شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
نحن لسنا ساحة… ولسنا وقوداً
بقلم
منى فياض
نُشر

كانت عشر دقائق كافية كي تشهد بيروت وسائر المناطق، أكثر الهجمات الإسرائيلية وحشية. نتج عنها: مئات القتلى وألوف الجرحى. حصل ذلك بعد إبرام الاتفاق المبهم، بين اميركا وإيران، على وقف إطلاق النار. أرادت إسرائيل بقيادة نتنياهو، غير الراضي عن أي اتفاق سيعيده الى واقعها الإسرائيلي الصعب، أن يبلّغ الجميع ان إعلان إيران شمول الاتفاق للبنان، باطل. إيران ترفض ذلك لفظياً، وتستمر باحترام الاتفاق. أما حزب الله المنتشر في سائر الأنحاء وبين المدنيين، فلقد أعلن التزامه الاتفاق، وامتنع حتى الآن من الرد على إسرائيل سوى ببضعة صواريخ على كريات شمونة!! لبنان رسمياً ساحة مستباحه برضا حكومته، التي أعلنت الحداد على الضحايا! وأعلن الشعب اللبناني الحداد على حكومته ومسؤوليه. إن من يعيش داخل الحرب لا يُطلب منه أن يفهم… بل أن يشهد، وأن يبقى إنساناً قدر الإمكان. وهذا ما سأفعله: نحن لسنا ساحة. لسنا أرضاً مباحة لتصفية الحسابات، ولا خريطة تُرسم عليها خطوط النار وفق مصالح الآخرين. نحن بشر، لنا أسماء، وبيوت، وأبناء، وذاكرة مثقلة بما يكفي من الحروب التي لم نخترها. ومع ذلك، في كل مرة، يُعاد فرض الدور نفسه علينا: أن نكون الساحة والممرّ، والبريد، والجبهة، والضحية. نُقصف لأن هناك من يريد أن يرسل إشارة. نُدمَّر لأن هناك من يفاوض في مكان آخر. نُقتل لسوء حظنا مع موقعنا الجغرافي. نرفض هذا كله. نرفض أن نكون جزءاً من حرب لا قرار لنا فيها، ولا مصلحة لنا بها، ولا قدرة لنا على إيقافها. نرفض أن نُختزل إلى "ورقة" في يد أي محور، وأن يُطلب منا أن نموت بصمت، تحت شعارات كبرى لا تُطعم أطفالنا ولا تحمي بيوتنا. نرفض أن نكون تابعين. لا لإيران، ولا لغيرها. نرفض أن تُدار أرضنا، وأرواحنا، ومستقبلنا، بقرار يأتي من خارج حدودنا، وتحت راية دولة دينية لا ترى فينا إلا امتداداً لنفوذها، ودرعاً لحمايتها. نرفض أن يُختطف مجتمع كامل، وأن يُزجّ به في معارك تتجاوز قدرته وإرادته، ثم يُطلب منه أن يحتفل بالتضحية. أي تضحية هذه التي لا يختارها أصحابها؟ وأي مقاومة تلك التي تُفرض على الناس بالقوة؟ وكما نرفض من يعطينا دروساً عن إسرائيل وفجورها ووحشيتها، نرفض في الوقت نفسه، ممارسات إسرائيل الوحشية ونرفض أن تبقى فوق المساءلة، ونرفض أن تستمر دولة قائمة على القوة والاحتلال، وتستمر في تهديدنا وقصفنا وتدمير مدننا، ثم تبرر كل ذلك باسم الأمن. أي أمن هذا الذي يُبنى على أنقاض الآخرين؟ لو أن الفلسطينيين نالوا حقوقهم، ولو أن العدالة وُجدت يوماً في هذه المنطقة، لما استطاعت إيران ولا غيرها أن تستغل هذه الثغرة المفتوحة لابتزازنا، ولما تحوّلنا نحن إلى خط دفاع أول في معارك الآخرين. نحن ضحايا معادلتين قاتلتين: معادلة احتلال لا يعترف بحقوق الآخرين ومعادلة استغلال لا يرى فينا إلا أداة. وبينهما… نُسحق. لكننا، رغم كل شيء، نقول اليوم: كفى. كفى أن نُستخدم. كفى أن نُختطف. كفى أن نُقتل باسم قضايا لا تُدار لمصلحتنا. نريد دولة. دولة حقيقية، لا ظلاً لدولة أخرى وغير قادرة على فرض سلطتها. دولة تقرر الحرب والسلم، لا أن تقبل بفرض الحروب عليها فرضاً. نريد جيشاً واحداً، وقراراً واحداً، وسيادة لا تتجزأ. قد يبدو هذا الكلام ضعيفاً أمام هدير الطائرات، وسقوط الصواريخ، وفوضى الدم والشلاء. لكنه الكلمة في الحقيقة، أقوى ما نملك. لأن الحرب تبدأ حين يُسلب الإنسان صوته، وتنتهي - ولو بعد حين - حين يستعيده. نحن لسنا ساحة. نحن لسنا أرقاماً. نحن لسنا وقوداً. نحن بشر… ونريد فقط أن نعيش.

