتسي الغارات المكثفة على منطقة أصفهان أهمية استثنائية، بالنظر إلى ما يضمه هذا القطاع من منشآت حيوية وبنى تحتية طاقوية، ونووية، وصناعية، وعسكرية تابعة للباسداران. ويُعزى هذا التصعيد في القصف الجوي الأميركي لمنطقة بنفوذ حيوية كأصفهان، في الغالب، إلى رغبة جليّة لدى إدارة ترامب في تعميق الخسائر الفادحة التي يتكبدها نظام الملالي، لإرغامه بقوة السلاح على القبول بالشروط المحددة في خطة النقاط الـ15 التي طرحتها واشنطن لإنهاء الحرب. وفي هذا السياق، استعاد وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، في تصريح أدلى به الثلاثاء، ما ألمح إليه الرئيس دونالد ترامب بشأن وجود « سلطة جديدة » في طهران، داعياً إياها إلى تغليب لغة « الحكمة » . وعلى غرار سيد البيت الأبيض، حذر هيغسيث من أن الضربات ضد النظام ستتضاعف ضراوةً ما لم توقّع طهران على الاتفاق المقترح من الإدارة الأميركية. وتؤكد هذه المناخاتقراءات المراقبين الذين رأوا في القصف العنيف على أصفهان، ليل الاثنين، ما يشبه «العينة» التي أرادت واشنطن تقديمها للملالي عما قد ينتظرهم في حال استمرارهم في التعنت برفض الخطة الأميركية. وفي هذا الصدد، تتزايد المؤشرات إلى احتمال تنفيذ عملية «كوماندوس» أميركية نوعية تهدف إلى وضع اليد على قرابة 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة والمودع في مخازن الباسداران، تمهيداً لنقله إلى خارج الأراضي الإيرانية. كما تسربت معلومات تفيد بأن خيار الإنزال البري للسيطرة على جزيرة خارك الاستراتيجية بات موضوعاً على طاولة البحث الجدي. وفي انتظار اتضاح المسارات الميدانية، حطّ زهاء 2500 جندي من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) رحالهم في المنطقة مطلع الأسبوع الحالي، على أن يلتحق بهم قريباً آلاف المظليين وعناصر إضافية من المارينز، تمهيداً لنشرهم في إطار مهام محددة داخل العمق الإيراني. وعلى خط المجهود الجوي الإسرائيلي، يواصل سلاح الجو تكثيف غاراته الممنهجة ضد المنشآت العسكرية والصناعية. وفي هذا السياق، نقلت مصادر في الجيش الإسرائيلي الثلاثاء، أن العمليات الجوية طالت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية زهاء 250 هدفاً، تركزت في معظمها على منصات إطلاق الصواريخ. البقاع الغربي أما «النقطة الساخنة» الثانية في مسار العمليات الميدانية العسكرية الجارية، فتتمثل في البقاع الغربي؛ إذ نفذ طيران العدو الإسرائيلي ليل الاثنين سلسلة غارات عنيفة استهدفت بلدات عدة، لاسيما يحمر وسحمر والقرى المجاورة، بهدف محاولة عزل البقاع الغربي عن الجنوب اللبناني، عبر تقطيع أوصال الشرايين الرئيسية والطرق الحيوية التي تربط بين المنطقتين وجعلها غير سالكة. وفي السياق، تتركز أنظار المراقبين على منطقة البقاع وبعلبك نظراً لارتفاع منسوب مخاطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع، في ظل المؤشرات التي تفيد بأن حزب الله يستخدم هذه المناطق لإطلاق رشقات صاروخية في اتجاه الداخل الإسرائيلي. انكفاء الجيش بيد أنّ التطور الميداني الأخطر الذي سُجّل الثلاثاء، تمثّل في قرار الجيش اللبناني الانكفاء من منطقة بنت جبيل، وتحديداً من القرى الحدودية ذات الغالبية المسيحية مثل دبل ورميش. ويُنظر إلى هذا التموضع بوصفه «نذيراً» لمعركة كبرى قد تدور رحاها في محيط مدينة بنت جبيل. وعلى الضفة الدبلوماسية، عقد مجلس الأمن في ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء (بتوقيت بيروت) جلسة استثنائية بناءً على طلب فرنسا، للبحث في التداعيات الناجمة عن الاعتداءات الأخيرة ضد قوات اليونيفيل، والتي أسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى في صفوف الخوذ الزرق. وبعيداً عن الكلمات البروتوكولية، خيمت على الجلسة مداخلة مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي ندد بوضوح بـ«استدراج» حزب الله للبنان إلى حربٍ «خلافاً لإرادة الحكومة». وفي هذا السياق، برز توجه وزارة الخارجية بمذكرة إلى بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة، تطلب فيها إبلاغ المراجع الدولية بقرار مجلس الوزراء الذي يقضي باعتبار أي وجود عسكري أو أمني لحزب الله «فاقداً للشرعية».

