شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
توقعات وغموض: إلى أين ستؤدي حرب إيران؟

في هذا الأسبوع الخامس من الحرب الإيرانية، تبدو تصريحات الرئيس ترامب مبهمة. وكذلك تصريحات القادة الإيرانيين. وحده الموقف الإسرائيلي واضح: الأولوية للمتطلبات العسكرية والأمنية. تأتي المعلومات الواردة من مسرح العمليات، والتحليلات الاجتماعية والسياسية في الدول الثلاث المتحاربة، بشكل رئيسي من الصحافة. وغالبًا ما تكون المصادر المذكورة منحازة، ولا تسلط الضوء إلا على جزء من الحقائق التي تخدم أطروحات مؤلفيها. يجب أن نلاحظ أن غالبية الصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة الغربية تركز بشكل أكبر على تكاليف الحرب، بدلاً من التركيز على حصيلتها الاستراتيجية التي لا يمكن أن تكون سياسية بحتة ولا عسكرية بحتة، بل يجب أن تشكل توليفة استراتيجية فريدة. يضع العسكريون استراتيجيتهم الخاصة موضع التنفيذ لخدمة الأهداف الوطنية. ويفعل صناع القرار الشيء نفسه على المستوى السياسي. يجب أن يأخذ تقييم هذه الحملة كل هذا في الاعتبار. يهمل بعض المحللين أن مسار الحرب يعتمد بشكل وثيق على الموارد العسكرية والاقتصادية لكل طرف متحارب. هذه تشكل المحدد الرئيسي للنجاح أو الفشل. تأتي الأيديولوجيا، والرغبة في القتال، والتحفيز، والتضامن الداخلي لكل طرف بعد ذلك. يعتبر المواطن الأمريكي أن الصراع العسكري المستمر يلقي بعبء على محفظته. تشكو بعض الشركات الأمريكية من الخسائر. والبعض الآخر، على العكس من ذلك، يحقق أو سيحقق أرباحًا. من المؤكد أنه بعد الحرب، سيتعافى الاقتصاد الأمريكي الذي يركز بشكل متزايد على القارة الأمريكية واستئناف التبادلات مع الصين، بسهولة، كما يراهن ترامب. تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن اللقاء المرتقب بين ترامب وشي جين بينغ، والذي تم تأجيله لبضعة أشهر، سيعقبه توقيع عقود ضخمة. قد تشتري بكين من واشنطن 600 طائرة بوينغ بقيمة 140 مليار دولار، وصويا بقيمة 20 مليار دولار، ناهيك عن النفط والغاز الأمريكيين، ورفع القيود عن شراء بكين للرقائق الإلكترونية من شركة Nvidia الأمريكية. في المقابل، قد تستورد الولايات المتحدة من الصين «العناصر الأرضية النادرة»، الضرورية لتصنيع أجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، والتي فرض عليها شي جين بينغ قيودًا صارمة، دون أن ننسى المنتجات الصينية منخفضة التكلفة المخصصة للمستهلكين الأمريكيين. على الصعيد العسكري، تتجنب واشنطن وستتجنب بعناية أي غرق أو حرب استنزاف، التي أشار إليها خصوم ترامب بشكل خاص، على غرار حروب فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث حاولت الولايات المتحدة، دون نجاح، تغيير الأنظمة. الخسائر الأمريكية، البشرية وفي المعدات العسكرية، ضئيلة نسبيًا حتى الآن، والموارد العسكرية والاقتصادية بعيدة كل البعد عن النضوب. وقد حدد البنتاغون أيضًا أربعة إلى ستة أسابيع لتحقيق أهدافه، ولا يزال هذا الموعد ضمن الحدود المعلنة في البداية. أما إيران، فهي تمر بوضع اجتماعي واقتصادي كارثي. وقد تفاقم هذا الوضع في عام 2025 عندما كثفت واشنطن العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية، مما أدى إلى خنق الاقتصاد الإيراني بشكل أكبر وتقليل تدفق الدولارات بشكل كبير من البنوك العراقية. ومن المرجح أن يتدهور هذا الوضع بشكل أكبر بعد الصراع. بالإضافة إلى ذلك، فإن هيمنة الحرس الثوري الإيراني الواضحة على الملالي والشخصيات الرئيسية في النظام، تزيد من استياء الأرتش (الجيش الإيراني النظامي)، الذي نجا حتى الآن من القصف الإسرائيلي-الأمريكي، وكذلك من الإصلاحيين مثل الرئيس مسعود بيزشكيان، والأقليات الكردية والبلوشية والعربية والأذرية، التي لا تطلب سوى التحرك عسكريًا. هذه الخلافات قد تؤدي إلى تطرف الحرس الثوري داخل البلاد. ستحتاج إيران إلى عقدين على الأقل للتعافي. باختصار، فشل استراتيجية الحرس الثوري على المستوى الإقليمي خلال العقدين الماضيين واضح: فقد كلفت مئات المليارات من الدولارات دون جدوى. إيران في حالة خراب. قبل اندلاع الصراع، كانت الجمهورية الإسلامية تمتلك أكبر وأكثر ترسانة من الصواريخ والطائرات بدون طيار تنوعاً في الشرق الأوسط، تتميز بتطور نحو صواريخ باليستية تعمل بالوقود الصلب، وبالتالي قابلة للانتشار بسرعة، وعالية الدقة، ومخزونات هائلة من الذخائر المتسكعة بعيدة المدى. وفقًا للتقديرات، كانت إيران تمتلك مخزونًا يتراوح بين 2000 و 3000 صاروخ باليستي بعيد المدى (2000 كم) وقصير المدى (300 كم)، بما في ذلك صواريخ فتاح فرط صوتية , قادرة على الوصول إلى سرعات تتجاوز 10 ماخ، وصواريخ خرمشهر بعيدة المدى بحمولة تزيد عن طن، قادرة على حمل رؤوس حربية متعددة وقد أظهرت فعاليتها. كما كانت تمتلك حوالي 480 قاذفة صواريخ متحركة. وقد أنتجت إيران بكميات كبيرة عشرات الآلاف من الطائرات الانتحارية بدون طيار، وخاصة طائرات شاهد-136 الشهيرة، بمدى تشغيلي يتراوح بين 1500 و 2500 كيلومتر. لقد زودت هذه الترسانة بقدرات صينية دقيقة، مما سمح بضرب هوائيات الرادار الأمريكية، مما أدى إلى تدمير حوالي سبعة رادارات أمريكية متطورة وفتح ثغرة في الدفاعات الصاروخية. وأخيرًا، استثمرت إيران بكثافة في منشآت الإنتاج والتخزين تحت الأرض لتأمين ترسانتها، مما يجعل تدميرها بالكامل من الجو أكثر صعوبة. استهدفت استراتيجية الحرس الثوري الإيراني قدرة على إغراق الأهداف، بهدف إرباك أنظمة الدفاع، وقد نجحت جزئيًا فقط نظرًا لأن معدل النجاح في إصابة الهدف أظهر نجاحًا بنسبة 5 إلى 10%. وقد انخفضت هذه القدرات بمقدار الثلثين بعد شهر من الصراع، وفقًا للأمريكيين والإسرائيليين. وهي مستمرة في التناقص. يستعد البنتاغون في الأيام المقبلة لحملة برية طويلة الأمد، مع نشر آلاف الجنود الأمريكيين الإضافيين، كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست وشبكة سي بي إس. تستعد الوحدات الأمريكية النخبوية، ولا سيما قوات نافي سيلز، والرانجرز، ومشاة البحرية (المارينز)، والفرقة 83 المحمولة جوًا، وتوفر لواشنطن خيارات مرنة لعمليات محتملة داخل إيران، تهدف إلى إبادة ما تبقى من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وكذلك البرنامج النووي. حذرت صحيفة طهران تايمز من أن الخطة الأمريكية ستبدأ باستهداف اغتيالات لكبار المسؤولين، كما حدث في بداية الصراع العسكري، تليها ضربات ضد البنى التحتية الاستراتيجية. ستشمل المرحلة البرية لاحقًا آلاف المقاتلين المحليين، الإيرانيين وغير الإيرانيين، قادمين من الشمال الغربي، وربما من الأكراد، مدعومين بـ 5000 جندي أمريكي موزعين بين البحرين والمحاور البحرية، مع نشر حاملة الطائرات الثالثة. ولا تزال نفس المصادر تشير إلى أن المارينز والمظليين سيقتحمون المطارات في مدينة بندر عباس الساحلية ومدن أخرى، لتسهيل الجسور الجوية، بينما ستضرب الفرق المحمولة جوًا المواقع المتعلقة بالصواريخ والبرنامج النووي. هذه التأكيدات من طهران تايمز تعني أن إيران تستعد لمواجهة هذه الخطة. في هذه الأثناء، تستمر الضربات الأمريكية والإسرائيلية بفضل السيطرة الجوية، وتواصل تدهور الترسانة الإيرانية. بالنظر إلى كل هذا، الملاحظة هي كالتالي: الإيرانيون، على الرغم من انتكاساتهم العسكرية وخسائرهم الفادحة، لا يظهرون أي مرونة ورغبة في تقديم تنازلات استراتيجية. وبالتالي فإن النصر الأمريكي سيكون محدوداً على الصعيد العسكري، مع تحييد القدرة الإيرانية على الإضرار على المدى الطويل. في المقابل، وعلى الرغم من تأكيدات ترامب، لا يزال الحرس الثوري الإيراني صامدًا، مما يجعل اختراق المفاوضات مستبعدًا للغاية. وبالتالي تظل الاستنتاجات سابقة لأوانها بانتظار تطبيق أو عدم تطبيق الخيار البري الأمريكي.

