شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
متمردات، ملهِمات ومستلهَمات: كاميل كلوديل (3)

بعض البشر يستسلمون لمصيرهم، فيما يأخذ آخرون زمام قدرهم بأيديهم. ويصبح ذلك أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بامرأة في عالم يهيمن عليه الرجال. ومع ذلك... لم تتردد بعض النساء في خوض المعركة، فنجحن في كسر المحرّمات والإملاءات التي فرضها عصرهن. على مرّ العصور، رفضت نساء كثيرات أن يكنّ مجرد تفصيل هامشي في التاريخ. سواء حملن الريشة أو القلم، أو خضن غمار العلم، أو رفعن أصواتهن، فقد عشن زمنهن بجرأة بلغت أحياناً حدّ الفضيحة. أرادوهنّ مُلهِمات للفنانين، فأصبحن هنّ المبدعات. أرادوهنّ خاضعات، فاخترن الحرية، وأرادوا إسكاتهن، فرفعن أصواتهن أعلى وأقوى دفاعاً عن قناعاتهن. من أرتيميسيا جنتيليسكي، التي تحدّت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج صاند التي استبدلت قيود المشدّ بحرية الكتابة، مروراً بكامي كلوديل، تلك الروح الجريحة، وبصرامة ماري كوري وعبقريتها، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العالمي... لم تكتفِ هؤلاء النساء بالالتفاف على إملاءات عصرهن، بل حطّمنها. وفي مسيرتهن، نجحن أحياناً وأخفقن أحياناً أخرى، لكنهن لم يستسلمن أبداً. هذه السلسلة من المقالات رحلة عبر الزمن للقاء شخصيات متوهجة، سكنتها إرادة لا تلين، ولا تزال حتى اليوم مصدر إلهام عميق. في نهاية القرن التاسع عشر، كان يُفترض بالمرأة المحترمة أن تكون زوجة وأماً، وفي أفضل الأحوال ملهمة رقيقة لفنان. لم يكن مسموحاً لها أن تلامس الطين، أو تنحت الرخام، أو تواجه عري الأجساد. وبالتالي، لم يكن النحت من الفنون التي تمارسها النساء، إذ كان فناً جسدياً و«قذراً» يُعدّ حكراً على الرجال. لكن كاميل كلوديل (1864-1943) اختارت اقتحام هذا الحصن بالذات. كانت فنانة ذات عبقرية متقدة، تجرأت على انتهاك كل المحظورات التي فرضها عصر خانق. اختارت النحت مهنة، وعاشت حباً خارجاً عن المألوف، ودفعت ثمناً باهظاً مقابل حرية لم يكن مجتمع نهاية القرن التاسع عشر مستعداً لمسامحتها عليها. وانتهت مسيرتها المأساوية، بما حملته من شدة استثنائية، محطمة على جدران المصحّ العقلي. البدايات وُلدت كاميل في عائلة من البرجوازية الصغيرة في الأقاليم الفرنسية، وهي شقيقة الكاتب بول كلوديل. ولم يكن ثمة ما يوحي بأن هذه الفتاة ستتجه يوماً إلى النحت، إذ كان يُفترض بالمرأة آنذاك أن تكتفي بالرسم بالألوان المائية أو التطريز. لكن كاميل بدأت منذ مراهقتها تعجن الطين بشغف جامح. شجعها والدها، الذي أدرك باكراً موهبتها المذهلة، فيما عارضتها والدتها القاسية والمتصلبة نفسياً. وانتقلت إلى باريس، حيث التحقت بأكاديمية كولاروسي وتعلمت كيفية تطويع المادة. المرآة المتّقدة: إعصار رودان عام 1883، التقت كاميل بأوغست رودان. كان في الثالثة والأربعين، فيما كانت هي في التاسعة عشرة. وكان المعلم آنذاك في ذروة شهرته، فلاحظ على الفور الموهبة الاستثنائية التي تتمتع بها الشابة. أصبحت تلميذته، ثم عارضته، ومساعدته، وأخيراً عشيقته. وعلى امتداد عقد كامل، امتزجت عبقريتهما في حوار فني بالغ القوة. وقد أثّرت كاميل في رودان بقدر ما استلهمت منه. شاركت في العمل على بعض روائع المعلم، مثل بوابة الجحيم، والقبلة، وبرجوازيو كاليه وغيرها، وأضفت خفة ورهافة إلى منحوتاته البرونزية. لكن على الرغم من موهبتها، لم يرَ فيها المجتمع سوى عشيقة. حتى النقاد بدأوا يهمسون بأن موهبتها ليست سوى انعكاس لموهبة المعلم. وفي عام 1892، بعدما رفض رودان ترك روز بوريه، رفيقته الدائمة، والزواج من كامي، أنهت الأخيرة علاقتهما. اختارت الوحدة لإنقاذ فنها، رافضة أن تُختزل في صورة «دمية رودان». تأكيد عبقرية مستقلة وحيدةً، أنجزت كاميل كلوديل بعضاً من أكثر أعمالها تأثيراً، وتحررت من جمالية معلمها. فبينما كان رودان يعمل على الكتلة، كانت كلوديل تنحت الحميمية والاختلال. سعت إلى التعبير عن حقيقة الأجساد، وحركة الروح، والحسية الخام. وابتكرت نحتاً سردياً يلتقط اللحظة برهافة استثنائية، مستخدمة العقيق اليماني والرخام ومزج المواد المختلفة. “سنّ النضج”، كاميل كلوديل، 1902، متحف أورسيه. وتُعد منحوتة سن النضج ( L'Âge mûr ) تحفتها الأشهر، إذ تجسّد الهروب الحتمي للزمن وحبها الضائع مع رودان: رجل ناضج تسحبه امرأة مسنّة بعيداً عن ذراعي امرأة شابة راكعة تتوسل إليه. وقد عُثر بالصدفة قبل سنوات على واحدة من النسخ البرونزية الست لهذا العمل في شقة باريسية، وبيعت بأكثر من ثلاثة ملايين يورو. لكن استقلال كاميل كان له ثمنه. فمع غياب دعم شبكة علاقات رودان، أصبحت التكليفات الفنية نادرة. وغرقت كاميل في الفقر والعزلة والارتياب المدمّر. وباتت مقتنعة، خلافاً للواقع، بأن رودان يتجسس عليها ويسرق أفكارها. وفي نوبات اليأس، كانت تحطم قوالبها الجصية بيديها مستخدمة المطرقة. العقاب: ثلاثون عاماً من الصمت نزل عقاب المجتمع الأبوي عليها كالمقصلة، وكانت عائلتها نفسها هي التي تولّت تنفيذه. ففي عام 1913، وبعد وفاة والدها الذي كان سندها الوحيد، وقّع شقيقها بول كلوديل ووالدتها قرار إدخالها إلى مصحّ للأمراض النفسية. كانت كاميل كلوديل آنذاك في الثامنة والأربعين. أمضت السنوات الثلاثين الأخيرة من حياتها في المصحّ، ولم تلمس النحت بعد ذلك أبداً. ومع ذلك، أشارت التقارير الطبية سريعاً إلى تراجع أوهامها، لكن والدتها رفضت رفضاً قاطعاً السماح بخروجها. أما بول كلوديل، فلم يزر شقيقته سوى مرات معدودة على امتداد ثلاثة عقود. توفيت عام 1943 وسط لامبالاة عامة، ضحية سوء التغذية الذي كان يضرب المصحات آنذاك. ودُفنت في قبر جماعي، وضاع أثر رفاتها إلى الأبد. إرث امرأة متمرّدة دفعت كاميل كلوديل حياتها ثمناً لعبقريتها. أراد المجتمع وعائلتها محو اسمها، لكن المادة التي أحبتها إلى هذا الحد لم تنسها. بعد سنوات من وفاتها، أُعيد اكتشاف أعمالها، وأُنصف أخيراً إبداعها وموهبتها. فالمرأة التي لم تحظَ حتى بقبر لائق، نالت أخيراً الاعتراف بها كفنانة رائدة وعبقرية. ومنذ عام 2017، أصبح لها متحف يحمل اسمها، شأنها شأن كبار الفنانين. واليوم، تُعد كاميل كلوديل واحدة من أبرز الفنانات التشكيليات في التاريخ، وقد أثبتت أن العبقرية لا جنس لها ، ومهّدت الطريق لأجيال من النساء الفنانات.

إسرائيل تتحدى تركيا على الأرض السورية

شهد يوم الأربعاء تطورات دبلوماسية وعسكرية متعددة في منطقة الشرق الأوسط، في ظل تصاعد حدة التوترات بين إسرائيل وتركيا حول الملف السوري، وذلك في أعقاب القصف الذي شنّته الطائرات الحربية الإسرائيلية على قاعدة أبو الضهور الجوية في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا. أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الأربعاء أنه أبلغ تركيا "بوضوح" بضرورة عدم إقامتها أي قاعدة عسكرية على الأراضي السورية، في ما بدا إقراراً ضمنياً بالغارة التي شُنّت في اليوم السابق. في الوقت ذاته، حذّر رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زمير من أن بلاده لن تتسامح مع وجود أي «قوة معادية» بالقرب من حدودها، وذلك خلال زيارة أجراها للقوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب سوريا. جاءت زيارة المسؤول العسكري الرفيع في اليوم التالي للقصف الذي استهدف قاعدة أبو الضهور الجوية، إذ تتهم الحكومة الإسرائيلية دمشق بانتهاك الاتفاق القائم بينهما من خلال السماح بنشر قوات تركية في هذه المنشأة. في المقابل، رفضت أنقرة، التي تشهد علاقاتها مع إسرائيل توتراً متصاعداً منذ سنوات، هذه الاتهامات جملةً وتفصيلاً. كما أدان السفير الأمريكي في تركيا توم باراك، الذي يشغل أيضاً منصب المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى سوريا، الغارات الإسرائيلية، واصفاً إياها بأنها «تصعيد غير مبرر». وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، جاءت هذه الغارات في أعقاب «زيارة أجرتها خلال الأيام الأخيرة وفد عسكري تركي إلى المطار في إطار الجهود الجارية لإعادة تشغيله». مؤتمر دعم الجيش اللبناني على صعيد الملف اللبناني، أعلنت بيروت يوم الأربعاء أنها تلقّت دعوة من فرنسا للمشاركة في اجتماع تحضيري تمهيداً لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني في باريس الشهر القادم. كان من المقرر في الأصل أن يُعقد هذا المؤتمر في مارس الماضي في العاصمة الفرنسية، غير أنه أُرجئ بعد أن أوقع حزب الله لبنان في أتون الحرب الإقليمية دعماً لإيران. أفادت الرئاسة اللبنانية بأن الرئيس اللبناني جوزاف عون، الموجود حالياً في زيارة رسمية إلى روما، تلقّى رسالة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون يدعو فيها لبنان إلى «المشاركة في اجتماع تحضيري يوم 17 سبتمبر في باريس، تمهيداً للمؤتمر الدولي لدعم القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي». وأوضحت الرئاسة اللبنانية أن الاجتماع التحضيري سيشهد مشاركة رؤساء أركان من دول عدة، إلى جانب خبراء وممثلين عن حكومات ومنظمات دولية. غير أن باريس لم تُصدر بعد أي إعلان رسمي بشأن هذا الاجتماع. الجيش الإسرائيلي يُقرّ بمقتل هند رجب في غزة، أقرّ الجيش الإسرائيلي يوم الأربعاء بأن قواته أطلقت النار على السيارة التي كانت تستقلها هند رجب، الطفلة الفلسطينية البالغة من العمر خمس سنوات والتي لقيت حتفها في يناير 2024، معلناً فتح تحقيق في هذه القضية في أعقاب تحقيقات أولية أُجريت بشأنها. كان جثمان هند رجب قد عُثر عليه في سيارة مضرّجة بالرصاص بعد أيام من آخر اتصال سُمع منها، وذلك خلال مكالمة هاتفية مطوّلة أجرتها مع الهلال الأحمر الفلسطيني في الـ29 من يناير 2024. وكان الجيش الإسرائيلي قد نفى حتى وقت قريب أن تكون قواته موجودة في تلك المنطقة لحظة وقوع الحادثة. كانت هند رجب قد اتصلت بخدمات الطوارئ من داخل سيارة عائلتها التي تعرّضت لإطلاق النار فيما كانت تحاول الفرار من مدينة غزة، في خضمّ تقدم القوات الإسرائيلية نحو شمال القطاع. أثارت ملابسات مقتل الطفلة موجة واسعة من الغضب والاستنكار الدوليين، وأطلقت نداءات متعددة تطالب بفتح تحقيق مستقل في هذه القضية. وقد أُدرجت التسجيلات الأصلية لمكالمتها مع خدمات الطوارئ لاحقاً في الفيلم الوثائقي صوت هند رجب ، المرشَّح لجائزة الأوسكار. غاليباف في بغداد وفي هذا السياق، وصل رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين لدى طهران، محمد باقر غاليباف، إلى بغداد يوم الأربعاء في زيارة تمتد ثلاثة أيام، في وقت تتعرض فيه العراق لضغوط أمريكية متصاعدة بهدف نزع سلاح الفصائل المسلحة النافذة المدعومة من إيران. وأكد غاليباف أن زيارته تهدف إلى «تعزيز النظام الجديد في المنطقة وتسريع وتيرة التعاون بين جميع دول المنطقة بعيداً عن أي تدخل أجنبي». وتأتي هذه التصريحات في ظل وضع بالغ الحساسية تجد فيه بغداد نفسها محاصرةً بين علاقاتها مع طهران والمطالب الأمريكية المتعلقة بالجماعات المسلحة الموالية لإيران العاملة على أراضيها. ومن المقرر أن يلتقي غاليباف برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، قبل أن يجري مباحثات مع ممثلي «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الحاكم الذي يضم عدة أحزاب شيعية تتباين درجات قربها من طهران. وتحت الضغط الأمريكي، منح الزيدي الجماعات المسلحة الموالية لإيران مهلة حتى الثلاثين من سبتمبر لتسليم أسلحتها، وهو الموعد الذي يتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحة الجماعات الجهادية في العراق.

(7/10) النبي والفيلسوف
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. حملت الأولى، بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، عنوان “The Prophet and the Philosopher: The Hierarchy of Knowledge between Avicenna’s Falsafa and al-Kirmānī’s Ismaili Neoplatonism”. ويُقدَّم نصها هنا في نسخة منقّحة وموسّعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. وعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، قوامه ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، وتركيب بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين مختلفين: ابن سينا ضمن التقليد المشّائي للفلسفة، والكرماني في إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف سياقيهما الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طريقتين مختلفتين في التفكير في موقع الفلسفة إزاء السلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. ويشكّل هذا المقال الجزء السابع من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. VII - التركيب السينوي بين ضرورة النبوّة و“الفيلسوف-الملك السرّي” يظل تحدّي التوفيق بين الفيلسوف-الملك الأفلاطوني والأفق السياسي الإسلامي واحدًا من أخصب الإشكاليات في الفلسفة الكلاسيكية. ففي السياق الإسلامي، تبقى صورة الحاكم دائمًا في ظل السلطة الطاغية للنبي، الذي تجعل صلته الفريدة بالإلهي أي ادعاء لاحق بالسلطة ثانويًا من الناحية الأنطولوجية. ومن ثم شهد العصر ما بعد النبوي تباعدًا بين نمطين متميزين من “الهداية”، يسعى كل منهما إلى ردم الهوة بين السيادة الإلهية والحكم الأرضي. صاغ التقليد السنّي الخلافة بوصفها تركيبًا بين النظرية القرآنية للاستخلاف البشري ( istikhlāf ) والضرورة العملية لوجود “أمير المؤمنين”. وفي هذا الإطار، لا يعمل الخليفة بوصفه جسرًا أنطولوجيًا