شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
"مات كي يحيا لبنان"، التضحية القصوى للاب نيكولاس كلوترزاليسوعي (1/3)

أعاد عيد مار يوسف (19 مارس)، شفيع الجامعة التي تحمل اسمه، إلى ذاكرة رئيسها الجديد، فرنسوا بويدك اليسوعي، ذكرى ألبان دو جيرفانيون، أول شهيد يسوعي في الحرب التي لا تنتهي والتي اندلعت عام 1975 في لبنان، والتي افتُتحت حلقة جديدة منها، نأمل أن تكون الأخيرة، في بداية مارس. وقد سقط خمسة شهداء آخرين في هذه الحرب بعد الأب دو جيرفانيون. تكريمًا له، ومع صدور سيرة ذاتية جديدة مخصصة لإحدى أقدس شخصياتهم، وهي سيرة الكاهن الهولندي نيكولاس كلوتيرز، الذي تُجرى حاليًا عملية تطويبه، نقدم هنا هذا العمل الذي يتضمن تفاصيل غير مسبوقة حول دوافع الذين قتلوا الأب نيكولاس. ونستخلص في نفس المناسبة المعنى العام للتضحية التي قدمها للبنان، لكي يبقى وطننا نموذجًا لـ «الحرية والتعددية» للشرق والغرب، في الوقت الذي تهدد فيه أمة عسكرية بقطع جزء أساسي من أراضيه التي تحمل ذكرى مرور المسيح. يُحتفى بلبنان كأرض قداسة، ولكنه للأسف أيضًا بلد يُقتل فيه الكهنة. استذكر رئيس جامعة القديس يوسف الجديد، الأب فرنسوا بويدك، هذا العام (2026) في الخطاب السنوي حول وضع الجامعة ومستقبلها، شخصية أحد أوائل «شهداء» اليسوعيين في الحرب الأهلية: الأب ألبان دو جيرفانيون، الذي قُتل بوحشية على يد مجموعة من المسلحين في 14 مارس 1976، عند مفترق كنيسة مار مخايل، بينما كان متوجهًا إلى المطار لإنزال مسافر. تفتح كلمات الرئيس الجديد الطريق لاستذكار خمسة يسوعيين آخرين «ماتوا ليحيا لبنان»، ولا سيما الكاهن الهولندي نيكولاس كلوتيرز، الذي تُجرى حاليًا عملية تطويبه. وقد خصصت الكاتبة الروائية والصحافية كارول داغر سيرة ذاتية موثقة لهذا الكاهن النموذج (شغف لأرض مهجورة، ليسيوس). ملحق لهذا العمل، فن المصالحة في لبنان ممزق، صدر للتو، عن منشورات دار المشرق. وهو من تأليف فرانسيس بيركيميجير اليسوعي، وهو مواطن ومعاصر للكاهن المقتول. يقدم هذا العمل الجديد تفاصيل حول ظروف آلام وموت من يعتبر «فنان المصالحة» عنفًا؛ رجل نجح، بفضل العمل، واللباقة، ونكران الذات، والمثابرة، في تطوير برقا، وهي قرية مارونية منسية في البقاع، لدرجة أن سكانها لم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى مغادرتها. فأكبر إنجاز للأب نيكولاس كلوتيرز هو بلا شك تحقيق المصالحة بين عائلتين من برقا كانتا لا تتحدثان مع بعضهما البعض. التفاصيل حول نهايته العنيفة، التي كُشفت لأول مرة في هذا الكتاب، تشهد على موت شجاع ومقدس في سن الـ 45 لرجل الله، بعد معاناة لا توصف؛ كما تكشف أيضًا إلى أي مدى يمكن أن يصل قصر النظر والتهكم والقسوة في دكتاتورية الأسد السورية، التي لا تزال أجهزة استخباراتها متورطة في وفاته. المسيحيون، التحدي الحقيقي «معجزة دعوتي في برقا هي أنني استطعت أن أرى كيف أصبح القرويون الذين كانوا يتقاتلون فيما بينهم رجالاً يعملون معًا»، كتب نيكولاس في يومياته. «في برقا، لا يوجد منزل لا توجد فيه صورة للأب نيكولاس»، يؤكد مؤلف السيرة الجديدة، مسؤول أرشيف الشركة. ويضيف: «أعتقد أن مصالحة عائلات برقا هي أعظم معجزاته». «بالنسبة لنيكولاس، لم تكن التوترات بين المسيحيين والمسلمين هي التحدي الأكبر. التحدي الحقيقي كان بالأساس الثأرات بين العشائر المسيحية، حيث كانت الأمور غالبًا ما تصل إلى نزاعات دموية، وحيث لم يعد أفراد العائلات الذين يعيشون في نفس القرية يرغبون في التواصل مع بعضهم البعض»، يوضح كاتب السيرة. كانت هذه الخلافات تندلع بشكل خاص عند حدوث زيجات «بالخطف» ( خطفة )، يوضح الأب بيركيميجير. وفي دلالة محتملة على تطور العقليات نحو حرية اختيار الأزواج، كان جيل الكبار يقابل هذه الزيجات بصلابة سلوكية مطلقة أدت إلى قطيعة تامة بين العائلات، وأحيانًا إلى أعمال انتقامية. يقال إن ثني قضيب من الحديد باليد أسهل من تغيير القلوب. هذا التغيير كان المعجزة التي تحققت في برقا بفضل الأب نيكولاس. أحد وسائله كان ببساطة التواصل الشخصي. لقد حقق نتائج رائعة مع مجموعة من الفلسطينيين الذين كانوا يعرقلون بناء كنيسة صغيرة مخصصة لمار شربل، بالقرب من المراعي الجبلية التي كان رعاة الماعز من برقا يذهبون إليها في الصيف. انتهى المطاف بالفلسطينيين بمساعدة صب السقف. منطقة «مهجورة» وصل الأب نيكولاس إلى لبنان عام 1966، ومارس رسالته في الجزء الشمالي من سهل البقاع الأوسط، وهي منطقة زراعية بشكل رئيسي، ورغم غنى تربتها، إلا أنها ظلت فقيرة ومهملة. تعين على الوافد الجديد مواجهة الفقر الروحي والثقافي والمادي لبيئته الريفية. في برقا، حيث تركزت خدمته الرعوية، عاش عشيرتان من نفس العائلة المارونية دون أن يتحدثا مع بعضهما البعض، كانا يتوجهان إلى قداس الأحد، في كنيستين منفصلتين، تقعان في طرفي القرية. في هذه البيئة القبلية، كانت شريعة الثأر لا تزال سارية، والخطأ لا «يغسل» إلا بالدم. إلى هذا المجتمع المسيحي القاسي خصص الأب نيكولاس معظم طاقته، حيث عاش عدة سنوات بلا منزل، مشاركًا سكان القرية حياتهم، يأكل وينام عندهم. كشخص هولندي أصيل ومستقيم الطبع، كان عليه أن يعتاد على «الغموض اللبناني». لم تكن برقا هي همه الوحيد. فقد كان يتنقل كثيرًا في المنطقة، يقدم التعليم المسيحي، والأمسيات الإنجيلية، والمعموديات، ودورات الإعداد للمناولة الأولى، والقداديس. حول أرخبيل القرى المارونية المنتشرة عند سفوح جبل لبنان (الجانب الشرقي)، كانت جميع القرى شيعية أو «مختلطة». تُرِكوا لمصيرهم، وُضِعوا في وضع أقلية، وتعرضوا لتوترات الحرب ومخاطر النزوح خارج منطقتهم، ولم يفكر جميع السكان إلا في الهجرة. سرعان ما أدرك نيكولاس أن الخيار واضح: إما منح السكان وسائل البقاء، أو الرضوخ لرحيلهم. ولكن في رأيه، لم يكن هناك خيار: فقد انغمس بكل جوارحه في تطوير القرية. تحقيقًا لذلك، حصل حتى على دبلوم مساعد اجتماعي من المدرسة اللبنانية للتدريب الاجتماعي، التي أصبحت اليوم تابعة لجامعة القديس يوسف. بناء طريق وشبكة أنابيب في غضون بضع سنوات، نجح، بالتعاون النشط من السكان، في بناء طريق يؤدي إلى الأراضي الزراعية فوق القرية؛ وهناك، قام ببناء قنوات خرسانية لري أشجار الفاكهة - بديلاً عن زراعة الحشيش. كما نجح في بناء مدرسة تكميلية في وسط القرية، مما قرب بين قسميها المتنازعين، وحصل على قدوم راهبات من راهبات القلبين الأقدسين ليتولين إدارتها. في نفس الموقع، بفضل وسام مالطا، افتُتح مستوصف. وتمكن أخيرًا من إنشاء ورشة خياطة بالتعاون مع مصنع في بيروت كان يؤمن المواد الخام، مما أوجد فرص عمل لنساء القرية. حب الناس من أجل محبة الله لا يأتي من تلقاء نفسه. بالنسبة للعالم، لا وجود للإيثار. أما بالنسبة للمسيحي، فالإيثار هو الفضيلة الوحيدة التي تسمح بتجاوز الجحود الذي قد يُقابَل به العمل أحيانًا. لم تُفصل مكونات قداسة العمل الاجتماعي للأب نيكولاس بوضوح كافٍ لتُقدم كنموذج. يمكن القول إنها تشمل أولاً الاحترافية في أداء المهام. لم يكن التنمية المستدامة تحمل أي أسرار لنيكولاس كلوتيرز. لكنه كان رجلاً منهجيًا «يكره الارتجال»، كما يقول الأب بيركيميجير. كما شملت روح الشراكة بين عائلات برقا أو بين العائلات ورجال الدين. وأخيرًا، شملت عدم التمييز المطلق بين المستفيدين من المشاريع المنجزة. استفادت جميع القرى المحيطة ببرقا من مستوصفه. وشملت أخيرًا محبة الفقر، وأخوة الفقراء. «من أفواه الفقراء»، كما يقول يومياته، كان الرب يتحدث إليه مباشرة أكثر. المقالة القادمة: استشهاد نيكولاس كلوتيرز اليسوعي في لبنان، في مواجهة الشر (2/3)