الدولة والسلاح الغير شرعي في لبنان
بقلم
قاسم الصدّيق
نُشر

لم يعد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة في لبنان مجرد مسألة سيادية أو قانونية، بل أصبح اختبارًا فعليًا لقدرة الدولة نفسها على القيام بوظائفها الأساسية. فالإشكالية لم تعد في مبدأ احتكار الدولة للقوة، الذي يحظى بإجماع نظري واسع، بل في غياب القدرة والاستراتيجية الوطنية التي تجعل هذا الهدف قابلًا للتحقيق، في ظل غياب الروافع الداخلية، وتعقّد الارتباطات الإقليمية، إضافة إلى الهشاشة الاقتصادية والمؤسساتية غير المسبوقة. فغياب المسار، واستمرار سياسة المراوحة، وتأكل عامل الوقت، قد تتحول بحد ذاتها إلى أكبر تهديد لاستقرار لبنان ومستقبل دولته . لم يعد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة في لبنان مجرد نقاش سيادي تقليدي حول تطبيق الدستور أو تنفيذ القرار 1701، بل تحوّل إلى اختبار وجودي لقدرة الدولة نفسها على ممارسة وظائفها الأساسية. فالمعضلة اليوم لم تعد تتعلق بصوابية المبدأ، إذ يكاد يوجد إجماع نظري على أن احتكار الدولة للسلاح هو شرط قيامها، بل باتت تتعلق بالفجوة الهائلة بين القرار السياسي والقدرة الفعلية على تنفيذه من ضمن رؤية وطنية واستراتيجية مجتمعية جامعة. وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فالمسألة لم تعد مسألة إرادة سياسية فقط، بل أصبحت مسألة قدرة بنيوية. الدولة اللبنانية تعيش وضعا غير مسبوق من انعدام الروافع: لا تمتلك رافعة داخلية حاسمة ضد الحزب، ولا رافعة إقليمية داعمة، ولا رافعة دولية كافية تترجم تضامنًا سياسيًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا فعالا. هذه الوضعية لا تعني فقط ضعفًا ظرفيًا، بل تعني أن قرار حصر السلاح، لهما كان صحيحًا من حيث المبدأ، بات معلقًا داخل مثلث من العجز: عجز عن فرضه، وعجز عن التفاوض حوله من موقع قوة، وعجز عن تحمّل كلفة فشله. استعادة سيادة الدولة خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في استمرار السلاح خارج إطار الدولة، بل في أن الهوة بين القرار والقدرة أصبحت بحد ذاتها عامل عدم استقرار. فالحكومة (وضمناً العهد) التي تعلن هدفًا سياديًا استراتيجيًا دون أن تمتلك الأدوات الواقعية لتحقيقه، تدخل منطقة خطرة حيث تصبح مصداقيتها نفسها على المحك باعتبارها لاعباً رديفاً وليس أصيلاً. وهنا تحديدًا يبدأ التحدي الحقيقي: ليس فقط في كيفية معالجة السلاح، بل في كيفية إعادة مواءمة الطموح السيادي مع القدرة الواقعية من جهة وضمان الاستقرار المجتمعي الداخلي من جهة أخرى. لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى السياق الذي تبلورت فيه مسألة حصر السلاح في مرحلتها الحالية. فقد جاء طرح الملف نتيجة مسار تراكمي طويل بدأ منذ اتفاق الطائف، لكنه بقي معلقًا لعقود بفعل التوازنات التي نشأت بعد الحرب الأهلية. الجديد اليوم هو أنه خرج من دائرة الخطاب السياسي ودخل دائرة القرارات التنفيذية، خصوصًا بعد حرب الاسناد 2024 وما رافقها من ترتيبات أمنية أكثر إلزاما وافق عليها وهندسها حزب اللّٰه من خلال حليفه رئيس حركة أمل ورئيس البرلمان اللبناني، باعتباره اللاعب الأصيل، وليس الدولة أو الحكومة اللبنانية، في صيغة إعلان وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 26-27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وما رافقها من إعادة طرح مسألة تطبيق القرار 1701. لكن الانتقال إلى التنفيذ كشف سريعًا حدود القدرة. فعلى الرغم من عدم قدرة الدولة على بلورة هذا الاتفاق أصلاً، فإنّ النجاح النسبي الذي تحقق في تعزيز حضور الدولة جنوب الليطاني لم يكن نتيجة حسم سياسي داخلي بقدر ما كان نتيجة ظروف ميدانية فرضته نتائج حرب السناد وضغوطها. أما الانتقال إلى بقية الأراضي اللبنانية، فقد كشف التعقيدات البنيوية للنظام اللبناني، حيث تتداخل اعتبارات السيادة مع اعتبارات الاستقرار، وتتقاطع الحسابات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، مما جعل الدولة عرضةً لوصفها بعدم الجدّية في إتمام مندرجات الاتفاق. وعليه، بدا ملف حصر السلاح وكأنه دخل مرحلة يمكن وصفها ب"المراوحة أو التسويف الاستراتيجي" (على غرار المراوحات الأخرى في ملفات بنفس القدر من الحساسية والاهمية، ومنها: ملف الفجوة المالية، الملف المتعلق بجريمة انفجار مرفأ بيروت وغيرها): فلا الدولة قادرة على المضي قدمًا بشكل حاسم، ولا الحزب مستعد للتراجع، ولا المجتمع الدولي قادر على فرض تسوية، ولا البيئة الإقليمية تسمح بحل سريع ولا البنية الداخلية متوافقة على خيار. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة لم تعد تقنية أو أمنية، بل أصبحت تعبيرًا عن خلل أعمق في بنية التوازنات التي تحكم الدولة والمجتمع اللبناني برمّته. ضمن هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحول الأهم الذي طرأ على البيئة السياسية اللبنانية، وهو التراجع التدريجي للشرعية الوطنية الواسعة التي كان يتمتع بها مفهوم المقاومة. فمرحلة ماقبل العام 2000 ليس كما بعدها، إذ بدأت الركائز الثلاث التي استندت اليها شرعية المقاومة تتعرض للاهتزاز والتآكل تدريجيًا: تحرير الأرض، ردع إسرائيل، والعمل ضمن إطار وطني جامع. فأولا، تركز موقع الحزب وازداد حضوره وارتباطه العضوي الريعي في "بيئته الاجتماعية" على حساب الدولة من خلال وافر الرعاية التي وفرها - بالأصالة والوكالة - بدلاً عن الدولة الريعية آنذاك. وتعزز ذلك باستئثار التمثيل الشعبي وفرض مُقايضات داخلية تؤمن استمراريته واستمرارية دوره العقائدي والاجتماعي والسياسي، ولو على حساب حليفه ولكن ضمن معادلة صيغت بميزان الذهب. وثانياً، لم يتحول السلاح إلى جزء من استراتيجية دفاع وطنية متفق عليها، بل بقي خارج إطار المؤسسات، كجزء من بنية عسكرية بامتداد إقليمي، لا مجرد فاعل لبناني. تقادم مفهوم "المقاومة" وثالثاً، أدى الانخراط في النزاعات الإقليمية، خصوصًا في سوريا، إلى نقل صورة السلاح من أداة مقاومة ودفاع (كما كان يُروّج لها) إلى أداة ضمن نفوذ إقليمي أوسع. ورابعاً، جاءت الانهيارات الاقتصادية والحروب المتكررة لتضيف عاملًا جديدًا يتمثل في الكلفة الاجتماعية الباهظة التي باتت تتحملها شرائح واسعة من اللبنانيين نتيجة خيارات لم تشارك في اتخاذها. إلا أنّ هذا التحول لم يؤد إلى سقوط كامل لشرعية "المقاومة"، لكنه أدى إلى تحولها من شرعية وطنية جامعة إلى شرعية جزئية مرتبطة ببيئة سياسية واجتماعية محددة. وهنا يظهر التحدي الحقيقي والسؤال الأكثر حساسية في النقاش اللبناني اليوم: إذا كان نموذج المقاومة فقد جزءًا من - أو كامل - شرعيته، فهل الدولة قادرة فعلًا على ملء هذا الدور؟ هذا السؤال يعيد النقاش إلى نقطة جوهرية أدى طرحها المتكرر الى تسويف مضمونها، ولكنها تبقى حاضرة لا يمكن تجاهلها: المشكلة ليست فقط في السلاح، بل في غياب استراتيجية ومقومات دفاع وطنية بديلة تحظى بثقة اللبنانيين. فالدولة اللبنانية، رغم شرعيتها القانونية، لم تمتلك حتى الآن قدرات ردع تقليدية تسمح لها بمواجهة إعتداءات إسرائيل وخاصة أن البلدين مازالا في حالة هدنة وعُرضة لتعديات متكررة. وهذا ليس فقط سبب ضعف الموارد فقط، بل بسبب طبيعة العقيدة العسكرية التي تركز منذ الطائف على الاستقرار الداخلي أكثر من الردع الخارجي، وبسبب طبيعة الدعم الدولي الذي عزز دور الجيش كقوة استقرار لا كجيش مواجهة تقليدية. وهذا ما يجعل النقاش حول حصر السلاح ناقصًا إذا لم يُربط بمسألة بناء استراتيجية دفاع وطنية قابلة للتطبيق. في هذا السياق، يمكن فهم النقاش اللبناني الحالي عبر ثلاث مقاربات رئيسية. المقاربة الأولى هي (أ) المقاربة السيادية التي ترى أن المشكلة الأساسية هي ازدواجية السلطة، وأن الحل يبدأ بفرض احتكار الدولة للسلاح كما نصّ اتفاق الطائف وقرارات الشرعية الدولية. هذه المقاربة قوية من حيث المبدأ، وهي حاضرة في خطاب الرئاسة والحكومة اللبنانية، لكنها غالبًا ما تتجاهل ميزان القوى؛ (ب) المقاربة الثانية هي المقاربة الواقعية التي ترى أن أي حل يجب أن يمر عبر تدرّج وتفاهم وطني وبالتالي تسوية بأثمان سياسية (وهذا سبب تأخرها أو عدم وضعها على الطاولة)، وليس صدامًا مباشرًا، لأن البيئة اللبنانية الطائفية والهشاشة الاقتصادية والأمنية تجعل أي فرض قسري سريع محفوفًا بخطر المواجهة المسلحة والانفجار الداخلي. إلا أنها تبدو اسراتيجية مترنحة، فهى دائمة الحضور في النقاشات وغالباً ما تتحول إلى إدارة للأزمة بدل حلها. أما (ج) المقاربة الثالثة النقدية ترى أن توقيت طرح الملف مرتبط بالضغط الخارجي وتحديداً بتوازنات ما بعد الحرب والضغط الأميركي-الإسرائيلي أكثر من كونه نتاج توافق لبناني مكتمل، وهي تشكك في إمكان تنفيذه كاملًا بينما تواصل إسرائيل خروقاتها واحتلالها واستمرار ضرياتها من جهة، وتفرّد الحزب في قرار الحرب والسلم من ناحية أخرى، وتحذر من مخاطر فرضه دون شروط سياسية مناسبة. إلا أنها لا تُقدم حلاً بديلاً متكاملاً. في المحصلة، تعكس هذه المقاربات الثلاث اختلافًا اساسياً في تصور طبيعة الدولة المنشودة نفسها: هل لبنان دولة قادرة على استعادة احتكارها للسلاح ووظيفة الدفاع؟ أم نظام توازنات داخلية هشة يجب الحفاظ عليه أو تغييره داخليا من خلال الأدوات الدستورية؟ أم ساحة صراع إقليمي يجب تحييدها؟ غياب الإجابة الموحدة عن هذا السؤال، وربما عدم الثقة بالخيار الأول وفشل الخيار الثاني عقب ثورة 2019 وتعثر الطرح الثالث، هو ما جعل النقاش حول السلاح يتحول في كل مرة إلى نقاش حول طبيعة الدولة وكيفية هندستها أو استعادتها. إسناد دور سيادي للجيش هذا يقود إلى البعد الأكثر تعقيدًا، وهو البعد الإقليمي. فواقع الحال يظهر أن قرار السلاح في لبنان لم يكن يوماً قرارًا لبنانيًا صرفًا. فارتباط حزب اللّٰه بإيران، وارتباط ملف السلاح بترتيبات وقف النار مع إسرائيل، وتحول الملف عبر السنوات إلى جزء من التفاوض الأميركي-الإيراني، كلها عوامل جعلت هذا القرار يتجاوز الدولة اللبنانية (المفاوض الرديف الذي لا يملك خيوط اللعبة ويفتقد القدرة). هنا تظهر معضلة الدوران في حلقة مفرغة، إذ تصبح السيادة مسؤولية دون أدوات. فلبنان مطالب بتنفيذ قرار سيادي، بينما جزء كبير من شروط نجاحه يتحدد خارج حدوده. وما يزيد من حدّة التناقض حاليا هو الضغط الدولي على لبنان لاتخاذ خطوات داخلية، مقابل محدودية القدرة الدولية على فرض شروط الاستقرار الإقليمي اللازمة لنجاح هذه الخطوات. وهنا تجدر الاشارة الى انسداد الأفق الاقليمي أيضاً، إذ أن الرهان على فك الارتباط بين حزب اللّٰه وإيران وهما يتعرضان لضغوطات عسكرية وأمنية غير مسبوقة، غير مؤكد، بل لربما أصبح أبعد منالاً. ففي لحظات الحصار الوجودي، تميل الشبكات والأذرع الحليفة إلى التشبث بعضها ببعض بدل التفكك. إذ أنَ منطق "الضغط الأقصى" قد يفضي إلى نتيجتين متعاكستين: إما دفع الحزب إلى تراجع تكتيكي إذا شعر بأن بيئته الاستراتيجية تتهاوى، سعياً للحفاظ على ما تبقى من امتيازات وتجنّب تحميل بيئته أثمان داخلية أكبر، وإما أن يدفعه إلى مزيد من التصلب لأنه يرى في السلاح آخر ضمانة لبقائه السياسي والتنظيمي وبالتالي ضماناً لبيئته أيضاً، وورقة تفاض إضافية للوكيل الأصيل. وهنا يصبح السلاح أكثر من كونه مجرد أداة عسكرية، لاعتباره آلية نجاة سياسية ونفسية وتنظيمية. هذا يُضفي هشاشة على هشاشة المقاربة اللبنانية الرسمية، إذ تُطالب الدولة بخفض النفوذ الإقليمي للحزب في اللحظة ذاتها التي يشعر فيها الحزب بأن هذا النفوذ هو ما يحول دون إخضاعه الكامل. استعادة احتكار السلاح في صلب هذه المعضلة يقف واقع الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة التي يُطلب منها احتكار السلاح هي نفسها دولة تعاني من هشاشة مالية غير مسبوقة، وضعف مؤسساتي، وانقسام سياسي، وضغط اجتماعي ناتج عن النزوح، وقيود أمنية كبيرة. فالاقتصاد لم يتعاف بعد، المؤسسات لم تستعد ثقة المواطنين، والقدرة على إدارة الأزمات ما زالت محدودة. بالاضافة الى الضغط الاقتصادي والمالي والاجتماعي والأمني غير المسبوق، يتصاعد خطر التوتر وانعدام الثقة بين النازحين والمجتمعات المضيفة. فالنزوح الواسع من الجنوب، مع اقتراب الأعداد من 800 ألف وما فوق، لا يمثل مجرد أزمة إنسانية، بل ضغطًا مباشرًا على التوازنات المحلية، والخدمات، والإيجارات، والموارد البلدية، وشبكات التضامن الهشة أصلًا. إذ تشير التقارير إلى أنّ استمرار النزوح وتكراره، مع غياب الدعم الكافي، يفتح الباب سريعًا أمام التوتر وتسييس الاستضافة. وقد بدأنا نتلمّس كيف يمكن لهذا الاحتكاك أن يتحول، في بلد منقسم سياسيًا وطائفيًا، من ضغط اجتماعي إلى وقود لتوتّر أهلي كامن، خصوصًا عندما يُربط النازحون بخيارات عسكرية لم تقررها المجتمعات المضيفة. آثار الانقسامات السابقة أما الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يكون الأداة التنفيذية لهذا القرار، فيتصرف بحذر شديد. فالجيش اللبناني نجح نسبيًا في جنوب الليطاني، ضمن قواعد أرساها الحزب ومن خلفه راعيه الاقليمي رغم الخسائر المدوية التي منيا بها، وأعلن في كانون الثاني/يناير 2026 أنه أمسك بالمنطقة عملياتيا، لكن الانتقال إلى شمال الليطاني أثبت أنه يختلف جوهريًا لأنه يمس لبّ التوازنات الداخلية. هذا الحذر لا يعكس فقط محدودية القدرات العسكرية، بل يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي صدام داخلي واسع قد يهدد تماسك المؤسسة نفسها، مستحضرًا ذاكرة انقسامات سابقة خلال الحرب الأهلية. ولذلك، فإن ما يُفسر أحيانًا كسلبية هو في الواقع استراتيجية بقاء مؤسسي وتعبير عن إدراك أن أي خطوة غير محسوبة قد تضرب آخر مؤسسة وطنية ما زالت تحتفظ بقدر من التماسك. ويزداد هذا الحذر مع هشاشة الدولة المالية والقضائية والأمنية. فحتى لو افترضنا وجود قرار سياسي موحّد، فإن تنفيذه يتطلب أجهزة قادرة على الانتشار، والضبط، والتحقيق، والمصادرة، والتفكيك، والمراقبة، والحماية المجتمعية، إضافة إلى قدرة قضائية وإدارية يمكنها إدارة التداعيات. تعاني الدولة من هامش مناورة ضيق للغاية إلا أنّ واقع الحال يُشير إلى المؤسسات على اختلافها "مُنهكة"، نتيجة الانهيار المالي والاقتصادي منذ 2019 وتسعى جاهدةً للحفاظ على الحد الأدنى من الأداء عبر ترتيبات ترقيعية لتأمين دفع الرواتب والخدمات الأساسية ودعم خارجي غير كافٍ. إلى جانب ذلك، تُعاني الدولة، حكومة ورئاسة، من ضعف موقعها الإقليمي والدولي. فلا تملك أوراق ضغط، ولا تحالفات حاسمة، ولا ضمانات أمنية، باعتبارها الطرف الثالث الغير أصيل في الصراع وبالتالي في المفاوضات. فحتى عندما تُطالب الدولة بوقف كامل لإطلاق النار كمدخل لأي تفاوض، تُظهر محدودية تأثيرها وعجزها عن امتلاك ما يكفي من أوراق الضغط لجعل هذا الشرط مُلزمًا لأي طرف؛ فهي لا تستطيع ردع إسرائيل، ولا الضغط على حزب الله. وقد أظهرت المعطيات الأخيرة أن فرنسا نفسها اعتبرت أنه من غير المعقول مطالبة لبنان بنزع سلاح حزب اللّٰه بينما يتعرض للقصف من قبل إسرائيل، وللتسويف من قبل الحزب في آن. وهذا يعني ضمنًا أن بعض العواصم الغربية باتت تُقرّ بالفجوة بين التوقعات المفروضة على الدولة اللبنانية وبين واقع قدرتها الفعلية. لكن الاعتراف بهذه الفجوة لا يعني بالضرورة ترجمتها إلى حماية سياسية للبنان؛ بل قد يتحول إلى مجرد توصيف لعجز مؤكّد. وهكذا يجد لبنان نفسه أمام معادلة قاسية: مطالب باتخاذ قرارات سيادية كبيرة من دون وزن تفاوضي يسمح له بفرض إيقاعه أو أولوياته، ومن دون قدرة فعلية على لجم خيارات الحزب وإيقاعاته التي أصبحت أكثر التصاقاً بالمسار الاقليمي من أي وقت مضى. وفي جميع الأحوال، فإنه لا يمتلك الأدوات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لتنفيذ هذه القرارات أو حصر تداعياتها. في المُحصلة، تعيش الدولة اللبنانية وضعًا غير مسبوق من انعدام الروافع - الداخلية منها والخارجية. فهي تواجه توحّشاً واحتلالاً مستمراً، وضغوطًا إقليمية متصاعدةً، وهامشًا دوليًا ضيقًا، وانهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا متواصلا، وهشاشةً أمنية متزايدةً. ولهذا، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم قد لا يكون في السلاح نفسه، بل في استمرار الغياب شبه الكامل لرؤية واستراتيجية وطنية واقعية تحدد من أين يبدأ المسار، وما هي مراحله لوقف العدوان وتسليم السلاح، وما هي كلفة كل منهما، ومن يتحملها، وما هي الضمانات التي تمنع توسع العدوان أو انفجار السلاح وسقوط ما تبقى من دولة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاستمرار في سياسة المراوحة وتضييع الوقت وغياب المسار - التأجيل يصبح نفسه أخطر من القرار.

تصريحات متضاربة حول «النظام الجديد» في إيران, الذي ذكره ترامب

مرة أخرى، يواجه الرأي العام وسكان المشرق، والشرق الأوسط بشكل عام، سلسلة من التصريحات والتسريبات المتناقضة التي تتسرب إلى وسائل الإعلام، بشأن تطور الحرب التي اندلعت في 28 فبراير في المنطقة. أكد الرئيس دونالد ترامب يوم الأربعاء 1 er أبريل وجود «نظام جديد» في طهران، مشيرًا إلى أن «رئيس هذه السلطة الجديدة طلب منا للتو وقف إطلاق النار». وصرح الرئيس ترامب: «سنتخذ قرارًا بشأن جدوى وقف إطلاق النار هذا عندما يُعاد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية الحرة. وإلا، سنستمر في قصف البنى التحتية لإعادة إيران إلى العصر الحجري». لكن التصريحات المتفائلة لزعيم البيت الأبيض بشأن الموقف الإيجابي لـ «رئيس النظام الإيراني الجديد» الذي ظهر في إيران «والذي يتبين أنه أكثر ذكاءً من أسلافه» قد تم نفيها من قبل المصادر الرسمية في طهران. فقد نفى بيان نُسب إلى وزارة الخارجية الإيرانية بشكل قاطع أي طلب لوقف إطلاق النار قُدم للرئيس ترامب. من جانبه، أكد نائب رئيس البرلمان الإيراني أن «مضيق هرمز سيبقى مغلقًا، ولا توجد مفاوضات تجري بهذا الشأن». هذه المواقف المتناقضة تثير عدة تساؤلات: هل يعرض الرئيس ترامب تفاؤلاً محسوبًا لتحميل النظام الإيراني مسؤولية تصعيد قادم في العمليات العسكرية، قد يتخذ شكل إنزال أو عمليات كوماندوز محددة وموجهة بدقة؟ هل يوجد حقًا «نظام جديد أكثر عقلانية» ظهر في طهران؟ هل السلطة الحاكمة في طهران مهتزة بجدية بسبب انقسام عميق بين جناح براغماتي وتيار راديكالي يمثله الحرس الثوري؟ وحدها الحقائق الملموسة والتطورات على مستوى العمليات العسكرية ستقدم أجزاء من الإجابات على هذه التساؤلات. يبقى أن بعض المعطيات بعيدة عن تأكيد فرضية ظهور «نظام جديد في طهران»، كما يظهر من القمع الوحشي الذي يستهدف المعارضين الإيرانيين والإعدامات المستمرة دون هوادة للسجناء السياسيين. بالإضافة إلى ذلك، تم نقل تعزيزات أمريكية جديدة إلى المنطقة، ولا سيما عدة آلاف من مشاة البحرية والمظليين، مما يشير إلى أن المناخ العام على مستوى صناع القرار الحقيقيين في إيران لا يزال حربيًا إلى حد كبير. العمليات العسكرية على أي حال، استمرت الغارات والقصف (من قبل الوحدات البحرية) وإطلاق الصواريخ يوم الأربعاء على نطاق واسع. استأنف الطيران الأمريكي والإسرائيلي غاراته المكثفة على مناطق طهران وأصفهان، مستهدفًا البنى التحتية الاستراتيجية والعسكرية والصناعية. وفي وقت متأخر من بعد ظهر الأربعاء، تحدثت تقارير، غير مؤكدة، حتى عن دخول قاذفات B-52 الأمريكية الثقيلة حيز العمل. ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء، استهدف هجوم إسرائيلي كبير، من البحر، قافلة سيارات في ضاحية الجناح، وهي منطقة نادراً ما تستهدفها الغارات عادةً. كانت حصيلة هذه الضربة ثقيلة بشكل خاص، حيث بلغ عدد القتلى ما لا يقل عن سبعة والجرحى أكثر من 25 وفقًا لأحدث حصيلة لوزارة الصحة. لم تُعلَن هوية الشخص المستهدف إلا في منتصف النهار من قبل الجيش الإسرائيلي، موضحًا أنه يوسف هاشم، وهو قيادي بارز في حزب الله، ومسؤول عن الجبهة الجنوبية وإطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار باتجاه شمال إسرائيل. لم يؤكد حزب الله المعلومات إلا بعد عدة ساعات. لعب هذا المقاتل المخضرم، الذي يمتلك أربعين عامًا من النشاط الميليشياوي في صفوف حزب الله، دورًا أساسيًا في إعادة هيكلة الجناح المسلح للحزب، بعد انهيار عام 2024. كما أعلن حزب الله عن مقتل قيادي آخر من كوادره، محمد باقر النابلسي، في نفس الضربة. ومن المحتمل أن يكون هذا هو «المقاتل الآخر رفيع المستوى» في الميليشيا الموالية لإيران، الذي أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتله في نفس القافلة. الاغتيال الآخر اليوم (فيما يتعلق بلبنان)، الذي أعلنه الجيش الإسرائيلي على حسابه في X يوم الأربعاء، هو اغتيال «مهدي وفائي، رئيس الفرع الهندسي في فيلق القدس اللبناني في منطقة محلات، إيران». «نفذ وفائي مشاريع تحت الأرض (الأنفاق) في لبنان وسوريا، وقاد الجهود الرامية إلى إنشاء وإدارة مواقع البنية التحتية الإرهابية تحت الأرض لحزب الله ونظام الأسد»، حيث سقط النظام السابق في دمشق في ديسمبر 2024، وفقًا لبيان إسرائيلي. ادعى الجيش الإسرائيلي ضربة أخرى جنوب بيروت، في بلدة خلدة، عند الفجر، أدت إلى مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين. كما استهدف حي الحدث في الضاحية الجنوبية للعاصمة بضربات قوية فجر الأربعاء. في غضون ذلك، في جنوب لبنان، لا تزال المعارك مستعرة والتقدمات الإسرائيلية مستمرة، بينما يواصل الجيش الإسرائيلي ووزير الدفاع، إسرائيل كاتس، تهديد لبنان باحتلال أوسع نطاقًا. على الأرض، القرى الوحيدة التي لم يتم إخلاؤها بالكامل بعد، والتي هي مسيحية بشكل رئيسي، أصبحت أكثر من أي وقت مضى عرضة للحرب بعد «إعادة انتشار» الجيش اللبناني، الذي تعرض للانتقاد لتراجعه أمام التقدم الإسرائيلي ولتخليه عن السكان الذين يقاومون في قراهم. ردًا على هذه الانتقادات يوم الأربعاء، أوضح الجيش اللبناني أن إعادة تموضعه تهدف إلى تجنب أي تطويق وعزل لخطوط إمداده، مؤكدًا أنه يحافظ على الدوريات في القرى المعنية. إجراء قد يطمئن السكان الذين يعيشون في قلق متزايد، معزولين عن العالم الخارجي. بيان أوروبي حول اليونيفيل من ناحية أخرى، لا يزال استهداف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) يثير موجات على مستوى الدول الأوروبية، التي تساهم بقوات حفظ السلام. أدان بيان من الاتحاد الأوروبي «بشدة الهجمات الأخيرة ضد وحدات اليونيفيل، التي أسفرت بشكل غير مبرر عن سقوط ضحايا في صفوف جنود حفظ السلام». ويدعو البيان إلى الهدوء، ويعرب عن تضامنه مع لبنان ويحمل حزب الله مسؤولية هذه الحرب الجديدة. من جانبها، زارت الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش والمحاربين القدامى أليس روفو لبنان «للتعبير عن تضامنها ودعمها لسيادة لبنان». كما شهدت على «تضامن فرنسا مع الجنود الإندونيسيين من اليونيفيل، الذين فقدوا ثلاثة منهم خلال هجمات وقعت في 29 و 30 مارس 2026». لم يُذكر هوية المهاجم، الجيش الإسرائيلي. من خامنئي إلى قاسم وفي هذا المناخ المتوتر على الجبهتين اللبنانية والإيرانية، يؤكد بيان نُسب إلى المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، الغائب عن الأنظار منذ بداية النزاع، دعم الجمهورية الإسلامية لحزب الله وأمينه العام، نعيم قاسم، الذي هو بدوره غائب عن الأنظار مثل الأول حيث فضل إلقاء خطابيه الأخيرين كتابةً. في خضم التقدم الإسرائيلي في جنوب لبنان، وعلى خلفية حصيلة تزيد عن 1300 قتيل منذ بداية هذا الصراع المفتوح للانتقام لمقتل والده – حسب تعبيرات حزب الله – هنأ مجتبى خامنئي حزب قاسم على عمله، مؤكدًا له الدعم الإيراني المستمر وطالبه بمواصلة إحباط الخطط الإسرائيلية. انخرط حلفاء آخرون لإيران، وهم الحوثيون في اليمن، بشكل متزايد في الحرب، وأعلنوا يوم الأربعاء عن إطلاق صواريخ بالتنسيق مع إيران وحزب الله، ضد إسرائيل. ووفقًا لخدمات الإسعاف الإسرائيلية، سقط 14 جريحًا يوم الأربعاء في منطقة تل أبيب. تم تسجيل تطور خطير في العراق، يتعلق بحليف إيراني آخر، وهو حزب الله العراقي: اختطفت الصحفية الأمريكية، شيلي كيتلسون، من قبل هذه المجموعة في بغداد، وهو ما أكدته وزارة الخارجية الأمريكية، على لسان ديلان جونستون، نائب وزير الخارجية، على حسابه في X. في إيران على مستوى الجبهة الإيرانية، تستمر الضربات الإسرائيلية-الأمريكية، حيث استهدفت في الساعات الأخيرة عدة مواقع لإنتاج الصلب. هزت انفجارات قوية طهران ليلاً، وتبين أن أحدها استهدف محيط المقر السابق للسفارة الأمريكية في العاصمة الإيرانية. مكان ذو رمزية عالية للأمريكيين والإيرانيين: ففيه حدثت أزمة الرهائن عام 1979، غداة الثورة الإيرانية. السفارة، التي لم تفتح أبوابها أبدًا، تحولت إلى متحف للثورة. قبل يومين، أقسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه «سينتقم لكل ما فعله الحرس الثوري بالمارينز والمواطنين الأمريكيين على مدى 47 عامًا». وفي هذا السياق، تتدهور العلاقات أكثر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، الذين يرفضون دائمًا الدخول في حرب «ليست حربهم»، كما كرر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم الأربعاء. وفقًا لتصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية، صرح دونالد ترامب بغضب قائلاً: «إذا أرادت فرنسا أو أي دولة أخرى الحصول على نفطها أو غازها، فلتشتريه من الولايات المتحدة أو لتذهب مباشرة إلى مضيق هرمز (...) للحصول عليه». من جانبها، دعا الاتحاد الأوروبي إيران إلى «ضمان حرية الملاحة» في المضيق، في وقت تتحدث فيه طهران عن فرض رسوم مرور على السفن.