إلى الإلهي، بل حارسًا وظيفيًا للشريعة. وسلطته إدارية وقضائية في المقام الأول: فهو منفّذ لشريعة موحى بها وقائمة سلفًا. وهنا تُضبط صورة الفيلسوف-الملك بسلطان الشريعة؛ ويكون الحاكم “عادلًا” بقدر ما يدير الجماعة وفق مقتضيات وحي اكتمل وتمّ. وعلى النقيض من ذلك، تربط الإمامة الشيعية الاستخلاف بالاستمرارية الميتافيزيقية لـ“الحقيقة المحمدية” ( al-Ḥaqīqa al-Muḥammadiyya ). وفي هذا النموذج، بينما تُختم دورة النبوّة التشريعية ( nubuwwa )، تظل دورة الهداية الروحية ( walāya ) مفتوحة. وتخضع السلطة لتحول عميق من الطور الظاهر ( ẓāhir )، أي تبليغ الرسالة الحرفية، إلى الطور الباطن ( bāṭin )، أي كشف حقائقها الروحية المستترة. ومن ثم لا يكون الإمام مجرد مدير سياسي، بل حضورًا نورانيًا يمتلك “الوحي الباطني” اللازم لفك سر الإلهي للمؤمنين. وقد قدّم التقليد الإسماعيلي، ولا سيما في صيغته الإمبراطورية الفاطمية، تركيبًا جذريًا بين هذين المسارين، إذ جمع الخلافة والإمامة في منصب واحد. وبعد “دور الستر” ( dawr al-satr )، حوّل الظهور العلني للإمام-الخليفة في شمال أفريقيا، ثم تأسيس القاهرة، سلالة روحية سرية إلى إمبراطورية ذات تطلع عالمي. وبالنسبة إلى الدعاة الإسماعيليين، كان الإمام-الخليفة المحكّ الحي لكل النظريات السياسية الموروثة من العصور القديمة. فقد مثّل ظاهرة تاريخية فريدة: تقاطع حنين مطلق، هو استعادة المناخ النبوي الخالص، ويوتوبيا مطلقة، هي تحقيق دولة كاملة مستنيرة. وفي شخص الإمام الفاطمي، وجد الفيلسوف-الملك الأفلاطوني أخيرًا موطنًا له داخل العالم الإسلامي، لا بوصفه مثالًا نظريًا، بل بوصفه حاكمًا يجمع بين سيف الخليفة وعرفان (ʿ irfān ) الإمام. وتقف الإمبراطورية الفاطمية بوصفها الإمبراطورية الأفلاطونية المحدثة بامتياز، ولعلها تمثل أكثر المحاولات طموحًا في التاريخ لترجمة التراتبية العمودية للفيض الأفلوطيني إلى بنية سياسية أفقية أرضية. فبالنسبة إلى الدعاة الفاطميين، لم تكن الدولة مجرد عقد اجتماعي، بل ضرورة كوسمولوجية. وقد نظروا إلى الكون بوصفه سلسلة من الفيوض تبدأ من “العقل الأول” وتنتهي إلى العالم المادي. وفي هذا الإطار الأفلاطوني المحدث، يكون الإمام-الخليفة النظير الأرضي للعقل الكلي. فهو “النقطة” التي تفيض منها كل معرفة إلى الأسفل. وإذا كانت الأفلاطونية المحدثة قد وفّرت “الكيف”، أي البنية، فإن الأفلاطونية وفّرت “الماذا”، أي الغاية. وكان المشروع الفاطمي أفلاطونيًا في التزامه الجوهري بحكم الحكمة. وكما في مدينة أفلاطون المثالية، كانت الدولة الفاطمية مشروعًا تربويًا. ولم يكن إنشاء مجالس الحكمة ( Majālis al-Ḥikma ) والأزهر مجرد أداة دعائية؛ بل كان يرمي إلى “الارتقاء” بأرواح الرعية. فغاية الدولة كانت بلوغ النفس البشرية كمالها، وهو أسمى مثال أفلاطوني. وعند هذه النقطة تحديدًا أقترح الصياغة التالية: بالنسبة إلى مفكر مثل السجستاني أو الكرماني أو ناصر خسرو، كان الإمام-الخليفة الإسماعيلي يمثّل “الفيلسوف-الملك اللاواعي”، أي شخصية يكون فيها المثال الأفلاطوني قد تحقق أنطولوجيًا وتجسّد موضوعيًا بالفعل، بحيث لا تكون مهمة الفيلسوف التشريع، بل فك رموزه. أما عند ابن سينا، الذي أحدث قطيعة بروميثيوسية مع المشروع الإسماعيلي، فإن موضع السيادة ينتقل. فبعدما لم تعد متجسدة في مؤسسة إمبراطورية مرئية، يقع العبء على الفرد: إذ يُجبر الفيلسوف على أن يحيا وجودًا مزدوجًا، مواطنًا كونيًا في عالم المعقولات وملكًا سريًا لمملكة داخلية خفية في آن واحد. وهكذا فإن أوديسة الفيلسوف-الملك ضمن الأفق الثيوصوفي “المشرقي” ليست خطية بأي حال؛ بل هي حركة عميقة من التجلي السياسي للعرفان إلى استبطان السيادة. الفيلسوف-الملك خارج اليونان على الرغم من أن أفلاطون قدّم الصياغة الفلسفية الأكثر إحكامًا لمفهوم الفيلسوف-الملك، فإن هذا المفهوم ليس أفلاطونيًا حصرًا؛ إذ يظهر في مواضع أخرى بصيغ أكثر التباسًا وتعددًا في الدلالة. ففي التقاليد الهندية القديمة، لا يتمثل أقرب نظير له في فيلسوف-ملك بالمعنى الأفلاطوني الصارم، بل في حاكم خاضع للـدارما ( dharma )، غالبًا ما تهديه الحكمة أو يكون تجسيدًا لها. وفي التقاليد الأوبانيشادية والملحمية، تُقدَّم شخصيات مثل جاناكا بوصفها rājarṣi ، أي “الحكيم الملكي”. فجاناكا لا يكتفي بتلقي مشورة الفلاسفة، بل يشارك بنفسه في البحث الميتافيزيقي. وهنا يصبح الملك موضع تقاطع بين السلطة السياسية والمعرفة الروحية، لا من خلال فلسفة نسقية مستقلة، بل عبر تحقيق الحكمة البراهمانية. وفي هذا الإطار، لا يستمد الحاكم شرعيته من ارتقاء جدلي، بل من توافقه مع النظام الكوني ( dharma ). وهكذا، بينما يمارس الملك السلطة الزمنية، يحتفظ البراهماني، أي “العارف”، في كثير من الأحيان بسلطة معرفية تتفوق على العرش. أما في التقليد الفارسي، وتحديدًا في الفكر السياسي الساساني ثم في الفكر السياسي في العالم الإسلامي، فتتصدّر صورة “الملك العادل”. وهنا تتوقف شرعية الملك على تجسيده للعدالة، وهي فكرة ربطتها التطورات الفلسفية اللاحقة، ولا سيما في التقليد الإشراقي، بالنور الإلهي. وقد ترك هذا التركيب أثرًا عميقًا في أدب مرايا الأمراء ( naṣīḥat al-mulūk ) وفي تطور الفلسفة على السواء. وفي تقليد مرايا الأمراء العربي والفارسي، كان لهذا الإرث دور حاسم في إعادة تعريف العدالة. فلم تعد تُفهم بوصفها مجرد “اتباع للشريعة”، بل بوصفها الحفاظ على توازن الدولة. ويعكس هذا “الاستتباب” السياسي تصور ابن سينا للنبي-المشرّع بوصفه “الموازن” الأعلى بين الأمزجة البشرية المتباينة. وهكذا، على الرغم من أن الفلاسفة تبنّوا مفردات العلم السياسي اليوناني، ولا سيما الجمهورية والقوانين لأفلاطون، فإن “لحم ودم” حاكمهم المثالي كانا في كثير من الأحيان مستمدين من نماذج ساسانية مثل أردشير الأول أو كسرى أنوشروان. والابتعاد عن المصدر اليوناني هنا دالّ: فبالنسبة إلى أفلاطون، تستمد شرعية الملك من معرفته بالمُثُل. غير أن الفلاسفة، بدءًا من الفارابي وصولًا إلى ابن سينا، حيث يبلغ هذا التحول ذروته، نقلوا مركز الثقل نحو المفهوم الساساني للعدالة بوصفها توازنًا. ومن ثم، عندما يتحدث ابن سينا عن النبي-المشرّع، فإنه يصف شخصية تقيم ميزانًا ( mīzān ). وفي هذه الحركة الفكرية، يُترجم “الخير” الفلسفي إلى “النظام العادل” الساساني، حيث تتمثل الوظيفة الأساسية للحاكم في ضمان ألا يطغى أي جزء من الجسد الاجتماعي على جزء آخر، بما يحفظ انسجام الكل. وأشهر المقولات السياسية الساسانية، والمنسوبة إلى أردشير الأول، هي أن “الدين والملك أخوان توأمان”. وقد أصبحت هذه المقولة مبدأ تأسيسيًا في الفلسفة السياسية الإسلامية. ففي سياقها الساساني الأصلي، كان الدين الأساس، وكان الملك حارسه؛ ولا يمكن لأحدهما أن يدوم من دون الآخر. وكان الأثر الفلسفي لهذه المقولة تحويليًا، إذ حلّت فعليًا محل المفهوم اليوناني للـ polis العلمانية الخالصة. واستخدم الفلاسفة مفهوم “التوأمة” هذا للقول إن النبي، بوصفه مؤسس الدين، والملك، بوصفه حافظ الشريعة، وجهان لعملة واحدة. وقد أتاح هذا التركيب للفلاسفة أن يقدّموا الشريعة لا بوصفها مجرد أحكام طقسية، بل بوصفها نظير الـ dād الساساني، أي “الشريعة العادلة”، وضرورة بنيوية لبقاء الدولة واستقرارها. من الفيلسوف-الملك إلى النبي-المشرّع في جمهورية أفلاطون، الحاكم المثالي هو من يبلغ معرفة المُثُل ثم يحكم بالبصيرة العقلية. غير أن هذه الشخصية تخضع، في تلقي الفلسفة اليونانية داخل العالم الإسلامي، لإعادة تشكيل جوهرية: فحضور النبوّة يُدخل موضعًا ثانيًا للنفاذ إلى الحقيقة. ومن ثم لا يعود السؤال المركزي ببساطة ما إذا كان ينبغي للفيلسوف أن يحكم، بل كيف ينبغي أن ترتبط المعرفة الفلسفية بالسلطة النبوية: أهما وظيفتان متميزتان، أم نمطان متكاملان، أم تجليان متراتبان لحقيقة واحدة؟ وفي صياغة أفلاطون، يتحدد الفيلسوف-الملك بحركة معقدة من التحول لا بمجرد صعود: فمن خلال التدريب الجدلي، يعاد توجيه النفس من الرأي نحو المعرفة، وصولًا إلى تأمل النظام المعقول للواقع. وهذا التحول المعرفي ليس مجرد تراكم، بل ينطوي على “استدارة” حاسمة في اتجاه النفس ذاته. ومع ذلك، لا يتحول هذا الإنجاز التأملي بسلاسة إلى سيادة سياسية. بل على العكس، يُجبر الفيلسوف على العودة إلى عالم الظاهر والرأي، حيث يبدو الحكم أقل امتدادًا طبيعيًا للرؤية الميتافيزيقية منه عودة شاقة إلى الكهف، لا تبررها إلا مقتضيات العدالة. غير أن هذا المخطط الأفلاطوني لم يعد قابلًا للحفاظ عليه بصورته الأصلية ضمن تقليد التلقي في العالم الإسلامي، ولا سيما عند الفارابي. فالحضور المؤسسي للنبوّة بوصفها مصدرًا تأسيسيًا للحقيقة والشريعة يفرض إعادة تشكيل عميقة للنموذج الفلسفي. وهكذا تبلغ المسألة لبّها: من الذي يملك، في نهاية المطاف، النفاذ إلى الحقيقة القصوى، الفيلسوف أم النبي؟ أو، بصورة أكثر جذرية، هل هاتان الشخصيتان متميزتان حقًا، أم أنهما نمطان لوظيفة واحدة تتجلى ضمن نظامين معرفيين مختلفين؟ وجواب الفارابي نسقي وأنيق مفهوميًا في آن واحد. فهو يعيد صياغة الكمال السياسي من خلال شخصية “الرئيس الأول” ( al-ra ʾ īs al-awwal )، الذي يجمع في شخصية واحدة ما كان أفلاطون قد وزّعه بين الفلسفة والحكم السياسي. ويوحّد هذا الرئيس الأول نمطين مختلفين من النفاذ إلى الحقيقة: التعقل الفلسفي القائم على المعرفة البرهانية ( burhān )، والإدراك النبوي المعبّر عنه من خلال وحي رمزي تخييلي. وفي هذا التصور، لا تعود النبوّة متموضعة خارج الفلسفة بوصفها منافسًا أو بديلًا لها، بل تظهر بوصفها اكتمالها المدني والرمزي. وهكذا لا يُستبدل الفيلسوف-الملك ببساطة ولا يُناقَض، بل يُعاد تشكيله. فهو يتحول إلى شخصية تلتقي فيها الوظيفتان الفلسفية والنبوية، وإن ظلتا متمايزتين على مستوى التعبير: البرهان العقلي من جهة، والصياغة الرمزية التخييليّة من جهة أخرى. وضمن هذه البنية، لا تتعارض الحقيقة العقلية والرمزية الوحيانية، بل تندمجان في نظام معرفي وسياسي واحد. أما عند ابن سينا، فتنتقل المسألة بصورة حاسمة من النظرية السياسية إلى الميتافيزيقا. فلم يعد السؤال في المقام الأول كيف يكون الحكم، بل كيف ترتبط درجات العقل المختلفة ببنية الوجود ذاتها. ولم يعد النبي يُتصوَّر ببساطة بوصفه حاكمًا-فيلسوفًا، بل عقلًا تبلغ علاقته بالعقل الفعّال أقصى درجات المباشرة. ويقيم ابن سينا تمييزًا حاسمًا بين أنماط الإدراك: فالفيلسوف يرتقي تدريجيًا من خلال الاستدلال الخطابي والتجريد، بينما يتلقى النبي فيضًا ( fayḍ ) لحظيًا من الصور المعقولة. وهكذا يصبح الفيلسوف-الملك حالة حدية ضمن تراتبية الإدراك البشري، فيما ترتقي النبوّة إلى نمط معرفي أعلى وغير خطابي. وتظل السلطة السياسية مضمرة في هذه البنية، لكنها تصبح مؤسسة على تراتبية معرفية أعمق بدلًا من الوظيفة المدنية وحدها. وهكذا تتحول “مشكلة الفيلسوف-الملك” الكلاسيكية داخل الفلسفة إلى سؤال أكثر جذرية: هل تستطيع الفلسفة أن تستمر في المطالبة بأي شكل من أشكال السيادة بعدما جرى استبطان النبوّة وعقلنتها وإعادة وضعها بوصفها أعلى نمط ممكن للحقيقة؟ النبوّة والعقل القدسي وتراتبية المعرفة بالنسبة إلى ابن سينا، يشترك النبي والفيلسوف في الغاية نفسها، لكنهما يسلكان طريقين مختلفين. فكلاهما يسعى إلى إدراك الحقيقة القصوى وطبيعة المبدأ الأول، ولكنهما يفعلان ذلك من خلال ملكات مختلفة للنفس. وكلاهما يطمح إلى الاتصال بالعقل الفعّال، مصدر كل معرفة وكل صورة في العالم ما دون القمر. ويكمن الاختلاف في كيفية الوصول إلى هذا المصدر. فالفيلسوف يبلغ الحقيقة من خلال الاستدلال القياسي والدراسة والتفكير الخطابي. إنها عملية صاعدة من العمل العقلي. أما النبي فيتلقى الحقيقة من خلال الحدس ( ḥads ) والوحي. إنها عملية نازلة تكون فيها النفس من الصفاء بحيث تتلقى المعرفة لحظيًا من دون حاجة إلى تعليم. ويقدّم ابن سينا إطارًا نفسيًا بالغ الدقة لتفسير كيفية عمل النبي في مستوى أعلى من الفيلسوف. فهو يقرّ بالعقل القدسي ( al- ʿ aql al-qudsī ) بوصفه أعلى درجات العقل البشري، وهو خاص بالأنبياء. ويتيح لهم تجاوز الخطوات البطيئة للمنطق. فبينما قد يحتاج الفيلسوف إلى سنوات لفهم حقيقة ميتافيزيقية، يدرك “العقل القدسي” لدى النبي سلسلة الحدود الوسطى بأكملها في ومضة حدسية واحدة. لكن الفارق الأبرز يكمن في قوة المخيلة لدى النبي. ولأن النبي مطالب بقيادة جماعة، فإن مخيلته “تترجم” الحقائق المجردة والعقلية الخالصة إلى رموز وصور وأمثال حية. وتبلغ قوة هذه الرموز حدًا يجعل النبي “يراها” في هيئة ملائكة أو “يسمعها” في هيئة أصوات. أما الفيلسوف، فيتعامل مع المفاهيم المجردة عاريةً من هذه الصور. ويرى ابن سينا أن النبي يتفوق على الفيلسوف في المستوى الاجتماعي لأنه يؤدي وظيفة لا يستطيع الفيلسوف أداءها: وظيفة المشرّع. ففي حين يفهم الفيلسوف لماذا تكون الحقيقة حقًا، يقدّم النبي الشريعة، وهي إطار ضروري من الأحكام والرموز يتيح للمجتمع أن يعمل ويوجّه غير الفلاسفة نحو حياة فاضلة. وبهذا المعنى، يكون النبي “فيلسوفًا كاملًا” و“رجل دولة كاملًا” في آن واحد. وفي حين أن الحاكم المثالي عند الفارابي هو، في الحالة المثلى، فيلسوف ونبي معًا، لأن الفلسفة توفّر معرفة ما هو خير، بينما توفّر النبوّة الأدوات الخطابية والتخييلية اللازمة لتحقيق ذلك الخير في “المدينة الفاضلة”، ينقل ابن سينا هذا التوازن بتأكيده الضرورة الأنطولوجية للمشرّع. فالنبي عند ابن سينا ليس مجرد فيلسوف يمتلك، إلى جانب ذلك، مهارات خطابية، بل هو إنسان فريد تجعل طبيعته ذاتها منه جسرًا بين العالمين السماوي والأرضي. وإذا كان الإمام الفارابي يقف في قمة تراتبية سياسية، فإن النبي السينوي هو الأساس الذي لا غنى عنه لبقاء البشر؛ فمن دون الشريعة الإلهية التي يأتي بها، تعجز البشرية عن إقامة العدالة الضرورية للحفاظ على مجتمع مستقر. ومن ثم، ففي حين يرى الفارابي الدين “خادمًا” للحقيقة الفلسفية أو محاكاة رمزية لها، يرفع ابن سينا المنصب النبوي إلى حالة نفسية إعجازية، هي “العقل القدسي”، تتيح للنبي إدراك كلية الوجود لحظيًا، وهو ما يظل خارج متناول الاستدلال الخطابي المتدرج للفيلسوف التقليدي. ويرى الفارابي النبي بوصفه المشرّع والمربي الأسمى الذي يجعل الفلسفة متاحة للجمهور. أما