


لقد أوضح يوم الاثنين 30 مارس 2026 إلى حد كبير تعقيد هذا الوضع، بكافة أبعاده. وهكذا عاد الرئيس دونالد ترامب ليكرر تصريحاته في مقابلة مع نيويورك بوست، مشيرًا إلى وجود «نظام جديد يظهر عقلانية ومنطقية» في سلوكه في طهران وأنه «أكثر مرونة من القادة الذين تم القضاء عليهم» (في بداية الحرب).
أكد رئيس البيت الأبيض أن المحادثات مع هذا «النظام الجديد» تسير على الطريق الصحيح، لكنه في الوقت نفسه أوضح أنه «غير متأكد» من إمكانية التوصل إلى اتفاق. بل ذهب إلى حد التأكيد على أنه «من المرجح جدًا ألا يكون هناك اتفاق». ورفض الرئيس ترامب الإشارة إلى المسؤول الإيراني الرفيع الذي تتفاوض معه واشنطن، واكتفى بالقول إنه قد يكشف هويته خلال «أسبوع».
السؤال الأساسي المطروح في هذا الصدد ذو شقين: هل توجد بالفعل في طهران «سلطة جديدة»، وفي هذه الحالة، هل هي حقًا «أكثر عقلانية ومنطقية» من سابقتها، كما أكد الرئيس ترامب مرارًا؟
إذا كان هذا المحاور الإيراني الجديد – بافتراض وجوده – يُظهر عقلانية كما يقول الرئيس الأمريكي، فما هو الدليل الذي يمتلكه القادة الأمريكيون على أن موقفه يعكس حقيقةً طريقة تفكير جديدة في طهران؟
لقد أظهرت التجارب السابقة أن نظام الملالي، الذي ينتمي إليه بالضرورة «المحاور الجديد» الغامض، قد أصبح ماهرًا في التقية، في إخفاء الفكر الحقيقي للشخص أو الطرف المعني، انتظارًا لهدوء العاصفة وتطور الظرف الجيوستراتيجي في اتجاه أكثر ملاءمة، وفي حالتنا هذه تحديدًا، للجمهورية الإسلامية.
بالنظر إلى هذه الحقيقة المؤكدة، هل يمكن الوثوق حقًا بشخصية أو عشيرة، خرجت من صفوف نظام بنى سلطته على مدى 47 عامًا على أيديولوجية ثيوقراطية، شمولية وظلامية معادية للغرب بشدة، وعلى الإرهاب، والقمع الدموي، وقبل كل شيء، على التقية.
أكد الرئيس ترامب هذا الاثنين، في أحد تصريحاته، رغبته في الانتقام من جميع الاعتداءات التي ارتكبها نظام الملالي على مدى 47 عامًا ضد الجيش الأمريكي، ولا سيما في بيروت عام 1983، وضد المواطنين الأمريكيين (أيضًا في لبنان).
هل يمكن تجاهل هذا السلوك العدواني الذي امتد لما يقرب من نصف قرن، بالتعامل مع نفس الفاعلين والبدء من جديد بسذاجة؟
الموقف الإيراني
تطرح كل هذه التساؤلات، أو بالأحرى هذه المجهولات، بحدة أكبر كونها تتأكد من خلال المواقف العامة التي تعلنها المصادر الإيرانية الرسمية (التي لا تعكس بالضرورة الواقع، التقية تقتضي).
نفت هذه المصادر مرة أخرى هذا الاثنين أن تكون هناك محادثات جارية مع إدارة ترامب، وأشارت فقط، كما فعلت في الأيام السابقة، إلى «تبادل للرسائل» عبر وسطاء (يرجح أنهم باكستانيون).
لكن على أي حال، تعيد نفس المصادر التأكيد على أن الخطة المكونة من 15 نقطة التي اقترحتها الولايات المتحدة غير مقبولة من قبل الجمهورية الإسلامية. وهذا ما نفاه الرئيس ترامب يوم الاثنين في مقابلته مع نيويورك بوست، مؤكداً أن «السلطة الجديدة» وافقت على «معظم النقاط الـ 15».