الحالَةُ الفِلَسْطِينِيَّةُ..  عَرَبُ الداخِلِ

جَدَّتِي وُلِدَتْ جَدَّتِي عائِشَةُ فِي العَقْدِ الأَخِيرِ مِنَ القَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ، فِي وَقْتِ وِلادَةِ الحَرَكَةِ الصَّهْيُونِيَّةِ العالَمِيَّةِ. وَأَنْجَبَتْ جَدَّتِي ابنَها الأَوَّلَ والثانِيَ قَبْلَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأُولى وخِلالَها، وبَعْدَها أَنْجَبَتْ ابنَتُها وآخِرَ ذُكُورِها. قَبْلَ نَكْسَةِ حَرْبِ حُزَيْرانَ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ، كانَتْ مَشْغُولَةً فِي “سَرايا صَيْدا” طَيلَةَ الوَقْتِ، وهِيَ سَعِيدَةٌ لأَنَّها حَصَلَتْ عَلَى تَصْرِيحٍ مِنَ الصَّلِيبِ الأَحْمَرِ الدَوْلِيِّ يَسْمَحُ لَها بِرُؤْيَةِ ابنِها البِكْرِ تَوْفِيق، الإِسْرائِيلِيِّ الَّذِي لَمْ يُغادِرْ مَدِينَتَهُ عَكّا. كانَ تَصْرِيحُ الصَّلِيبِ الأَحْمَرِ لا يَكْفِي لإِنْجازِ هٰذا الحَدَثِ الاسْتِثْنائِيِّ فِي حَياتِها. لَوْلا حُصُولُها عَلَى طَلَبِ زِيارَتِهِ مِن ابنَتِها مَرْيَمَ الأُرْدُنِيَّةِ المُقِيمَةِ فِي نابُلُسَ فِي الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ لِلمَمْلَكَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الهاشِمِيَّةِ. وهٰذا التَّصريحُ أَي (طَلَبُ الزِيارَةِ العائِلِيَّةِ) لا يَنْفَعُ عِنْدَ الأَمْنِ العامِّ اللُبْنانِيِّ لِوَحْدِهِ مِن دُونِ إِذْنِ مُرُورٍ خاصٍّ حَصَلَتْ عَلَيْهِ جَدَّتِي مِن ابنِها اللاجِئِ إِلَى دِمَشْقَ حَيْثُ وَجَدَ العَمَلَ والمَأْوَى واسْتَقَرَّ هُناك. هٰكَذا عِنْدَما اسْتَلَمَتْ جَدَّتِي عائِشَةُ وهِيَ فِي عِقْدِها السابِعِ آخِرَ تَصْرِيحٍ، قالَتْ: “لا بُدَّ مِنَ الاحتِفالِ”. وحَزَمَتْ أَغْراضَها فِي شَنْطَتِها الصَّغيرَةِ لِهٰذِهِ الرِّحْلَةِ مِن صَيْدا إِلَى دِمَشْقَ وعَمّانَ ونابُلُسَ لِلوُصولِ قَبْلَ مَوْعِدِ المُقابَلَةِ. فِي مَوْعِدِ المُقابَلَةِ، ذَهَبَتْ جَدَّتِي وابنَتُها مَرْيَمُ ومَن اسْتَطاعَ مِنَ العائِلَةِ فِي سَفَرٍ لَيْسَ طَوِيلاً ومِن دُونِ تَصْرِيحٍ هٰذِهِ المَرَّةَ مِن نابُلُسَ إِلَى القُدْسِ الشَرْقِيَّةِ، لِتُصَلِّيَ أَوَّلاً فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى، وتَذْهَبَ مَعَ العائِلَةِ إِلَى الشَّرِيطِ الشائِكِ فِي غَرْبِ المَدِينَةِ حَتَّى تَلْتَقِيَ ابنَها وعائِلَتَهُ مِنَ الصَّباحِ إِلَى الظَّهِيرَةِ لٰكِنْ مِن دُونِ تَجاوُزِ الحاجِزِ الفاصِلِ. وفِي نِهايَةِ يَوْمِ المُقابَلَةِ سَتَعُودُ جَدَّتِي مِن غَيْرِ عَجَلَةٍ إِلَى نابُلُسَ، وكَذٰلِكَ لا بُدَّ لَها أَن تَقْضِيَ يَوْمَيْنِ فِي عَمّانَ مَعَ أَبْناءِ عَمَّتِي لِتَرَى أَحْفادَها، وتَقْضِيَ أَيَّاماً أُخْرَى فِي دِمَشْقَ حَيْثُ يَسْتَقِرُّ هُناكَ أَكْثَرِيَّةُ أَفْرادِ عائِلَتِها قَبْلَ أَن تَعُودَ إِلَى صَيْدا، مُسْتَقَرِّ ابنِها الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي بَيْرُوتَ فِي مَصْنَعٍ لِلوَرَقِ فِي كُورْنيشِ النَّهْرِ الَّذِي صارَ بَيْرُوتَ الشَّرْقِيَّةَ، حَيْثُ ماتَ عِنْدَما سَقَطَتْ قَذِيفَةٌ عَلَى المَصْنَعِ واحْتَرَقَ الوَرَقُ وغادَرَ الحَياةَ. لٰكِنَّ جَدَّتِي لَمْ تَحْزَنْ عَلَيْهِ، لأَنَّها سَبَقَتْهُ فِي وَداعِ رِحْلَةِ الشَّقاءِ وهِيَ عَلَى فِراشِها، مِن دُونِ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ. عَرَبُ الدَّاخِلِ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الفِلَسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا لأَسْبابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن مُدُنِهِم وقُراهُم، وقَدْ أَصْبَحَتْ إِسْرائِيلِيَّةً لَحْظَةَ إِعْلانِ الاسْتِقْلالِ فِي 15/5/1948، وهِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي نُسَمِّيها “النَّكْبَةُ”. أَمَّا الخَطُّ الفاصِلُ الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ جَدَّتِي فيُسَمَّى الخَطَّ الأَخْضَرَ، ولا أَدْرِي لِماذا سُمِّيَ بِالأَخْضَرِ. لِذا يُطْلَقُ عَلَى أَمْثالِ عَمِّي تَوْفِيقٍ عَرَبُ الداخِلِ، أَوِ العَرَبُ خَلْفَ الخَطِّ الأَخْضَرِ، بَيْنَما حُكُومَةُ دافيد بِنْ غُورْيون سَمَّتْهُم “عَرَبُ إِسْرائِيلَ” فِي الوَقْتِ الَّذِي نادَتْهُم إِذاعَةُ “صَوْتِ العَرَبِ” وإِذاعَةُ “دِمَشْقَ” “عَرَبُ الأَرْضِ المُحْتَلَّةِ”. ثُمَّ أَعادَتْ تَسْمِيَتَهُم حُكُوماتُ إِسْرائِيلَ وِفْقَ هُوِيَّاتِهِم الدِّينِيَّةِ أَو العِرْقِيَّةِ، أَي “دُرُوزُ إِسْرائِيلَ”، “بَدْوُ إِسْرائِيلَ”، “مُسْلِمُونَ”، “مَسِيحِيُّو إِسْرائِيلَ”، “شَرَاكِسَةُ إِسْرائِيلَ”؛ أَو “الأَقَلِّيَّاتُ فِي إِسْرائِيلَ”. ثَمَّةَ مُشْتَرَكٌ واحِدٌ بَيْنَ التَّسْمِياتِ جَمِيعِها، هُوَ تَغْيِيبُ ونَفْيُ هُوِيَّتِهِم الفِلَسْطِينِيَّةِ. إِنَّهُمُ الشَّعْبُ الأَصْلانِيُّ الَّذِي لَمْ يُغادِرْ أَرْضَهُ لَحْظَةً واحِدَةً، بَلْ أَجْبَرَتْهُ حُكُومَةُ بِن غُورْيون عَلَى النُّزُوحِ الداخِلِيِّ عِنْدَما حَطَّتْ رِحالَها حَرْبُ فِلَسْطِينَ واسْتَقَرَّ حالُ إِسْرائِيلَ بَعْدَ تَوْقِيعِ اتِّفاقاتِ الهُدْنَةِ مَعَ “دُوَلِ الطَّوْقِ”. عِنْدَها اكْتَشَفَتِ الحُكُومَةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ أَنَّ فِي دَوْلَتِها الحَدِيثَةِ والدِيمُقْراطِيَّةِ نَحْوَ 156 أَلْفَ إِنْسانٍ مِن سُكَّانِ البِلادِ الأَصْلِيِّينَ. كانَ الجَيْشُ الإِسْرائِيلِيُّ عِنْدَما يَحْتَلُّ المُدُنَ الكُبْرَى يُهَجِّرُ قاطِنِيها بِالقُوَّةِ النارِيَّةِ، مِثْلَ مَدِينَةِ يافا حَيْثُ غادَرَها نَحْوُ 71 أَلْفَ نَسَمَةٍ، وبَعْدَ ذٰلِكَ تَمَّ تَجْمِيعُ ما يُقارِبُ 400 شَخْصٍ فِي حَيِّ العَجَمِيِّ. أَمَّا فِي حَيْفا فَجَرَى تَهْجِيرُ 75 أَلْفٍ بَرَّاً وبَحْراً. وتَمَّ تَجْمِيعُ نَحْوِ 3200 مِنَ الباقِينَ فِي “حَيِّ وادِي النِّسْناسِ”. هٰكَذا دَوالَيْكَ فِي المُدُنِ والبَلَداتِ والقُرَى. الأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ رَئِيسَ الوُزَراءِ يُصْدِرُ تَعْلِيماتِهِ القاضِيَةَ باعتِبارِ الباقِينَ مِنَ الفِلَسْطِينِيِّينَ طابُوراً خامِساً يُشَكِّلُ خَطَراً أَمْنِيَّاً عَلَى الدَّوْلَةِ الناشِئَةِ، وقُنْبُلَةً دِيمُغْرافِيَّةً يَجِبُ السَّيْطَرَةُ عَلَيْها. لِذا أَمَرَتِ الحُكُومَةُ بِوَضْعِ كُلِّ هَؤُلاءِ تَحْتَ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ بِتَصَرُّفِ جَيْشِ الدِّفاعِ بِمُوجِبِ قَوانِينِ الطَّوارِئِ البِرِيطانِيَّةِ لِسَنَةِ 1946. وفِي هٰذا المَجالِ، يُطْلِعُنا الدُّكتورُ يِئِير بُويمِل بِمُحاضَرَةٍ بِعُنْوانِ “دَوافِعُ فَرْضِ سِياسَةِ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ وقِسْرِيَّاتُها” أَنَّ السُّلُطاتِ الإِسْرائِيلِيَّةَ [انْتَهَجَتْ فِي العَقْدِ الأَوَّلِ مِنَ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ سِياسَةَ الترانسفير لِلمُواطِنِينَ العَرَبِ، والَّتِي بَلَغَتْ أَوْجَها فِي مَذْبَحَةِ كَفْرِ قاسِم فِي 29/10/1956… أَمَّا فِي العَقْدِ الثانِي فَقَد تَغَيَّرَتْ سِياسَةُ الدَّوْلَةِ العِبْرِيَّةِ بَعْدَما اتَّضَحَ أَنَّ الترانسفير لَمْ يَعُدْ أَمْراً واقِعِيَّاً ومُمْكِناً… حَيْثُ بُوشِرَ فِي مُحاصَرَةِ المُواطِنِينَ العَرَبِ وإِقْصائِهِم… باعتِبارِهِم خَطَراً عَلَى أَمْنِ الدَّوْلَةِ] 1 . وتابَعَ يَقولُ إِنَّ رَئِيسَ الوُزَراءِ الإِسْرائِيلِيَّ الأَوَّلَ [أَمَرَ بِكِتابَةِ التَّقْوِيمِ العِبْرِيِّ فِي بِطاقاتِ المُواطِنِينَ اليَهُودِ فَقَطْ مِن أَجْلِ تَشْخِيصِ المُواطِنِينَ العَرَبِ…] 2 [كَما حَصَلَ إِخْراجُ العَرَبِ مِن دائِرَةِ التَّخْطِيطِ لِلمَشارِيعِ المُخْتَلِفَةِ لِشُؤُونِ حَياتِهِم وضَمانُ عَدَمِ تَطَوُّرِ رَأْسِ مالٍ عَرَبِيٍّ.] 3 ومَنَعَ مُحاوَلَةَ رَئِيسِ مَجْلِسِ كَفْرِ ياسِيف “يَنِي يَنِي” لإِقامَةِ [رابِطَةٍ لِرُؤَساءِ السُّلُطاتِ المَحَلِّيَّةِ العَرَبِيَّةِ فِي بِدايَةِ السِّتِّينِيَّاتِ] 4 تَجْنِيدُ الدُّرُوزِ عانَتِ الطائِفَةُ الدُّرْزِيَّةُ فِي فِلَسْطِينَ وَضْعاً اقتِصادِيَّاً سَيِّئاً وسادَ الفَقْرُ الشَّدِيدُ بَعْدَ إِعْلانِ دَوْلَةِ إِسْرائِيلَ، ومارَسَتِ الحُكُومَةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ ضَغْطاً مُتَواصِلاً مِن أَجْلِ إِجْبارِ الطائِفَةِ عَلَى التَّعامُلِ مَعَها، كَبَوَّابَةٍ لِلتَّعامُلِ مَعَ إِخْوانِهِمُ الدُّرُوزِ فِي سُورْيا ولُبْنانَ. ومِن أَجْلِ كَشْفِ سِياساتِ الحُكُومَةِ الإِسْرائِيلِيَّةِ عَمِلَ البروفسور قَيْسُ فِرَّو عَلَى أَوراقِ الأَرْشِيفِ الإِسْرائِيلِيِّ وأَنتَجَ أَوراقاً بَحثِيَّةً نُشِرَتْ أَيْضاً فِي يَوْمِ الدِّراسَةِ والحِوارِ الَّذِي شارَكَ فِيهِ دُكتور يِئِير بُويمِل فِي الناصِرَةِ، وكَتَبَ [أَنَّ وَزِيرَ الدِّفاعِ مُوشِيه دايان اسْتَدْعَى زُعَماءَ الدُّرُوزِ عامَ 1954، فِي بَلَدَةِ نِيشِر ودَعاهُم لِلخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ بِوَصْفِها فُرْصَةَ عَمَلٍ لِلخُرُوجِ مِن أَزْمَتِهِمِ الاقتِصادِيَّةِ.] 5 وشَمَلَتِ الدَّعوَةُ أَيْضاً الطائِفَةَ الشَّرْكَسِيَّةَ. ومِن أَجْلِ عَدَمِ اخْتِلاطِهِم بِالجَيْشِ الإِسْرائِيلِيِّ تَمَّ تَشْكِيلُ “وَحْدَةِ الأَقَلِّيَّاتِ”، الَّتِي لَمْ يَتَجاوَزْ عَدَدُها المِئاتِ. ولِلمُفارَقَةِ فإِنَّ “وَحْدَةَ الأَقَلِّيَّاتِ” كانَتْ تَتْبَعُ وِزارَةَ الخارِجِيَّةِ ولَيْسَ وِزارَةَ الدِّفاعِ. وفِي هٰذا السِّياقِ، اعتَبَرَ البروفسور قَيْسُ أَنَّها وَحْدَةٌ لِلأَغراضِ الدُّعائِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ مِن أَجْلِ انتِزاعِ الطائِفَةِ مِن حاضِنَتِها وعُرُوبَتِها وهُوِيَّتِها الفِلَسْطِينِيَّةِ، عَبْرَ إِخْضاعِها ومَنْعِها مِنَ العَوْدَةِ إِلَى الوَراءِ. فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، جَرَتْ مَلاحَقَةُ “حَرَكَةِ الأَرْضِ” وهِيَ حَرَكَةٌ سِياسِيَّةٌ قَوْمِيَّةٌ حَتَّى تَمَّ القَضاءُ عَلَيْها، وكَذٰلِكَ التَّضْيِيقُ عَلَى الطاقاتِ والكَوادِرِ الإِعْلامِيَّةِ والصَّحافِيَّةِ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ فِي نَشاطِها الفَرْدِيِّ بَعْدَ النَّكَبَةِ. هٰكَذا تَطَوَّرَتْ سِياساتُ الاحتِواءِ والتَّفْتِيتِ والإِخْضاعِ القَسْرِيِّ. نِهايَةُ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ مارَسَتِ الحُكُوماتُ الإِسْرائِيلِيَّةُ سِياسَةَ الإِقْصاءِ الكامِلِ لِلأَقَلِّيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ عَن أَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ ومُؤَسَّساتِها، عَلَى الرَّغْمِ مِن مَنْحِهِمُ الجِنْسِيَّةَ الإِسْرائِيلِيَّةَ، إِلَّا أَنَّهُم لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن خَدَماتِ الدَّوْلَةِ، باعتِبارِهِم يَتْبَعُونَ جِهازَيِ الشُّرْطَةِ والمُخابَراتِ. ومِن أَجْلِ مَنْعِ تَشَكُّلِهِم كَجَماعَةٍ قَوْمِيَّةٍ أَصْلانِيَّةٍ لَها حُقُوقٌ، جَرَى شَرْذَمَتُهُم وتَشْتِيتُهُم وتَغْذِيَةُ الهُوِيَّاتِ الفَرْعِيَّةِ وإِثارَةُ النَّعَراتِ بَيْنَ المُكَوِّناتِ الدِّينِيَّةِ والطائِفِيَّةِ والعَشائِرِيَّةِ والعائِلِيَّةِ، مِن أَجْلِ تَحْطِيمِ الثِّقَةِ فِيما بَيْنَهُم. وفُرِضَتْ عَلَيْهِم قُيُودُ التَّنَقُّلِ والمِلْكِيَّةِ، والنُّزُوحُ مِن أَراضِيهِم وبُيُوتِهِم إِلَى أَماكِنَ جَدِيدَةٍ تُحَدِّدُها أَجْهِزَةُ الشُّرْطَةِ والمُخابَراتِ. اسْتَمَرَّ هٰذا الحالُ حَتَّى حَرْبِ حُزَيْرانَ 1967 حَيْثُ احْتَلَّ الجَيْشُ الإِسْرائِيلِيُّ الضَّفَّةَ الغَرْبِيَّةَ وقِطاعَ غَزَّةَ فَضْلاً عَن صَحْراءِ سِيناءَ وهَضْبَةِ الجَوْلانِ. هٰذا الانتِشارُ والتَّوَسُّعُ الجَدِيدُ لِلجَيْشِ الإِسْرائِيلِيِّ أَدَّى إِلَى رَفْعِ قَوانِينِ الطَّوارِئِ فِي نِهايَةِ عامِ 1968 وانتَهَى مَعَهُ نِظامُ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ. لِيَنْتَقِلَ حالُ الفِلَسْطِينِيِّينَ هُناكَ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ، يَجْرِي التَّعامُلُ مَعَهُم عَلَى أَنَّهُم مُواطِنُونَ، ولَهُم وَضْعٌ قانونيٌّ جَدِيدٌ يَسْمَحُ بِحَقِّ التَّصْوِيتِ والتَّرَشُّحِ لِلانتِخاباتِ وحَقِّ العَمَلِ فِي مُخْتَلِفِ القِطاعاتِ وحَقِّ الحُصُولِ عَلَى خَدَماتِ الدَّوْلَةِ مِن تَعْلِيمٍ وصِحَّةٍ وضَمانٍ اجتِماعِيٍّ. وبِناءً عَلَى هٰذِهِ الحُقُوقِ القانونِيَّةِ، لَهُمُ الحَقُّ فِي التَّمْثِيلِ فِي الكِنِيسِت عَبْرَ الأَحْزابِ الإِسْرائِيلِيَّةِ أَو الأَحْزابِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تَشَكَّلَتْ لاحِقاً. وفِي المَجالِ الاقتِصادِيِّ والاجتِماعِيِّ شَهِدَتْ حَياتُهُم نَقْلَةً نَوْعِيَّةً بِالقِياسِ إِلَى وَضْعِهِم السابِقِ. لٰكِنَّهُ حَتَّى الآنَ لَمْ يَجْرِ رَدْمُ الفَجْوَةِ فِي مُتَوَسِّطِ الدَّخْلِ الفَرْدِيِّ بَيْنَ الفِلَسْطِينِيِّينَ واليَهُودِ، كَما أَنَّ البِنْيَةَ التَحْتِيَّةَ فِي المُدُنِ والبَلَداتِ والقُرَى الفِلَسْطِينِيَّةِ تُعانِي مِن تَخَلُّفٍ وضَعْفٍ، فَضْلاً عَنِ القُيُودِ الشَّدِيدَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ العُمْرانِيِّ. بِهٰذا التَّطَوُّرِ نَشَأَتْ عِنْدَ الأَقَلِّيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ تَحَدِّياتٌ جَدِيدَةٌ مُرتَبِطَةٌ بِالأَرْضِ والسُّكَّانِ والتَّعْلِيمِ وفُرَصِ العَمَلِ، وتَحَدِّياتٌ فِي تَعْرِيفِ الهُوِيَّةِ والانتِماءِ، حَيْثُ تُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الجِنْسِيَّةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ وهُم سُكَّانُ البِلادِ الأَصْلانِيُّونَ. لا شَكَّ أَنَّ قِسْماً مِنهُم حَسَمَ انتِماءَهُ لِلجِنْسِيَّةِ الإِسْرائِيلِيَّةِ، لٰكِنَّ غالِبِيَّتَهُم ما زالَتْ تَعْتَبِرُ نَفْسَها جُزْءاً مِنَ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ، ولٰكِنَّهُم مُواطِنُونَ أَيْضاً فِي إِسْرائِيلَ الَّتِي تَحْتَلُّ قِسْماً آخَرَ مِن شَعْبِهِم… تَحَدِّياتٌ وإِشْكالِيَّاتٌ أَنتَجَتِ الآنَ نُخَباً تُعَبِّرُ عَن وَعْيٍ عَمِيقٍ وتَفْكِيرٍ حَداثِيٍّ فِي مُخْتَلِفِ المَجالاتِ. الجَرِيمَةُ المُنَظَّمَةُ تَنتَشِرُ فِي مُدُنِ اللِّدِّ والرَّمْلَةِ والناصِرَةِ وأُمِّ الفَحْمِ عِصاباتُ جَرِيمَةٍ مُنَظَّمَةٍ ومُسَلَّحَةٍ تُجَنِّدُ الشُّبَّانَ العاطِلِينَ عَنِ العَمَلِ وتَسْتَغِلُّ حالَةَ التَّهْمِيشِ والإِحْباطِ واليَأْسِ. فِي عامِ 2024 بَلَغَ عَدَدُ ضَحايا العِصاباتِ الإِجرامِيَّةِ 235 قَتِيلاً مُعْظَمُهُم مِنَ الشَّبابِ، وفِي عامِ 2025 ازْدادَ عَدَدُ القَتْلَى ووَصَلَ إِلَى 252. عَلَى الرَّغْمِ مِن ذٰلِكَ لَمْ تَصِلِ التَّحْقِيقاتُ إِلَى كَشْفِ المُجرِمِينَ إِلَّا بِنِسبَةِ 15%، الأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ أَجْهِزَةَ الأَمْنِ الإِسْرائِيلِيَّةَ مُتَّهَمَةً إِمَّا بِتَشْجِيعِ هٰذِهِ الظاهِرَةِ وإِمَّا بِالتَّغاضِي عَنْها وعَدَمِ الاكتِراثِ فِي كَشْفِ مُلابَساتِها. حَتَّى وَصَلَ الاحتِقانُ الشَّعبِيُّ فِي الوَسَطِ الفِلَسْطِينِيِّ إِلَى تَنْظِيمِ تَظاهُراتٍ كَبِيرَةٍ فِي المُدُنِ والقُرَى والبَلَداتِ الَّتِي خَسِرَتْ أَبْناءَها، وتَحَوَّلَتِ الحَرَكَةُ الاحتِجاجِيَّةُ فِي السَّنَةِ الماضِيَةِ إِلَى الضَّغْطِ عَلَى القُوَى السِّياسِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ مِن أَجْلِ تَوْحِيدِ مَوْقِفِها فِي جَبْهَةٍ واحِدَةٍ لِانتِخاباتِ الكِنِيسِت الخامِسِ والعِشْرِينَ الحالِيِّ. واسْتَطاعَ الضَّغْطُ الشَّعبِيُّ أَن يَدفَعَ بِالكُتَلِ الانتِخابِيَّةِ إِلَى الاتِّفاقِ عَلَى ما سُمِّيَ “بِالقائِمَةِ المُشْتَرَكَةِ”، وقَد ضَمَّتْ “الحَرَكَةَ العَرَبِيَّةَ لِلتَّغْيِيرِ” بِزِعامَةِ الدُّكتور أَحْمَد الطَّيِّبِي، و”الجَبْهَةَ الدِّيمُقراطِيَّةَ لِلسَّلامِ والمُساواةِ” بِقِيادَةِ أَيْمَن عَوْدَة، و”حِزْبَ التَّجَمُّعِ الوَطَنِيِّ الدِّيمُقراطِيِّ” بِقِيادَةِ سامِي أَبُو شَحَّادَة، و”القائِمَةَ العَرَبِيَّةَ المُوَحَّدَةَ” الإِسْلامِيِّينَ بِرِئاسَةِ مَنصُور عَبَّاس. إِلَّا أَنَّ التَّحالُفَ فَشِلَ ودَخَلَتِ القَوائِمُ المُتَنافِسَةُ مُنفَرِدَةً وحَصَلَتْ عَلَى 10 مَقاعِدَ فَقَطْ بَعْدَ أَن كانَتْ تَفُوزُ بِـ15 مَقْعَداً. وبِهٰذِهِ النَّتِيجَةِ سَجَّلَتِ الأَحزابُ المُتَنافِسَةُ أَكبَرَ خَسارَةٍ فِي الكِنِيسِت، بَيْنَما الجَرِيمَةُ المُنَظَّمَةُ فِي هٰذا العامِ تَصاعَدَتْ حَتَّى بَلَغَ عَدَدُ الضَّحايا فِي الأَشهُرِ الثَّلاثَةِ الماضِيَةِ 66 ضَحِيَّةً بَيْنَهُم أَرْبَعُ نِساءٍ وثَلاثَةُ فِتْيانٍ. هٰكَذا حَصَدَ الفِلَسْطِينِيُّونَ فِي إِسْرائِيلَ النَّتائِجَ المُرَّةَ لِمَواقِفِ الكُتَلِ السِّياسِيَّةِ، حَيْثُ اختارَتِ الكُتْلَةُ الإِسْلامِيَّةُ بِقِيادَةِ مَنصُورِ عَبَّاسٍ التَّحالُفَ والاندِماجَ مَعَ الأَحْزابِ الصَّهْيُونِيَّةِ والدِّينِيَّةِ والمُشارَكَةَ فِي الحُكُوماتِ، بَيْنَما تَسْتَمِرُّ الكُتْلَةُ اليَسارِيَّةُ الشُّيُوعِيَّةُ فِي نَهْجِها الاعتِراضِيِّ المَطْلَبِيِّ، فِي الوَقْتِ الَّذِي اتَّخَذَتْ فِيهِ كُتْلَةُ التَّجَمُّعِ الدِّيمُقراطِيِّ شِعارَ مُناهَضَةِ “الأَسرَلَةِ”. واسْتَمَرَّتِ الحَرَكَةُ العَرَبِيَّةُ لِلتَّغْيِيرِ فِي سِياساتِها الأَقْرَبِ إِلَى دَعْمِ إِخْوانِهِم فِي الضِّفَّةِ وغَزَّةَ. لٰكِنَّ حَقِيقَةَ تَفَرُّدِ الكُتْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي الالتِحاقِ بِالأَحْزابِ الصَّهْيُونِيَّةِ والدِّينِيَّةِ اليَهُودِيَّةِ لا تُعْفِي الكُتَلَ الثَّلاثَةَ العِلْمانِيَّةَ مِن مَسؤُولِيَّتِها فِي الفَشَلِ وعَدَمِ الاتِّفاقِ عَلَى خَوْضِ الانتِخاباتِ الأَخِيرَةِ مُوَحَّدَةً، الأَمرُ الَّذِي ضاعَفَ الخَسائِرَ فِي عَدَدِ النُّوَّابِ الفِلَسْطِينِيِّينَ فِي الكِنِيسِت. وهٰذا ما يَجعَلُ الأَقَلِّيَّةَ الفِلَسْطِينِيَّةَ فِي إِسْرائِيلَ تُعانِي المَزِيدَ مِنَ المُشكِلاتِ والتَّهمِيشِ لِدَوْرِها السِّياسِيِّ والاجتِماعِيِّ وعَجْزِها عَن مُعالَجَةِ القَضايا الكُبرَى، ولَيْسَ فَقَطْ فَشَلِها فِي التَّصَدِّي لِلجَرِيمَةِ المُنَظَّمَةِ المَرْعِيَّةِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَنْظُورٍ. الحاشية: - 1”\2\3\4 “: موقع مدار https://www.madarcenter.org/ - “5” : نفس المصدر

الصراع يتسع, بالرغم من مهلة ترامب

الأسبوع الماضي، وهو الرابع منذ بداية الصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، زاد من تعقيد مسارات البحث عن حل محتمل للأزمة. ولا يزال الوضع الحقيقي للنظام الإيراني لغزًا، خاصة بالنظر إلى تصريح غامض للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية الأسبوع، حيث قدر أن «تغييرًا في النظام قد حدث بالفعل»، بينما لا يزال مصير المرشد الأعلى مجتبى خامنئي مجهولاً. ساهم الرئيس الأمريكي، بتصريحاته المتعددة، في جعل المشهد أكثر غموضًا، حتى مع استمراره في لعب ورقة الثقة وتأكيداته المتكررة هو ومعاونوه بأن نهاية الصراع مسألة أسابيع. كثر الحديث عن المفاوضات هذا الأسبوع: فقد بدأ بمهلة خمسة أيام منحها ترامب للإيرانيين بعد عطلة نهاية أسبوع من التهديدات ضد بنيتهم التحتية للطاقة: ولم يكن الموعد النهائي ليوم الجمعة قد حل بعد حتى أُعلن عن تمديد لهذه المهلة حتى 6 أبريل. في غضون ذلك، كُشف في وسائل إعلام موثوقة عن قائمة تضم 15 مطلبًا أمريكيًا موجهة للإيرانيين، وتتضمن بشكل رئيسي شروطًا بشأن إنهاء البرامج الإيرانية لتطوير الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، ووقف دعم وكلاء طهران في المنطقة، مثل حزب الله اللبناني، والحشد الشعبي العراقي، أو الحوثيين اليمنيين. رد الإيرانيون بقائمة من ست نقاط تتناول بشكل خاص شرط وقف إطلاق النار المسبق للمفاوضات والحصول على ضمانات بوقف الحرب بشكل كامل. على الرغم من النفي الإيراني المتكرر بشأن محادثات جارية، إلا أن وسائل الإعلام تتحدث عن جهود يبذلها الوسيط المفترض، باكستان، ووسطاء آخرون مثل مصر، مما يفسر المهلة الأمريكية الجديدة. لكن وتيرة الحرب لم تتراجع. استمرت