ابن سينا، فينقل مركز الثقل إلى الداخل، فيرى النبي ظاهرة بيولوجية وروحية، إنسانًا يكون عقله مهيأ بطبيعته لمرتبة معرفية أعلى حتى من تلك التي يبلغها ألمع الفلاسفة. عقلنة النبوّة يمثل المشروع السينوي واحدة من أكثر عمليات “عقلنة” الظاهرة النبوية تعقيدًا في تاريخ الأفكار. فمن خلال نقل مقام النبي من مجال الإرادوية اللاهوتية، حيث كان الفقهاء ( fuqahā ʾ) ينظرون إليه بوصفه فعلًا إعجازيًا واعتباطيًا من أفعال الاصطفاء الإلهي، إلى مجال الضرورة الطبيعية والنفسية، أدمج ابن سينا الوحي في نسيج الكون الأرسطي-الأفلاطوني المحدث ذاته. وهو بذلك لم يكتف بالدفاع عن إمكان النبوّة، بل أعاد تعريف تراتبية العقول البشرية، وانتهى إلى فتح مجال لسيادة فريدة و“سرية” للفيلسوف داخل عالم تحكمه الشريعة النبوية. وفي قلب نظام ابن سينا تصنيف صارم للعقل البشري، يرتقي من العقل الهيولاني ( al- ʿ aql al-hayūlānī )، أي الاستعداد المحض للتفكير، إلى العقل المستفاد ( al- ʿ aql al-mustafād )، حيث يبلغ الذهن الاتصال بالعقل الفعّال. وضمن هذه التراتبية، يحدد ابن سينا العقل القدسي ( al- ʿ aql al-qudsī ) بوصفه حالة فائقة مخصصة للنفس النبوية. وعلى خلاف الفيلسوف التقليدي، الذي يتعين عليه أن يجتاز بشق الأنفس “الحدود الوسطى” للقياس من خلال الاستدلال الخطابي، يعمل صاحب العقل القدسي في مجال “الحدس الحاد”. فالمعرفة بالنسبة إلى النبي ليست عملية زمنية، بل ومضة لحظية؛ إذ يبلغ العقل من الصفاء حدًا يتلقى معه مجموع المعقولات من العقل الفعّال “دفعة واحدة أو ما يقارب ذلك”. ويمثل هذا انتقالًا من التعلم الكمي إلى الاتصال الكيفي، حيث تصبح النفس مرآة مصقولة تمامًا تعكس النظام الإلهي للكون. ويظهر اختلاف ابن سينا عن الفقهاء بأوضح صوره في تناوله وظيفة النبي. ففي حين رأى الفقهاء النبي رسولًا للأوامر الإلهية الموجهة إلى الخلاص الطقسي، رآه ابن سينا ضرورة أنطولوجية لبقاء النوع البشري. ولأن البشر اجتماعيون بطبيعتهم، لكنهم ميالون أيضًا إلى الصراع، يحتاج المجتمع إلى مشرّع يضع “الشريعة الكلية”. ولا بد لهذا المشرّع من أن يكون أكثر من مجرد فيلسوف؛ إذ ينبغي أن يمتلك قوة تخييلية عظيمة قادرة على ترجمة الحقائق العقلية المجردة إلى رموز حية وأمثال وتحذيرات حسية، مثل الجنة والنار وصوت الملاك. وهذه الطبقة “الخطابية” من الدين ضرورية، لأنها توفر إطارًا اجتماعيًا-سياسيًا مستقرًا للعامة الذين لا يستطيعون استيعاب البراهين المحضة. وهكذا يحقق النبي المثال الأفلاطوني للفيلسوف-الملك، ولكن بعمق نفسي، هو العقل القدسي، يتيح لسلطته أن تنفذ إلى العالمين العقلي والحسي معًا. ويمثل وصف ابن سينا لعقل النبي بوصفه “قوة قدسية”، تتلقى فيضًا مباشرًا من العقل الفعّال، عقلنة فلسفية لمفهوم Farr-e Izadi ، أو Khvarenah . ويشير هذا المفهوم الفارسي القديم إلى بهاء إلهي نوراني يحل على الحاكم الشرعي، دالًا على السلطة الروحية والنعمة الزمنية في آن واحد. “الفيلسوف-الملك السرّي” وهنا ينشأ توتر حاسم في الفكر السياسي عند ابن سينا: إذا كان النبي هو المشرّع الأعلى والمصدر الوحيد للشرعية التنفيذية والقضائية، فما الذي يبقى للفيلسوف؟ لا يملك الفيلسوف عند ابن سينا أي سلطة سياسية رسمية. فهو ليس قاضيًا ولا منفذًا؛ بل مواطن خاضع للـ nomos النبوي. غير أن غياب هذه السلطة الزمنية يفضي إلى ما يمكن تسميته “الفيلسوف-الملك السرّي”. فبينما يحكم النبي “الظاهر”، أي أجساد العامة ونظامهم الاجتماعي، يبلغ الفيلسوف “ملوكية سرية” على “الباطن” ( bāṭin ). والفيلسوف هو الوحيد الذي يفهم الـ ratio الكامنة وراء رموز النبي. وهو يطيع الشريعة لا خوفًا ولا رجاءً، بل انطلاقًا من إدراك عقلي لضرورتها. وكما تلمّح إلهيات الشفاء ( al-Shifā ʾ)، فإن استمرارية النظام الكوني تعتمد على “خليفة عقلي” يحفظ الحقيقة الباطنة للشريعة. وفي نهاية المطاف، نقل ابن سينا الحلم الأفلاطوني من الأغورا العامة إلى محراب العقل. فالفيلسوف السينوي “مواطن كوني” يعيش، على الرغم من خضوعه الخارجي للدولة، في مملكة داخلية مكتفية بذاتها. ومن خلال بلوغه الاتصال بالعقل الفعّال، يصبح الفيلسوف “عالمًا عقليًا” مستقلًا، بما يجعله بمنأى عن تقلبات السلطة السياسية. وتمنح هذه “الملوكية السرية” الفيلسوف أسمى أشكال الحرية: حرية البرهان إزاء التقليد. فهو يظل “غريبًا” ( gharīb ) في المدينة الأرضية، لكنه السيّد الحقيقي للعالم المعقول، قائمًا بوصفه “أمةً بذاته”، بينما تقيم نفسه بين “الملأ الأعلى” ( al-mala ʾ al-a ʿ lā ). استبطان السيادة إن مسار الفيلسوف-الملك في الفلسفة الكلاسيكية ليس خطيًا ولا بديهيًا؛ بل يتكشف عبر سلسلة من إعادة التشكيلات التي تنقل موضع السيادة تدريجيًا. فعند الكندي، تظل الفلسفة خارج السلطة: يظهر الحاكم بوصفه راعيًا قد تعزّز شرعيته بالبحث العقلي، لكنها لا تتأسس عليه. وعند الفارابي، ينقلب هذا التوازن، إذ تطمح الفلسفة إلى تعريف السلطة ذاتها: يصبح الحاكم الفيلسوف-النبي، وتستمد السلطة السياسية مشروعيتها من الحقيقة البرهانية. وفي التركيب الإسماعيلي عند الكرماني، تنقلب هذه العلاقة وتُمتص في الوقت نفسه داخل بنية لاهوتية، حيث لا تعود السيادة شيئًا يُكتسب، بل تصبح معطاة أنطولوجيًا في الإمام، فيما تُختزل الفلسفة إلى فعل تأويل. فالإمام هو تحقق العقل الأول على الأرض؛ و“فلسفته” ليست سعيًا خطابيًا، بل حضور سيادي معاش. وبالنسبة إلى الكرماني، لا يحتاج الملك إلى أن يصبح فيلسوفًا؛ فهو، بحكم مرتبته الكونية، المصدر ذاته الذي تفيض منه كل حكمة. وليست وظيفة الفيلسوف إرشاد الحاكم، بل فك شيفرة سلطته النورانية. وأخيرًا، مع ابن سينا، تُستبطن السيادة: ينسحب الفيلسوف إلى “مدينة افتراضية” للنفس، حيث تقوم الملوكية الحقيقية بوصفها حالة خفية وعقلية. ولا تعود السيادة منصبًا سياسيًا، بل حالة من حالات الوجود، مؤسِّسةً ملوكية خفية تظل خارج متناول أي سلطان أرضي. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

في الاصولية الدينيّة... رقصة الموت (2/3)

انتقلت جماعة الإخوان المسلمين من العمل الدعوي إلى النشاط السياسي - الجهادي في فلسطين، عبر إعادة تشكيل تنظيمها الحزبي، وصارت تُسمّى حركة حماس. وفي هذا الانتقال جرى انفتاح واسع على الحركة الجماهيرية، وسعت إلى تكريس مفهومها الخاص لنظام المصلحة الفلسطينية، كما ورد في الجزء الأول من هذه المقاربة. واعتمدت الحركة، في ظاهر سياستها، على ركيزة إسقاط اتفاق أوسلو وانتقاد أداء السلطة الوطنية وفسادها. وروّجت للدعوة إلى الإصلاح والتغيير، باستهداف السلطة ووزاراتها وأجهزتها ومنظمة التحرير الفلسطينية، الإطار الكياني وصاحبة التمثيل الرسمي والشرعية الدولية. أما نشاطها الجهادي - العسكري والأمني، فشكّل للحركة الناشئة بوابة التحول من جماعة حزبية نخبوية مغلقة إلى حركة جماهيرية واسعة. وقد تم لها هذا التحول عبر ممارستها العنفية في انتفاضة الأقصى، حسب تسميتها، إذ صعّدت حماس استخدامها للعنف إلى أبعد حد استطاعته، على أن هذا الجهاد الانتحاري سيحرّر القدس وكامل التراب الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني، ربطاً بالنموذج الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية وبالتحالف مع نظام الأسد الأب في سوريا، بما هما تلخيص يختصر الأمتين العربية والإسلامية معاً! في نهاية انتفاضة الأقصى ورحيل الرئيس عرفات، كانت موازين القوى الداخلية الفلسطينية تتجه لمصلحة حركة حماس. ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، صدرت الفتوى الدينية التي تُجيز وتُحلّل المشاركة بالانتخابات من دون التوقف أمام قوانينها، أو علاقتها باتفاق أوسلو والتزامات السلطة الوطنية تجاه إسرائيل والمجتمع الدولي. إذ اعتمدت الحركة على جمهورها الواسع والمؤيد للعنف المسلح بكل أشكاله، وعلى تمسكها بشعارها «إسقاط اتفاق الخيانة»، وعلى هويتها الجماهيرية الجديدة للمشاركة بالانتخابات تحت قائمة «الإصلاح والتغيير». تحوّلات سُلْطَوِيّة حصدت حركة حماس أربعة وسبعين مقعداً في المجلس التشريعي، من أصل 132 مقعداً، وفازت بالأغلبية، وصار قائدها إسماعيل هنية رئيساً للوزراء، إلى جانب رئيس السلطة المنتخب محمود عباس. ولم يطالب عباس حركة حماس بتغيير برنامجها الحزبي، شأنها في ذلك شأن سائر الفصائل المشاركة في السلطة، لكنه نبّه إلى ضرورة التزام الحكومة، في مؤسسات السلطة كافة، بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وبالالتزامات القائمة تجاه المجتمع الدولي، انطلاقاً من قاعدة الفصل السياسي بين الأحزاب والفصائل وبرامجها، وبين المؤسسة السلطوية التي يُفترض أن تمثل الكيان السياسي الفلسطيني. وهو مبدأ معمول به، من حيث الأصل، في الأنظمة البرلمانية والدول الحديثة. وبالعودة إلى البرنامج الانتخابي الذي خاضت حماس الانتخابات من خلاله، تحت يافطة «التغيير والإصلاح»، نجد وثيقة سياسية تضمنت بنوداً تتحدث عن الثوابت الوطنية والمقاومة، وحماية الحريات السياسية والتعددية، والتداول السلمي للسلطة، ورفض الاقتتال الداخلي، واحترام حقوق الأقليات، ومنع الاعتقال السياسي، ومحاربة الفساد، وإصلاح القضاء، إلى جانب جعل الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع، فضلاً عن مجموعة من البنود الاجتماعية والاقتصادية التي لا تكاد تثير خلافاً بين القوى السياسية الفلسطينية. وقد بلغ البرنامج ثمانية عشر بنداً، تفرّع عن كل منها عدد من النقاط التفصيلية. غير أن هذه الوثيقة، التي مثّلت أول اختبار ديمقراطي واسع لحماس في ممارسة السلطة، لم تصمد طويلاً أمام واقع ازدواجية السلطة التي نشأت بين رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة، وانتهت بعد أقل من عام ونصف إلى الصدام المسلح، ثم إلى سيطرة حماس بالقوة على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007. وقد كشفت أحداث الانقسام المسلح آنذاك عن مفارقة صارخة بين ما نصّ عليه البرنامج الانتخابي من حماية للتعددية ورفض للاقتتال الداخلي والتداول السلمي للسلطة، وبين ممارسة سياسية انتهت إلى استخدام القوة لحسم الصراع على السلطة. وسقط خلال تلك المواجهات مئات القتلى والجرحى من عناصر الأجهزة الأمنية والفصائل والمدنيين، لتدخل الساحة الفلسطينية منذ ذلك الحين مرحلة الانقسام السياسي والجغرافي بين سلطتين. ولم تكن المشكلة في انتقال حماس من موقع المعارضة إلى موقع الحكم بحد ذاته؛ فهذا هو جوهر العملية الديمقراطية. وإنما في أن انتقال الحركة إلى السلطة وضع خطابها الأيديولوجي أمام امتحان مختلف تماماً: كيف تتحول العقيدة السياسية إلى مشروع حكم؟ فهناك فارق جوهري بين امتلاك خطاب تعبوي قادر على استقطاب الجمهور في زمن المعارضة، وبين إدارة مجتمع مثقل بالفقر والبطالة والحصار والاحتلال وتدهور الخدمات، ويحتاج قبل كل شيء إلى التعليم والصحة والعمل والتنمية والقضاء والإدارة الرشيدة. وهنا ظهرت إحدى المعضلات البنيوية في تجربة الأصولية الدينية: قدرتها على إنتاج خطاب سياسي يستمد جزءاً كبيراً من قوته من المرجعية الدينية، مقابل صعوبة تحويل هذه المرجعية إلى برنامج متكامل في الاقتصاد والتنمية والثقافة والإدارة العامة. وهي معضلة لا تقتصر على التجربة الفلسطينية، بل ظهرت، بدرجات مختلفة، في تجارب إسلامية أخرى، من إيران إلى السودان والصومال وتونس، حين اصطدمت الأيديولوجيا بوقائع المجتمع وتعقيداته، وحين تحولت السياسة إلى امتداد للعقيدة بدلاً من أن تكون مجالاً لإدارة المصالح المتعارضة داخل المجتمع. وفي الحالة الفلسطينية، كانت المعضلة أكثر تعقيداً. فحماس لم تتسلّم سلطة في دولة مكتملة السيادة، بل في سلطة محدودة الصلاحيات، تحت الاحتلال، وفي مجتمع محاصر، بينما بقيت إسرائيل تسيطر على الحدود والمجال الجوي والمياه والمعابر، وتمتلك القدرة على فصل المناطق الفلسطينية والتدخل في حركة الأفراد والبضائع والموارد. وفي ظل هذه البيئة، كان يُفترض بأي مشروع سياسي يسعى إلى الحكم أن يضع التنمية وتحسين شروط الحياة وإدارة المؤسسات في مقدمة أولوياته، وأن يحدد بوضوح العلاقة بين المقاومة وبين متطلبات الحكم. لكن تجربة حماس اتجهت، تدريجياً، إلى جعل إدارة الصراع المسلح مع إسرائيل محوراً مركزياً في عملها السياسي والأمني. وهكذا بدا أن الانتقال إلى السلطة لم يؤدِّ إلى فصل الوظيفة الحزبية والأيديولوجية عن وظيفة المؤسسة الحكومية، بل أعاد إنتاج الصراع من داخل السلطة نفسها. ومن هنا بدأت تتضح المفارقة التي ستلازم تجربة حماس: حركة جاءت إلى السلطة عبر الانتخابات، لكنها لم تستطع أن تفصل بصورة مستقرة بين مشروعها الأيديولوجي كحركة، ومتطلبات الحكم كسلطة. وهذه المفارقة هي التي ستقود، في المحصلة، إلى التحول من «التغيير والإصلاح» بوصفهما شعاراً انتخابياً، إلى سلطة الأمر الواقع بوصفها نتيجة للانقسام والحسم العسكري. السلطة والحرب خاضت حركة حماس، منذ سيطرتها على السلطة في قطاع غزة، أربع حروب كبيرة وعشرات الاشتباكات المتقطعة، فضلاً عن حربين كانت تتفرج فيهما على حركة الجهاد الإسلامي في مواجهتها المنفردة مع جيش الاحتلال. وبقدر ما كانت العمليات الإسرائيلية الكبرى تحمل أسماء رمزية مستمدة من الفكر الصهيوني الديني، جاءت أسماء المعارك أيضاً تحمل الدلالات الدينية الإسلامية، مثل «الفرقان» 2009، و«حجارة السجيل» 2012، و«العصف المأكول» 2014، و«سيف القدس» 2021، وآخرها «طوفان الأقصى». في سجل القتال، طوّرت «كتائب القسام» قدراتها الصاروخية وأنفاقها، وصرفت أموالاً طائلة، فضلاً عن الجهد والإعداد البشري. إلا أن الخسائر الإجمالية لمجموع أيام الحروب الأربع الأولى، وهي تقارب المائة يوم، بلغت أكثر من أربعة آلاف قتيل، فضلاً عن عشرات الآلاف من الجرحى، من العسكريين والمدنيين، والدمار الواسع للمباني والمنشآت والبيوت السكنية. إذا أُخضِعت هذه الحروب للدراسة والتحليل في أسبابها ونتائجها المباشرة والبعيدة، لأدركنا أنها العامل الأول في تماسك الجهاز العسكري والأمني لحركة حماس، الذي يمكنها من الاستمرار في السلطة من خلال المواجهات المستمرة مع الجيش الإسرائيلي، ويعفيها في الوقت نفسه من مسؤولية الفشل في إدارة الشأن العام في القطاع المحاصر، الذي اعتمد على اقتصاد الأنفاق والتهريب، بينما بلغت نسبة الفقر في القطاع 60%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 