شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
إيران توجّه "إنذاراً أخيراً" لواشنطن، وترامب يرفع من حدة خطابه

انتهت يوم الاثنين مهلة الستين يوماً التي كان يُفترض خلالها أن تواصل طهران وواشنطن المحادثات بغية التوصل إلى سلام دائم، وذلك على نبرة عدائية ودون أي تغيير في مواقف الخصمين. وقد تصاعدت حدة السجال مجدداً بين الطرفين اللذين لم يتفقا إلا على أمر واحد: لا مجال لتقديم أيّ تنازلات. وتطبيقاً لمقولة إن "خير الدفاع الهجوم"، يبدو أن إيران اعتمدت إستراتيجية هجومية "كاملة"، وصلت إلى حد تحديد "مهلة" (!) لا تتعدى "بضعة أسابيع" لواشنطن لـ "الالتزام ببنود مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران الماضي"، وفق ما أفادت به وكالة "رويترز" العالمية يوم الاثنين نقلاً عن مسؤول إيراني رفيع. ووفقاً لـ "رويترز"، تعتزم طهران التحرك ميدانياً في حال فشل الجهود الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. وأكد المسؤول الإيراني أن "على الأجهزة الإيرانية التأهب لتصاعد حدة التوتر في مضيق هرمز والمنطقة عموماً، إذ ستكون إيران مستعدة لاتخاذ قرارات والتحرك بناءً على خيارات صعبة"، مضيفاً أن بلاده ستشن هجوماً عسكرياً "في الوقت المناسب وبدقة عالية" لكسر الحصار البحري الأمريكي. وإذ تمضي قدماً في غطرسةٍ وسلوكٍ نمطي يجسد دور "المنتصر" الذي يفرض شروطه على المهزوم (!)، "تطالب" الجمهورية الإسلامية، "خلال المهلة القصيرة المحددة ببضعة أسابيع، بأن تطبق الولايات المتحدة جميع بنود اتفاق" حزيران. وقال المسؤول الإيراني لـ "رويترز" إن "هذا شرط مسبق لمواصلة المفاوضات مع واشنطن"، مشيراً إلى أن الوسطاء سينقلون المهلة النهائية التي حددتها طهران إلى واشنطن ودول المنطقة. يعكس هذا "التحذير" في الواقع إلى أي مدى تُطبق العقوبات الاقتصادية والحصار البحري الأمريكيان الخناق على إيران لتي تعاني ضغوطاً اقتصادية ومالية خانقة، تجعلها مستعدة لكل الخيارات للخروج من هذا المأزق. وجاء هذا التطور بعد ساعات قليلة على مقابلة أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع شبكة "فوكس نيوز"، جدّد فيها رغبته في تشديد هذه العقوبات، مذكرًا بالهدف الأساسي للحرب: "منع إيران من امتلاك سلاح نووي". وأشار الرئيس دونالد ترامب إلى أنه "غير مستعجل"، في إشارة إلى لانتخابات الفرعية المقررة في تشرين الثاني. غير أنه أثار المفاجأة بتهديده سلطنة عمان بضربات عسكرية في حال "وقوفها عائقاً" أمام التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز، الذي يشكل نقطة خلاف أخرى بين طهران وواشنطن. وكان مسؤول إيراني قد أكد مجدداً، يوم الاثنين، بأن بلاده على وشك إبرام اتفاق مع مسقط يتعلق بالملاحة في هذا الممر البحري الاستراتيجي، غير أن الولايات المتحدة تخشى أن يأتي هذا الاتفاق على حساب حرية مرور السفن في هرمز، باعتباره جزءاً من المياه الدولية. ورغم ذلك، أكد دونالد ترامب في مكالمته الهاتفية مع "فوكس نيوز" أن التسوية الدبلوماسية لا تزال ممكنة مع طهران، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن "الإيرانيين لا يبدون في الوقت الراهن راغبين في حل دبلوماسي". ومع ذلك، دعا طهران إلى "رفع الراية البيضاء وإعلان الاستسلام"، قبل أن يعود ويؤكد وجود قناة تواصل غير مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني. وسارع هذا الأخير إلى نفي ذلك، إذ أعلن المتحدث باسمه، حسين محمدي، أنه "لا يوجد أي شكل من أشكال الاتصال" مع الأمريكيين، متهماً ترامب بـ"الهذيان". وبحسب موقع "أكسيوس"، فإن الزعيم الكردي نيجيرفان بارزاني هو صلة الوصل بين "الباسداران" وواشنطن، حيث عمل على الترتيب لعقد لقاء بين الجانبين. توترات ميدانية ميدانياً، تترافق هذه الحرب الكلامية المشتعلة منذ أيام مع توترات عملية على الأرض، يقف خلفها حلفاء إيران في المنطقة. وفي هذا السياق تندرج الضربات اليومية التي يشنها الحوثيون ضد أهداف سعودية – ومنها ضربتان يوم الاثنين – إضافة إلى الهجوم الذي نفذه "حزب الله" يوم السبت بمسيّرة مفخخة استهدفت جنوداً إسرائيليين في جنوب لبنان، ما استدعى رداً عنيفاً من الجيش الإسرائيلي. وفي ليل الأحد–الاثنين، استهدفت طائرتان مسيّرتان مفخختان، من دون وقوع إصابات، مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني، ومقر إقامة مدير أجهزة الاستخبارات المحلية قرب أربيل. ووجهت أصابع الاتهام فوراً إلى طهران التي لم تعلّق على هذه الاتهامات. ويُذكر أن كردستان العراق، الحليف للولايات المتحدة والجار لإيران، يتعرض لهجمات متكررة منذ بدء الحرب الإقليمية. وفي حين يراوح الملف الإيراني مكانه، يشهد ملفا "حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان تحركاً بطيئاً. فخلال زيارته إلى إسرائيل، عقد مبعوث الرئيس ترامب، جارد كوشنر، اجتماعاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما أجرى عشية ذلك محادثات مع ممثلين عن "حماس" في مصر. وتركزت المحادثات حول المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية التي تنص خصوصاً على تجريد "حماس" من السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وهو ما تعترض عليه تل أبيب؛ إذ تطالب إسرائيل بتجريد "فعلي" للحركة من سلاحها، في حين تطالب الأخيرة بإيداع هذا السلاح في مستودعات. وتصر إسرائيل في هذا السياق على ألا يكون لهذا الفصيل الموالي لإيران أي دور في القطاع. ونقلاً عن مصادر عدة متطابقة في وسائل إعلام غربية وإسرائيلية، فإن كوشنر انتزع التزاماً بهذا الشأن من ممثلي "حماس" ونقله إلى نتنياهو. وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن أسلحة "حماس" ستُسلَّم إلى الأمريكيين لتدميرها. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي لضيفه أن إسرائيل ستنسحب من غزة فور اكتمال هذه العملية، وفق الصحيفة ذاتها. وهي إشارة تنسحب على لبنان حيث لا يزال "حزب الله" يرفض مبدأ تجريده من السلاح، على الرغم من أن هذه الخطوة لا بد أن تتحقق عاجلاً أم أجلاً في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة. غير أن السؤال يظل معلقاً حول التوقيت والآلية، بانتظار كيفية تعاطي السلطات اللبنانية مع هذا الملف. وفي الوقت الراهن، ترغب بيروت في تمديد ولاية "اليونيفيل"، التي تنتهي أواخر العام، أو على الأقل تشكيل قوة دولية تتولى المهمة خلفاً لقوة الأمم المتحدة. وقد عبّر الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام عن هذا التمني عشية اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن لبنان. وفي هذا السياق، سُلِّمت إلى سلام يوم الاثنين عريضة بهذا المعنى، وقّعها 86 نائباً لبنانياً وموجهة إلى مجلس الأمن. وأخيراً، وفي ملف منفصل، أعلن دونالد ترامب رغبته في "تخفيض" المشاركة الأمريكية في المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، علماً أن هذه المناورات انطلقت كما هو مخطط لها يوم الاثنين. وبرر الرئيس الأمريكي هذا القرار بكلفة التدريبات وبـ"علاقته الطيبة" مع كيم جونغ أون.