الضربات الإسرائيلية الأمريكية بقوة ضد البنية التحتية للنظام الإيراني: ففي نهاية الأسبوع، قصفت طائرات إسرائيلية مواقع نووية. من ناحية أخرى، تتضح أيضًا آفاق التدخل العسكري البري الأمريكي، وتُطرح في وسائل الإعلام خطط للاستيلاء على جزر إيرانية. خبراء أوكرانيون انضم حليف جديد في الحرب ضد إيران إلى الجهود: فقد أرسل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خبراء متخصصين في اعتراض الطائرات بدون طيار إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. من جانبها، لا تظهر الجهة الإيرانية أي علامات واضحة على التراجع في هجماتها ضد دول الخليج وكذلك ضد إسرائيل. علاوة على ذلك، اتخذ الحرس الثوري، الذي يبدو أنه يحتل مكانة مركزية متزايدة في النظام، هذا الأسبوع إجراءات لإغلاق مضيق هرمز بالكامل للتأثير بشكل دائم على الاقتصاد العالمي من خلال ارتفاع أسعار النفط. باختصار، يبدو أن الحرب تشهد توسعًا، ليس فقط في شدة الضربات، ولكن جغرافيًا. يستهدف الأراضي العراقية بشكل متكرر بالضربات، وتزداد الميليشيات الموالية لإيران نشاطًا هناك. تُستهدف السفارة الأمريكية في بغداد بانتظام، وقد استُهدفت مرة أخرى نهاية هذا الأسبوع. ومع ذلك، كان التطور الأكثر دراماتيكية هذا الأسبوع هو دخول حليف لإيران، ظل صامتًا حتى الآن، وهم الحوثيون في اليمن، الحرب. ففي وقت متأخر من يوم الجمعة، أعلنوا أنهم إذا استمرت الضربات في إيران، فسيفتحون جبهتهم، مهددين حتى بإغلاق مضيق حاسم آخر، وهو باب المندب، وشل الملاحة في البحر الأحمر، كما فعلوا بالفعل خلال الصراع في غزة ولبنان عام 2024. في الواقع، في وقت مبكر من يوم السبت، كانت الصواريخ اليمنية الأولى تتجه نحو جنوب إسرائيل. إن تدخل الميليشيا اليمنية الموالية لإيران في هذا التوقيت بالذات من شأنه أن يعزز جهود الحرس الثوري للحفاظ على الضغط الاقتصادي، بالتوازي مع الخناق الذي يضيق على الداخل الإيراني. تداعيات اقتصادية ومجموعة السبع يتم لعب هذه الورقة الإيرانية للمتمردين الحوثيين في وقت تتفاقم فيه التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز. فقد تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، وتشعر الشعوب والقطاعات الاقتصادية في جميع أنحاء العالم بالفعل بآثاره. كانت هذه القضية محور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا هذا الأسبوع. وقد شدد البيان الرسمي للاجتماع على ضرورة وقف إطلاق النار ضد المدنيين والعمل على إعادة فتح مضيق هرمز. وخلف الكواليس، سُئل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي كان يقوم بأول رحلة خارجية له منذ بداية الحرب في 28 فبراير، من قبل نظرائه عن آفاق الصراع. وقد صرح للصحفيين بنفسه أنه سيحثهم على المشاركة في جهود إعادة فتح هرمز. أثارت الحرب ضد النظام الإيراني في الأيام الأخيرة توترًا في المعسكر الغربي: فالرفض الأوروبي للتدخل فيها هو مصدر استياء للرئيس الأمريكي، الذي ألمح، في تصريح نهاية الأسبوع، إلى أن بلاده قد لا تقف إلى جانب دول حلف الأطلسي بعد انتهاء الصراع... توغل إسرائيلي في جنوب لبنان من الجولان في موازاة ذلك، يتفاقم الوضع في لبنان يومًا بعد يوم. تتضح التوغلات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مع معلومات مؤكدة عن تسلل إسرائيلي لعدة كيلومترات في الأراضي اللبنانية وبداية احتلال لعدة نقاط استراتيجية. الجديد الكبير صباح الأحد في هذا الشأن هو تسلل جنود إسرائيليين إلى الجنوب انطلاقاً من الجولان، وتحديداً من جبل حرمون، وهي أراضٍ احتلها الإسرائيليون عام 2024. ويهدف هذا التطور العسكري بوضوح إلى محاصرة مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان بشكل أكبر، وذلك امتداداً لعمليات نفذها الجيش الإسرائيلي في مناطق مثل الخيام وبنت جبيل أو الناقورة. في هذه الأثناء، أصبح هذا الصراع أكثر دموية في لبنان، حيث تجاوز عدد القتلى المدنيين 1100 هذا الأسبوع. لا يزال حزب الله لا يعلن عن خسائره البشرية، لكن الجيش الإسرائيلي يتحدث عن مئات القتلى (لا يقل عن 800)، بالإضافة إلى مقاتلين تم أسرهم ونقلهم إلى إسرائيل. كما أعلن عن قتلى وجرحى في صفوفه. شهدت سماء منطقة الكسروان، شمال بيروت، التي كانت بمنأى حتى الآن، حادثة غامضة هذا الأسبوع. يوم الثلاثاء، سمعت انفجارات قوية فوق جونيه، عاصمة القضاء، مع سقوط حطام على منازل دون وقوع إصابات. الشيء الوحيد المؤكد هو أن الصاروخ إيراني، ولكن من أين أطلق وما هي وجهته النهائية؟ الخيار الأكثر ترجيحًا هو أنه دمر فوق الكسروان بصاروخ اعتراض، ربما أطلق من البحر. ومن بين الوجهات المحتملة التي تم ذكرها، السفارة الأمريكية في عوكر، أو مطار حامات، شمال لبنان، حيث يوجد تواجد أمريكي. « مؤتمر إنقاذ لبنان » في معراب كان التطور الأبرز هذا الأسبوع في لبنان سياسيًا بحتًا. فقد اتخذت الدولة اللبنانية قرارًا يوم الثلاثاء، 24 مارس، بسحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني وطرده من الأراضي اللبنانية، مع استدعاء رئيس البعثة الدبلوماسية اللبنانية في طهران. كان شيباني قد عُين في منتصف فبراير ولم يكن قد قدم أوراق اعتماده بعد إلى رئيس الجمهورية. القرار، الذي أعلنته وزارة الخارجية بناءً على مشاورات مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، يعود إلى التدخلات الإيرانية في الشؤون اللبنانية، والتي أدت بشكل خاص إلى هذه الحرب الجديدة التي بدأتها الميليشيا الموالية لإيران في 2 مارس، وقد تم اعتبار نشاطها العسكري غير قانوني بقرار حكومي صدر في 2 مارس. دون مفاجأة، أثار هذا القرار غضب الثنائي الشيعي، أمل وحزب الله، الذين لم يشارك وزراؤهما في آخر اجتماع لمجلس الوزراء يوم الخميس. اعتبارًا من هذا الأحد 29 مارس، أصبح السفير persona non grata في لبنان وقد يعتقله أي عنصر أمني. فهل سيختار الإيرانيون وحلفاؤهم اللبنانيون المواجهة من خلال الدعوة إلى إبقاء هذا «الدبلوماسي» في لبنان؟ يبدو أن هذا هو الحال. لكن الأحزاب الشيعية أثبتت أنه على الرغم من موقفها الحاد في هذه القضية، فإنها لم تكن ترغب في انهيار الحكومة. من الجانب الإيراني، لم يكن هناك رد فعل صريح، لكن هناك بعض العلامات التي تحتاج إلى فك شفرتها. يوم الجمعة، في اليوم التالي لاجتماع مجلس الوزراء اللبناني، اتصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برئيس البرلمان (وزعيم أمل) نبيه بري، «للتعبير عن تضامنه مع لبنان ضد العدوان الإسرائيلي». لا نعرف المزيد عن فحوى المكالمة الهاتفية بين الرجلين. وفي اليوم نفسه، نشر الحرس الثوري وثيقة غريبة على حسابه في تليجرام، وهي نعي لستة «دبلوماسيين» إيرانيين اغتالهم إسرائيل خلال غارة، منهم أربعة قتلوا في نفس الوقت في غرفة فندق في بيروت... ويعرض النعي صورهم يرتدون زيًا عسكريًا يشير إلى رتبهم داخل فيلق الحرس! التطور السياسي الهام الآخر هذا الأسبوع كان عقد اجتماعات سياسية واسعة في مقر القوات اللبنانية في معراب، كسروان. شارك فيها العديد من الشخصيات المسيحية من القوات اللبنانية والكتائب، ومستقلون، بالإضافة إلى شخصيات سنية وشيعية معروفة بمعارضتها لحزب الله. تركزت النقاط الرئيسية في البيان الصادر عن هذه الجلسات على المطالبة بإنشاء محكمة خاصة تكون مهمتها محاكمة المسؤولين الذين جروا لبنان إلى الحرب ضد إرادة الدولة والأغلبية الساحقة من اللبنانيين، بالإضافة إلى المطالبة من إيران بتعويضات عن الخسائر التي تكبدت خلال هذه الحرب. على هامش هذا اللقاء، صرح رئيس القوات اللبنانية لوسيلة الإعلام اللبنانية الإلكترونية «هنا لبنان» بأنه «لن يتم صرف أي ميزانية مستمدة من الخزانة اللبنانية لتمويل تداعيات هذه الحرب، سواء على مستوى النازحين أو إعادة الإعمار»، وذلك لأن من تسببوا في هذا النزاع المسلح الجديد، دون استشارة أحد، يجب عليهم هم تحمل التبعات المالية، وليس الدولة التي وضعت أمام الأمر الواقع في هذا الصدد.