تل أبيب - طهران: محاكاة دموية و"العدو المزدوج" (2/2)

يرزح لبنان منذ سنوات تحت هذا المنطق المزدوج للعنف والإقصاء، ذلك «التصعيد نحو الأقصى» الشهير — بتعبير رينيه جيرار المستوحى من كلاوزفيتز — الممزوج بلحظات من التواطؤ الموضوعي والتهدئة في العداوة. وهو البلد الوحيد الذي يدفع ثمن المواجهة مع إسرائيل، لا حتى خدمةً لقضية عربية، القضية الفلسطينية العادلة والمشروعة، بل لإرضاء ملالي طهران. لذا، لا يمكن تبرير سلوك حزب الله الذي أشعل ثلاثة حروب مدمّرة في أعوام 2006 و2024 و2026، بدواعي المواجهة مع الدولة العبرية. نعم، سيتذرّع بعضهم بذريعة قرى شبعا ومزارع كفرشوبا لتبرير استمرار المقاومة، غير أنّ هذه الحجّة فُنّدت بالخرائط منذ عام 2006، بوصفها اختلاقاً يهدف إلى تبرير استمرار مشروع حزب الله، وكان في حينه ذريعة لتبرير بقاء الاحتلال السوري للبنان باسم الصراع مع إسرائيل. الحقيقة مرّة، لكنّ قولها واجب: إذا كان مقاتلو حزب الله يخوضون المعارك على الأراضي اللبنانية، وكانوا هم أنفسهم لبنانيين خُلَّصاً، فإنّهم يفعلون ذلك لصالح إيران وبأمر منها. حزبهم أشعل ثلاثة حروب بالطلب، بتحريض من طهران. وباسم إرادة مصطنعة لمقاومة إسرائيل، دعا حزب الله الإسرائيليين حرفياً إلى احتلال لبنان. ليس لأنّهم كانوا بحاجة إلى ذريعة — لكن لماذا تُقدَّم إليهم مجاناً؟ لماذا تُزرع الحواجز الإسرائيلية على طريق القدس عبر الأراضي اللبنانية؟ لماذا يُسهَم، على هذه المفارقة، في إحياء “إسرائيل الكبرى”؟ حين طُولب بردّ احتكار القوة الشرعية إلى الدولة، وحاضنته الإيرانية تتعرّض للهجوم ومرجعه يُغتال، اختار الحزب طريق الانتحار بالتصعيد. والدولة اللبنانية لا يمكن تحميلها مسؤولية هذا الاختيار. أصلاً لم يستشرها يوماً قبل اتّخاذ قراراته الحربية. والأدهى أن تضطرّ الدولة، في كل مرّة وبكل الطرق، إلى تحمّل تداعيات التلاعبات الاستراتيجية الإيرانية على حساب اللبنانيين، فيما يؤدّي مقاتلو الحزب في كل مرّة دور البيادق... سلام المغلوبين لبنان لا يريد هذه الحرب، على الرغم من الحماسة المحمومة لهذا وذاك في توظيفها لتسوية حسابات داخلية. إنّها، مرّة أخرى، حرب بين إسرائيل وإيران تدور على أرضه. لا «أخيار» هنا ولا «أشرار»، بل محتلّان يجب أن يكفّا عن توظيف لبنان ويعترفا بسيادته ويعودا إلى حدودهما، وميليشيا يجب أن تسلّم سلاحها إلى الدولة اللبنانية وتكفّ عن إيصال مجتمعها إلى الانتحار بتحويله إلى وقود حرب بالطوع والرضى. لقد أتاحت إيران لإسرائيل فرصة استكمال تصفية القضية الفلسطينية بفضل حماقة حماس، وها هو السيناريو ذاته يتكرّر اليوم مع حزب الله. كلا المشروعين لا يُبالي بلبنان دولةً سيّدة مستقلّة. انتصار إسرائيل سيُفضي إلى سلام المغلوبين المفروض على لبنان. وانتصار حزب الله، ولو بالتخلّي، سيُفضي إلى حلقة جديدة من الانتقام من الدولة اللبنانية — ومن اللبنانيين الرافضين لهذه الحرب والمعارضين لمشروعه. من يريد الانخراط في المعركة وتصفية الحسابات بدعم هذا الطرف أو ذاك، مع تلك المزايدة اللذيذة والبغيضة من أعماق أرائك صالونات أميركا الشمالية وأوروبا، يُسهم في تدمير لبنان، عن قصد أو عن غير قصد. مهما يكن مآل الصراع، لبنان ليس غايةً لأيٍّ من الطرفين. سيُصنع الحلّ على حسابه، في الفضاء الدولي، لأنّه رضي مرّة أخرى، بمزيج من العجز القراري والعجز ببساطة، بأن يُحوَّل إلى ساحة مواجهة. بيد أنّ اللبنانيين ليسوا عاجزين حقاً عن التأثير في مآل صراع يتجاوزهم. بمقدورهم، بل من واجبهم، الانحياز إلى الشرعية اللبنانية — بشرط أن تواصل هذه الأخيرة أخذ نفسها بجدية. أكثر من أي وقت مضى. وهي الفرصة الوحيدة الباقية لإنقاذ لبنان. إيران أولاً حان الوقت لأصحاب النزعة المتعصّبة في كل الطوائف الذين يدعمون حزب الله أن يفهموا أنّ الحزب لا يقاتل من أجل راية فلسطين، ولا من أجل كرامة المجتمع الشيعي، ولا من أجل الجنوب والبقاع وسائر الأراضي اللبنانية، بل من أجل إيران، إيران أولاً وإيران فقط. لقد حوّلت “المقاومة لإسرائيل” كما يخوضها حزب الله لبنانَ إلى حقل خراب دون أن تُقدّم القضية الفلسطينية قيد أنملة. بل على العكس، نُهبت مكتسبات تحرير عام 2000 وقُلبت رأساً على عقب لمجد طهران الأكبر. لم يعد لبنان، مرّة أخرى، سوى حقل خراب شاسع من النازحين والعاطلين. أمّا المعسكر المناهض لحزب الله، فعليه من جهته أن يفهم أنّ المجتمع الشيعي لا مسؤولية له عن ورم حزب الله الذي هو نتاج عوامل متراكمة، وأنّه لا يمكن مطالبة المثقفين والقوى العزلاء بالقيام بانتفاضة ديمقراطية داخل الجماعة في مواجهة ميليشيا مسلّحة حتى الأسنان وهي تحت نار المدافع، ولا بتشكيل ما يشابه لقاء قرنة شهوان لتجريد حزب الله من الشرعية. فمثال قرنة شهوان بالذات يستحيل تكراره: كان لذلك اللقاء راعٍ هو الكنيسة المارونية بإشراف نصر الله صفير ويوسف بشارة، القادرَين على جمع قوى سياسية مسيحية كانت تتحاشى الجلوس معاً والحوار. فمن هي السلطة الشيعية، روحية كانت أم زمنية، القادرة على توحيد صفوف المعارضة الشيعية، في وقت بات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى قد ابتلعه هو الآخر الحزبُ؟ لا. الحل السياسي لمشكلة حزب الله لبناني، لا شيعي. يكمن في تشكيل تحالف من قوى تمثيلية من مختلف الطوائف، بما فيها شخصيات شيعية، هدفه من جهة الحفاظ على فكرة الدولة وتعزيز قدرتها القرارية في المرحلة المقبلة، ومن جهة ثانية الإرادة على القطع مع منطق العنف والإقصاء، والدعوة إلى ثقافة التواصل والحياد والسلام. بدون ذلك، لبنان محكوم عليه حتماً بالزوال. وكلّ الناس ستحمل مسؤولية ذلك. ليس حزب الله وحده، وبالتأكيد لا المجتمع الشيعي وديمقراطيوه الشجعان.