النبي والفيلسوف (6/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وقد أُلقيت المحاضرة الأولى بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، وحملت عنوان “The Prophet and the Philosopher: The Hierarchy of Knowledge between Avicenna’s Falsafa and al-Kirmānī’s Ismaili Neoplatonism”. ويُقدَّم نصها هنا في صيغة منقّحة وموسّعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشّائية، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف السياقين الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، بما يضيء طرائق مختلفة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة والقانون وتنظيم الجماعة. يشكّل هذا المقال الجزء السادس من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. VI - أسلمة بلاتونوبوليس، وأفلاطنة الإسلام ينتمي كل من الكرماني وابن سينا إلى تقليد فكري طويل لا يتصور الفلسفة بوصفها بحثًا نظريًا فحسب، بل بوصفها تطهّرًا ( catharsis ). وفي هذا الأفق، يتحقق كمال النفس الإنسانية وارتقاؤها نحو السعادة من خلال إدراك الحقيقة. وهكذا، لا تعود غاية الفلسفة مجرد فهم العالم، بل تصبح وسيلة للانفصال عنه في سبيل الاتحاد بالمطلق. وما ينبثق من ذلك هو توليف كثيف تتشابك فيه الأرسطية والأفلاطونية والإسلام مع عناصر هرمسية وغنوصية باقية، تسهم جميعها في بناء المعرفة بوصفها شكلًا من أشكال الخلاص. وفي هذه الكوكبة الفكرية الأوسع، تتجلى الغنوصية في صيغتين، راديكالية ومعتدلة. ففي تعبيرها الراديكالي، يُنظر إلى العالم بوصفه سجنًا، ويُنال التحرر عبر الاتصال باللوغوس. أما في صيغتها المعتدلة، فيُفهم العالم بوصفه مجالًا يتسم بالامتزاج، أو موضعًا لهبوط النفس، من دون أن يقتضي ذلك بالضرورة اعتبار المادة شرًا في ذاتها. ويتأرجح الفكر الإسماعيلي، على وجه الخصوص، بين هذين القطبين، بين الراديكالية الزهدية والاعتدال الميتافيزيقي. ويحتل الكرماني موقعًا حاسمًا داخل هذا التوتر، إذ يسعى إلى ضبط العرفان بحيث لا يؤدي الباطن إلى تذويب الظاهر. ومن ثم يمكن وصف مشروعه بأنه مشروع يقوم على ضبط الباطن، تستلهمه ضمنيًا إعادة تفعيل عناصر رواقية مثل ataraxia و apatheia ، أي بلوغ السكينة من خلال السيطرة على الأهواء. والخلاص، ضمن هذا الإطار، غنوصي وأخروي في آن واحد. غير أن غايته القصوى ليست الإفراط في التأمل، بل بلوغ راحة العقل. فالعقل، عند الكرماني، يبلغ السكينة تحديدًا حين يكف عن السعي إلى تجاوز مرتبته الخاصة، مدركًا الاستحالة الأنطولوجية للإحاطة المباشرة بالأصل الأول. ومن خلال الإقرار بهذه الحدود، تمتنع النفس عن التعدّي وتبني، عبر الجمع بين المعرفة والعمل، جسدًا روحانيًا مقدرًا له أن يبقى بعد انحلال العالم المادي. وفي الآخرة، تقيم النفس في نور العقول الأولى، متجاوزة جميع الحجب في حالة من السكينة النهائية. ومن المبادئ البنيوية المركزية المشتركة بين التقاليد الباطنية ثنائية الظاهر والباطن. فكل نص موحى به يمتلك سطحًا خارجيًا وعمقًا داخليًا؛ وفي المصطلح الإسلامي، تقابل هذه الثنائية ثنائية الشريعة والحقيقة. ويعززها كذلك مفهوم الاحتجاب الإلهي: فالله ليس غائبًا، بل يحتجب وراء سلسلة من الحجب الأنطولوجية. ووجود العالم نفسه يفترض الوساطة والتراتب والتجلّي المتدرج. ولا يمكن تلقي النور الإلهي مباشرة في شدته، بل لا بد أن ينكسر عبر مراتب متعاقبة من الوجود، وإلا أفنى متلقيه. وغالبًا ما تجد ميتافيزيقا الوساطة هذه تعبيرها في أنظمة رمزية تقوم على العدد والمراسلات. وتظهر الأصداء الفيثاغورية بصورة خاصة في علم الأعداد الإسماعيلي، حيث تكتسب الأعداد دلالات كونية وتراتبية. وتُستخدم المتواليات العددية لرسم بنية الكون، ومراتب السلطة الروحية، ومراحل الفيض من العقل الأول وصولًا إلى العالم المادي. وهكذا يصبح العدد لغة تُعبَّر من خلالها الميتافيزيقا وتُحجب في آن واحد. وترتبط بهذه التصورات ارتباطًا وثيقًا تقاليد علم الجفر وحساب الجُمَّل. فالأول، الذي غالبًا ما يرتبط بالمعارف الشيعية الباطنية، يدل على علم للتأويل الرمزي تُستخرج فيه المعاني الخفية من النصوص المقدسة، أحيانًا بواسطة طرائق تشفيرية أو تركيبية. أما الثاني، فيشير إلى نظام تُسنَد فيه قيم عددية إلى حروف الأبجدية العربية، على نحو مماثل للجِمَطْرِيَا العبرية، بما يسمح بقراءة الكلمات والعبارات بوصفها تشكيلات عددية. وبهذه الآلية، تصبح اللغة نفسها حقلًا للمراسلات تتقاطع فيه الحروف والأعداد والحقائق الميتافيزيقية. وتلتقي هذه التقاليد المختلفة حول تصور مشترك: الكون مبني بوصفه شبكة من النسب المعقولة، تتناظر فيها الحروف والأعداد والموجودات عبر مستويات أنطولوجية مختلفة. ومن ثم، ليس العالم مجرد تجمّع صامت من الأشياء، بل نظام مقروء يمكن لمن دخلوا في أسرار قواعده الرمزية أن يفكوا شفرته. وتبلغ هذه الفكرة أشمل صيغها في مفهوم اللوح المحفوظ، وهو مفهوم قرآني يشير إلى السجل الإلهي الذي كُتبت فيه الأشياء جميعًا. ويبدو الكون هنا كأنه أرشيف بدئي: فكل حدث وشكل وموجود يوجد أولًا بوصفه نقشًا معقولًا في ذاكرة إلهية قبل أن يتجلى في الزمن. والعالم، بهذا المعنى، هو الانبساط الزمني لنظام معقول مكتوب سلفًا، والنسخة المرئية من كتابة غير مرئية. الإنسان المعقول وميتافيزيقا الإمامة يمكن، ضمن هذا الإطار، تبيّن استعادة وتوسيع لعدد من العناصر الأنثروبولوجية العائدة إلى العصور القديمة المتأخرة والفترة الهلنستية المتأخرة، وفي مقدمتها المفهوم الأفلاطوني المحدث لـ anthrōpos noētos ، أي “الإنسان المعقول”. ففي الأفلاطونية المحدثة، ولا سيما عند أفلوطين، تشير هذه الصورة إلى نموذج أولي معقول قائم في عالم النوس ( Nous )، لا تمثل الإنسانية التجريبية سوى تحقق منقوص ومشتق منه. وإلى جانب هذا التقليد تقوم الرؤية الهرمسية للإنسان الأول ( Anthropos )، الذي يُصوَّر ككائن نوراني يهبط إلى الكون المادي، مؤسسًا بذلك الوضع المزدوج للإنسانية، المتجذرة في التعالي والمنغمسة في الجسدانية في آن واحد. وفي عدد من الأنظمة الغنوصية، يعاد صوغ الصورة نفسها في هيئة “الإنسان الأول”، الذي يفسر تشظّيه تناثر الشرارات الإلهية في بنية الكون. ومن هذه الكوكبة الأوسع من الأفكار