
بعض البشر يستسلمون لمصيرهم، فيما يأخذ آخرون زمام قدرهم بأيديهم. ويصبح ذلك أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بامرأة في عالم يهيمن عليه الرجال. ومع ذلك... لم تتردد بعض النساء في خوض المعركة، فنجحن في كسر المحرّمات والإملاءات التي فرضها عصرهن. على مرّ العصور، رفضت نساء كثيرات أن يكنّ مجرد تفصيل هامشي في التاريخ. سواء حملن الريشة أو القلم، أو خضن غمار العلم، أو رفعن أصواتهن، فقد عشن زمنهن بجرأة بلغت أحياناً حدّ الفضيحة. أرادوهنّ مُلهِمات للفنانين، فأصبحن هنّ المبدعات. أرادوهنّ خاضعات، فاخترن الحرية، وأرادوا إسكاتهن، فرفعن أصواتهن أعلى وأقوى دفاعاً عن قناعاتهن. من أرتيميسيا جنتيليسكي، التي تحدّت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج صاند التي استبدلت قيود المشدّ بحرية الكتابة، مروراً بكامي كلوديل، تلك الروح الجريحة، وبصرامة ماري كوري وعبقريتها، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العالمي... لم تكتفِ هؤلاء النساء بالالتفاف على إملاءات عصرهن، بل حطّمنها. وفي مسيرتهن، نجحن أحياناً وأخفقن أحياناً أخرى، لكنهن لم يستسلمن أبداً. هذه السلسلة من المقالات رحلة عبر الزمن للقاء شخصيات متوهجة، سكنتها إرادة لا تلين، ولا تزال حتى اليوم مصدر إلهام عميق. في نهاية القرن التاسع عشر، كان يُفترض بالمرأة المحترمة أن تكون زوجة وأماً، وفي أفضل الأحوال ملهمة رقيقة لفنان. لم يكن مسموحاً لها أن تلامس الطين، أو تنحت الرخام، أو تواجه عري الأجساد. وبالتالي، لم يكن النحت من الفنون التي تمارسها النساء، إذ كان فناً جسدياً و«قذراً» يُعدّ حكراً على الرجال. لكن كاميل كلوديل (1864-1943) اختارت اقتحام هذا الحصن بالذات. كانت فنانة ذات عبقرية متقدة، تجرأت على انتهاك كل المحظورات التي فرضها عصر خانق. اختارت النحت مهنة، وعاشت حباً خارجاً عن المألوف، ودفعت ثمناً باهظاً مقابل حرية لم يكن مجتمع نهاية القرن التاسع عشر مستعداً لمسامحتها عليها. وانتهت مسيرتها المأساوية، بما حملته من شدة استثنائية، محطمة على جدران المصحّ العقلي. البدايات وُلدت كاميل في عائلة من البرجوازية الصغيرة في الأقاليم الفرنسية، وهي شقيقة الكاتب بول كلوديل. ولم يكن ثمة ما يوحي بأن هذه الفتاة ستتجه يوماً إلى النحت، إذ كان يُفترض بالمرأة آنذاك أن تكتفي بالرسم بالألوان المائية أو التطريز. لكن كاميل بدأت منذ مراهقتها تعجن الطين بشغف جامح. شجعها والدها، الذي أدرك باكراً موهبتها المذهلة، فيما عارضتها والدتها القاسية والمتصلبة نفسياً. وانتقلت إلى باريس، حيث التحقت بأكاديمية كولاروسي وتعلمت كيفية تطويع المادة. المرآة المتّقدة: إعصار رودان عام 1883، التقت كاميل بأوغست رودان. كان في الثالثة والأربعين، فيما كانت هي في التاسعة عشرة. وكان المعلم آنذاك في ذروة شهرته، فلاحظ على الفور الموهبة الاستثنائية التي تتمتع بها الشابة. أصبحت تلميذته، ثم عارضته، ومساعدته، وأخيراً عشيقته. وعلى امتداد عقد كامل، امتزجت عبقريتهما في حوار فني بالغ القوة. وقد أثّرت كاميل في رودان بقدر