حيواتٌ صامتة في مهبّ الحرب
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر

تحملُ كلُّ حربٍ معها نصيباً من المتروكين لمصيرهم. لكن ثمة فئة لا يجري الحديث عنها إلا نادراً، أو بأسلوبٍ قاصر: الحيوانات. ففي لبنان، حيث بات التخلي ظاهرةً مستشرية، تأتي الحرب لتفاقم وضعاً هشاً أصلاً جراء سنوات من الأزمة الاقتصادية. وهكذا، تضافُ إلى المحنة الإنسانية معاناةٌ صامتة وغير مرئية، نادراً ما تجدُ لها مكاناً في السردية الجماعية. تُسلطُ هذه الظاهرة الضوء أيضاً على تصدُّعٍ أكثر عمقاً. ذلك أنَّ التخلي عن حيوانٍ في زمن الحرب ليس دائماً فعلَ قسوةٍ متعمدة، بل هو أحياناً نتاجُ انهيارٍ شامل. فحين يفتقدُ الإنسانُ كل شيء ــ من غذاءٍ ودواءٍ ومأوى ــ تُفرضُ هرمية الأولويات نفسها بوحشية، ويتحول الحيوانُ في ذهنية البعض إلى عبءٍ إضافي. فالحيوانُ، بالنسبة للكثيرين، يبقى تفصيلاً ثانوياً؛ رفيقاً يُقتنى أحياناً بنزوةٍ عابرة، كغرضٍ يُملُّ منه. وحين تفرضُ حالة الطوارئُ الهروب، يسلكُ البعضُ طريق النزوح مخلّفين وراءهم كائناتٍ باتت، فجأةً، بلا قيمة. كلابٌ وقطط، وطيورٌ وحيواناتٌ نادرة، تجدُ نفسها متروكةً لمصيرها، بلا دفاع، في بيئاتٍ أضحت معادية. هذا الواقع لا يأتي من فراغ، بل يندرجُ في سياقٍ تبقى فيه حماية الحيوان – وإن كانت مؤطرةً نظرياً بالتشريعات – قاصرةً إلى حدٍ بعيد. ففي ظل غياب الإرادة السياسية والإمكانات، تتناسلُ الانتهاكات: من الاتجار بالحيوانات البرية، والتعنيف، ومجازر الطيور المهاجرة، وصولاً إلى الصيد بالديناميت. إنها سلسلةٌ من العنف الممنهج الذي بات أمراً عادياً ويُهمّشُ باستمرار، وكأنَّ هذه الممارسات أقل خطورة لأنها لا تطالُ الإنسان مباشرةً. في حين أنَّ هذه السلسلة تحديداً هي التي تضمنُ التوازن الذي تتوقف عليه نجاة الإنسان نفسه. عمليات إنقاذ معقدة في هذا المشهد المأزوم، يدفعُ الأكثرُ ضعفاً الثمنَ الأفدح. فالجمعيات التي نخرتها الأزمة المالية، تستميتُ اليوم للحفاظ على الحد الأدنى من نشاطها. وعلى غرار «بيتا» (BETA) و«أنيمالز ليبانون» (Animals Lebanon)، ومعهما جنودٌ مجهولون من متطوعين ومجموعات مدنية، تستمر هذه الهيئات في عملها بما تبقى لها من موارد شحيحة. وغالباً ما يتخذُ التزامها طابع مهام الإغاثة الطارئة: تدخُّلٌ تحت الأنقاض، واستجابةٌ لنداءات الاستغاثة، ومخاطرةٌ بالأرواح لإنقاذ حيوانٍ عالقٍ، أو جريحٍ، أو منسيٍّ وسط الركام. إلا أنَّ العوائق لا تتوقف عن التراكم؛ إذ تزدادُ عمليات الإنقاذ تعقيداً في ظل انعدام الأمن. أما التبني في الخارج، الذي شكّلَ طويلاً طوق نجاة، فقد بات ترفاً بعيد المنال؛ فتكاليف الشحن قفزت إلى مستويات جنونية، خصوصاً منذ أن باتت شركة طيران الشرق الأوسط الوحيدة التي تخرق عزلة مطار رفيق الحريري الدولي، ما جعل عمليات النقل شبه مستحيلة. يضافُ إلى ذلك الإنهاكٌ الذي ضرب الجميع من متطوعين إلى متبرعين استنزفتهم الأزمات، في ظل منظومة إغاثية باتت تعملُ بنفَسها الأخير. ثمة واقعٌ آخر، أكثر تبايناً، غالباً ما يلفّه الصمت؛ وهو واقعُ الذين يرفضون التخلي. عائلاتٌ نازحة تتكدسُ في شققٍ مكتظة، تجمع أحياناً أجيالاً عدة تحت سقفٍ واحد، وتكافحُ رغم كل شيء لإبقاء حيواناتها إلى جانبها. غير أنَّ هذه المساكنة القسرية لا تخلو من التوترات؛ فبين ضيق المساحة والخوف، والتحفظات المرتبطة أحياناً بمعتقداتٍ دينية ــ لاسيما تجاه الكلاب ــ يتحولُ وجودُ الحيوان إلى فتيلٍ إضافي للاحتكاك في يومياتٍ مثقلةٍ أصلاً بالأزمات. صحيحٌ أنَّ بعض الصور المتداولة تبدو مطمئنة للوهلة الأولى: قطةٌ داخل قفصٍ تحت خيمةٍ مرتجلة، أو كلبٌ يغفو ملتصقاً بصاحبه على فراشٍ فوق الأرض؛ وهي صورٌ تشهدُ على ارتباطٍ حقيقي ورفضٍ قاطع للتخلي مهما كان الثمن. لكنَّ هذه المشاهد، على شدة تأثيرها، يجب ألا تحجبَ ضخامة الكارثة؛ فمقابل كل حيوانٍ نجا أو حُظي بالحماية، كم من الكائنات تُرِكت على قوارع الطرق، هائمةً، جائعةً، ومحكوماً عليها بالبقاء في مهبّ الإهمال والعدم؟ إنَّ التخلي عن الحيوانات في زمن الحرب ليس مجرد ضرر جانبي عابر؛ بل هو يكشف، في جوهره، عن طبيعة علاقتنا بالكائنات الحية، وبمفهوم المسؤولية، وبما نختاره كثوابت ــ أو غير ذلك ــ حين يترنح كل شيء. ولعلَّ الأهم يكمن هنا: في تلك القدرة، حتى في قلب الفوضى، على عدم التخلي تماماً عما يربطنا بسائر العالم الحي. فبين إيطاليا التي تمنح إجازة مدفوعة الأجر لرعاية حيوان جريح أو مريض، وإسبانيا التي سنّت قانوناً يعترف بالحيوانات الأليفة كـ «كائنات حية تتمتع بالحساسية» لا مجرد أغراض أو ممتلكات ــ أي كأفراد من العائلة ــ وفرنسا التي يُفترض بها ريادة هذا المضمار بينما تروّج لحملات إعلانية تشجّع على الصيد، يتبين أنَّ الفجوة لا تزال شاسعة، ومع ذلك يبقى بإمكان لبنان أن يعتزّ بتلك الخطوات الصغيرة التي ينجزها في هذا المسار.

حين يصبح النصر ضجيجاً
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تقتصر المواجهات على الميدان العسكري فقط، بل تمتد إلى ميدان آخر لا يقل أهمية: ميدان الرواية. وفي الحالة اللبنانية الراهنة، يبرز سلوك حزب الله في تكثيف تهديداته الداخلية وإغراق الفضاء الإعلامي بسيل من البيانات التي تصل أحيانًا إلى عشرات يوميًا بوصفه ظاهرة تستحق القراءة المتأنية، بعيدًا عن الانفعال، لفهم دوافعها وأهدافها وانعكاساتها. أول ما يلفت في هذا السلوك هو الكمّ غير المسبوق من البيانات التي تتحدث عن "عمليات نوعية" و"بطولات ميدانية" في الجنوب. هذا الإيقاع المرتفع لا يمكن تفسيره فقط بوقائع عسكرية صرفة، بل يدخل في إطار ما يُعرف بـ"إدارة المعنويات". فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا بالصورة والخبر والانطباع. وعندما يشعر أي طرف أن موقعه تحت الضغط سواء عسكريًا أو سياسيًا يلجأ إلى تضخيم إنجازاته للحفاظ على تماسك بيئته الحاضنة ومنع تسلل الشك إليها. أولًا: شدّ العصب الداخلي يواجه حزب الله اليوم تحديات داخلية غير مسبوقة. بيئته الاجتماعية تعاني من تداعيات اقتصادية قاسية، ومن آثار مباشرة للحرب على مناطق نفوذه، سواء في الجنوب أو الضاحية أو البقاع. في مثل هذا السياق، يصبح رفع منسوب الخطاب التعبوي ضرورة للحفاظ على الالتفاف الشعبي. كثافة البيانات ليست مجرد نقل معلومات، بل رسالة مستمرة إلى الجمهور تقول: "نحن أقوياء، نحن نمسك بزمام المبادرة، والتضحيات لها معنى". هذا النمط من الخطاب يهدف إلى منع تآكل الشرعية الداخلية، خصوصًا مع تزايد الأسئلة داخل البيئة نفسها حول كلفة المواجهة وجدواها. فحين ترتفع الخسائر أو تتسع دائرة الأذى، يصبح من الضروري إنتاج سردية موازية تبرر وتُعيد تأطير