تحت الباروكات المعفَّرة
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر

من الثامن عشر من فبراير حتى الخامس من يوليو 2026، يقدّم متحف الفنون الزخرفية معرضَ "يومٌ في القرن الثامن عشر، سرديّةُ قصرٍ أرستقراطي" — عبوراً غامراً في ربوع إقامةٍ نبيليةٍ باريسيةٍ من ثمانينيات القرن الثامن عشر، عشيّةَ الثورة الفرنسية. من الصحو إلى المنام، كلّ شيء هنا يسير على إيقاع الساعة. يتيح هذا المعرض لنفسه أن يُستنشَق كعطرٍ طال انقضاؤه، معجزةٌ صغيرة لفنّ العيش في عصر الأنوار، حيث تروي كلٌّ من القطع الخمسمئة والخمسين المتناثرة على امتداد المسار حكايةً واحدةً بعينها: حكاية زمنٍ ولّى، رفعت جماليّاتُه الرفيعة باريسَ إلى مصافّ العواصم الأوروبية للموضة والفنون... وهو لقبٌ نادراً ما يُنازَع فيه حتى اليوم. اليقظة: حميميّةٌ مُهداة خلف واجهات القصر الأرستقراطي، تنبضُ المدينة. دويٌّ خافتٌ للعربات، نداءات الباعة، حفيفُ الخطى على الرصيف المبلَّل. في الداخل، ثمّة عالمٌ آخر يتشكّل — أبطأ، أكثف، شبه معلَّق. تبدأ اليوميّة في غرفة النوم، نحو الساعة السابعة، حول سريرٍ من طراز lit à la duchesse موضوعٍ عمودياً على الحائط. تتجلّى الراحة، غير أنّ الحميميّة تظلّ نسبيّة. إذ اليقظةُ لحظةٌ للمعاشرة الاجتماعية: يُستقبَل فيها الموردون والسكرتيرون ومرشدو الضمير، ويمتزج الكلام بالحركة. في الضوء اللبني للصباح، تنهض المواد من سباتها. خشبُ الأرضية المُشمَّع، الأقمشةُ المجعَّدة إثر النوم العميق الليلي، انعكاساتُ القصدير والخزف. تتكشّف حفلة التزيّن ببطء، وفق طقوسٍ مُقنَّنة. تُعفَّر الباروكات المصنوعة من الشعر الطبيعي، توضع شاماتُ الجمال بدقّةٍ على الوجوه، وتُعبِّق الغرفةَ العطورُ الناعمة والزهرية. في المحيط، تؤلّف الأشياء مشهداً حميميّاً: أباريق ماءٍ وأحواضٌ وصناديق صابون وعلبُ شاماتٍ مزيَّنة بإتقان، وبيديه، وبوردالو. والتقويماتُ، في متناول اليد دائماً، تذكِّر بأنّ الوقت منظَّمٌ، مجزَّأٌ، محكوم. تنتظر محفّةٌ مطليّة من الأربعينيات والخمسينيات من القرن الثامن عشر، مصنوعةٌ من الخشب والنحاس والقماش المرسوم، بهدوءٍ في الظلّ، مستعدّةً لمواصلة هذا الإخراج الجسدي في رحاب المدينة. الماء شحيح. يستلزم الحمّامُ سخّاناً نحاسياً، ويظلّ ترفاً. حفلةُ التزيّن هي، قبل كلّ شيء، جافّةٌ وملموسةٌ ودقيقة. التزيّن والمظهر: الأناقة بوصفها لغة أن تتزيّا في القرن الثامن عشر هو أن تحكي نفسَك للعالم. يجسّد رداءٌ à l'anglaise من حرير البيكان الأبيض، تتخلّله خطوطٌ وردية وأخرى خضراء متعرّجة، مطرَّزٌ بباقاتٍ زهرية، هذه المطلبيّة الجمالية. الألوان رقيقةٌ، لا صخب فيها أبداً، والتناسقات قائمةٌ على درجاتٍ متناغمة. أبيضُ ورماديٌّ وأزرق، تُضفي عليها لمساتٌ أكثر حيوية. الحريرُ والمخمل والأشرطة تقبض على الضوء وتردّه بنعومة. طقوس الجمال صارمة: كلّ شامة، كلّ مسحوق، كلّ عطر يضطلع بدوره في لغةٍ اجتماعية. في هذا العصر تفرض باريس نفسها عاصمةً للموضة. تتقاطع هنا العيون الأوروبية، مستجلبةً هذه الدقّة في الذوق. الضحى والحركة: الهواء والجسد والمدينة بعد حفلة التزيّن، يخرج الجسد ويتنفّس. تحت تأثير الطبيب تيودور ترونشان، الذي تتداول أفكاره في تلك الحقبة، يُستنّ التعوّدُ على المشي في ساعاتٍ متعدّدة من النهار — يمشي المرء على طريقة ترونشان. في حدائق القصور الأرستقراطية، يطقطق الحصى تحت الأقدام. يحمل الهواء روائح متمازجة. زهورٌ وتراب رطب، وفي المسافة روائح المدينة: الجلد والدخان والحياة. حين يخرج المرء ليُرى، تتقاطع الصور وتتحايا وتتراقب. تغدو الحركةُ هي الأخرى لغة. المكتبة والبودوار: الانتظام والانسحاب قبل الغداء أو بعده — وهكذا كانت تُسمّى وجبة الظهر في القرن الثامن عشر — تتيح المكتبة فضاءً للتأمّل. يقرأ السيّد ويفكّر ويرجع إلى التقويمات والروزنامات. تنتظم اليوميّة هنا بدقّة. ويشدّه العالم كذلك: الصين واليابان وأماكن أخرى متخيَّلة تغذّي فضوله. في المقابل، يكون بودوار السيدة أكثر حميميّة. تستقرّ في أريكة من الجوز المنحوت، مطليّةٍ بالرمادي والذهبي. تكتب أو تقرأ أو ترسم. وتعمل كذلك بيدها: تطرّز بالّلؤلؤ وخيوط الحرير والأسلاك الدقيقة. حركاتها ناعمة ومتكرّرة، شبه تأمّلية. الغداء: الضوء والإخراج يُتناول الغداء بين الساعة الثانية والرابعة بعد الظهر، ويهيكل اليوميّة. تنتظم قاعة الطعام تدريجياً: موائد جانبية وأبار تبريد ونافورة جدارية وكراسي مجدولة. تغدو الطاولة، التي كثيراً ما تُرفع فوق الدعائم، مسرحاً. تقدّم الخدمة بالطراز الفرنسي جميع الأطباق دفعةً واحدة. تتحاور ألوان المأكولات والخزف والزجاج. في وسط المائدة، تلتقط قطعةٌ من الزجاج المصهور الضوءَ وتكسّره. كلّ شيء مشهد، وكلّ شيء اتّزان. الوجبات الخفيفة والمتع: الحلاوة والتمييز بعد الغداء، يأتي وقت الوجبة الخفيفة. في صالونٍ أو بودوار، يُتناول الشوكولا والقهوة والشاي. العطور أكثر دفئاً، أكثر احتضاناً. الشوكولا، المشتهَر بأنّه منبِّه، يُشرب أحياناً من الصحن. الحركات دقيقة، شبه صامتة. الأشياء تمدّد التجربة: خزفيّات، ومصوغاتٌ ثمينة، وعلبُ السعوط النفيسة. يغدو شمّ السعوط طقساً اجتماعياً. وتقديم العلبة إلى الآخر — علامةُ اهتمامٍ وتمييز. الألعاب والحديث والموسيقى: فنّ التألّق في المساء، تبلغ المعاشرة الاجتماعية ذروتها. ألعاب الـ tric-trac والـ quadrille والـ bouillotte تنظم الفضاء إيقاعياً. الموائد والكراسي والهيئات مدروسةٌ كلّها لترى وتُرى. لكنّ الأهمّ أنّ الكلام يجري. الذكاء يتداول، حادٌّ ودقيق. تصبح المحادثة فنّاً. يستحضر المرء هنا فيلمَ Ridicule لباتريس ليكونت: الحقبة ذاتها، الافتنان اللفظي ذاته، والخطر ذاته من الكلمة في غير موضعها. تُرافق الموسيقى هذه اللحظات — هاربٌ من خشب القيقب ذو سبعة دواسات لسيباستيان رونو وفرانسوا شاتلان، وكلافسانٌ وناي عرضي، تُؤلِّف معاً موسيقى حجرةٍ حميميّة، بأصواتٍ خفيفة، شبه معلَّقة. العشاء الخفيف: نحو الحميميّة في وقتٍ لاحق، بين الثامنة والنصف والحادية عشرة ليلاً، يكون العشاء أكثر تحفّظاً وتكتّماً. ينسحب الخدم، تنخفض الأصوات، تتبسّط الحركات. تتيح الأثاث المتنقّلة خدمة النفس. يظهر شكلٌ من أشكال الحرية، ناعم، يكاد لا يُحسّ. النوم: الاستسلام الأخير الليل يطوي اليوم. قمصانٌ بيضاء، طواقي النوم، حركاتٌ تتباطأ. مصباحٌ ليلي صغير يذرّ ضوءاً هشّاً. في القاعة الأخيرة من المعرض، تُكثِّف لوحة Le Sommeil، المنسوبة إلى هوغز تارافال (نحو 1779)، هذا الانقلاب في جوهره: الجسد يستسلم، محمَّلاً بكلّ حواسّ اليوم. وجبةٌ خفيفة قد تبقى معدَّةً قرب السرير. في الخارج، لا تزال المدينة تهمس. حسيّةُ الزمن في متحف الفنون الزخرفية، يشارك كلّ شيء في منظومةٍ ينتظم فيها الوقت ويتشكّل فيها الجسد وتُخرَج فيها الحياة. ألوانٌ خافتة، وأصواتٌ مكتومة، وعطورٌ منتشرة: كلّ شيء يصبّ في تجربةٍ حسيّةٍ ومُقنَّنة في آنٍ معاً. هذا العالم لا يكتفي بالوجود؛ يُدبَّر بإحكام. وربّما ذلك ما يظلّ يسكننا: تلك الكثافة في التفصيل، حيث كان لكلّ لحظة نسيجُها الخاص، ورائحتُها، وضوؤها.