45%، أي ثلاثة أضعاف مثيلتها في الضفة الغربية. وفي الوقت الذي كان الناتج المحلي للقطاع يساوي 31% من الناتج الفلسطيني الإجمالي عام 2006، انخفض الناتج المحلي للقطاع عام 2022 إلى نسبة 17% من الاقتصاد الفلسطيني في ظل سلطة حماس. تلك الأرقام تكشف حقيقة الفشل في إدارة الشأن العام، عندما تُنسب السياسات وتُرفع إلى مرتبة التكليف الشرعي والديني، وترتبط بشعارات على صلة بالآخرة، حيث يتحول الموت إلى عملية ارتقاء يجب المباركة بها وتهنئة تنظيمه وأهله إذا كان مقاتلاً، والأسف عليه إذا كان مدنياً ومات عرضاً من دون تكليف ومن دون استشارته، سواء كان أعزب أم رب أسرة، فقد حياته وحياة عائلته من غير إرادته. هكذا يتم تصدير مشكلات السلطة المستعصية وربطها بحركة الصراع الدائمة مع الاحتلال، بما يجعل أي نقد أو اعتراض أو مطالبة يُدرج في خانة المساس بالمقدس، وفي خانة التخلي عن النضال ضد الاحتلال بالحد الأدنى، وبالخيانة العظمى في غالب الأحيان. وأياً تكن النتائج قاسية ومريرة، فإن قادة الحركة، في خطابهم السياسي والجماهيري، يحشدون المصطلحات الدينية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإقناع الناس بأننا نسير على درب هزيمة إسرائيل وتحرير القدس، بل يبشّرون ب”حتمية زوال الكيان الصهيوني”، كما كان بعض القوميين واليساريين “يبشّرون ب”هزيمة الإمبريالية العالمية وربيبتها إسرائيل. هكذا يتم إعادة إنتاج المشهد اليومي لسلطة حماس في القطاع طيلة السنوات الماضية، حتى وصلنا إلى لحظة «طوفان الأقصى» في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

فؤاد شهاب: الإنصاف المتأخّر لرئيس كبير

في وقت تعيد فيه وسائل التواصل الاجتماعي اكتشاف ما تميّز به فؤاد شهاب من تواضعٍ ونزاهة، تتداعى إلى خاطري ذكرى شخصية تبعث في النفس سيرة رئيس سعى إلى إحلال الدولة محلّ الإقطاع، ولم ينصفه لبنان إلا بعد رحيله. فمنذ أيام، شاع تداول صور الرئيس فؤاد شهاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُحيّي روّادُها تواضعه ونزاهته وإخلاصه لمفهوم الدولة. وفي إحدى تلك الصور، يظهر مشاركاً في مطلع ستينيات القرن الماضي، بقداس أقيم على نية العذراء مريم في باحة مزار سيدة لبنان في حريصا المشرف على خليج جونية. وتستحضر هذه الصورة في نفسي ذكرى شخصية مؤثّرة جداً. كنت يومئذٍ فتىً يافعاً من تلامذة القسم الداخلي في مدرسة "الرسل" بجونية، وأُنشد ضمن جوقة المدرسة التي أحيت القداس بقيادة أستاذ اللغة الفرنسية السيد لبكي. وكان الرئيس شهاب يقف على بُعد أمتار قليلة منا. لا أزال أذكر ما خالجني حينها من مشاعر الاعتزاز وأنا أقف على مقربة من رئيس الجمهورية اللبنانية. غير أن ما ترسّخ في ذاكرتي قبل كل شيء هو صورة رجل يعكس حضوره الوقار والبساطة والتواضع الشديد. لقد كان فؤاد شهاب، بلا أدنى شك، أحد أعظم رؤساء لبنان. رجلٌ جمع بين الاستقامة والضمير الحي والزهد، استعان بأهل الكفاءة، وكان شديد التعلق بمفهوم الدولة والخدمة العامة. إلا أنه لم ينل في حياته ما يستحقه من الفهم والتقدير، فشأنه في ذلك شأن رجالات الوطن الكبار الذين لا يدرك الناس عظم قدرهم إلا بعد الرحيل. فمنذ انتخابه رئيساً في أعقاب أزمة عام 1958، أخذ على عاتقه العبور بلبنان من قبضة المصالح الضيقة والزبائنية والإقطاع السياسي إلى رحاب دولة فعلية تقوم على مؤسسات حديثة. في عهده، تطوّرت الإدارة العامة، وتكرّست هيبة الدولة، وعاش اللبنانيون في ظل أمن واستقرار ندرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، قيمتهما الحقيقية. أما المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، فقد أُديرت بحزمٍ وفرضت احترامها وهيبتها. ولا شك في أن بعض ممارسات تلك المرحلة، ولا سيما ما نُسب إلى "المكتب الثاني"، أثارت انتقادات وسجالات واسعة. غير أن تلك المآخذ لا تُلغي حجم العمل المؤسساتي الذي تحقّق؛ إذ كان فؤاد شهاب يرمي إلى إعلاء سلطة الدولة فوق سلطة العائلات والزبائنيات. لم يكن يطمح إلى ممارسة السلطة لذاته، بل إقامة إدارة قادرة على خدمة المواطنين كافة. في ذلك الحين، كانت جونية، حيث كانت مدرستي الداخلية، أشبه ببلدة كبيرة يغلب عليها الهدوء؛ مدينة ساحلية صغيرة تقيم فيها عائلاتها القديمة في منازل متناثرة على طول الشاطئ. وكان افتتاح سينما "فينيسيا" عام 1963، ومن ثم سينما "بريزيدانس" في الكسليك، بمثابة حدثين بارزين في المنطقة. ورافقت هذه المساحات الثقافية الجديدة النهضةَ التي بدأت قبل سنوات مع افتتاح "كازينو لبنان". كان المشهد مختلفا كل الاختلاف عما نعرفه اليوم؛ فالجبال المحيطة بجونية، حتى أعالي حريصا، كانت تكسوها الخضرة و لم يكن العمران قد طالها بعد. وخلال ولايته، منح فؤاد شهاب جونية زخماً جديداً، وكان له دور أساسي في تحديث كسروان؛ فشُقّت شبكات الطرق، وتطورت البنية التحتية، وانخرطت المنطقة في مسار التحديث الذي شهده لبنان. ومن هنا، يكتسب إنجازه في نظري أهمية استثنائية. ومع اقتراب نهاية ولايته، أراد عدد كبير من النواب إتاحة التمديد له في رئاسة الجمهورية، إلا أن فؤاد شهاب رفض هذا الطرح، وغادر السلطة فور انقضاء ولايته الدستورية. ومع ذلك، قوبل فؤاد شهاب من قطاع واسع من أهالي كسروان بجحود يصعب فهمه؛ إذ أسفرت الانتخابات النيابية عن سقوط جميع مرشحي اللائحة التي كان يدعمها في المنطقة. يا لَها من مفارقة حزينة؛ فالرجل الذي قدّم لكسروان الكثير، لم يَنَل في حياته التقدير الذي يستحقه. تكشف حالة الجحود هذه، للأسف، ثابتاً من ثوابت حياتنا الوطنية: إننا نحارب رجال الدولة الكبار في حياتهم، ثم نحتفي بهم بعد أن يعجزوا عن سماعنا أو خدمة وطنهم. فخصوم الأمس يتحولون أحياناً إلى معجبين بعد رحيلهم، ومن عرقلوا مسيرتهم يعودون ليدّعوا إرثهم؛ فنُحوّل إلى رموزٍ أولئك الذين رفضنا الاستماع إليهم حين كانوا قادرين على العمل. في لبنان، يبدو أن تكريم الكبار لا يأتي إلا بعد غيابهم؛ يوم لا يعود الخصوم يخشونهم، ويغدو بالإمكان الاحتفاء بإنجازاتهم من دون الإضرار بالمصالح القائمة. لم يكن فؤاد شهاب بحاجة إلى التمجيد أو إلى المديح المفرط؛ فنزاهته، وتواضعه، وحسه بالواجب، والمؤسسات التي ساهم في إرسائها، كلها تتكلم عنه. وهو يظل رمزاً لجمهورية ذات كرامة، منظمة، وفي خدمة مواطنيها. فالأمة التي تنسى تاريخها، وتتنكر لمؤسسيها، وترفض الاتعاظ من الماضي، تحكم على نفسها بتكرار الأخطاء ذاتها. ولذا، حان الوقت لممارسة فعل الذاكرة بفعلٍ؛ لا لتأليه مرحلةٍ أو إنكار السجالات التي رافقتها، بل لإحقاق الحق لمن حاولوا بصدق بناء الدولة وإعلاء المصلحة الوطنية فوق المآرب الشخصية. إن ذاكرة فؤاد شهاب يجب ألا تقتصر على إشادات متأخرة أو منشورات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل ينبغي أن تدعونا إلى التفكير في لبنان الذي أضعناه، وقبل كل شيء، في لبنان الذي نريد إعادة بنائه. إن التكريم الحقيقي لفؤاد شهاب لا يكون بمجرد إحياء ذكراه بعد رحيله، بل يستدعي استعادة نزاهته، وتواضعه، وحسه بالدولة، ومفهومه الصارم للخدمة العامة. وبهذا الشرط وحده، تتحول الذاكرة إلى قوة في خدمة إعادة بناء الجمهورية وصون الوطن اللبناني.