تل أبيب - طهران: محاكاة دموية و"العدو المزدوج" (1/2)

لا شكّ في أنّ النزاع الدائر أمام أعيننا في لبنان يضع إسرائيل في مواجهة إيران، وأكثر تحديداً في مواجهة حزب الله. بمعزل عن أيّ رغبة في تشييطن حزب الله — ومع ذلك، ثمة وفرة من الأسباب الوجيهة للقيام بذلك: الاغتيالات السياسية، وعمليات الخطف، والإعدامات الميدانية، والانقلابات الميليشيوية، وإهانة الجيش، وتحويل لبنان إلى مركز إقليمي لغسيل الأموال والاتجار بالمخدرات، والإسهام الواسع في الفساد، والقائمة تطول — فإنّ حزب الله، في طبيعته، فرع من فروع الحرس الثوري الإيراني، جرى تطعيمه منذ عام 1982 في جسد مجتمع شيعي مهمَّش تخلّت عنه الدولة اللبنانية. وإذ فعل ذلك، توطّن في جنوب لبنان، مالئاً الفراغ الذي خلّفته الدولة اللبنانية إبّان الحرب، قبل أن يصبح الولد المدلَّل للمحتلّ السوري. وقد تمّ هذا التوطين أوّلاً عبر إنشاء منظومة واسعة من المؤسسات الاجتماعية ذات الطابع الأيديولوجي الإسلامي التي عوّضت عن غياب المؤسسات الرسمية، فأحرزت بذلك ولاء شريحة من السكان؛ ثمّ عبر ضرب من الشرعية مستمدٍّ من خطاب المقاومة لإسرائيل ولعملائها في الجنوب؛ لكن أيضاً عبر القوة، باغتيال قيادات اليسار المقاوم، وخوض “حرب الإخوة” ضد حركة أمل، وحماية نظام الأسد في أعقاب تلك المعارك الأهلية، وفوق كل ذلك عبر إرهاب المعارضين الشيعة من غير المنتسبين إلى الحزب، من التهديد وصولاً إلى العنف والاغتيال. صحيح أنّ الحرب تفترض، بطبيعتها، من وجهة نظر أطرافها، منطقاً ثنائياً يصطدم فيه الخير بالشرّ، والصديق بالعدوّ. وليس ذلك حكراً على الحرب وحدها؛ بل هو أحد المسلّمات الأساسية للسياسي. غير أنّ الحرب، تحديداً، لا حاجة لها بالدقائق والفروق حيث تستدعيها السياسة. بيد أنّ ثنائية “الصديق-العدوّ” التي تميّز بها كارل شميت وجوليان فروند، مهما بدت مغرية نظرياً، لا تصلح لتحليل النزاع الراهن. قراءة أجدى وأكثر ملاءمة هي قراءة “العدوّ المزدوج” التي طوّرها جاك بوشار، وهي أنسب للدول الهشّة العاجزة عن التأثير في الخلافات التي تفتعلها أطراف ثالثة شبه-دولتية. “عدوّ العدوّ يبقى عدوّاً”، يقول بوشار. ومن الثابت الذي يصعب دحضه أنّ حزب الله وإسرائيل لا يتصرّفان في مصلحة لبنان، وأنّ التماثل شبه التام القائم بينهما حقيقة تفرض نفسها على المراقب. حالة التأهّب الدائم منذ عام 1948، تجد دولة إسرائيل نفسها في حالة حرب دائمة، ساعيةً إلى ترسيخ شرعية مبنيّة على اقتلاع شعب أصيل كان يقطن الأرض التي تحتلّها اليوم، أياً كانت الذرائع الأيديولوجية التي يسوقها الصهاينة لتبرير هذا الاحتلال تاريخياً. ولقد قام منطق النظام الإسرائيلي، من بن غوريون حتى نتنياهو، على الإبقاء في حالة تأهّب دائم في مواجهة أعدائه، بذريعة تهديد وجودي كثيراً ما رعاه هو نفسه، لا حرصاً على تعبئة روح التضامن الإسرائيلية فحسب، بل لتفريق صفوف خصومه أيضاً — بخلق حماس في مواجهة فتح؛ وبالتغاضي طويلاً عن الدور الإيراني في المنطقة تحت شعار ما يسمّى بـ”تحالف الأقليات”، بغية إضعاف الأنظمة العربية وإبقاء حالة الصراع السنّي-الشيعي متّقدة. وهذا المنطق، باستثناء القوس الأوسلوي الذي اغتيل مع اغتيال يتسحاق رابين في نوفمبر 1995، قام على الكراهية والإقصاء والعنف تجاه الفلسطينيين، الذين كان التخلّي عنهم وإبادتهم في صمت الشرط اللازم لأي سلام مع الدول العربية. تؤدّي إسرائيل بذلك دور شرطي الشرق الأوسط بكامل الإفلات من العقاب، فيما يواظب وهم «إسرائيل الكبرى» على استفزاز اليمين المتطرف الإسرائيلي، كما تشهد على ذلك التصريحات الأخيرة لبعض المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين. يُضاف إلى ذلك السلوك الضمّي في سوريا وفي لبنان اليوم، بفضل الحرب الجارية. أما نتنياهو، فتتجلّى فيه مبالغة في الغرور مقترنة بواقعية سياسية على خلفية من الفساد الصريح. الهيمنة الثيوقراطية لإيران الملالي في المقابل، تجد إيران نفسها هي الأخرى في حالة حرب دائمة منذ صعود الملالي، ولا سيّما منذ خميني عام 1979. مشروع ولاية الفقيه هو مشروع هيمنة ثيوقراطية عابرة للحدود، تستمدّ شرعيتها ممّن يختارون الانتساب إليها في صفوف المجتمع الشيعي. والمرشد الإيراني هو لفياثانها ومهيمنها وديكتاتورها. وكان تصدير الثورة الإسلامية هو دعوة إيران الخمينية — بالمعنى الخلدوني، أي الخطاب السياسي المُصاغ لغزو السلطة — منذ نشأتها الأولى، ولم تتخلّ عنها قط. وكانت جميع أذرعها الميليشيوية، في مقدّمتها حزب الله، قد أُنشئت لهذا الغرض تحديداً. صحيح أن الحزب تحوّل، أكثر بواقعية وانتهازية منه بقناعة أو إصلاح، إلى حزب سياسي، حرصاً على الاختراق التدريجي للنظام السياسي