الحرب في إيران: الوضع الراهن
بقلم
خليل حلو
نُشر

إلى أي اتجاه تتجه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى؟ هذا سؤال يُطرح يوميًا منذ اندلاع العمليات العسكرية، وقد أجاب عليه العديد من المحللين والسياسيين، الذين يلعبون دور العرافين، بتسرع ويقين. ومع ذلك، يجب توفير مجموعة من البيانات الملموسة، والتي يصعب الحصول عليها، من أجل الحصول على إجابات دقيقة لهذا التساؤل. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أننا غالبًا ما نخلط بين الرغبات والحقائق، ويصف المحللون أحيانًا أفكارهم الخاصة بدلاً من تحليل وقائع ملموسة. الاستخبارات العسكرية، سواء كانت أمريكية أو إسرائيلية أو إيرانية، أو حتى روسية وصينية، هي الوحيدة القادرة على تحديد وضع كل طرف على الأرض، مع العلم أنها في الماضي ارتكبت أحيانًا أخطاء جسيمة في التقدير. مجموعة البيانات التي يجب الحصول عليها لتقييم حالة كل طرف متحارب بدقة قدر الإمكان لا حصر لها، ومنها: خسائره الدقيقة؛ مخزونه من الذخيرة لكل معدة؛ خطة معركته ومرونتها؛ مسار عمله العسكري؛ أداء كل وحدة من وحداته المشاركة في الميدان؛ توفر وحداته القتالية الاحتياطية؛ الحالة الذهنية لصناع القرار على المستوى العسكري والسياسي الأعلى؛ وضعه الاقتصادي والمالي قطاعًا بقطاع؛ اعتماده على خطوط الإمداد، أو العكس استقلاليته من حيث الموارد (البشرية، الزراعية، الطاقوية، الصناعية، المالية، العسكرية...)؛ قدرته على الصمود؛ وضعه الاجتماعي والسياسي وضغوطه الداخلية؛ إرادته لمواصلة القتال؛ حالة إرهاقه ومهارته في تنفيذ المناورات العسكرية والسياسية. بيانات ديناميكية ستظل عملية جمع كل هذه المعلومات غير مكتملة وستتطلب استخدامًا ذكيًا للذكاء الاصطناعي لاستخلاص استنتاجات موثوقة. ومع ذلك، تبقى الحيطة واجبة فيما يتعلق بالتقييمات والتوصيات المقدمة لصناع القرار، سواء كانوا ترامب أو نتنياهو أو محمد باقر قاليباف. كل منهم محاط بالخبراء، ولكن كل منهم يمارس قيادته ضمن حدود لا يمكن التنبؤ بها دائمًا. يجب الإشارة أيضًا إلى أن هذه البيانات ديناميكية وتخضع لتغييرات ساعة بساعة. لذلك، من الصعب رسم صورة كاملة للوضع وتقديم توقعات دقيقة. يمكن سد الثغرات بخيال المحلل، والذي يعتمد بدوره على خبرته ومستوى خبرته واتجاهه الأيديولوجي وانتمائه السياسي. وبالتالي، قد تكون هناك ثغرات في تقديرات المحلل. وحدهم ذوو الخبرة والثقافة الكافية يمكنهم إصدار رأي موثوق، يتسم غالبًا بالحذر والتواضع، دون المبالغة أو التقليل من قدرات أي من الأطراف المتحاربة. علاوة على ذلك، قد يكون الاستعانة بدروس التاريخ مفيدًا. معركة ديان بيان فو (مارس 1954) هي مثال على ذلك، مع العلم أنها جرت في سياق مختلف تمامًا. لقد أسقط الفيتناميون الشيوعيون القاعدة العسكرية الفرنسية في ديان بيان فو، وكانت هزيمة مذلة لفرنسا. كان من المعروف جيدًا أن ديان بيان فو كانت ستُنقذ، وأن الفيتناميين بقيادة هوشي منه كانوا سيهزمون، لو تدخلت الولايات المتحدة بطيرانها ليوم أو يومين، لكن أيزنهاور اعتبر أن مثل هذا العمل كان سيدفع الصين إلى التدخل كما فعلت في كوريا قبل أربع سنوات. بالإضافة إلى ذلك، كان يعلم أن الشيوعيين يسيطرون أيديولوجيًا على السكان الفيتناميين ويسيطرون أيضًا على الريف. ونتيجة لذلك، كانت الحرب ستطول رغم تدخله. أسئلة جوهرية بناءً على هذا المثال، يمكننا ملاحظة الحقائق التالية فيما يتعلق بالحالة الراهنة: التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي لا يمكن إنكاره؛ لا الروس ولا الصينيون سيتدخلون إلى جانب إيران؛ الأمريكيون يشكلون تحالفًا دوليًا لضمان أمن مضيق هرمز لتقليل الضغط على الاقتصاد العالمي، على الرغم من الاستياء الأوروبي؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام طهران لا يسيطر على جميع سكانه، ناهيك عن المناطق الريفية في شمال وجنوب البلاد. في المقابل، قد تهدد عدم شعبية الحرب في الولايات المتحدة الجزء الثاني من ولاية ترامب. يُظهر النظام الإيراني صمودًا ظاهريًا رغم عدم شعبيته، وتشير تقارير صحفية إلى أن الشعور بالانتماء الوطني لدى الإيرانيين يحافظ على الحد الأدنى من التماسك تحت القصف. كل هذه البيانات المتاحة تفرض الحذر في التقييمات. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال عدد من الأسئلة بدون إجابات دقيقة، باستثناء ربما لدى أجهزة المخابرات العسكرية، ومنها: ماذا تبقى من القدرات العسكرية غير المتماثلة لدى الإيرانيين؟ إلى أي مدى يمكن لهذه القدرات أن تكون ضارة، مهما كانت ضئيلة؟ هل يساعد الروس والصينيون الإيرانيين أم لا؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هو حجم ونوعية هذه المساعدات، وما مدى فعاليتها في إطالة أمد الصراع؟ هل الوقت يعمل ضد الإيرانيين أم الأمريكيين أم كليهما؟ ما هي الحالة الذهنية الحقيقية للباسداران والملايين، والقيادة الأمريكية؟ ما مدى رغبة القتال في كلا الجانبين؟ ماذا عن وزن الضغوط الداخلية على صناع القرار في كل من الجانبين؟ ... الشكوك كثيرة. ومع ذلك، يمكننا تأكيد ما يلي: التوقع الأدنى هو أن النظام الإيراني سيُحرم بالتأكيد من الموارد التي كانت لديه لتوسعه الإقليمي، مما سيقلل بشكل كبير من قدرته على الإضرار، ولفترة طويلة. في أفضل الأحوال، ستغير طهران موقفها، وستسلم اليورانيوم المشع إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتوقف دعمها لأدواتها الإقليمية، وتوافق على الحد من طائراتها المسيرة وصواريخها الباليستية وصواريخ كروز. لا يمكن التنبؤ بسقوط النظام في المرحلة الحالية. بين هذه التوقعات المتطرفة توجد العديد من الاحتمالات، بما في ذلك تفكك إيران إلى كيانات عرقية على خلفية عدم الاستقرار و/أو الحرب الأهلية، مع امتداد ذلك إلى الدول المجاورة. لذلك يمكننا أن نسهب في الحديث عن هذا الموضوع في صفحات كاملة في غياب بيانات كاملة ودقيقة، ومع ذلك فإن العالم العربي ونحن أنفسنا سنشهد بالتأكيد أيامًا أفضل.