تنبثق، في مراحل لاحقة من التاريخ الفكري الإسلامي، عقيدة الإنسان الكامل. وفي صيغتها الأعم، تشير هذه الشخصية إلى عالم أصغر يعكس العالم الأكبر، وصورة مكثفة وجامعة لكلية الكون. وفي الخطاب المقارن اللاحق، كثيرًا ما تقترن بالمفهوم القبّالي لـ“آدم قدمون” (אָדָם קַדְמוֹן)، النموذج الأولي والضيائي للإنسانية. وهكذا لا يُتصور الإنسان، عبر هذه التقاليد، بوصفه مجرد جزء من الكون، بل بوصفه تكثيفًا رمزيًا لكليته وإعادة تمثيل ميتافيزيقية لها. ويكمن التوتر الملازم لفكر الكرماني في محاولته تأطير شخصية الإمام عقليًا على نحو منهجي، مع تقديمه بوصفه التحقق التاريخي لـ Anthropos أولي وسماوي. وقد تمثل مشروعه في بلورة مفهوم لوسيط فلسفي-إمبراطوري، حاكم قادر على تجسيد الحقيقة الميتافيزيقية المطلقة في صورة تاريخية ملموسة. وفي المحصلة، يسعى نظام الكرماني إلى ربط علم الكون والإمامة في بنية واحدة موحدة للمعنى. ففي هذا الإطار، يقوم اتصال بنيوي بين العالمين الأعلى والأدنى، ويجد كل مستوى ميتافيزيقي نظيرًا سياسيًا وتاريخيًا له. وهكذا تصبح الإمامة الانعكاس الأرضي للنظام الكوني، بما يؤسس التراتب السياسي على ضرورة ميتافيزيقية. وضمن هذا التصور، يقابل العقل الكلي النبي الناطق، فيما تقابل النفس الكلية الإمام الأساس. ويُعاد تعريف الخلاص بوصفه تحقق “أنثروبولوجيا نورانية”، يمتلك فيها الإمام حضورًا جسديًا وصورة لطيفة مشعة في آن واحد، لا يدركها الحس العادي. لكن تحت هذا الصرح الميتافيزيقي الكبير يكمن دافع أكثر إلحاحًا وبراغماتية: الحاجة الماسّة إلى إرساء أساس فلسفي لإمامة-خلافة تمر بأزمة. وقد أدت النزعة العقلانية المركبة لدى الكرماني دور درع دفاعية، في محاولة لتوفير أساس أنطولوجي راسخ لسلطة فاطمية تتعرض على نحو متزايد للانشقاقات الداخلية والضغوط الخارجية. حاول الكرماني أن يحل على المستوى النظري مشكلة لا حل نظريًا لها: بناء إمبراطورية أفلاطونية محدثة. فالمشروع الذي سعى إلى عقلنته منهجيًا كان، في نهاية المطاف، استحالة أنطولوجية. إن تصور “إمبراطورية أفلاطونية محدثة” يعني محاولة حبس “الواحد” أو “العقل الكلي” داخل قيود الزمان والمكان، وإلباس المطلق ثياب مؤسسة إمبراطورية. وعلى الرغم من أن الكرماني واجه هذه المعضلة من خلال عمارة فكرية شاهقة، فإنها ظلت مثقلة بتناقضات يستحيل التوفيق بينها. وبرفع الإمامة إلى مرتبة الضرورة الكونية، جعل الحل النظري الذي اقترحه الإمبراطورية أسيرة، بصورة متزايدة، لمثاليتها الخاصة. فكل إخفاق سياسي على الأرض كان يهدد بزعزعة تماسك هذا الصرح الكوني. كان الكرماني، في جوهر الأمر، يحاول “تأميم” الغيب لمصلحة التاريخ، وهو طموح حمل، على الرغم من بريقه الفلسفي، بذور إخفاقه التاريخي في داخله. لقد شيّد “مدينة فاضلة” من المفاهيم، غير أن الواقع الإمبراطوري ظل أضيق من أن يستوعب هندسة كهذه للتعالي. أفلوطين من دون أفلوطين تكمن المفارقة المدهشة في أن هذا الإرث الأفلاطوني المحدث الهائل لم يتبلور بوصفه تمرينًا فلسفيًا فحسب، بل بوصفه توليفًا كليًا بين الفلسفي والديني والإمبراطوري، أنجزه رجال لم تكن لهم معرفة مباشرة ومنهجية بأبرز فلاسفة الأفلاطونية المحدثة، أفلوطين نفسه. ومن المفارقات أن الشخصية المنتمية إلى التقليد الوثني للعصور القديمة المتأخرة، والتي مارست التأثير الأكبر في الفلاسفة المسلمين، بقي اسمها غائبًا إلى حد بعيد عن مسار النقل المباشر. وعندما كان يُشار إليها بصورة صريحة ومميزة، كانت تسمى في كثير من الأحيان ببساطة “الشيخ اليوناني” ( al-Shaykh al-Yūnānī ). ومع ذلك، كان أفلوطين بالفعل، كما وصل عبر مختصرات فرفوريوس وإعادة صوغها اللاحقة، وعلى الرغم من مروره جزئيًا عبر مرشح مفهومي أرسطي، صاحب أحد أعمق التأثيرات وأكثرها ديمومة في بنية الفلسفة العربية الإسلامية. فقد تداول التقليد العربي أجزاء من التاسوعات، ولا سيما الكتب من الرابع إلى السادس، بعد إعادة ترتيبها وصوغها، لا تحت اسم أفلوطين، بل تحت العنوان المضلل أثولوجيا أرسطوطاليس. ولم يكن هذا النسب الخاطئ مجرد خطأ في النقل، بل أتاحته بنيويًا استراتيجية فرفوريوس في التعبير عن العقيدة الأفلاطونية المحدثة بلغة مفهومية أرسطية، باستخدام مفاهيم مثل الجوهر والقوة والفعل، بما جعلها قابلة للقراءة داخل الخطاب المشّائي. وبالنظر إلى السلطة التي حظي بها أرسطو بوصفه المعلّم الأول، تلقى التقليد الفلسفي الإسلامي هذا النص باعتباره امتدادًا باطنيًا لميتافيزيقا أرسطو. وكانت النتيجة مفارقة تاريخية لافتة: فقد استُوعبت الأفلاطونية المحدثة الأفلوطينية بوصفها “الطبقة الأعمق” في فكر أرسطو نفسه. وإلى جانب أرسطو، احتل أفلاطون أيضًا مكانة سامية في الفلسفة، وكثيرًا ما وُصف بـ“أفلاطون الإلهي”، فتشكّلت بذلك مرجعية مزدوجة يمدّها أفلاطون بالرؤية الميتافيزيقية وأرسطو بالصرامة المنهجية. غير أن تلقي أفلاطون كان انتقائيًا إلى حد بعيد، ومر عبر وسائط أعادت تشكيله. فقد أولى الفلاسفة المسلمون عناية خاصة بـالجمهورية والقوانين بوصفهما نموذجين سياسيين، وبـطيماوس بوصفه أساسًا كونيًا. وفي هذا السياق، أعيد بناء أفلاطون فعليًا بوصفه مفكرًا في الحكم المثالي والنظام الميتافيزيقي معًا. وأعاد الفارابي تفسير المثال الأفلاطوني للفيلسوف-الملك في صورة الحاكم الفاضل أو النبي المشرّع، فيما جرى حل التوتر بين politeia و nomos من خلال مفهوم نظام سياسي مؤسس على الإلهي، أي المدينة الفاضلة. وأصبح طيماوس، على وجه الخصوص، النص الأفلاطوني الأبعد أثرًا في العالم الإسلامي، وإن كان نادرًا ما وصل في صورته الفلسفية الأصلية. فقد دخل الثقافة الفكرية العربية، في كثير من الأحيان عبر مختصرات جالينوس، بوصفه مزيجًا من علم الكون والطب والميتافيزيقا. وأسهمت القراءات الفيزيولوجية التي قدّمها جالينوس للحوار في طمس الحدود بين النظام الكوني وبنية الجسد، بما أتاح قراءة الكون نفسه بوصفه كائنًا عضويًا تنعكس نسبه العقلانية في الفيزيولوجيا البشرية. الخلق والانسجام والتوليف اليوناني طرح النموذج الأفلاطوني للصانع ( demiurge ) مشكلة لاهوتية إضافية: كيف يمكن التوفيق بين عالم صيغ انطلاقًا من نظام سابق وبين عقيدة الخلق من العدم ( creatio ex nihilo )؟ أعاد فلاسفة مثل الكندي، ثم ابن سينا، تفسير الصانع لا بوصفه صانعًا يعمل داخل الزمن، بل باعتباره استعارة للتعقل الإلهي، حيث تقيم الصور الأزلية في علم الله وتؤسس معقولية الخلق. وكانت النتيجة علم كون رياضيًا وتناغميًا أمكن فيه للضرورة الميتافيزيقية والخلق التوحيدي أن يتعايشا. وطُوّر هذا التصور الأفلاطوني الكوني بصورة أكبر في تقاليد مثل إخوان الصفا، الذين بلوروا عقيدة العالم الأكبر والعالم الأصغر: الكون بوصفه “إنسانًا كبيرًا”، والإنسان بوصفه “عالمًا صغيرًا”. وفي هذا الإطار، امتدت النسب التناغمية التي تحكم الحركة السماوية إلى الأخلاق والطب والموسيقى، مكوّنة رؤية موحدة للنظام الكوني. أما أرسطو، فكان يؤدي أساسًا دور ضامن المنهج. فقد وفّر الأورغانون البنية المنطقية للبرهنة والتصنيف والاستدلال، بما أتاح للخطاب الفلسفي اكتساب صرامة برهانية. وفي هذا التوليف، قدّم أفلاطون الرؤية الأنطولوجية والكونية، فيما قدّم أرسطو الانضباط المعرفي. وأدخل أفلوطين، ضمن هذا التوليف، تحولًا حاسمًا بالميتافيزيقا نحو الداخل. فعلى خلاف جمهورية أفلاطون، التي تقتضي عودة الفيلسوف إلى النظام المدني، ينقل أفلوطين مركز الثقل نحو الارتقاء الداخلي للنفس. وتصبح غاية الوجود هي henōsis ، أي الاتحاد بالواحد، فيما تُدفع الحياة السياسية إلى مرتبة ثانوية ضمن تراتبية الوجود. ويعبّر تصوره الشهير، “فرار الوحيد إلى الوحيد”، عن إعادة التوجيه الجذرية هذه نحو التعالي الداخلي. ومع ذلك، لا يرفض أفلوطين الفضيلة المدنية رفضًا تامًا. ففي التاسوعات، يميّز بين مستويات من الفضيلة: فضائل مدنية تنظم الحياة المتجسدة، وفضائل تطهيرية تفصل النفس عن الجسدانية، وفضائل عقلية توجهها نحو العقل الإلهي ( nous ). وهكذا تصبح السياسة تمهيدية لا نهائية: ضرورية للنظام، لكنها ليست مكوّنًا للغاية الإنسانية العليا. وينسب تقليد روائي إلى أفلوطين حتى مشروعًا سياسيًا لم يتحقق، هو تأسيس بلاتونوبوليس برعاية إمبراطورية، بما يوحي، في الحد الأدنى، بوجود توتر بين الانسحاب الفلسفي والطموح المدني. وسواء كان هذا الحدث تاريخيًا أم رمزيًا، فإنه يبرز التباس موقع أفلوطين في الفلسفة السياسية اللاحقة. وازداد انتقال الأفلاطونية إلى الفلسفة تعقيدًا بسبب غياب الوصول المباشر إلى مجمل المتن الأفلاطوني، خلافًا للترجمة المكتملة نسبيًا لأرسطو. ونتيجة لذلك، قُرئ أفلاطون وأرسطو في كثير من الأحيان بوصفهما لحظتين متكاملتين في تقليد واحد موحد للحكمة. وبلغ هذا “الافتراض التوفيقي” أوضح صياغاته في مشروع الفارابي للجمع بين رأيي أفلاطون وأرسطو، وهو مشروع يفترض وجود اتفاق جوهري بينهما. وقد أظهرت الدراسات الحديثة، ولا سيما أعمال بيتر أدامسون، أن ما يسمى أثولوجيا أرسطوطاليس بعيد كل البعد عن أن يكون نقلًا أمينًا لأفلوطين. فهو بالأحرى نص أعيد تشكيله على نحو عميق، وأعيدت فيه صياغة الميتافيزيقا الأفلوطينية بصورة منهجية بمصطلحات أرسطية. وحتى الحجج النقدية الموجهة ضد علم النفس الأرسطي جرى تخفيفها أو إعادة توجيهها للحفاظ على الاستمرارية المذهبية. وعمليًا، لم يُدحض أرسطو، بل جرى استيعابه داخل إطار أفلاطوني محدث. وكان لهذا التحول أثر عميق. فقد أعيد تفسير تعريف أرسطو للنفس بوصفها entelecheia (الإنطليخيا) للجسد، وهو تعريف يفترض، في صيغته الأصلية، الفناء، بطريقة تحفظ توافقه مع الخلود. وهكذا أعيد تصور النفس لا بوصفها وظيفة جسدية، بل بوصفها مبدأ متعاليًا للكمال. وفي هذه الكوكبة الفكرية، أخذت الفلسفة تعمل على أساس ما يمكن وصفه بأسطورة تأسيسية: وحدة الفلسفة اليونانية. فقد أُدرج أفلاطون وأرسطو وأفلوطين في سلسلة واحدة متماسكة من الحقيقة، على الرغم من اختلافاتهم التاريخية. ومن ثم يمكن قراءة الجمع بين رأيي الحكيمين للفارابي بوصفه التعبير البرنامجي عن هذه الرؤية التركيبية. من “Greek Theory” إلى بلاتونوبوليس كانت الحصيلة الميتافيزيقية لهذا التقليد، في نهاية المطاف، إعادة تصور النفس بوصفها جوهرًا غير مادي قائمًا بذاته ومتجهًا نحو العقل الفعّال. كما أعيد تفسير الأخرويات نفسها ضمن سجل عقلاني وصوري: فبدل حياة أخروية جسدية محضة، يتكشف مصير النفس في مجال غير مادي (عالم المثال)، تُنقل فيه الصور الواردة في النصوص المقدسة إلى صيغة معقولة. وهكذا أنشأت الفلسفة أخرويات فلسفية قادرة على التوسط بين الميتافيزيقا البرهانية والوصف القائم على الوحي. وقد نسج الفلاسفة، في الواقع، نوعًا من “وهم الإجماع”، إذ تعاملوا مع الأصوات المتعارضة داخل التقليد اليوناني بوصفها “Greek Theory” واحدة متجانسة. ويذكّر ذلك بالطريقة التي اختزلت بها الأوساط الأكاديمية الأميركية في القرن العشرين الاحتكاكات بين فوكو ودريدا ولاكان في العلامة الموحدة “French Theory”. وإذا كانت “French Theory” الأميركية مرتبطة غالبًا بالتفكيك، فإن “Greek Theory” لدى الفلاسفة كانت مشروع إعادة بناء: تشييد نظام ميتافيزيقي هائل وموحد قادر على تفسير كل شيء، من النجوم إلى النفس. وفي هذه الإعادة الإسلامية لتخيّل “Greek Theory”، كان التطهّر مسلّمة أساسية. فعند مفكرين مثل الكرماني وابن سينا، لا ينظر هذا التقليد إلى الفلسفة بوصفها مجرد ممارسة للبحث النظري، بل بوصفها عملية تطهير تحوّلية. وفي هذا الإطار، يتحقق كمال النفس الإنسانية وارتقاؤها نحو السعادة القصوى من خلال الإدراك الفاعل للحقيقة. ومن هذا المنظور، تتغير غاية الفلسفة: فلم تعد مجرد فهم العالم، بل التطهّر منه، وصولًا إلى الاتحاد بالمطلق مع البقاء حاضرًا حضورًا كاملًا في النظام الزمني. وفي حين تصوّر أفلوطين بلاتونوبوليس بوصفها معتزلًا في كامبانيا مكرسًا للحياة التأملية، كان ابن سينا والكرماني يطمحان إلى نظام كلي. وبالنسبة إلى الكرماني، كان ينبغي لبلاتونوبوليس هذه أن تكاد تتماهى مع الدعوة الفاطمية، في تراتبية صارمة وجميلة. فكما تنتظم السماوات وفق عشرة عقول، تنتظم الدولة الفاطمية وفق مراتب من التدرج في الدعوة. وهنا تعمل المدينة كآلة تربوية، تقابل فيها كل مرتبة من مراتب الهرمية الدينية مرتبة محددة في الكون. أما بلاتونوبوليس ابن سينا، حيث يظل الأفلاطوني محتجبًا خلف الهالة المزدوجة لأرسطو والنبي، فتتسم بطابع أشد مراوغة. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

"كل الطرق تؤدي إلى روما"...