اللبناني. لكنّ قيادته ظلّت ميليشيوية-دينية، خاضعة كلياً في قراراتها للحرس الثوري. ومن ثَمّ، فمشروعه لا يعبأ بالمساحة اللبنانية، كما يكشفه خطاب حسن نصر الله الذي كان يخصّص عادةً شريطاً ضيّقاً للوضع اللبناني، في ختام تحليلات مطوّلة للمشهد الإقليمي من الزاوية الإيرانية. وتبقى “الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين” الوثيقة السياسية لحزب الله، على الرغم من مساعيه التجميلية الرامية إلى “تليين” وجهه بدوافع انتهازية. ولتبرير وجوده، اعتمد حزب الله دعوة المقاومة لإسرائيل، بعد أن أتمّ تصفية ممنهجة لكوادر المقاومة الوطنية التي شكّلها اليسار، ولا سيّما الحزب الشيوعي اللبناني. ثمّ وضع جزء من اليسار تحت الوصاية السورية وأحكم الأسد قبضته عليه، كما في سوريا، قبل أن تبتلعه إيران مالياً وسياسياً. وجرى تهميش القيادات المعتدلة ذات الطابع اللبناني... حتى نبيه بري أُنزل تدريجياً، ولا سيّما بعد انتهاء الوصاية السورية، إلى مرتبة الواجهة السياسية-المؤسسية في خدمة الحزب. بيد أنّ هذه الوظيفة التعبوية للمقاومة لم تحُل دون أن يضطلع حزب الله ضمنياً بدور حارس الحدود للدولة العبرية منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، بموافقة تل أبيب الضمنية. كان الهدف الأسمى لإسرائيل إسدال الستار نهائياً على القضية الفلسطينية، ليغدو الحزب في هذا الإطار حليفاً موضوعياً على الأراضي اللبنانية، على النقيض التام من خطابه في “تحرير فلسطين”. هكذا استولت إيران على القضية الفلسطينية عبر حماس وحزب الله، مكسباً حقيقياً لتل أبيب، إذ مكّنها ذلك من تبرير التصعيد الدائم في مواجهة أطراف إسلامية يستحيل تشريعها أمام المجتمع الدولي، بدلاً من أطراف سياسية معتدلة كفتح أو اليسار. وقد تصادم هذا التحالف الموضوعي بصورة متقطّعة مع الطموحات الإيرانية الرامية إلى تعظيم أوراق الضغط على إسرائيل عبر وكلائها، في سياق المفاوضات الإقليمية مع الغرب. فاهتزّ التفاهم الضمني عام 2006 مع حرب تموز. لكنّ هذه الحرب، على ما فيها من مفارقة، وما خلّفته من القرار 1701 الذي أبعد الحزب مؤقتاً عن الحدود الجنوبية، كانت الفرصة الذهبية لحزب الله — المهمَّش على الساحة اللبنانية والمعاني من شحّ الشرعية منذ اغتياله رفيق الحريري في فبراير 2005 — ليجدّد هالته ملتحفاً بـ”نصر إلهي” بيروسي. وبعد 2006، انكبّ على هدفه الأصلي والجوهري: الاستيلاء على السلطة في بيروت لحساب طهران. وكانت هذه المهمّة قد انطلقت مع ترتيبات نيسان 1996 والحملة على رفيق الحريري، بهدف تفريغ الدولة اللبنانية من مضمونها وتحويلها اقتصادياً وسياسياً إلى هيكل عظمي نحيل، في مقابل ترسيخ دويلته القائمة بذاتها. وفي السياق ذاته، أعاق عام 1993 انتشار الجيش في جنوب لبنان، متدخّلاً لدى دمشق لإلغاء القرار الذي اتّخذه الحريري في هذا الشأن. وبعد حرب تموز 2006، أعاق مجدّداً الانتشار الجنوبي وفق القرار 1701، مضاعفاً في الوقت ذاته الاعتداءات على اليونيفيل. واندرج اغتيال الحريري أيضاً في هذا الإطار من النخر الممنهج للدولة. احتلال وسط بيروت بعد حرب 2006 إيذاناً بالانتقام من الدولة اللبنانية ومن 14 آذار، ثمّ حصار السراي الكبير لإسقاط حكومة السنيورة، وانقلاب السابع من مايو 2008، ثمّ انتزاع الثلث المعطّل للحكومة في الدوحة، وتفكّك 14 آذار جرّاء الصراع المحموم على السلطة، وصعود ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية — كلّ ذلك أتمّ هذه المسيرة. كانت الدولة اللبنانية في مرمى حزب الله منذ البداية. وفقد الحزب زمامها مع انهيار الإمبراطورية الإيرانية إثر السابع من أكتوبر 2023 وحرب الإسناد الكارثية لغزة، وهو على الأرجح سيُفرغ حقده على الدولة في أعقاب هذه الحرب. وقد باشر بالفعل بالعمل على ذلك، مسلّطاً سهامه على نواف سلام كما فعل عام 2006 مع فؤاد السنيورة... في حين كان الأخير قد أوقف الحرب والدمار في روما، منقذاً الحزب الإيراني من مصير بائس. والدولة اللبنانية تسعى اليوم إلى وقف الحرب، ومع ذلك يتّجه إليها الحزب بهجماته... بينما هو من جرّها، كما في كل مرّة، إلى هذا المستنقع. وفي ختام هذا التماثل المصيري: المشروع الإمبريالي لـ”إسرائيل الكبرى”، المسكون بمنطق أصولي طائفي، لا يعادله إلا المشروع الإمبريالي لـ”فارس الكبرى”، المتجسّد على أرض الواقع بعد اتفاق 2015 النووي، مع القبضة الإيرانية على دمشق وبيروت وصنعاء وبغداد، والذي يحرّكه مغرور انتهازي فاسد آخر، المرحوم خامنئي. كلتا القوّتين مسكونتان بحنين إلى عصر ذهبي، مستند إلى أساطير دينية ورؤية ألفية وأخروية مشتركة. باختصار: “عدوّان”، نعم. لكنّهما أيضاً وجهان لعملة واحدة... ونقمتان على لبنان.