تصور للمشهد السياسي الإقليمي الجديد لما بعد الحرب

سيكون من باب تحصيل حاصل التأكيد أن الشرق الأوسط وإيران بعد الحرب لن يكونا كما كانا قبل 28 فبراير، تاريخ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي ضد نظام الملالي الإيراني. تدخل هذه الحرب شهرها الثاني يوم السبت 28 مارس دون أن نتمكن بعد، في المرحلة الحالية، من رؤية نهاية النفق. شيء واحد، في الوقت الحالي، مؤكد: لقد تم الشروع في اتصالات وتبادل رسائل بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية بفضل وساطة باكستان وتركيا ومصر. قد يعقد اجتماع بين الطرفين الأسبوع المقبل، لكنه يظل غير مؤكد بسبب طلب الإيرانيين أن يسبقه وقف إطلاق نار شامل، وهو ما يُزعم أن الرئيس دونالد ترامب رفضه. ويُزعم أن النظام الإيراني طالب كذلك بمهلة سبعة أيام لإعداد رده الرسمي على الخطة المكونة من 15 نقطة التي قدمتها واشنطن. هذه المهلة التي مدتها سبعة أيام ضرورية للتشاور مع مختلف مراكز القوة الإيرانية، مما يعكس الغموض الكامل الذي لا يزال يحيط بالوضع الحقيقي للسلطة الحاكمة في طهران. على أي حال، فإن المفاوضات الحالية تجري «على نار حامية»، بمعنى أن الطيران الأمريكي والإسرائيلي يكثف غاراته ضد البنية التحتية العسكرية والمراكز الاستراتيجية في جميع أنحاء إيران، بينما في الوقت نفسه ترسل الولايات المتحدة تعزيزات، بما في ذلك حاملة الطائرات جورج بوش وما لا يقل عن 8000 من مشاة البحرية والمظليين، إلى منطقة القتال. وبينما تتواصل العمليات العسكرية بكل قوتها، أجرى الرئيس دونالد ترامب في وقت متأخر من مساء الجمعة (بتوقيت بيروت) محادثة صريحة مع صحفيين رسم خلالها عملياً الخطوط العريضة للمشهد السياسي الجديد الذي قد ينشأ بعد نهاية الحرب. أشاد رئيس البيت الأبيض إشادة حارة بدول الخليج، مع إشارة خاصة لولي عهد المملكة العربية السعودية، محمد بن سلمان، وحكام الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر. صرح الرئيس ترامب قائلاً: «لقد أظهروا شجاعة أكبر من قادة حلف الناتو»، ولم يخفِ مرارته بشأن موقف بعض الدول الأوروبية. أشار الرئيس الأمريكي في هذا الإطار إلى أن واشنطن قدمت دائماً دعماً مستمراً لحلف الناتو، بمئات المليارات من الدولارات، وعندما انخرطت الولايات المتحدة في الحرب ضد الجمهورية الإسلامية، بقيت الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي سلبية. متوجهاً إلى هذه الدول، صرح السيد ترامب: «بالنظر إلى موقفكم، لم نعد ملزمين بالبقاء إلى جانبكم». يبدو أن هذه العبارة الصغيرة، بالإضافة إلى الإشادة الواضحة بدول الخليج، تشير إلى أننا قد نتجه نحو موقف أمريكي مزدوج خلال فترة ما بعد الحرب: تبريد في العلاقات مع الدول الأوروبية وأزمة داخل حلف الناتو من جهة، وتعزيز ملحوظ للعلاقات مع الخليج، مع استثمارات كبيرة متزامنة في سياق إحياء السلام في الشرق الأوسط، من جهة أخرى. العمليات العسكرية يبقى أن الكلمة، في المرحلة الحالية، للسلاح، وفي هذا الصدد يبدو أن الأمريكيين والإسرائيليين يبذلون قصارى جهدهم لتدمير البنية التحتية العسكرية والنووية والباليستية للجمهورية الإسلامية إلى أقصى حد. في ليلة الجمعة، كشف الرئيس ترامب أن الجيش الأمريكي وجه للتو «ضربة كبيرة» لإيران، وأنه، نتيجة لذلك، «لم نكن قط أقرب إلى الوضع الذي يسمح بتحرير الشرق الأوسط من التهديدات الإيرانية (...) ومن الابتزاز النووي الإيراني». وأوضح في هذا الصدد أن «بنك البيانات العسكرية» للهجوم الإسرائيلي الأمريكي لا يزال يتضمن 3550 هدفاً. وأضاف: «قواتنا المسلحة دمرت المواقع النووية الإيرانية خلال عملية صاعقة الليلة الماضية، في منتصف الليل (الجمعة). لذلك نحن على وشك تحرير الشرق الأوسط من الإرهاب والابتزاز الإيرانيين». وأشار رئيس البيت الأبيض في هذا الإطار إلى أن هذه الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد النظام الإيراني لا تهدف إلى «الدفاع عن إسرائيل فقط بل عن دول المنطقة أيضاً». عملياً، شن الطيران الأمريكي والإسرائيلي ليلة الجمعة وصباح السبت حوالي خمس عشرة غارة استهدفت محطة بوشهر النووية «التي يتدهور وضعها بشدة»، حسبما أكده مصدر روسي موثوق يوم السبت. للتذكير، تم إجلاء الخبراء والفنيين الروس العاملين في هذه المحطة قبل ثلاثة أيام. بالتوازي، نفذ ما لا يقل عن 50 طائرة إسرائيلية غارات استهدفت المنشآت النووية الإيرانية «في ثلاث مناطق»، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي يوم السبت. وبشكل متزامن، قصف طيران الدولة العبرية بعنف العديد من البنى التحتية الصناعية العسكرية والمدنية في منطقة طهران وفي مناطق إيرانية أخرى. تطورات أخرى وقعت يوم السبت: تدخل الحوثيون، الميليشيا اليمنية الموالية لإيران، يوم السبت بإطلاق صاروخين باتجاه إسرائيل. بالتوازي، ألحقت صواريخ إيرانية أضراراً يوم السبت بمنشآت رادارات في مطار الكويت، وكذلك بالميناء في عُمان وقاعدة عسكرية أمريكية في المملكة العربية السعودية، حيث أصيب جنديان أمريكيان. اجتماعات سياسية في مقر القوات اللبنانية في لبنان، واصل الطيران الإسرائيلي ليلة الجمعة ونهار السبت قصف الضاحية الجنوبية وعدة قرى في المنطقة الجنوبية. إحدى هذه الغارات أسفرت عن مقتل ستة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى قدمتهم طهران على أنهم «دبلوماسيون» بينما تُظهر صورهم في نعي الوفاة أنهم يرتدون الزي العسكري لكبار ضباط الحرس الثوري. على الصعيد السياسي، شهد يوم السبت تطوراً كبيراً: عقد اجتماعات سياسية موسعة في مقر القوات اللبنانية، برئاسة زعيم القوات اللبنانية، سمير جعجع، خصصت لتداعيات النزاع المسلح الحالي. يطالب البيان الصادر في ختام هذه الاجتماعات بتشكيل محكمة خاصة تتولى محاكمة المسؤولين الذين جروا لبنان إلى الحرب رغماً عن إرادة الدولة والأغلبية الساحقة من اللبنانيين. ويشدد البيان كذلك على أن الدولة يجب أن تطالب إيران بتعويضات عن الخسائر التي تكبدتها خلال هذه الحرب.