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر

تُروى عبارة “كل الطرق تؤدي إلى روما” باعتبارها إحدى أشهر العبارات في التاريخ السياسي والحضاري. ولم تكن مجرد استعارة أدبية، بل وصفاً لواقع الإمبراطورية الرومانية التي أنشأت شبكة طرق جعلت روما مركزاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بحيث كانت جميع الطرق الرئيسية تنتهي عندها. ثم تحولت العبارة، منذ العصور الوسطى، إلى مثلٍ يعني أن تعدد الوسائل لا يغيّر النتيجة النهائية، وأن اختلاف المسارات قد ينتهي إلى المصير نفسه. ولعل لبنان اليوم يقدم نموذجاً سياسياً معاصراً لهذه المقولة. فمنذ انتهاء الحرب الأخيرة، تعددت الخطابات والشعارات، وتنوعت الخيارات المطروحة، لكن السؤال بقي واحداً: هل يمتلك لبنان فعلاً خيارات استراتيجية متعددة، أم أن جميعها تنتهي، بطريقة أو بأخرى، إلى طاولة المفاوضات؟ في هذا المقال لا ندعو إلى التفاوض ولا نعارضه، ولا نحاول تبرير أي خيار سياسي بعينه. إنما نحاول قراءة الواقع كما هو، بعيداً عن الشعارات والانفعالات، لنطرح سؤالاً بسيطاً: هل بقي أمام لبنان خيار استراتيجي آخر لا يمر، في نهاية المطاف، عبر المفاوضات؟ من الحرب إلى السياسة في العلاقات الدولية، ليست الحروب غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى تمهيداً للتفاوض. فمن النادر أن تنتهي الحروب بحسم مطلق، بل غالباً ما تُترجم نتائجها على طاولة المفاوضات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. أما في الحالة اللبنانية، فقد أفرزت الحرب الأخيرة واقعاً جديداً يقوم على عدة معطيات: · تجدد الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية. · وجود ضغوط دولية متزايدة لتطبيق القرار 1701 وسائر القرارات الدولية ذات الصلة. · ربط عملية إعادة الإعمار بمسار سياسي وأمني جديد مرتبط بالسلاح خارج الدولة. · تحولات إقليمية عميقة أعادت رسم موازين القوى وأضعفت كثيراً من المسلمات التي حكمت المنطقة خلال العقدين الماضيين. كل ذلك جعل لبنان أمام استحقاق لم يعد من الممكن تأجيله. ما هي الخيارات التي يمتلكها لبنان؟ ظاهرياً، تبدو الخيارات متعددة، لكن عند تفكيكها يتبين أنها أقل تنوعاً مما تبدو عليه. أولاً: خيار المقاومة العسكرية يرى فريق أن استمرار العمل العسكري يشكل بديلاً عن أي مسار تفاوضي. لكن هذا الخيار يصطدم بجملة من الوقائع: · اختلال واضح في ميزان القوى. · كلفة بشرية واقتصادية يصعب على لبنان تحملها. · غياب الغطاء الدولي لأي مواجهة مفتوحة. · حاجة الداخل اللبناني إلى إعادة بناء الدولة والمؤسسات. لذلك، فإن استمرار المواجهة لا يلغي التفاوض، بل يؤخره أو يعيد صياغة شروطه. ثانياً: خيار الانتظار يراهن آخرون على تغيرات إقليمية أو دولية قد تمنح لبنان ظروفاً أفضل. غير أن الانتظار ليس سياسة بحد ذاته، بل هو تعليق للقرار. وخلال فترة الانتظار تستمر الوقائع بالتغير، وتتبدل موازين القوى، وتتكرس حقائق جديدة تصبح لاحقاً جزءاً من أي تسوية. ثالثاً: تدويل الأزمة يدعو البعض إلى نقل الملف كاملاً إلى الأمم المتحدة أو القوى الدولية. لكن حتى أكثر النزاعات تدويلًا لم تُحل بقرارات دولية فقط، بل احتاجت في النهاية إلى مفاوضات بين الأطراف المعنية لتنفيذ تلك القرارات وتحويلها إلى واقع. رابعاً: التفاوض غير المباشر وهو النموذج الذي عرفه لبنان في أكثر من محطة، سواء عبر اتفاقيات الهدنة، أو مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، أو الوساطات الأميركية والدولية. ويتميز هذا الخيار بأنه يسمح بتحقيق تفاهمات من دون أن يتحمل أي طرف الكلفة السياسية الكاملة للاعتراف المباشر بالطرف الآخر. خامساً: التفاوض المباشر وهو الخيار الأكثر حساسية سياسياً، لكنه يبقى احتمالاً قائماً إذا اقتنعت الأطراف بأن الوساطات لم تعد كافية لتحقيق الأهداف المطلوبة. المفاوضات التي ينكرها الجميع أكثر الأطراف التي ترفض الحديث عن المفاوضات، تبدو في الواقع الأكثر ارتباطاً بنتائجها. فـحزب الله، الذي يرفض أي نقاش حول مفاوضات لبنانية مباشرة مع إسرائيل، بات جزءاً من معادلة إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. واليوم، تبدو مساحة واسعة من خياراته الاستراتيجية مرتبطة بمآلات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة. فمستقبل العقوبات، والبرنامج النووي، والدور الإقليمي لإيران، كلها عوامل تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على موقع الحزب وخياراته. وهذا يعني أن الحزب، وإن لم يكن جالساً على طاولة التفاوض، فإنه ينتظر نتائجها، ويبني كثيراً من حساباته عليها. فرفض التفاوض في بيروت لا يعني رفض التفاوض بالمطلق، بل يعني أن مكان التفاوض انتقل إلى عاصمة أخرى وعلى ملف آخر. وفي المقابل، تبدو إسرائيل ، رغم تفوقها العسكري، أمام معضلة مشابهة. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير البنية العسكرية للخصم أو إضعافها، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم على الحدود الشمالية. فإسرائيل تحتاج، في نهاية المطاف، إلى ترتيبات تضمن أمن مستوطناتها الشمالية، وعودة سكانها، ومنع تجدد التهديد. وهذه الترتيبات، مهما اختلفت تسميتها، لن تتحقق بالقوة وحدها، بل عبر تفاهمات سياسية أو أمنية، مباشرة أو غير مباشرة، مع الدولة اللبنانية أو بوساطة دولية. بمعنى آخر، فإن الطرفين، رغم اختلاف الخطاب، يتحركان داخل فضاء تفاوضي واحد، وإن اختلفت الطاولات. حزب الله ينتظر نتائج المفاوضات الإيرانية – الأميركية، وإسرائيل تبحث عن ترتيبات تفاوضية تؤمن جبهتها الشمالية. وكلاهما يدرك أن الحرب لا تستطيع وحدها إنتاج واقع مستدام. هل يوجد بديل حقيقي عن المفاوضات؟ هنا تكمن المفارقة الكبرى. فبعد استعراض مختلف السيناريوهات، يتبين أن الخيارات لا تنقسم بين ا لتفاوض وعدم التفاوض ، وإنما بين شكل التفاوض وتوقيته ومستواه . فالحرب قد تكون وسيلة لتحسين شروط التفاوض. والردع هو أحد أدوات التفاوض. والوساطة شكل من أشكال التفاوض. والقرارات الدولية تحتاج إلى تفاوض لتنفيذها. والانتظار ليس سوى تأجيل للتفاوض. بل حتى استمرار الاحتلال أو استمرار الاشتباكات المحدودة لا يمثل حلاً دائماً، وإنما مرحلة انتقالية تنتهي عاجلاً أم آجلاً إلى تسوية ما. وبذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل ستكون هناك مفاوضات؟ وإنما: أي مفاوضات؟ ومن سيمثل لبنان فيها؟ وما هي الأوراق التي يمتلكها؟ ماذا يعني ذلك للبنان؟ الإشكالية الأساسية ليست في مبدأ التفاوض، وإنما في استعداد الدولة اللبنانية له. فالدول لا تُقاس بقدرتها على دخول المفاوضات فقط، بل بقدرتها على تحديد أهدافها قبل أن تجلس إليها. ما الذي يريد لبنان استعادته؟ ما هي أولوياته؟ ما الذي يمكن أن يقبل به؟ وما الذي لا يمكن أن يتنازل عنه؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد نتائج أي عملية تفاوضية، وليس مجرد انعقادها. فالدولة التي تدخل المفاوضات وهي موحدة وقادرة على إنتاج قرار وطني تكون شريكاً في صناعة التسوية، أما الدولة المنقسمة فتتحول إلى ساحة تُدار فيها التسويات التي يصنعها الآخرون. ختاماً ربما لم تعد عبارة "كل الطرق تؤدي إلى روما" مجرد وصف لشبكة الطرق الرومانية، بل أصبحت وصفاً دقيقاً للحالة اللبنانية. فالطرق تختلف، والشعارات تتغير، والخطابات تتبدل، لكن النتيجة تبدو واحدة. فحزب الله، رغم رفضه التفاوض مع إسرائيل، ينتظر نتائج مفاوضات أخرى تحدد جزءاً كبيراً من مستقبله. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تبحث هي أيضاً عن ترتيبات تفاوضية توفر لها الأمن الذي لم تستطع القوة وحدها ضمانه. والدولة اللبنانية، مهما حاولت تأجيل الاستحقاق، ستجد نفسها أمام السؤال ذاته. لذلك، لم يعد السؤال: هل سيفاوض لبنان؟ بل أصبح: كيف سيفاوض؟ ومن يفاوض؟ وعلى أي رؤية وطنية؟ وهل يدخل المفاوضات باعتباره دولة صاحبة قرار، أم ساحة تتقاطع فوقها مفاوضات الآخرين؟ ففي السياسة، كما في التاريخ، ليست القضية أن جميع الطرق تؤدي إلى روما، بل أن تعرف لماذا تسلك هذا الطريق، وأن تمتلك القدرة والجرأة على تحديد وجهتك قبل أن يحددها الآخرون نيابة عنك.