اختيار الخوف من الاختيار
بقلم
أكرم نعمة
نُشر

يعيش لبنان تحت الضغط، بين ما يضربه من الخارج وما يشلّه من الداخل، وبمرور الوقت، صار ما كان استثناءً شبه عادي. المشكلة الحقيقية لم تعد فحسب ما يأتي من الخارج؛ إنها تكمن في هذا العجز عن الحسم، في تلك اللحظة المعلّقة التي يرى فيها الدولة بجلاء تام ما ينبغي فعله، غير أنها لا تستطيع أن تُقدِم على الخطوة. ليست قصوراً في الفهم. إنها خوف تسرّب ببطء، تغذّى عليه تاريخٌ طُبعت فيه كل مواجهة داخلية بجراح بالغة العمق، تستعصي على النسيان. حين يكون البلد قد عرف الحرب، لا يكتسب ردود الفعل وحسب، بل يحمل معه صدمات ومخاوف متجذّرة وآليات بقاء تدفعه إلى التحاشي والالتفاف والتأجيل، حتى حين يصبح هذا الهروب بحد ذاته خطراً. فيُتكلَّم إذاً، ويُفسَّر، ويُتحاشى، ولا يُفعَل شيء. لم يعد هذا حذراً. هذا شلل. هنا يتمكّن التناقض. كلما ازدادت الصورة وضوحاً، قلّ التعامل معها، كأن الرؤية الأجلى تجعل كل قرار أعسر مواجهةً. تُعطى هذه العقدة أسماء مطمئنة — يُقال تحفّظاً، يُقال واقعية، يُكسى التقاعس بكلمات مقبولة، في حين أن الأمر في جوهره عجز عن الذهاب حتى النهاية فيما هو معلوم أصلاً. يُتشبَّث بحلول وسطى، وبتوازنات هشّة، وبتسويات توهم بالصمود، وهي في الواقع لا تفعل سوى تأجيل المحتوم، فيخدم الوقت المكتسب لا البلدَ بل ما يعيقه. يُطمأَن بالحديث عن الاستقرار، والحقيقة أن ثمة استسلاماً للوهم، وهماً بأنه أذكى من الواقع، كأن تأجيل القرار هو ضرب من السيطرة عليه. لكن هذه الإجراءات المنقوصة لا تستقر شيئاً. إنها تُرسِّخ المشكلة وتُثبّتها وتُضفي عليها الشرعية يوماً بعد يوم، وتجعلها فوق ذلك أعسر تصحيحاً. ما كان يُفترض أن يكون مؤقتاً يتجذّر، وما كان يُفترض أن يكون استثناءً يصير قاعدة، وما كان يُفترض أن يُطعَن فيه يفرض نفسه في نهاية المطاف. في هذه الأثناء، لا تنحسر موازين القوى؛ بل تتوطّد وتتنظّم وتتطبّع، وما كان ممكناً بالأمس بات اليوم محفوفاً بالمخاطر، وغداً سيكون شبه مستحيل. لا يتلاشى الخيار يوماً، لكنه يتراجع ويتصلّب ويُثقَل، حتى يبلغ الوقت الذي يعني فيه الامتناع عن القرار قبولاً لما يُدّعى رفضه. لا يُقال إن لبنان يفتقر إلى البصيرة. ما يفتقر إليه هو دولة قادرة على تحمّل المسؤولية إزاء القرارات التي تعرف أنها ضرورية. ليست هذه حالاً بلا مخرج. المخرج موجود، لكنه يستلزم ثمناً لا تزال ترفض دفعه. ليست قنابل العدو هي التي تُسقط الدولة. إنه اليوم الذي تقبل فيه الدولة أنها لم تعد هي من يقرر.

استشهاد الأب نيكولاس كلوترز في لبنان: مواجهة الشّر (2/3)

أعاد عيد القديس يوسف (19 آذار)، شفيع الجامعة التي تحمل اسمه، إلى ذاكرة رئيسها الجديد الأب فرانسوا بويديك اليسوعي، ذكرى ألبان دي جيرفانيون، أول شهيدٍ يسوعي في الحرب المتمادية التي اندلعت في لبنان عام 1975، والتي فُتح في مطلع آذار الجاري فصلٌ جديد منها، نرجو أن يكون الأخير. فبعد الأب دي جيرفانيون، سقط خمسة شهداء آخرين من الرهبنة في هذه الحرب. وتحيةً لذكراهم، ومع صدور سيرةٍ جديدة مخصصةٍ لإحدى أكثر تلك الشخصيات قداسة، الكاهن الهولندي نيكولاس كلوترز الذي بدأت دعوى تطويبه، نعرض هنا هذا المؤلَّف الذي يتضمن تفاصيل غير مسبوقة حول دوافع قتلته. ونستخلص، في الوقت عينه، المعنى الشامل لبذل الذات التي قدّمه للبنان، لكي يبقى وطننا نموذجاً لـ « الحرية والتعددية » للشرق والغرب معاً، في اللحظة التي تهدد فيها أمّةٌ مُعسكرة ببتر جزءٍ أساسي من أرضه يحمل ذكرى مرور المسيح. لم يكن غرسُ هولنديٍّ أصيل في بيئةٍ لبنانية ليتمَّ بلا عناء؛ بل استلزم قدراً وافياً من التكيّف والتجرّد. فنيكولاس كلوترز، الذي وُهب ذائقةً فنية رفيعة وكان يصبو لأن يكون رساماً قبل أن يكتشف في نفسه روح الرسول، وجد نفسه أمام مفارقةٍ كليّة: رقّة الفنّ في مواجهة قسوة البيئة البشرية. وعلاوةً على ذلك، آثر كلوترز بوعيٍ تام التخلّي عن الغرب، في وقتٍ كان أبناءُ رعيّته الجدد، على الأرجح، مأخوذين بما حقّقه ذلك الغرب من إنجازات وثروات... وأوهام. ففي مفكّرته، كما يشير كاتب سيرته، عُثر على هذه السطور: «إنني على قناعة بأن الثقافة الغربية تعيش انحطاطاً تاماً في كافة مجالات تعبيرها. وما إنجازاتها ومعارفها العلمية إلا هدرٌ عمليّ للقوى والطاقات. (...) إن عظمة الغرب الحالية تقوم على التفوّق العسكري والاقتصادي، لا على السموّ الروحي إطلاقاً». كان عليه أن ينقل قناعاته هذه إلى رجال ونساء رأوا فيه «دخيلًا» – لا سيما وأن نطقَه للعربية كان في البداية غير مفهوم – وأخًا في آنٍ معاً. وكان الضيق يساوره، بسبب عائق اللغة مثلًا، حين يرى كهنةً موارنة يمنحون الأسرار