المعطيات العسكرية
أمام هذه المناطق الغامضة التي تميز مواقف الأطراف المختلفة، وفي انتظار أن تتضح الصورة في هذا الصدد، لم يعد للمراقبين، في هذا الأسبوع المقدس، سوى محاكاة موقف القديس توما، بالاعتماد على الحقائق الواقعية والملموسة.
تُظهر الإدارة الأمريكية بالتالي رغبتها في بدء محادثات مباشرة للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الصراع الحالي، ولكن في الوقت نفسه، ترسل تعزيزات كبيرة إلى المنطقة، بما في ذلك حاملة الطائرات جورج بوش، بالإضافة إلى وحدات تتألف من آلاف من مشاة البحرية (المارينز)، ومظليين، ووحدات النخبة.
نشهد حرباً من طرازٍ جديد تتقاطع فيها، منذ الثامن والعشرين من فبراير، الجيوشُ الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وجمهورية إيران الإسلامية من جهة أخرى. وللتبسيط إلى أقصى حدٍّ، يمكن القول إننا إزاء نزاع يجمع، على حدّ التعبير الشعبي، "العصا والجزرة" بصورة متشابكة إلى درجة يصعب معها استقراء ما بين السطور وتبيّن حجم ما تنطوي عليه مواقف الأطراف المتحاربة من صدق أو مناورة أو كذب وإخفاء الفكر الحقيقي.
وقد جسّد يوم الاثنين 30 مارس 2026 هذا التعقيد في مجمله وفي كامل أبعاده. إذ عاد الرئيس دونالد ترامب إلى الموضوع في مقابلة مع صحيفة "نيويورك بوست"، مشيراً إلى وجود "نظام جديد في طهران يبدو ديكارتياً وعقلانياً" في خطّه، و"أكثر مرونة من القادة الذين أُقصوا" في مستهلّ الحرب.
وأكد رئيس البيت الأبيض أن المحادثات مع هذا "النظام الجديد" تسير في الاتجاه الصحيح، غير أنه أقرّ في الوقت ذاته بأنه "غير متيقن" من إمكانية التوصل إلى اتفاق، بل ذهب إلى حد التصريح بأنه "على الأرجح لن يكون ثمة اتفاق". ورفض الرئيس ترامب الكشف عن هوية المسؤول الإيراني الرفيع الذي تجري مفاوضات واشنطن معه، مكتفياً بالإشارة إلى أنه قد يُفصح عن اسمه في غضون "أسبوع".
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يتوزع على شقين: هل يوجد فعلاً في طهران "سلطة جديدة"، وإن وُجدت، فهل هي حقاً "أكثر ديكارتية وعقلانية" من سابقتها، كما ادّعى الرئيس ترامب مراراً؟
وإذا كان هذا المحاور الإيراني الجديد، على افتراض وجوده، يتسم بالديكارتية التي ينسبها إليه الرئيس الأمريكي، فما الدليل الذي يستند إليه المسؤولون الأمريكيون على أن موقفه يعكس فعلاً أسلوباً جديداً في التفكير داخل طهران؟
لقد أثبتت التجارب الماضية أن نظام الملالي، الذي ينبثق منه حكماً هذا "المحاور الجديد" الغامض، قد أتقن التقية إتقاناً بالغاً، أي إخفاء الفكر الحقيقي للشخص أو الطرف المعني، في انتظار أن تهدأ العاصفة وأن تتطور الظروف الجيوستراتيجية في اتجاه أكثر ملاءمة، في حالتنا هذه، لصالح الجمهورية الإسلامية.