لبنان: خطوط النار في الداخل والخارج
بقلم
رامي الريّس
نُشر

في الوقت الذي تتجه فيه دول المنطقة للبحث في آليات وتحالفات تتيح لها تقليص إتكالها الأمني الكامل على الولايات المتحدة الأميركية (إن لم يكن الخروج المطلق من عباءتها)، وفي طليعتها التحالف التركي- السعودي- الباكستاني كنموذج واضح عن هذا الاتجاه؛ يتجه لبنان الرسمي إلى المزيد من الاتكال التام على واشنطن في معظم ملفات سياسته الخارجيّة وليس حصراً مسألة المفاوضات اللبنانيّة- الإسرائيليّة المباشرة التي انطلقت في واشنطن وتُستكمل في روما (وليس باريس مثلاً وهذه ليست صدفة). بطبيعة الحال، لا يستطيع لبنان أن يقارن موقعه وحضوره ودوره بأي من الدول الاقليميّة الكبرى الثلاث، أو أن تكون مقارباته مماثلة لأي منها نظراً لامتلاكها مقدرات في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة، وليس ثمة من يستطيع أن يؤكد أصلاً ما إذا كان لبنان قادر على الانفكاك عن واشنطن أو إذا كان يملك خيارات أخرى تتيح له ذلك. كما أنه ليس هناك ما يشير إلى أن ذلك مطلوب أصلاً في ظل الدور الأميركي الكبير على الصعيد الدولي والإقليمي. وإذا كان هناك من يعتبر أن ما أوقف الحرب عملياً هو المفاوضات السياسيّة المباشرة (وفي ذلك شيء من الصحة حتماً)، فإن لبنان يحتاج إلى رسم سياسة خارجيّة أكثر نشاطاً وفاعليّة تتيح له حشد الدعم الدولي لقضيته العادلة والمطالبة الحثيثة بالانسحاب العسكري الإسرائيلي الكامل حتى الحدود الدوليّة المعترف بها (والتي أقرت بها إتفاقيّة الهدنة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949 إلا أنه تم إغفالها بالكامل في المفاوضات الأخيرة). صحيحٌ أن واشنطن لن تقبل أن يزاحمها أحد على دورها المستعاد في لبنان، وأنها تريد أن تحتكر هذه "الساحة" لتنفذ منها لتحقيق إنجاز سياسي ما على الصعيد الإقليمي خصوصاً على ضوء المراوحة التي يشهدها الملف الإيراني بين القصف والتفاوض وعدم تمكن أي من المسارين للحسم باتجاهه؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الارتكاز الحصري على طرف دولي دون سواه، مهما بلغت قوته، لا يؤتي حتماً بالثمار المطلوبة. ولعل أبرز مثال في هذا الأمر يتصل بتهميش الدور الفرنسي إلى حدوده الدنيا وهو غير معهود في العلاقات اللبنانيّة- الفرنسيّة "التاريخيّة". ومع الإقرار بحتميّة الدور الأميركي بالنظر إلى الظروف السائدة وموازين القوى الراهنة التي أنتجتها الحروب المستعرة في العامين الماضيين، يبقى المأمول طبعاً أن تمارس واشنطن المزيد من الضغط على حليفتها المدللة بما يحقق الانسحاب ويقطع الطريق أمام شهوة إسرائيل المفتوحة على أرض الجنوب (نشر الخرائط المشبوهة، شق الطرقات وإقامة المراكز العسكريّة في المنطقة المحتلة،…). وما لم تتولد قناعة أميركيّة بأن إقامة الدولة في لبنان يصب في مصلحة الاستقرار في الداخل وفي المنطقة، وتترجم هذه القناعة من خلال مواقف ملموسة تؤدي إلى نتائج عمليّة في جنوب لبنان؛ سيبقى الوضع على حاله من الدوران في حلقة مفرغة: السلاح أم الانسحاب، أو الإنسحاب ثم السلاح؟ وبالمناسبة، ليس من الضرورة أن يصب هذا الخيار (إقامة الدولة في لبنان) في مصلحة إسرائيل، وهو على الأغلب ليس كذلك، لأنه يتيح لها تفريغ حقدها التاريخي على لبنان المتنوع الذي يناقض هويتها الآحاديّة الآخذة في المزيد من التطرف. إن قيام الدولة في لبنان ومدخله حصر السلاح (وليس نزعه) هو المدخل الصحيح والوحيد للخروج من الواقع الذي نقيم فيه، فهو يتيح للجنوبيين أن يثقوا بأن ثمة دولة تحميهم وتحتضنهم وتوفر لهم مقومات العيش الكريم بعيداً عن خطابات التهميش والإهمال التي تعززها خطابات طائفيّة مقيتة تغلف نفسها بشعارات مريضة تنم عن كراهيّة من شأنها أن تؤسس لنزاعات أهليّة ظنّت غالبيّة اللبنانيين أنها طويت إلى غير رجعة. وقيام الدولة في مجتمع تعددي ومتنوع مثل لبنان لا يقوم على قاعدة الحكم بالسيف، ولو أن الرخاوة الزائدة هي مقتلة لمشروع الدولة. إنه يقوم على قاعدة بناء مساحات المصلحة المشتركة التي تمثلها الدولة والتي لا يُتاح استبدالها من أي طرف مهما بلغت قوته، وهو ما أثبتته التطورات في لبنان على مدى سنوات بعد دوران فائض القوة على الطوائف تباعاً. لذا المطلوب من الدولة اللبنانيّة أن تقوم هي بالخطوات الضرورية لبناء نفسها وألا تستبعد خيار التحاور مع أي كان في الداخل والخارج بهدف تحقيق هذا الهدف، حتى لو تطلب الأمر فتح حوار مع الجهات التي تدعم أطرافاً معينة في لبنان بدل أن تدعم الدولة. لماذا لا تذهب الدولة لصياغة تفاهمات إقليميّة بغطاء دولي توفر لها القدرة على أن تترجم مشروعها في لبنان: مشروع الدولة. هل هذا أكبر من قدرة الدولة؟ ربما ولكن، فلتكن المحاولة. أخيراً، إذا كانت المناداة بحوار في الخارج تبدو ضرورية للخروج من عنق الزجاجة، فالحاجة لا تقل إلحاحاً عن حوار مطلوب في الداخل، لا يرتدي الطابع الفولكلوري الذي قد تقتصر نتائجه على تفاهمات لفظية لا تشق طريقها إلى التنفيذ، بل يسعى جدياً إلى إقامة السقوف المطلوبة داخلياً: لا تراجع عن مشروع قيام الدولة ومدخله حصر السلاح، ولا تغذية لمشاعر التهميش والإهمال عند شريحة معينة من اللبنانيين. بين هذا وذاك، لا بد من مساحة ما يتم خلقها مهما بلغت الصعاب.