المقدسة لأشخاصٍ كان يُفترض أنهم من أبناء رعيّته. وهكذا، كانت تضطرم في قلبه حربٌ بين الدعوة الرسولية والمقاومة الاجتماعية. علاوة على ذلك، وضعه نشاطه الرسولي على تماسٍ مع « إكليروسية » شعر تجاهها، في بعض الأحيان، بـ « مقيتٍ شديد » . لدرجة أنه، قبل أشهر قليلة من استشهاده، رغب في وضع نفسه في خدمة الأوساط الأكثر فقرًا وفكّر في السودان، معتبرًا أنه لم يعد نافعًا في برقا. غير أن الأب بيتر-هانس كولفنباخ رأى، على العكس، أن راهبات القلبين الأقدسين لا يزلنَ بحاجة إلى وجوده. فكانت الأولوية لتمتين عمله وتثبيته، رغم الخطر المحدق؛ وهكذا، استأنف رسالته. تعذيبٌ واغتيال بشخصيته المتسمة بالاستقامة والوضوح، والحدة أحياناً – إذ صفع يوماً تلاميذ في الصف قبل أن يوبّخ نفسه – فرض الأب نيكولاس نفسه في برقا كمرجعيةٍ لا غنى عنها، روحياً ومدنياً. لكن لا يُظنَّنَّ أن حياة الأب كلوترز كانت جافة كشوك لبنان، أو أنه كان متنسكاً من حيث لا يدري؛ فهذا الرجل المرهف عرف كيف ينسج الصداقات، واستقطب كأي إنسان عادي نظرات الإعجاب التي كان يتحاشاها بحياء. بل إنه نال شعبيةً واسعة، وهي تحديداً ما كلفه حياته. «انظروا كيف يتبعه العالم»، لعلّ هذا ما قاله أعداؤه. فبات بنظر القوات السورية والقوى الشيعية (التي كانت في أوج صعودها) شخصاً «غير مرغوب فيه»، إذ كانوا يرغبون في «إفراغ البقاع من مسيحييه»، وفقاً لكاتب سيرته. وهكذا، جرى التفتيش عن فرصةٍ لتصفيته، حتى إنه تلقّى تحذيراً مباشراً من جندي سوري أو اثنين كان قد أقلّهما معه في سيارته. في الرابع عشر من آذار 1985، حانت الفرصة. فبعد زيارةٍ إلى منطقة الهرمل حيث احتفل بالذبيحة الإلهية مع مجموعةٍ من الراهبات، وإذ استعجل العودة إلى برقا، سلك الطريق التي تمرّ ببلدتي نبحا وقدّام المختلطتين، وهي الطريق التي كان ينصح زوّاره عادةً بتجنّبها. هناك، وقع في كمينٍ حيث اعتُقل وعُذّب وقُتل. سيُصعق قارئ سيرته، حتى بعد مرور أربعين عاماً على الجريمة. فبعد أيامٍ من البحث، انتُشلت جثته في حالةٍ متقدمة من التحلّل من هوةٍ سحيقة في المنطقة، كان قد أُنزِل فيه ميتاً، مكبّل اليدين، بواسطة حبل. وحدّد الطبيب الشرعي تاريخ الوفاة في الرابع عشر من آذار، وهو يوم اختفائه. أُقيمت مراسم جنازته في الثالث من نيسان 1985 في دير الآباء اليسوعيين في تعنايل، حيث يوارى جثمانه الثرى في مدافن الدير. الجحيمٌ حين يعمل إنَّ السادية التي أبداها معذّبوه وقتلته لكفيلةٌ وحدها بإثبات أنَّ يد البشر لم تكن وحدها الفاعلة، بل إنَّ الجحيم نفسَه قد دخل على الخط. ففي سياق نشاطه الرعوي، كان الأب نيكولاس قد لمس في لحظاتٍ معينة ظواهر غير طبيعية عَزاها إلى « أرواحٍ نجسة » . ويروي، على سبيل المثال، أنه يوماً وخلال مراسم عماد، تحطّم زجاج نافذةٍ انفتحت بعصفِ ريحٍ مفاجئ، « عندما أمرَ بطرد الشيطان ». مرتين أو ثلاثاً في حياته، كان الأب نيكولاس قد ساوره قلقٌ مبهم، إذ شعر كأنه يغرق في هوةٍ سحيقة. وإذا كان اليوم غائباً عن عالمنا ولم يعد بإمكانه رواية ذلك، فإنَّ انتشال جثته من هوةٍ سحيقة ليس، على الأرجح، مجرد تفصيلٍ عابر. فلكل حياةٍ مسيحية نصيبُها من الجهاد الروحي ضد « الخصم » ، ولها نزاعُها، ولها بستان الزيتون الخاص بها. لدينا في هذا الصدد شهادةٌ استثنائية لمراسل الحرب الفرنسي الكبير، جان كلود غييبو. ففي كتابه «كيف عدتُ مسيحياً»، يروي الأخير كيف واجه، خلال تغطيته لحرب لبنان، «قضية الشر » التي كتبها بحرف كبير في لغتها الأصلية)، وذلك جرّاء «مواكب المجازر الجنائزية » التي رافقت النزاع. وبالنسبة إليه، كانت هذه المجازر علامةً على «نشوةٍ بربرية لا تعودُ فحسب إلى مجرد هوى أيديولوجي أو ديني». رسمياً، جرى التعرّف على جثة الأب كلوترز من قبل طبيب أسنانه، الدكتور سليمان خنيصر، الذي ميّزه من خلال علاجاتٍ كان قد أجراها له في فكه السفلي. وأكّد الطبيب الشرعي أنه لم يَرَ في مسيرته المهنية جثةً «نُكِّل بها بمثل هذه البشاعة»؛ فإلى جانب الضرب، تحدّث عن خنقٍ وذبح. إنَّ تنكيل المعذّبين بجسد الأب نيكولاس كلوترز هي نموذجٌ صارخ للأهوال الشيطانية التي وسمت الحرب الأهلية اللبنانية. المقال المقبل: الوصية المقلقة لغصيبة كيروز، الذراع اليمنى لنيكولاس كلوترز اليسوعي اقرأ في الموضوع نفسه: «مات كي يحيا لبنان»، التضحية القصوى للأب نيكولاس كلوترز اليسوعي

هل النظام الإيراني “الجديد” الذي يستحضره ترامب “ديكارتي” فعلاً؟​​​​​​​​​​​​​​​​