ما استلهمت منه. شاركت في العمل على بعض روائع المعلم، مثل بوابة الجحيم، والقبلة، وبرجوازيو كاليه وغيرها، وأضفت خفة ورهافة إلى منحوتاته البرونزية. لكن على الرغم من موهبتها، لم يرَ فيها المجتمع سوى عشيقة. حتى النقاد بدأوا يهمسون بأن موهبتها ليست سوى انعكاس لموهبة المعلم. وفي عام 1892، بعدما رفض رودان ترك روز بوريه، رفيقته الدائمة، والزواج من كامي، أنهت الأخيرة علاقتهما. اختارت الوحدة لإنقاذ فنها، رافضة أن تُختزل في صورة «دمية رودان». تأكيد عبقرية مستقلة وحيدةً، أنجزت كاميل كلوديل بعضاً من أكثر أعمالها تأثيراً، وتحررت من جمالية معلمها. فبينما كان رودان يعمل على الكتلة، كانت كلوديل تنحت الحميمية والاختلال. سعت إلى التعبير عن حقيقة الأجساد، وحركة الروح، والحسية الخام. وابتكرت نحتاً سردياً يلتقط اللحظة برهافة استثنائية، مستخدمة العقيق اليماني والرخام ومزج المواد المختلفة. “سنّ النضج”، كاميل كلوديل، 1902، متحف أورسيه. وتُعد منحوتة سن النضج ( L'Âge mûr ) تحفتها الأشهر، إذ تجسّد الهروب الحتمي للزمن وحبها الضائع مع رودان: رجل ناضج تسحبه امرأة مسنّة بعيداً عن ذراعي امرأة شابة راكعة تتوسل إليه. وقد عُثر بالصدفة قبل سنوات على واحدة من النسخ البرونزية الست لهذا العمل في شقة باريسية، وبيعت بأكثر من ثلاثة ملايين يورو. لكن استقلال كاميل كان له ثمنه. فمع غياب دعم شبكة علاقات رودان، أصبحت التكليفات الفنية نادرة. وغرقت كاميل في الفقر والعزلة والارتياب المدمّر. وباتت مقتنعة، خلافاً للواقع، بأن رودان يتجسس عليها ويسرق أفكارها. وفي نوبات اليأس، كانت تحطم قوالبها الجصية بيديها مستخدمة المطرقة. العقاب: ثلاثون عاماً من الصمت نزل عقاب المجتمع الأبوي عليها كالمقصلة، وكانت عائلتها نفسها هي التي تولّت تنفيذه. ففي عام 1913، وبعد وفاة والدها الذي كان سندها الوحيد، وقّع شقيقها بول كلوديل ووالدتها قرار إدخالها إلى مصحّ للأمراض النفسية. كانت كاميل كلوديل آنذاك في الثامنة والأربعين. أمضت السنوات الثلاثين الأخيرة من حياتها في المصحّ، ولم تلمس النحت بعد ذلك أبداً. ومع ذلك، أشارت التقارير الطبية سريعاً إلى تراجع أوهامها، لكن والدتها رفضت رفضاً قاطعاً السماح بخروجها. أما بول كلوديل، فلم يزر شقيقته سوى مرات معدودة على امتداد ثلاثة عقود. توفيت عام 1943 وسط لامبالاة عامة، ضحية سوء التغذية الذي كان يضرب المصحات آنذاك. ودُفنت في قبر جماعي، وضاع أثر رفاتها إلى الأبد. إرث امرأة متمرّدة دفعت كاميل كلوديل حياتها ثمناً لعبقريتها. أراد المجتمع وعائلتها محو اسمها، لكن المادة التي أحبتها إلى هذا الحد لم تنسها. بعد سنوات من وفاتها، أُعيد اكتشاف أعمالها، وأُنصف أخيراً إبداعها وموهبتها. فالمرأة التي لم تحظَ حتى بقبر لائق، نالت أخيراً الاعتراف بها كفنانة رائدة وعبقرية. ومنذ عام 2017، أصبح لها متحف يحمل اسمها، شأنها شأن كبار الفنانين. واليوم، تُعد كاميل كلوديل واحدة من أبرز الفنانات التشكيليات في التاريخ، وقد أثبتت أن العبقرية لا جنس لها ، ومهّدت الطريق لأجيال من النساء الفنانات.