"الخير يبدأ من الذات"... أو خيبات لبنان الكبير

تختصر مقولة "الخير يبدأ من الذات" انحرافات مسار لبنان الكبير، وهي الانحرافات عينها التي لخّصها جورج نقاش بعبارته القاطعة والثاقبة: "نفَيان لا يصنعان أمة". عبارة تكشف مكامن القصور الفادحة لدى الجيل الأول من اللبنانيين أمام دولة تُعاني عُسْراً في ترسيخ وجودها. تعود هذه المقولة في أصلها إلى القديس أوغسطينوس، ومعناها البسيط أن على المرء تلبية احتياجاته والوفاء بمسؤولياته أولاً، قبل أن يسعى إلى إغاثة غيره. ورغم أن هذا المفهوم يُحرَّف أحياناً لتبرير السلوك الفردي، أو شحّ العطاء، أو تقديم المصالح الشخصية على قضية جماعية، إلا إنه ينبع في جوهره من الفكر الأوغسطيني (القرن الرابع) ووتحديداً من مفهوم "ترتيب المحبة" ( ordo caritatis ). فبحسب القديس أوغسطينوس، تخضع المحبة (المحبة الإلهية) لتراتبية منطقية: محبة الله أولاً، ثم محبة الذات على نحوٍ سليم ومستقيم (صوناً لخلاص النفس)، لتصبح محبة القريب ممكنة بعد ذلك. ومن هذا المبدأ الأوغسطيني، صيغت العبارة اللاتينية ( caritas bene ordinata incipit a se ipso ) على أيدي فقهاء القانون في القرون الوسطى بأسلوب عملي بحت؛ إذ استعان بها الشُّراح لفض نزاعات الجوار المتعلقة بالمياه. وكانت العُرف الشائع حينها ينص على أن صاحب الأرض التي تنبع منها المياه غير ملزم بريِّ حقول جيرانه إذا كان ذلك يهدد جفاف أرضه. وبذلك كان القانون يكفل أولوية المصلحة الحيوية المباشرة. وعبر القرون، خرجت المقولة من أروقة المحاكم والنصوص الدينية لتدخل الأدبيات الشعبية. فمنذ القرن السادس عشر، باتت مثلاً سائراً للتذكير ببديهية طبيعية: أن يسعى الإنسان إلى صون أمنه المادي والأخلاقي أولاً، قبل أن يتلفت إلى الآخرين. المأساة اللبنانية ينطبق هذا المبدأ كلياً على تاريخ لبنان. للوهلة الأولى، قد يُخيَّل للمرء أن هذا المثل يختصر مأساة نظامٍ غلّبت فيه كل طائفة، عبر التاريخ، بقاءها وأمنها الخاص على حساب الدولة المركزية. غير أن ثمة زاوية أخرى لمقاربة الأمر، ومن خلالها تحديداً تتجلى "المأساة" اللبنانية الحقيقية. زاويةٌ تُظهر كيف أن تفضيل قضايا أخرى على قضية لبنان الكبير، كما أراده وتصوّره آباؤه المؤسسون – كالقضية الفلسطينية، أو الوحدة العربية، أو سوريا الكبرى، أو الجامعة الإسلامية، قد أخرج البلاد عن مبدأ "الخير يبدأ من الذات"، والذي كان يقتضي أولاً تقديمِ بناء الدولة- الأمة وتطويرها على ما عداه. يلامس هذا التحليل بالفعل اللحظة المفصلية في تاريخ لبنان الحديث، وَيُسلّط الضوء على الوجه الآخر للمقولة: أي إن الإفراط المعاكس – والمتمثل في تبنّي قضايا إقليمية أو أممية قبل تمتين القواعد الداخلية – هو ما قاد البلاد إلى الهلاك. فمن خلال تحويل لبنان إلى مسرحٍ لِصِراعات الشرق الأوسط المذكورة أعلاه، فوت الجانب الأكبر من الطبقة السياسية والشعب فرصة النمو الداخلي السليم. وهذا الخروج عن مبدأ "الخير يبدأ من الذات" يتجلى بوضوح في متلازمة "التضحية بالذات من أجل الآخرين". ففي اللاهوت كما في المنطق، لا يمكن لأحد أن يعطي ما لا يملك. ولبنان، كدولة فتية وهشة وليدة عامي 1920 و1943، لم يكن قد رسّخ مؤسساته بعد، ولا أرسى هوية وطنية جامعة. لذلك، وحين اندفع بكثافة في قضايا عابرة للحدود منذ خمسينيات القرن الماضي وستينياته (كالناصرية، ثم الدعم المسلح للقضية الفلسطينية عبر اتفاق القاهرة عام 1969)، تصرّف ككيان ضعيف يحاول المستحيل: حمل أعباء الآخرين. وهو الخيار الذي أسقط التوافق الهش للميثاق الوطني، وفجّر الحرب الأهلية عام 1975. تلاشي "الذات" الوطنية كي تستقيم مقولة "الخير يبدأ من الذات"، كان ينبغي أولاً أن تتشكل "ذاتٌ" واضحة المعالم ومقبولة من الجميع؛ وهو ما عجزت النخب اللبنانية عن تحقيقه، بل حتى عن إرادته. فمن خلال تقديم خيار "سوريا الكبرى" (الذي حمله الحزب السوري القومي الاجتماعي) أو خيار "الوحدة العربية"، استمر فريق من اللبنانيين في النظر إلى لبنان ككيان مصطنع أو مجرد ولاية يُفترض صهرها في مشروع أكبر. وفي المقابل، ومن خلال تقديم مشاريع ثيوقراطية أو الارتهان لمحاور إقليمية (كالمحور الإيراني)، نقلت أطراف أخرى مركز القرار إلى خارج الحدود، وأقصت شركاءها في الوطن. والنتيجة: لم يتمكن لبنان يوماً من محبة ذاته كدولة-أمة ذات سيادة. بل إن الوطنية اللبنانية ظلت، في نظر خصومها، شكلاً من أشكال الخيانة لـ"القضايا الكبرى"، ووصم أصحابها بـ"الانعزالية". إن نمواً متوازناً ومستقيماً للبلاد كان يقتضي منح الأولوية المطلقة لتطوير البنى التحتية، وإرساء تربية مدنية موحدة، وضبط الحدود، ورفد الاقتصاد المحلي. لكن استيراد حروب الآخرين إلى الداخل أدى إلى تبديد الثروات، وتهجير النخب، وتمزيق النسيج الاجتماعي؛ فأصبح البلد ساحة مفتوحة لحروب الآخرين بالوكالة منذ عقود، مؤكداً الحقيقة البديهية: حين لا يصون المرء بيته، يستبيحه الجيران نهباً وإدارة. وهنا تكمن المفارقة اللبنانية بأبهى صورها: يتأرجح تاريخ البلاد باستمرار بين أنانية طائفية في الداخل (التقوقع الفئوي على حساب الدولة)، وارتهان أيديولوجي للخارج (تفضيل القضايا الإقليمية على حساب الوطن). وفي كلا الخيارين، كان الضحية هو مشروع الدولة اللبنانية الحديثة، القوية والمزدهرة.

الذكاء الاصطناعي: سلاح تحرش وتنمّر على نساء الشأن العام

صور مفبركة، ومحتوى ذو طابع جنسي، وحملات تشهير، واتهامات بالعمالة: في لبنان، يوفّر الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة للتحرّش بالنساء الناشطات في الشأن العام. وتُظهر حالة وزيرة وشهادتا صحفيتين ظاهرة عالمية تتفاقم بوتيرة أسرع من تطوّر الوسائل القانونية والتقنية الكفيلة بالحدّ منها. شيطان أحمر بقرنين يحمل رمحاً ثلاثي الشعب، لكن بوجهٍ مألوف: نظارات طبية، شعر قصير مبيَضّ، وأقراط دائرية. لم يكن رسماً كاريكاتورياً عابراً، بل واحدة من عشرات الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي التي اجتاحت المنصات مستهدفةً وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، بعدما أثار تمسّكها المعلن بإجراء الامتحانات الرسمية في ظل الأجواء الأمنية المتوترة التي رافقت الحرب، موجة غضب واسعة. لم يناقش الغاضبون القرار التربوي بحجج تربوية. بدلاً من ذلك، ظهرت حسابات تحمل اسماً محرّفاً ساخراً، إضافة إلى صفحات كراهية أُنشئت خصيصاً ضد الوزيرة، وانهالت صور تُظهر الوزيرة شيطانةً وساحرةً و"شريرة"، من بينها صورة تركّب وجهها على جسد شخصية "شرشبيل"، الشرير الشهير في مسلسل "السنافر" الكرتوني. وحين خضعت الصورتان لأداة الكشف "Hive Moderation"، قدّرت الأداة احتمال أن تكون كل منهما مولّدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%، فيما رجّحت بنسبة أدنى بوضوح (75.7%) أن يكون النموذج المستخدَم هو "Gemini 3". الصورة الثانية المتداولة: تحليل Hive Moderation قدّر احتمال توليدها بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%. وتجدر الإشارة إلى أن كواشف المحتوى المولَّد أدوات احتمالية قد تخطئ في الاتجاهين، إثباتاً ونفياً. النمط نفسه تكرّر مع نساء أقلّ حمايةً من الوزيرة. مايا* صحفية لبنانية شابة نشرت خلال الحرب فيديو ميدانياً حصد انتشاراً واسعاً. وبحسب شهادتها لمعدّة التحقيق، لم تكن مكافأتها سوى حساب مجهول بدأ ينشر صوراً جنسية مفبركة لها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، مرفقة بعبارات من قبيل "إسرائيل تحب مايا"، في محاولة مزدوجة لتشويه جسدها وولائها معاً، وهي واقعة لم يتيسّر حتى الآن توثيقها من مصدر مستقل. أما الصحفية لين*، فوجدت صورتها من التغطية الميدانية وقد عُدّلت لتظهر بين جنديين إسرائيليين يصوّبان نحوها، على حساب أجنبي يتابعه