إنها حرب من نوع جديد نشهدها وتضع الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، من جهة، في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من جهة أخرى، منذ 28 فبراير. لتبسيط الأمر إلى أقصى حد، يمكننا القول إننا نواجه حربًا تمزج، كما يقال في اللغة الشعبية، «العصا والجزرة» بطريقة متشابكة لدرجة يصعب معها تمييز نصيب ودرجة الحقيقة، والمناورات، والأكاذيب أو إخفاء النوايا على مستوى الأطراف المتصارعة. لقد أوضح يوم الاثنين 30 مارس 2026 إلى حد كبير تعقيد هذا الوضع، بكافة أبعاده. وهكذا عاد الرئيس دونالد ترامب ليكرر تصريحاته في مقابلة مع نيويورك بوست ، مشيرًا إلى وجود «نظام جديد يظهر عقلانية ومنطقية» في سلوكه في طهران وأنه «أكثر مرونة من القادة الذين تم القضاء عليهم» (في بداية الحرب). أكد رئيس البيت الأبيض أن المحادثات مع هذا «النظام الجديد» تسير على الطريق الصحيح، لكنه في الوقت نفسه أوضح أنه «غير متأكد» من إمكانية التوصل إلى اتفاق. بل ذهب إلى حد التأكيد على أنه «من المرجح جدًا ألا يكون هناك اتفاق». ورفض الرئيس ترامب الإشارة إلى المسؤول الإيراني الرفيع الذي تتفاوض معه واشنطن، واكتفى بالقول إنه قد يكشف هويته خلال «أسبوع». السؤال الأساسي المطروح في هذا الصدد ذو شقين: هل توجد بالفعل في طهران «سلطة جديدة»، وفي هذه الحالة، هل هي حقًا «أكثر عقلانية ومنطقية» من سابقتها، كما أكد الرئيس ترامب مرارًا؟ إذا كان هذا المحاور الإيراني الجديد – بافتراض وجوده – يُظهر عقلانية كما يقول الرئيس الأمريكي، فما هو الدليل الذي يمتلكه القادة الأمريكيون على أن موقفه يعكس حقيقةً طريقة تفكير جديدة في طهران؟ لقد أظهرت التجارب السابقة أن نظام الملالي، الذي ينتمي إليه بالضرورة «المحاور الجديد» الغامض، قد أصبح ماهرًا في التقية ، في إخفاء الفكر الحقيقي للشخص أو الطرف المعني، انتظارًا لهدوء العاصفة وتطور الظرف الجيوستراتيجي في اتجاه أكثر ملاءمة، وفي حالتنا هذه تحديدًا، للجمهورية الإسلامية. بالنظر إلى هذه الحقيقة المؤكدة، هل يمكن الوثوق حقًا بشخصية أو عشيرة، خرجت من صفوف نظام بنى سلطته على مدى 47 عامًا على أيديولوجية ثيوقراطية، شمولية وظلامية معادية للغرب بشدة، وعلى الإرهاب، والقمع الدموي، وقبل كل شيء، على التقية. أكد الرئيس ترامب هذا الاثنين، في أحد تصريحاته، رغبته في الانتقام من جميع الاعتداءات التي ارتكبها نظام الملالي على مدى 47 عامًا ضد الجيش الأمريكي، ولا سيما في بيروت عام 1983، وضد المواطنين الأمريكيين (أيضًا في لبنان). هل يمكن تجاهل هذا السلوك العدواني الذي امتد لما يقرب من نصف قرن، بالتعامل مع نفس الفاعلين والبدء من جديد بسذاجة؟ الموقف الإيراني تطرح كل هذه التساؤلات، أو بالأحرى هذه المجهولات، بحدة أكبر كونها تتأكد من خلال المواقف العامة التي تعلنها المصادر الإيرانية الرسمية (التي لا تعكس بالضرورة الواقع، التقية تقتضي). نفت هذه المصادر مرة أخرى هذا الاثنين أن تكون هناك محادثات جارية مع إدارة ترامب، وأشارت فقط، كما فعلت في الأيام السابقة، إلى «تبادل للرسائل» عبر وسطاء (يرجح أنهم باكستانيون). لكن على أي حال، تعيد نفس المصادر التأكيد على أن الخطة المكونة من 15 نقطة التي اقترحتها الولايات المتحدة غير مقبولة من قبل الجمهورية الإسلامية. وهذا ما نفاه الرئيس ترامب يوم الاثنين في مقابلته مع نيويورك بوست، مؤكداً أن «السلطة الجديدة» وافقت على «معظم النقاط الـ 15». المعطيات العسكرية أمام هذه المناطق الغامضة التي تميز مواقف الأطراف المختلفة، وفي انتظار أن تتضح الصورة في هذا الصدد، لم يعد للمراقبين، في هذا الأسبوع المقدس، سوى محاكاة موقف القديس توما، بالاعتماد على الحقائق الواقعية والملموسة. تُظهر الإدارة الأمريكية بالتالي رغبتها في بدء محادثات مباشرة للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الصراع الحالي، ولكن في الوقت نفسه، ترسل تعزيزات كبيرة إلى المنطقة، بما في ذلك حاملة الطائرات جورج بوش، بالإضافة إلى وحدات تتألف من آلاف من مشاة البحرية (المارينز)، ومظليين، ووحدات النخبة. نشهد حرباً من طرازٍ جديد تتقاطع فيها، منذ الثامن والعشرين من فبراير، الجيوشُ الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وجمهورية إيران الإسلامية من جهة أخرى. وللتبسيط إلى أقصى حدٍّ، يمكن القول إننا إزاء نزاع يجمع، على حدّ التعبير الشعبي، "العصا والجزرة" بصورة متشابكة إلى درجة يصعب معها استقراء ما بين السطور وتبيّن حجم ما تنطوي عليه مواقف الأطراف المتحاربة من صدق أو مناورة أو كذب وإخفاء الفكر الحقيقي. وقد جسّد يوم الاثنين 30 مارس 2026 هذا التعقيد في مجمله وفي كامل أبعاده. إذ عاد الرئيس دونالد ترامب إلى الموضوع في مقابلة مع صحيفة "نيويورك بوست"، مشيراً إلى وجود "نظام جديد في طهران يبدو ديكارتياً وعقلانياً" في خطّه، و"أكثر مرونة من