إيران توجّه "إنذاراً أخيراً" لواشنطن، وترامب يرفع من حدة خطابه

انتهت يوم الاثنين مهلة الستين يوماً التي كان يُفترض خلالها أن تواصل طهران وواشنطن المحادثات بغية التوصل إلى سلام دائم، وذلك على نبرة عدائية ودون أي تغيير في مواقف الخصمين. وقد تصاعدت حدة السجال مجدداً بين الطرفين اللذين لم يتفقا إلا على أمر واحد: لا مجال لتقديم أيّ تنازلات. وتطبيقاً لمقولة إن "خير الدفاع الهجوم"، يبدو أن إيران اعتمدت إستراتيجية هجومية "كاملة"، وصلت إلى حد تحديد "مهلة" (!) لا تتعدى "بضعة أسابيع" لواشنطن لـ "الالتزام ببنود مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران الماضي"، وفق ما أفادت به وكالة "رويترز" العالمية يوم الاثنين نقلاً عن مسؤول إيراني رفيع. ووفقاً لـ "رويترز"، تعتزم طهران التحرك ميدانياً في حال فشل الجهود الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. وأكد المسؤول الإيراني أن "على الأجهزة الإيرانية التأهب لتصاعد حدة التوتر في مضيق هرمز والمنطقة عموماً، إذ ستكون إيران مستعدة لاتخاذ قرارات والتحرك بناءً على خيارات صعبة"، مضيفاً أن بلاده ستشن هجوماً عسكرياً "في الوقت المناسب وبدقة عالية" لكسر الحصار البحري الأمريكي. وإذ تمضي قدماً في غطرسةٍ وسلوكٍ نمطي يجسد دور "المنتصر" الذي يفرض شروطه على المهزوم (!)، "تطالب" الجمهورية الإسلامية، "خلال المهلة القصيرة المحددة ببضعة أسابيع، بأن تطبق الولايات المتحدة جميع بنود اتفاق" حزيران. وقال المسؤول الإيراني لـ "رويترز" إن "هذا شرط مسبق لمواصلة المفاوضات مع واشنطن"، مشيراً إلى أن الوسطاء سينقلون المهلة النهائية التي حددتها طهران إلى واشنطن ودول المنطقة. يعكس هذا "التحذير" في الواقع إلى أي مدى تُطبق العقوبات الاقتصادية والحصار البحري الأمريكيان الخناق على إيران لتي تعاني ضغوطاً اقتصادية ومالية خانقة، تجعلها مستعدة لكل الخيارات للخروج من هذا المأزق. وجاء هذا التطور بعد ساعات قليلة على مقابلة أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع شبكة "فوكس نيوز"، جدّد فيها رغبته في تشديد هذه العقوبات، مذكرًا بالهدف الأساسي للحرب: "منع إيران من امتلاك سلاح نووي". وأشار الرئيس دونالد ترامب إلى أنه "غير مستعجل"، في إشارة إلى لانتخابات الفرعية المقررة في تشرين الثاني. غير أنه أثار المفاجأة بتهديده سلطنة عمان بضربات عسكرية في حال "وقوفها عائقاً" أمام التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز، الذي يشكل نقطة خلاف أخرى بين طهران وواشنطن. وكان مسؤول إيراني قد أكد مجدداً، يوم الاثنين، بأن بلاده على وشك إبرام اتفاق مع مسقط يتعلق بالملاحة في هذا الممر البحري الاستراتيجي، غير أن الولايات المتحدة تخشى أن يأتي هذا الاتفاق على حساب حرية مرور السفن في هرمز، باعتباره جزءاً من المياه الدولية. ورغم ذلك، أكد دونالد ترامب في مكالمته الهاتفية مع "فوكس نيوز" أن التسوية الدبلوماسية لا تزال ممكنة مع طهران، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن "الإيرانيين لا يبدون في الوقت الراهن راغبين في حل دبلوماسي". ومع ذلك، دعا طهران إلى "رفع الراية البيضاء وإعلان الاستسلام"، قبل أن يعود ويؤكد وجود قناة تواصل غير مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني. وسارع هذا الأخير إلى نفي ذلك، إذ أعلن المتحدث باسمه، حسين محمدي، أنه "لا يوجد أي شكل من أشكال الاتصال" مع الأمريكيين، متهماً ترامب بـ"الهذيان". وبحسب موقع "أكسيوس"، فإن الزعيم الكردي نيجيرفان بارزاني هو صلة الوصل بين "الباسداران" وواشنطن، حيث عمل على الترتيب لعقد لقاء بين الجانبين. توترات ميدانية ميدانياً، تترافق هذه الحرب الكلامية المشتعلة منذ أيام مع توترات عملية على الأرض، يقف خلفها حلفاء إيران في المنطقة. وفي هذا السياق تندرج الضربات اليومية التي يشنها الحوثيون ضد أهداف سعودية – ومنها ضربتان يوم الاثنين – إضافة إلى الهجوم الذي نفذه "حزب الله" يوم السبت بمسيّرة مفخخة استهدفت جنوداً إسرائيليين في جنوب لبنان، ما استدعى رداً عنيفاً من الجيش الإسرائيلي. وفي ليل الأحد–الاثنين، استهدفت طائرتان مسيّرتان مفخختان، من دون وقوع إصابات، مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني، ومقر إقامة مدير أجهزة الاستخبارات المحلية قرب أربيل. ووجهت أصابع الاتهام فوراً إلى طهران التي لم تعلّق على هذه الاتهامات. ويُذكر أن كردستان العراق، الحليف للولايات المتحدة والجار لإيران، يتعرض لهجمات متكررة منذ بدء الحرب الإقليمية. وفي حين يراوح الملف الإيراني مكانه، يشهد ملفا "حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان تحركاً بطيئاً. فخلال زيارته إلى إسرائيل، عقد مبعوث الرئيس ترامب، جارد كوشنر، اجتماعاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما أجرى عشية ذلك محادثات مع ممثلين عن "حماس" في مصر. وتركزت المحادثات حول المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية التي تنص خصوصاً على تجريد "حماس" من السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وهو ما تعترض عليه تل أبيب؛ إذ تطالب إسرائيل بتجريد "فعلي" للحركة من سلاحها، في حين تطالب الأخيرة بإيداع هذا السلاح في مستودعات. وتصر إسرائيل في هذا السياق على ألا يكون لهذا الفصيل الموالي لإيران أي دور في القطاع. ونقلاً عن مصادر عدة متطابقة في وسائل إعلام غربية وإسرائيلية، فإن كوشنر انتزع التزاماً بهذا الشأن من ممثلي "حماس" ونقله إلى نتنياهو. وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن أسلحة "حماس" ستُسلَّم إلى الأمريكيين لتدميرها. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي لضيفه أن إسرائيل ستنسحب من غزة فور اكتمال هذه العملية، وفق الصحيفة ذاتها. وهي إشارة تنسحب على لبنان حيث لا يزال "حزب الله" يرفض مبدأ تجريده من السلاح، على الرغم من أن هذه الخطوة لا بد أن تتحقق عاجلاً أم أجلاً في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة. غير أن السؤال يظل معلقاً حول التوقيت والآلية، بانتظار كيفية تعاطي السلطات اللبنانية مع هذا الملف. وفي الوقت الراهن، ترغب بيروت في تمديد ولاية "اليونيفيل"، التي تنتهي أواخر العام، أو على الأقل تشكيل قوة دولية تتولى المهمة خلفاً لقوة الأمم المتحدة. وقد عبّر الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام عن هذا التمني عشية اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن لبنان. وفي هذا السياق، سُلِّمت إلى سلام يوم الاثنين عريضة بهذا المعنى، وقّعها 86 نائباً لبنانياً وموجهة إلى مجلس الأمن. وأخيراً، وفي ملف منفصل، أعلن دونالد ترامب رغبته في "تخفيض" المشاركة الأمريكية في المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، علماً أن هذه المناورات انطلقت كما هو مخطط لها يوم الاثنين. وبرر الرئيس الأمريكي هذا القرار بكلفة التدريبات وبـ"علاقته الطيبة" مع كيم جونغ أون.