عشرات الآلاف. وبعد تعرّضها لاعتداء جسدي أثناء التصوير في بيروت، انهال على منشورٍ وثّق الاعتداء 148 تعليقاً أحصتها بنفسها: انتقادات لشكلها، إيحاءات جنسية، واتهامات بالعمالة. تقول: "التعليقات كانت أشدّ إيذاءً من الاعتداء نفسه. الشخص الذي اعتدى عليّ تشاجرت معه وانتهى الأمر، أما هذا الكلام الذي كنت أقرؤه من أشخاص متخفّين خلف حسابات وهمية فكان أقسى بكثير". رواية الوزارة: حملة منظّمة لا نقاش تربوي يؤكد مصدر مقرّب من وزيرة التربية أن الوزيرة والوزارة كانتا على علمِ بالحملة منذ بدايتها، وأنها تدرّجت من نشر معلومات مغلوطة إلى هجوم شخصي ثم إلى "ترند" على منصات التواصل. ويقول المصدر إن الوزارة حاولت في المقابل أن تشرح موقفها وتنشر الدراسات والأرقام عن أعداد الطلاب والنازحين وخطة المناهج، "لكن هذه الرسائل لم تكن تصل، أو كانت تصل أضعف بكثير من الحملة التي تُشنّ عليها". ويصف المصدر حجم الحملة بأنها كانت "عنيفة استُخدمت فيها كل الوسائل" من تجريح وشتيمة، وأن هاتف الوزيرة كان يصله في بعض الأيام ما بين 700 وألف رسالة في فترات زمنية متقاربة، عبر ما يصفه بـ"ذباب إلكتروني منظّم" من أرقام وهمية وأحياناً حقيقية، بعضها من طلاب. وتحوّلت الحملة، بحسب المصدر، إلى فرصة للظهور: "أخذ كل من أراد أن يَظهر أو يتعاطف أو يَبرز ينشر عن الوزيرة، حتى توقّف النقاش حول الامتحانات والتربية وتحوّلت المواجهة إلى شخصها: تارةً على شعرها، وتارةً على إكسسواراتها، وتارةً على لون تنورتها." وعلى الرغم من ذلك، لم تتقدّم الوزيرة بأي شكوى قانونية، وهو ما يضعه المصدر في "إطار الترفّع عن شخصنة الموضوع": "كانت تتحدث بالعلم وبالأرقام، فلم تذهب لترفع دعوى شخصية على أحد". أما على مستوى الحلول، فيشير المصدر إلى خطة "التماسك الاجتماعي" التي تعمل عليها الوزارة ضمن المناهج بالتنسيق مع وزارات الثقافة والإعلام والشباب والرياضة، فيما يبقى ضبط التعاطي على منصات التواصل عبر إطار قانوني مطروحاً لدى وزارة الإعلام. أبعد من التحرش: تنمّر رقمي ممنهج ما يجمع الوزيرة والصحفيتين ليس "تحرشاً رقمياً" بالمعنى الضيق فحسب، بل تنمّر إلكتروني ممنهج يستهدف النساء في الشأن العام تحديداً: تشويه الصورة، الشيطنة، التسخيف، والتجريد من الكفاءة، من دون مناقشة قرار واحد أو فكرة واحدة. الأرقام الدولية تؤكد أن ما يحدث في لبنان نمط عالمي يتفاقم. فبحسب مسح "Tipping Point" الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025 عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة والمفوضية الأوروبية بالتعاون مع اليونسكو وICFJ وبمشاركة بحثية من جامعة City St George's في لندن، وشمل 119 دولة، تعرّضت 70% من النساء العاملات في الشأن العام للعنف الرقمي في إطار عملهن، وأفادت 41% منهن بأذى واقعي مرتبط به، فيما ترتفع النسبة بين الصحفيات إلى 75%. وفي لبنان، تشير أحدث إحصاءات قوى الأمن الداخلي، كما أوردتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أن 80% من ضحايا العنف الرقمي المبلَّغ عنه هم من النساء. أما حين يدخل الذكاء الاصطناعي على الخط، فتصبح الأرقام أكثر إنذاراً: 98% من فيديوهات "الديب فايك" على الإنترنت محتوى إباحي، و99% من ضحاياه نساء، وفق دراسة "State of Deepfakes" الصادرة عام 2023، والتي رصدت ارتفاع عددها 550% بين 2019 وذلك العام، وهي أحدث رصد شامل متاح لهذه الظاهرة. وكشف الجزء الثاني من "Tipping Point" الصادر في نيسان/أبريل 2026 أن 6% من النساء في الشأن العام وقعن فعلاً ضحايا ديب فايك، و12% تعرّضن لنشر صور حميمة من دون موافقتهن، وشُخّصت واحدة من كل أربع بقلق أو اكتئاب مرتبط بالعنف الرقمي، فيما تمارس 41% رقابة ذاتية على منشوراتهن تجنّباً للإساءة. كيف يُصنع المحتوى، وكيف يُكشف؟ لم يعد إنتاج هذا المحتوى يتطلب خبرة تقنية: تكفي صورة واحدة متاحة علناً لتوليد عشرات النسخ المشوِّهة خلال دقائق عبر نماذج توليد الصور، وتكفي، كما تقول لين، "عشر ثوانٍ من صوتك لتُركَّب لك محادثة كاملة لم تقلها". وفي المقابل، تتيح أدوات كشف مثل "Hive" تقدير احتمال أن يكون المحتوى مولّداً وتحديد النموذج المستخدَم، وهي الأداة التي استُخدمت في هذا التحقيق لفحص الصور والفيديو المستهدِفة للوزيرة كرامي. لكن يبقى الكشف أبطأ من الانتشار: فبحلول صدور نتيجة التحليل، تكون الصورة قد وصلت إلى آلاف الشاشات، ولأن المحتوى "يُصنَع بطريقة محترفة"، كما تقول الصحفية، "فإن الناس ستصدّقه، لأنه لم يعد أحد قادراً على التمييز". المشكلة في المجتمع قبل الأداة "مع تطوّر الذكاء الاصطناعي، تغيّر التحرش الرقمي في طبيعته لا في حدّته فقط؛ أصبحنا نرى أخباراً مزيّفة تُصنَع بالصور والفيديوهات، وهي دائماً أشدّ خطراً على النساء منها على الرجال"، يقول عبد قطايا، مدير المحتوى الرقمي في منظمة "SMEX" المعنية بالحقوق الرقمية. ويلاحظ قطايا أن الحملات تتصاعد عند اللحظات السياسية: ترشّح امرأة، أو اتخاذها قراراً مثيراً للجدل، كما في حالة الوزيرة كرامي: "غالباً ما تُستعمل الإهانة بحق النساء العاملات في الشأن العام، وتكون الإهانة شخصية؛ لا يحاولون حتى النقاش في السياسة أو الوقائع". ويضيف: "الخطر لا ينطلق من أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة فحسب، بل من طريقة تفكير المجتمع ونظرته إلى النساء". قانونياً، يبدو لبنان متأخراً عن سرعة التهديد. يشرح قطايا: "نحن في لبنان لا نملك قوانين مباشرة خاصة بالمجال الإلكتروني؛ الموجود هو قانون العقوبات، وقانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي لعام 2018، وقانون تجريم التحرش لعام 2020"، من دون أي نص خاص بالمحتوى المفبرك أو العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي: "ليس لدينا خطة وطنية، ولا حتى لجنة وطنية لهذا الموضوع". وتوافق لين من موقع التجربة: "أول ما نحتاجه هو قوانين حقيقية تحاسب فعلاً. ضد من أقدّم دعوى؟ ضد مجهول؟". وتلفت إلى أن السلطات نفسها لا تأخذ العنف الرقمي على محمل الجد: "يشعرون أنه ليس عنفاً حقيقياً؛ العنف الحقيقي بالنسبة إليهم هو أن يأتي شخص ويضربك". من التشريع إلى المنصات: أربعة مستويات للمواجهة الوقائع الثلاث في هذا التحقيق، وزيرة شُيطنت لقرار تربوي، وصحفية فُبركت لها صور جنسية، وثالثة وُضعت رقمياً بين بندقيتين إسرائيليتين، تفرض تحركاً على أربعة مستويات لا يحتمل التأجيل. على المشرّعين إقرار إطار قانوني يجرّم صراحةً إنتاج ونشر المحتوى المفبرك المسيء، مع تشديد العقوبات على الابتزاز الجنسي والمالي، وإنشاء اللجنة الوطنية التي يطالب بها الحقوقيون. وعلى المؤسسات الإعلامية والرسمية اعتماد بروتوكولات حماية واضحة، من إدارة التعليقات المسيئة إلى الدعم القانوني والنفسي، بدل ترك المستهدَفات وحيدات أمام مئات التعليقات. وعلى المنصات الرقمية تسريع الاستجابة للبلاغات ووسم المحتوى المولَّد. أما النساء العاملات في الشأن العام وفرقهن، فينصحهن قطايا بالاستثمار في مهارات السلامة الرقمية، التقنية والنفسية معاً. وحتى يتحقق ذلك، تبقى القاعدة الأولى بيد الجمهور نفسه: قبل أن تشارك صورة "فاضحة" أو "صادمة" لامرأة في الشأن العام، اسأل أولاً: مَن صنعها؟ ولماذا؟ * "مايا" و"لين" اسمان مستعاران، استُخدما لحماية هوية الصحفيتين بناءً على طلبهما. "تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية". استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Claude من Anthropic وChatGPT من OpenAI) في البحث عن المصادر وإعادة هيكلته في إعداد هذا العمل، فيما استُخدمت أداة Hive حصراً للتحقق من المحتوى المشتبه بتوليده لا لإنتاج أي محتوى. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه.