Logotipo de Levant Time
Volver al artículo
تكريم

استشهاد الأب نيكولاس كلوترز في لبنان: مواجهة الشّر (2/3)

Imagen destacada de la noticia
الأب نيكولاس كلوترز بصحبة قرويين من برقا.
Retrato del autor
Por فادي نون
Publicado مارس 30, 2026 - 23:10

أعاد عيد القديس يوسف (19 آذار)، شفيع الجامعة التي تحمل اسمه، إلى ذاكرة رئيسها الجديد الأب فرانسوا بويديك اليسوعي، ذكرى ألبان دي جيرفانيون، أول شهيدٍ يسوعي في الحرب المتمادية التي اندلعت في لبنان عام 1975، والتي فُتح في مطلع آذار الجاري فصلٌ جديد منها، نرجو أن يكون الأخير. فبعد الأب دي جيرفانيون، سقط خمسة شهداء آخرين من الرهبنة في هذه الحرب. وتحيةً لذكراهم، ومع صدور سيرةٍ جديدة مخصصةٍ لإحدى أكثر تلك الشخصيات قداسة، الكاهن الهولندي نيكولاس كلوترز الذي بدأت دعوى تطويبه، نعرض هنا هذا المؤلَّف الذي يتضمن تفاصيل غير مسبوقة حول دوافع قتلته. ونستخلص، في الوقت عينه، المعنى الشامل لبذل الذات التي قدّمه للبنان، لكي يبقى وطننا نموذجاً لـ «الحرية والتعددية» للشرق والغرب معاً، في اللحظة التي تهدد فيها أمّةٌ مُعسكرة ببتر جزءٍ أساسي من أرضه يحمل ذكرى مرور المسيح.

 

لم يكن غرسُ هولنديٍّ أصيل في بيئةٍ لبنانية ليتمَّ بلا عناء؛ بل استلزم قدراً وافياً من التكيّف والتجرّد. فنيكولاس كلوترز، الذي وُهب ذائقةً فنية رفيعة وكان يصبو لأن يكون رساماً قبل أن يكتشف في نفسه روح الرسول، وجد نفسه أمام مفارقةٍ كليّة: رقّة الفنّ في مواجهة قسوة البيئة البشرية.

 

وعلاوةً على ذلك، آثر كلوترز بوعيٍ تام التخلّي عن الغرب، في وقتٍ كان أبناءُ رعيّته الجدد، على الأرجح، مأخوذين بما حقّقه ذلك الغرب من إنجازات وثروات... وأوهام. ففي مفكّرته، كما يشير كاتب سيرته، عُثر على هذه السطور: «إنني على قناعة بأن الثقافة الغربية تعيش انحطاطاً تاماً في كافة مجالات تعبيرها. وما إنجازاتها ومعارفها العلمية إلا هدرٌ عمليّ للقوى والطاقات. (...) إن عظمة الغرب الحالية تقوم على التفوّق العسكري والاقتصادي، لا على السموّ الروحي إطلاقاً».

 

كان عليه أن ينقل قناعاته هذه إلى رجال ونساء رأوا فيه «دخيلًا» – لا سيما وأن نطقَه للعربية كان في البداية غير مفهوم – وأخًا في آنٍ معاً. وكان الضيق يساوره، بسبب عائق اللغة مثلًا، حين يرى كهنةً موارنة يمنحون الأسرار المقدسة لأشخاصٍ كان يُفترض أنهم من أبناء رعيّته. وهكذا، كانت تضطرم في قلبه حربٌ بين الدعوة الرسولية والمقاومة الاجتماعية.

 

علاوة على ذلك، وضعه نشاطه الرسولي على تماسٍ مع «إكليروسية» شعر تجاهها، في بعض الأحيان، بـ «مقيتٍ شديد». لدرجة أنه، قبل أشهر قليلة من استشهاده، رغب في وضع نفسه في خدمة الأوساط الأكثر فقرًا وفكّر في السودان، معتبرًا أنه لم يعد نافعًا في برقا. غير أن الأب بيتر-هانس كولفنباخ رأى، على العكس، أن راهبات القلبين الأقدسين لا يزلنَ بحاجة إلى وجوده. فكانت الأولوية لتمتين عمله وتثبيته، رغم الخطر المحدق؛ وهكذا، استأنف رسالته.