وبالنظر إلى هذه الحقيقة الثابتة، هل يمكن الوثوق فعلاً بشخصية أو فصيل خرج من صفوف نظام قضى 47 عاماً يبني سلطته على أيديولوجيا ثيوقراطية شمولية ظلامية عميقة العداء للغرب، قائمة على الإرهاب والقمع الدموي وفوق كل شيء التقية؟
وأكد الرئيس ترامب يوم الاثنين، في إحدى تصريحاته، عزمه الانتقام من جميع الاعتداءات التي ارتكبها نظام الملالي على مدى 47 عاماً ضد الجيش الأمريكي، ولا سيما في بيروت عام 1983، وضد المواطنين الأمريكيين في لبنان أيضاً.
هل يمكن محو هذا السلوك الحربجي الممتد على مدى قرابة نصف قرن، بأخذ الفاعلين أنفسهم والبدء من جديد بسذاجة؟
الموقف الإيراني
وكل هذه التساؤلات، أو بالأحرى هذه المجاهيل، تطرح نفسها بإلحاح مضاعف لأنها تجد تأكيداً في المواقف العلنية التي تُعلنها المصادر الرسمية الإيرانية (التي لا تعكس بالضرورة الحقيقة، والتقية ماثلة).
وقد نفت هذه المصادر مجدداً يوم الاثنين وجود أي مفاوضات جارية مع إدارة ترامب، مشيرةً فحسب، كما فعلت في الأيام السابقة، إلى "تبادل رسائل" عبر وسطاء يُرجَّح أنهم باكستانيون.
بيد أنه، في كل الأحوال، تؤكد المصادر ذاتها أن الخطة المؤلفة من 15 نقطة التي اقترحتها الولايات المتحدة غير مقبولة لدى الجمهورية الإسلامية. وهو ما نفاه ترامب يوم الاثنين في مقابلته مع "نيويورك بوست"، مؤكداً أن "السلطة الجديدة" قبلت "معظم النقاط الخمس عشرة".
المعطيات العسكرية
أمام هذه المناطق الغامضة التي تكتنف مواقف الأطراف المختلفة، وفي انتظار أن تتضح الصورة في هذا الشأن، لم يعد أمام المراقبين، في هذا الأسبوع المقدس، سوى أن يحتذوا بموقف القديس توما، متمسكين بالوقائع الملموسة والحقيقية.
فالإدارة الأمريكية تُبدي إرادة التفاوض المباشر للتوصل إلى اتفاق شامل يُنهي النزاع الراهن، بينما تُرسل في الوقت ذاته تعزيزات ضخمة إلى المنطقة، من بينها حاملة الطائرات "جورج بوش"، فضلاً عن آلاف من مشاة البحرية والمظليين ووحدات النخبة.
ويُتحدث في هذا السياق بإلحاح عن عمليات كوماندوز محدودة على الأرض، وعن إنزال في جزيرة خارك من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة السيطرة على الإنتاج النفطي الإيراني وصادراته، وهو عامل استراتيجي بالغ الأهمية قد يكون أحد الأهداف التي تسعى إليها واشنطن.
وفي حين يُتحدث عن مفاوضات بنّاءة مع "المحاورين الإيرانيين الجدد"، تواصل الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية استهداف مجمل المنشآت والبنى التحتية العسكرية والصناعية والاستراتيجية الإيرانية بوتيرة مكثفة في منطقة طهران وأصفهان، بل امتدت يوم الاثنين، للمرة الثانية، إلى منطقة بحر قزوين في أقصى شمال إيران، قرب الحدود مع روسيا.
أما على الجبهة اللبنانية، فقد شهد صباح الاثنين غاراتٍ عدة على الضاحية الجنوبية لبيروت، قُتل فيها قيادي عسكري رفيع في حزب الله، فيما واصل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان تقدمه المنهجي نحو مناطق جديدة من الأراضي اللبنانية، بلغ وفق مصادر لبنانية نهر الليطاني، مع اختراقات وصل عمقها إلى أربعة عشر كيلومتراً من الحدود بين البلدين.
وجاءت هذه التطورات على الصعيد العسكري في حين كانت تُعقد في المملكة العربية السعودية قمة جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، وملك الأردن عبدالله.