الواقع. ثانيًا: التعويض عن فجوة الواقع في كثير من الحالات، كلما زاد التضخيم الإعلامي، دلّ ذلك على وجود فجوة بين الخطاب والواقع. ليس بالضرورة أن تكون كل البيانات غير صحيحة، لكن الإغراق في التفاصيل اليومية والبطولات المتكررة قد يكون محاولة لملء فراغ أو لتغطية محدودية التأثير الفعلي على مجريات الصراع. هنا يدخل العامل النفسي بقوة: تكرار "الانتصارات" يصنع إحساسًا تراكميًا بالقوة، حتى لو كانت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا. هذا الأسلوب معروف في أدبيات الحروب، حيث يُستخدم الإشباع الإعلامي لإغراق المتلقي ومنعه من التدقيق أو المقارنة. ثالثًا: الردع عبر الضجيج إحدى وظائف هذا التصعيد الخطابي هي بناء ردع نفسي، ليس فقط تجاه العدو الخارجي، بل أيضًا تجاه الداخل اللبناني. عندما يُكثّف الحزب تهديداته ويُظهر نفسه كقوة دائمة الحضور والاستعداد، فهو يبعث برسالة مزدوجة: للخصوم في الخارج بأنه لا يزال قادرًا على المبادرة، ولخصومه في الداخل بأن أي محاولة لمواجهته سياسيًا أو شعبيًا ستكون مكلفة. هذا ما يفسر أحيانًا لهجة البيانات الداخلية التي تتجاوز توصيف المعارك إلى التهديد المباشر أو غير المباشر. إنها محاولة لرسم خطوط حمراء داخلية، في مرحلة يشعر فيها الحزب أن موقعه لم يعد محصنًا كما في السابق. رابعًا: إدارة التناقضات السياسية حزب الله ليس مجرد تنظيم عسكري، بل لاعب سياسي أساسي في لبنان. وهو يواجه اليوم معادلة صعبة: من جهة، يريد الحفاظ على دوره "المقاوم"، ومن جهة أخرى، يواجه ضغطًا متزايدًا داخليًا وخارجيًا لحصر السلاح بيد الدولة. وبالتحديد بعد اعتباره خارجا عن القانون. في هذا السياق، يصبح التصعيد الإعلامي أداة لتأجيل النقاش الحقيقي. فبدل الدخول في مواجهة سياسية مباشرة حول سلاحه ودوره، يُعيد الحزب توجيه الاهتمام نحو "المعركة الكبرى" في الجنوب من جهة، وتكثيف هاجس الخوف من النظام السوري الجديد. كثافة البيانات تساعد في تغيير جدول الأعمال العام، بحيث تبقى الأولوية للحرب لا للنقاش الداخلي. خامسًا: التأثير على الرأي العام العربي والدولي لا يقتصر جمهور هذه البيانات على الداخل اللبناني. هناك بعد إقليمي ودولي واضح. الحزب يسعى إلى تثبيت صورة أنه لا يزال لاعبًا مؤثرًا في الصراع مع إسرائيل، رغم كل التحولات. عبر تضخيم عملياته، يحاول استعادة موقعه في الوعي العربي كقوة مواجهة، في وقت تراجعت فيه هذه الصورة لدى جزء من الرأي العام. كما أن هذا الخطاب يهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد ضده، عبر الإيحاء بقدرته على توسيع دائرة المواجهة. حتى لو لم يتحقق ذلك فعليًا، يكفي أن يبقى احتمالًا حاضرًا في حسابات الآخرين. سادسًا: منطق التعبئة المستمرة منذ تأسيسه، يعتمد حزب الله على نموذج "التعبئة الدائمة". أي أن حالة الطوارئ ليست ظرفًا استثنائيًا بل حالة شبه مستمرة. في هذا النموذج، يصبح الإنتاج الإعلامي المكثف جزءًا من البنية التنظيمية، لا مجرد رد فعل ظرفي. لكن المشكلة أن هذا النمط، عندما يُستخدم بكثافة مفرطة، يفقد تدريجيًا مصداقيته. فالإفراط في الادعاء قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: بدل تعزيز الثقة، يزرع الشك، خصوصًا لدى جمهور أوسع خارج البيئة الحزبية. سابعًا: المخاطر المترتبة هذا التصعيد الخطابي لا يخلو من مخاطر جدية: تآكل المصداقية عندما لا تتطابق الرواية مع ما يراه الناس أو يسمعونه من مصادر أخرى. رفع منسوب التوتر الداخلي إذ التهديدات المتكررة قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام والاحتقان. تقييد هامش المناورة السياسية لأنه كلما ارتفع سقف الخطاب يصبح التراجع أكثر صعوبة. تعريض لبنان لمخاطر إضافية لأن الخطاب المتشدد قد يُستخدم ذريعة لتصعيد مقابل. ثامنًا: ماذا يعني ذلك للبنان؟ لبنان اليوم في لحظة دقيقة، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع التوتر الأمني والانقسام السياسي. في مثل هذا السياق، يحتاج البلد إلى خطاب يخفف الاحتقان لا يزيده، وإلى شفافية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. لكن ما نشهده هو العكس: فائض في الخطاب، ونقص في الثقة. وهذا ما يجعل من سلوك حزب الله الإعلامي جزءًا من الأزمة، لا مجرد انعكاس لها. الواضح أن تكثيف التهديدات وإغراق الساحة بالبيانات ليسا ظاهرة عشوائية، بل يعكسان استراتيجية قائمة على إدارة المعنويات، شدّ العصب، وبناء ردع نفسي في ظل تحديات داخلية وخارجية متزايدة. لكن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها على المدى القصير داخل بيئة محددة، تحمل في طياتها مخاطر جدية على المدى المتوسط والبعيد، سواء على الحزب نفسه أو على لبنان ككل. في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن قوة أي طرف لا تُقاس فقط بما يقوله، بل بمدى تطابق قوله مع الواقع. وفي زمن تتعدد فيه مصادر المعلومات، يصبح الحفاظ على المصداقية هو التحدي الأكبر والاختبار الأصعب.

الوصية المقلقة لغصيبة كيروز، الذراع اليمنى لنيكولاس كلوترز اليسوعي (3/3)

أعاد عيد القديس يوسف (19 آذار)، شفيع الجامعة التي تحمل اسمه، إلى ذاكرة رئيسها الجديد الأب فرانسوا بويديك اليسوعي، ذكرى ألبان دي جيرفانيون، أول شهيدٍ يسوعي في الحرب المتمادية التي اندلعت في لبنان عام 1975، والتي فُتح في مطلع آذار الجاري فصلٌ جديد منها، نرجو أن يكون الأخير. فبعد الأب دي جيرفانيون، سقط خمسة شهداء آخرين من الرهبنة في هذه الحرب. وتحيةً لذكراهم، ومع صدور سيرةٍ جديدة مخصصةٍ لإحدى أكثر تلك الشخصيات قداسة، الكاهن الهولندي نيكولاس كلوترز الذي بدأت دعوى تطويبه، نعرض هنا هذا المؤلَّف الذي يتضمن تفاصيل غير مسبوقة حول دوافع قتلته. ونستخلص، في الوقت عينه، المعنى الشامل لبذل الذات التي قدّمه للبنان، لكي يبقى وطننا نموذجاً لـ « الحرية والتعددية » للشرق والغرب معاً، في اللحظة التي تهدد فيها أمّةٌ مُعسكرة ببتر جزءٍ أساسي من أرضه يحمل ذكرى مرور المسيح. جاءت تقدِمةُ المحبة التي بذلها نيكولاس كلوترز اليسوعي متماهيةً، على نحوٍ لافت، مع تلك التي قدّمها صديقه الشاب الإكليريكي غصيبة كيروز، ابن قرية نبحا المجاورة. كان غصيبة يصغر كلوترز بعشر سنوات، وقد أبدى مواهب استثنائية في التعليم المسيحي، مما دفع بنيكولاس إلى احتضانه ومواكبة مسيرته نحو الكهنوت. في زمن ميلاد عام 1975، قُتل غصيبة بينما كان في طريقه إلى منزله لقضاء الأعياد مع والدته وشقيقته. وفي الليلة التي سبقت رحيله، وبناءً على حدسٍ غامض، كتب غصيبة وصيّةً تركها على مكتبه في غرفته بمدرسة سيدة الجمهور؛ وصيّةٌ خطّها لشعوره باحتمال اختطافه وقتله، معلناً فيها سلفاً الصفح عن قاتليه. طافت هذه الرسالة الرفيعة أرجاء العالم، وإليك فحواها: «باسم الآب والابن والروح القدس: «عندما بدأتُ كتابة هذه الوصية، خُيّل إليَّ أنَّ شخصاً آخر هو من يتحدث بلساني. فالجميع في هذه الأيام، لبنانيين ومقيمين في لبنان، في خطر. وبما أنني واحدٌ منهم، أرى نفسي مختطفاً ومقتولاً على الطريق المؤدية إلى قريتي نبحا. وإذا ما صدق هذا الحدس، فإنني أترك كلمةً لعائلتي وأهل قريتي ووطني. أقول لأمي وأخواتي بكل يقين: لا تحزنَّ، أو على الأقل، لا تبكينَ ولا تندبنَ بنواحٍ مفرط؛ فهذا الغياب، مهما طال، يبقى قصيراً: سنلتقي، حتماً، سنلتقي في ديار السماء الأبدية؛ هناك يكمن الفرح، وتكمن الغصة إن افترقنا. لكن لا تخفنَ، فرحمة الله ستجمعنا معاً من جديد. «لي طلبٌ واحدٌ لديكم: اصفحوا من كل قلوبكم عن الذين قتلوني؛ واطلبوا معي أن يكون دمي، وإن كان دم خاطئ، فديةً عن خطيئة لبنان؛ وأن يمتزج بدماء جميع الضحايا الذين سقطوا، من كل المشارب والطوائف، قُرباناً لسلامٍ ومحبةٍ ووفاقٍ غابوا عن هذا الوطن، بل عن العالم أجمع. عسى أن يُعلّم موتي البشرَ معنى المحبة؛ وليعزِّكم الله، ويرعاكم، ويعنكم في هذه الحياة: لا تخافوا، فأنا لستُ نادماً البتة على فراق هذا العالم. إنما ما يحزُّ في نفسي هو حزنكم أنتم. صلّوا، صلّوا، صلّوا، وأحبّوا أعداءكم. «ولوطني أقول: "قد يختلف أهلُ البيت الواحد، لكنهم لا يتكارهون؛ قد يغضبون من بعضهم البعض، لكن دون أن يستحيلوا خصوماً؛ قد يتنازعون، لكن دون أن يتقاتلوا. تذكروا أيام الوفاق والمحبة، واطووا أيام الغضب والشقاق. معاً أكلنا وشربنا وعملنا، ومعاً رفعنا صلاتنا إلى الإله الواحد، ومعاً علينا أن نموت. كان والدي شريكاً لرجلٍ متاوليّ (شيعي) كنتُ أناديه "العم حسين"؛ وكم كنتُ أحبُّ مناداته هكذا؛ بقيا شريكين طوال خمسٍ وسبعين سنة، من دون أن ينقضا عهداً أو يدخلا في حسابات. تذكروا جيداً: كثيراً ما يعجز المرء عن استدانة مئة ليرة من شقيقه، بينما يكفيه أن يقصد أحداً من أبناء القرية، أكان متاولياً أم مارونياً، سنياً أم درزياً، حتى يفكَّ ضيقه. الكلُّ يعلم ذلك، لكن الخطيئة هي التي تُعمينا. على كلٍّ منا أن يعود إلى الصلاة بحسب معتقده وضميره، لعلَّ الله يزيل الغضب، وتستحيلُ مخططات كبار هذا العالم هباءً منثوراً فوق تراب هذا الوطن، الذي ليس ملزماً بأن يسدّد من دمه ثمن ألاعيبهم..." «في السماء، لن أعرف الراحة ما دام هذا الوضع قائماً في لبنان! «اجعلوا من جنازتي يوم سيامة، لا يوم دفنٍ أو حزن. «أما مراسم دفني، فليحتفل الأب بطرس بالقداس، بلا حشدٍ من الكهنة ولا نعيٍ رسمي. وإن استطاع أبو خليل أن يصنع تابوتي من بضعة صناديق خشبية عتيقة، فسأكون في غاية الامتنان. لا تقيموا مأدبة عزاء. وليسامحني الناس... بلا إطلاق رصاص؛ فأنا في النهاية تراب، لكن قوة الله ستجعلني شريكاً في الحياة الإلهية. هكذا ينبغي أن تكون الأمور. «سيتحدث الناس كثيراً، لكن لا تعيروا كلامهم أهمية. لو كان في قلوبهم ذرة من رحمة، لما تقاتلوا، ولما سمحوا للذئاب بأن تكون أفضل منا... يا لشدة ضلالهم!» زيتونةٌ سُقيت بالدماء تجرّع نيكولاس مرارة الموت العنيف الذي غيّب غصيبة كيروز، وكان حينها في أوروبا لفترة وجيزة. لقد كان موت غصيبة استشرافاً لموته هو، ولموت خمسة يسوعيين آخرين سقطوا في ميادين رسالتهم في لبنان. ووفقاً لـ كريستيان توتل، قيّم أرشيف جامعة القديس يوسف ومدير قسم التاريخ فيها، حصدت الحرب الأهلية أيضاً حياة الأب لويس دوماس، الذي كان يحيي قداس الصباح والذي أرداه قناصٌ في 25 تشرين الأول 1975؛ والأب ميشال ألّار، الذي قضىفي 15 كانون الثاني 1976 إثر سقوط قذيفة دمّرت غرفته؛ والأب ألبان دو جرفانيون، الذي اختُطف واغتيل في آذار 1976 بينما كان يرافق زائراً إلى المطار؛ والأب فينيغان، اليسوعي الأميركي، الذي أصابته قذيفة في 26 شباط 1984 وهو في طريقه من المقر اليسوعي في الأشرفية إلى مستشفى "أوتيل ديو دو فرانس" لإحياء القداس. كان الأب فينيغان يأنس بالبقاء إلى جانب المرضى؛ وحتى تحت وطأة القصف، كان يصرُّ على زيارة الجرحى في غرفهم ومواساتهم في آلامهم. كما خطفت الحرب حياة الأب أندريه ماس، مدير حرم جامعة القديس يوسف في صيدا، الذي قتله شخصان في 24 أيلول 1987 بعدما اقتحما مكتبه المفتوح للجميع. والأب جوزيف نصار اليسوعي، الذي وجد جثمان أندريه غارقاً في دمائه، غسل الأرض عقب تقديم الإسعافات الأولية، وسقى بمزيج الماء والدم شجرة زيتون كان قد زرعها. من دون أن يسعى لمواجهة الدكتاتورية السورية أو الفكر الإسلامي الأحادي، وفي زمنٍ كانت فيه إسرائيل تحتلُّ جزءاً من لبنان، واصل الأب كلوترز، رسول يسوع والتنمية والتنوع، تنقله بحرية في البقاع، غير آبهٍ بأمنه الشخصي؛ رافضاً الانكفاء في برقا أو أي عزلةٍ من شأنها أن تشوّه رسالة المسيح وتحصرها في فئوية ضيقة. لم يكن في خدمة مسيحيي لبنان فحسب، بل في خدمة «عيشهم المشترك». هذا الموقف جعله في مرمى الاتهام كجاسوس لسمير جعجع، وأدى إلى تصفيته وتغييبه عن أرضٍ لم يكن يُراد لها أن تبقى «نموذجاً للحرية والتعددية للشرق والغرب»، بل أن تتحول إلى عالمٍ من القمع، وسجنٍ للفكر، ومثالٍ للتعصب. جعل استشهادُ نيكولاس منه بطلاً لـ«الكنوزيس» (إخلاء الذات)، وهو المفهوم الذي تناوله الرئيس الإقليمي لليسوعيين، الأب داني يونس، خلال حفل تكريم الأب أندريه ماس الذي سقط بعد عامين. واقتباساً من كلمات المسيح: «ليس أحدٌ يأخذ حياتي مني، بل أنا أضعها من ذاتي»، أكد داني يونس أن «الأب أندريه ماس تخلّى عن حياته لخدمة بلدٍ في حالة حرب». وأضاف: «أندريه لم يأتِ ليموت في لبنان؛ نعم، خياره كلفه حياته، لكن هذا الخيار يمثل قيمة جوهرية في الرهبانية اليسوعية كما في جامعة القديس يوسف. فالتعليم هو دائماً نوعٌ من التحرر، ومهمة سلام في قلب مجتمعٍ تنهشه الحرب. إن إحياء ذكرى أندريه ماس اليوم يدفعنا إلى تغذية الشغف ذاته الذي كان يسكنه، الشغف بالإنسانية الذي يندد ببنى الاستبداد». كلا، لا أندريه ماس، ولا نيكولاس كلوترز، ولا أيٌّ من شهداء الرهبانية اليسوعية الذين سقطوا بفعل الحرب، «جاءوا ليموتوا في لبنان». بل العكس هو الصحيح تماماً؛ لقد جاءوا ليبثّوا الحياة. جاءوا لكي يكون للبنانيين، جميع اللبنانيين، دون تمييزٍ بين أديانهم، «حياةٌ وتكون لهم بوفرة». ولا بدَّ من قول ذلك بإصرار، في وقتٍ تهدد فيه أمةٌ محاربة ببتر جزءٍ من لبنان، جزءٍ قدّسه مرورُ المسيح، وهو أغلى عليه من الوادي المقدس، والأرز، وقلعة البحر، وهياكل بعلبك وقصر بيت الدين مجتمعةً. اقرأ في الموضوع نفسه: – «مات كي يحيا لبنان»، التضحية القصوى للأب نيكولاس كلوترز اليسوعي – استشهاد الأب نيكولاس كلوترز في لبنان: مواجهة الشّر