 

تعذيبٌ واغتيال

 

بشخصيته المتسمة بالاستقامة والوضوح، والحدة أحياناً – إذ صفع يوماً تلاميذ في الصف قبل أن يوبّخ نفسه – فرض الأب نيكولاس نفسه في برقا كمرجعيةٍ لا غنى عنها، روحياً ومدنياً. لكن لا يُظنَّنَّ أن حياة الأب كلوترز كانت جافة كشوك لبنان، أو أنه كان متنسكاً من حيث لا يدري؛ فهذا الرجل المرهف عرف كيف ينسج الصداقات، واستقطب كأي إنسان عادي نظرات الإعجاب التي كان يتحاشاها بحياء. بل إنه نال شعبيةً واسعة، وهي تحديداً ما كلفه حياته. «انظروا كيف يتبعه العالم»، لعلّ هذا ما قاله أعداؤه. فبات بنظر القوات السورية والقوى الشيعية (التي كانت في أوج صعودها) شخصاً «غير مرغوب فيه»، إذ كانوا يرغبون في «إفراغ البقاع من مسيحييه»، وفقاً لكاتب سيرته. وهكذا، جرى التفتيش عن فرصةٍ لتصفيته، حتى إنه تلقّى تحذيراً مباشراً من جندي سوري أو اثنين كان قد أقلّهما معه في سيارته.

 

في الرابع عشر من آذار 1985، حانت الفرصة. فبعد زيارةٍ إلى منطقة الهرمل حيث احتفل بالذبيحة الإلهية مع مجموعةٍ من الراهبات، وإذ استعجل العودة إلى برقا، سلك الطريق التي تمرّ ببلدتي نبحا وقدّام المختلطتين، وهي الطريق التي كان ينصح زوّاره عادةً بتجنّبها. هناك، وقع في كمينٍ حيث اعتُقل وعُذّب وقُتل. سيُصعق قارئ سيرته، حتى بعد مرور أربعين عاماً على الجريمة. فبعد أيامٍ من البحث، انتُشلت جثته في حالةٍ متقدمة من التحلّل من هوةٍ سحيقة في المنطقة، كان قد أُنزِل فيه ميتاً، مكبّل اليدين، بواسطة حبل. وحدّد الطبيب الشرعي تاريخ الوفاة في الرابع عشر من آذار، وهو يوم اختفائه. أُقيمت مراسم جنازته في الثالث من نيسان 1985 في دير الآباء اليسوعيين في تعنايل، حيث يوارى جثمانه الثرى في مدافن الدير.

 

الجحيمٌ حين يعمل

 

إنَّ السادية التي أبداها معذّبوه وقتلته لكفيلةٌ وحدها بإثبات أنَّ يد البشر لم تكن وحدها الفاعلة، بل إنَّ الجحيم نفسَه قد دخل على الخط. ففي سياق نشاطه الرعوي، كان الأب نيكولاس قد لمس في لحظاتٍ معينة ظواهر غير طبيعية عَزاها إلى «أرواحٍ نجسة». ويروي، على سبيل المثال، أنه يوماً وخلال مراسم عماد، تحطّم زجاج نافذةٍ انفتحت بعصفِ ريحٍ مفاجئ، «عندما أمرَ بطرد الشيطان».

 

مرتين أو ثلاثاً في حياته، كان الأب نيكولاس قد ساوره قلقٌ مبهم، إذ شعر كأنه يغرق في هوةٍ سحيقة. وإذا كان اليوم غائباً عن عالمنا ولم يعد بإمكانه رواية ذلك، فإنَّ انتشال جثته من هوةٍ سحيقة ليس، على الأرجح، مجرد تفصيلٍ عابر. فلكل حياةٍ مسيحية نصيبُها من الجهاد الروحي ضد «الخصم»، ولها نزاعُها، ولها بستان الزيتون الخاص بها.

 

لدينا في هذا الصدد شهادةٌ استثنائية لمراسل الحرب الفرنسي الكبير، جان كلود غييبو. ففي كتابه «كيف عدتُ مسيحياً»، يروي الأخير كيف واجه، خلال تغطيته لحرب لبنان، «قضية الشر» التي كتبها بحرف كبير في لغتها الأصلية)، وذلك جرّاء «مواكب المجازر الجنائزية» التي رافقت النزاع. وبالنسبة إليه، كانت هذه المجازر علامةً على «نشوةٍ بربرية لا تعودُ فحسب إلى مجرد هوى أيديولوجي أو ديني».

 

رسمياً، جرى التعرّف على جثة الأب كلوترز من قبل طبيب أسنانه، الدكتور سليمان خنيصر، الذي ميّزه من خلال علاجاتٍ كان قد أجراها له في فكه السفلي. وأكّد الطبيب الشرعي أنه لم يَرَ في مسيرته المهنية جثةً «نُكِّل بها بمثل هذه البشاعة»؛ فإلى جانب الضرب، تحدّث عن خنقٍ وذبح. إنَّ تنكيل المعذّبين بجسد الأب نيكولاس كلوترز هي نموذجٌ صارخ للأهوال الشيطانية التي وسمت الحرب الأهلية اللبنانية.

 

المقال المقبل:

الوصية المقلقة لغصيبة كيروز، الذراع اليمنى لنيكولاس كلوترز اليسوعي

 

اقرأ في الموضوع نفسه:

«مات كي يحيا لبنان»، التضحية القصوى للأب نيكولاس كلوترز اليسوعي

Artículos relacionados
Ver todo
Vídeos relacionados
Ver todo
Podcasts relacionados
Ver todo