القادة الذين أُقصوا" في مستهلّ الحرب. وأكد رئيس البيت الأبيض أن المحادثات مع هذا "النظام الجديد" تسير في الاتجاه الصحيح، غير أنه أقرّ في الوقت ذاته بأنه "غير متيقن" من إمكانية التوصل إلى اتفاق، بل ذهب إلى حد التصريح بأنه "على الأرجح لن يكون ثمة اتفاق". ورفض الرئيس ترامب الكشف عن هوية المسؤول الإيراني الرفيع الذي تجري مفاوضات واشنطن معه، مكتفياً بالإشارة إلى أنه قد يُفصح عن اسمه في غضون "أسبوع". والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يتوزع على شقين: هل يوجد فعلاً في طهران "سلطة جديدة"، وإن وُجدت، فهل هي حقاً "أكثر ديكارتية وعقلانية" من سابقتها، كما ادّعى الرئيس ترامب مراراً؟ وإذا كان هذا المحاور الإيراني الجديد، على افتراض وجوده، يتسم بالديكارتية التي ينسبها إليه الرئيس الأمريكي، فما الدليل الذي يستند إليه المسؤولون الأمريكيون على أن موقفه يعكس فعلاً أسلوباً جديداً في التفكير داخل طهران؟ لقد أثبتت التجارب الماضية أن نظام الملالي، الذي ينبثق منه حكماً هذا "المحاور الجديد" الغامض، قد أتقن التقية إتقاناً بالغاً، أي إخفاء الفكر الحقيقي للشخص أو الطرف المعني، في انتظار أن تهدأ العاصفة وأن تتطور الظروف الجيوستراتيجية في اتجاه أكثر ملاءمة، في حالتنا هذه، لصالح الجمهورية الإسلامية. وبالنظر إلى هذه الحقيقة الثابتة، هل يمكن الوثوق فعلاً بشخصية أو فصيل خرج من صفوف نظام قضى 47 عاماً يبني سلطته على أيديولوجيا ثيوقراطية شمولية ظلامية عميقة العداء للغرب، قائمة على الإرهاب والقمع الدموي وفوق كل شيء التقية؟ وأكد الرئيس ترامب يوم الاثنين، في إحدى تصريحاته، عزمه الانتقام من جميع الاعتداءات التي ارتكبها نظام الملالي على مدى 47 عاماً ضد الجيش الأمريكي، ولا سيما في بيروت عام 1983، وضد المواطنين الأمريكيين في لبنان أيضاً. هل يمكن محو هذا السلوك الحربجي الممتد على مدى قرابة نصف قرن، بأخذ الفاعلين أنفسهم والبدء من جديد بسذاجة؟ الموقف الإيراني وكل هذه التساؤلات، أو بالأحرى هذه المجاهيل، تطرح نفسها بإلحاح مضاعف لأنها تجد تأكيداً في المواقف العلنية التي تُعلنها المصادر الرسمية الإيرانية (التي لا تعكس بالضرورة الحقيقة، والتقية ماثلة). وقد نفت هذه المصادر مجدداً يوم الاثنين وجود أي مفاوضات جارية مع إدارة ترامب، مشيرةً فحسب، كما فعلت في الأيام السابقة، إلى "تبادل رسائل" عبر وسطاء يُرجَّح أنهم باكستانيون. بيد أنه، في كل الأحوال، تؤكد المصادر ذاتها أن الخطة المؤلفة من 15 نقطة التي اقترحتها الولايات المتحدة غير مقبولة لدى الجمهورية الإسلامية. وهو ما نفاه ترامب يوم الاثنين في مقابلته مع "نيويورك بوست"، مؤكداً أن "السلطة الجديدة" قبلت "معظم النقاط الخمس عشرة". المعطيات العسكرية أمام هذه المناطق الغامضة التي تكتنف مواقف الأطراف المختلفة، وفي انتظار أن تتضح الصورة في هذا الشأن، لم يعد أمام المراقبين، في هذا الأسبوع المقدس، سوى أن يحتذوا بموقف القديس توما، متمسكين بالوقائع الملموسة والحقيقية. فالإدارة الأمريكية تُبدي إرادة التفاوض المباشر للتوصل إلى اتفاق شامل يُنهي النزاع الراهن، بينما تُرسل في الوقت ذاته تعزيزات ضخمة إلى المنطقة، من بينها حاملة الطائرات "جورج بوش"، فضلاً عن آلاف من مشاة البحرية والمظليين ووحدات النخبة. ويُتحدث في هذا السياق بإلحاح عن عمليات كوماندوز محدودة على الأرض، وعن إنزال في جزيرة خارك من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة السيطرة على الإنتاج النفطي الإيراني وصادراته، وهو عامل استراتيجي بالغ الأهمية قد يكون أحد الأهداف التي تسعى إليها واشنطن. وفي حين يُتحدث عن مفاوضات بنّاءة مع "المحاورين الإيرانيين الجدد"، تواصل الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية استهداف مجمل المنشآت والبنى التحتية العسكرية والصناعية والاستراتيجية الإيرانية بوتيرة مكثفة في منطقة طهران وأصفهان، بل امتدت يوم الاثنين، للمرة الثانية، إلى منطقة بحر قزوين في أقصى شمال إيران، قرب الحدود مع روسيا. أما على الجبهة اللبنانية، فقد شهد صباح الاثنين غاراتٍ عدة على الضاحية الجنوبية لبيروت، قُتل فيها قيادي عسكري رفيع في حزب الله، فيما واصل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان تقدمه المنهجي نحو مناطق جديدة من الأراضي اللبنانية، بلغ وفق مصادر لبنانية نهر الليطاني، مع اختراقات وصل عمقها إلى أربعة عشر كيلومتراً من الحدود بين البلدين. وجاءت هذه التطورات على الصعيد العسكري في حين كانت تُعقد في المملكة العربية السعودية قمة جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، وملك الأردن عبدالله.