مضيق هرمز واتفاقية «مونتيغو باي»
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

تبدو بنود اتفاق وقف إطلاق النار – المقرر لفترة محدودة تمتد لأسبوعين – غامضة وفقاً لما سُرّب بشكل غير رسمي. وفي هذا السياق، أفادت المعلومات بأن إيران وافقت على إعادة فتح مضيق هرمز، وهي خطوة قُدّمت كمقايضة أساسية مقابل وقف إطلاق النار. ويخضع هذا المضيق للمعايير التي حددتها اتفاقية «مونتيغو باي» لعام 1982، باعتباره مضيقاً دولياً. وتفصّل هذه الاتفاقية، في قسمها الثاني، القواعد الناظمة لاستخدام المضائق الدولية، كما تحدد آليات عبور السفن في مياهها وتحليق الطائرات في أجوائها. المادة 37 «نطبق هذا القسم على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة. المادة 38 – حق المرور العابر 1 - «في المضائق المشار إليها في المادة 37، تتمتع جميع السفن والطائرات بحق المرور العابر الذي لا يجوز إعاقته (...).» 2 - «يُقصد بالمرور العابر ممارسة حرية الملاحة والتحليق بموجب هذا الجزء، لغرض وحيد وهو العبور المتواصل والسريع في المضيق بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة.» إنّ استخدام مصطلح «إعادة فتح» قد ينطوي على تداعيات وخيمة تطال مستقبل الملاحة وحركة عبور السفن غير الإيرانية أو العمانية في هذا المضيق. فهذا التعبير يكرّس انطباعاً بأن المضيق كان مغلقاً وأن إيران هي من سيعيد فتحه؛ وبمعنى آخر، يوحي المصطلح بأن المضيق يقع تحت السيادة الإيرانية المطلقة، تُغلقه وتفتحه وفق مشيئتها – أو عبر تقاسم الإدارة والمسؤوليات مع سلطنة عُمان. وهذا ما يمثّل صيغة أخرى للقول إن مضيق هرمز لم يعد مضيقاً دولياً، وأن استخدامه سيخضع مستقبلاً لالتزامات وقيود، من بينها سداد «رسوم عبور»؛ الأمر الذي سينعكس بشكل كبير على تكلفة النقل البحري في منطقة الخليج العربي. إنّ وضعاً كهذا قد يتكرر في مناطق أخرى: من باب المندب إلى ملقا، ولومبوك، وسوندا، وجبل طارق – ولمَ لا؟ – وصولاً إلى الدردنيل، ثم القنال الإنكليزي (المانش)، والساحل الشمالي لروسيا، وهو أمرٌ تدرسه موسكو بالفعل – أو ربما خططت له – وصولاً إلى الممر الشمالي الغربي، وغيرها من المضائق والممرات الدولية الإلزامية للتجارة والتبادل البحري. ألم يكن من الأجدر استخدام مصطلحات أخرى، من قبيل «كفّ التعطيل عن مضيق هرمز» أو «وقف التهديدات ب إغلاق مضيق هرمز»، أو أي صيغة أخرى توضح أن إيران قد اتخذت إجراءات تخالف الاتفاقية الدولية وتتعارض مع تعريف المضيق الدولي؟ وإذا كان المفاوضون قد اعتمدوا المصطلحات التي أُعلنت حالياً – مع الأمل بأن يكون الواقع خلاف ذلك – فذلك يعود بلا شك إلى أن الإيرانيين، الذين يبدو أنهم كانوا أكثر فطنة من نظرائهم، لديهم رؤية بعيدة المدى. وهو أمرٌ لا نتمناه. * جان باتريك دايراس: أميرال (لواء بحري) في البحرية الفرنسية؛ طيار في سلاح الجو البحري؛ متخصص في العمليات الجوية البحرية وتدخلات الكوماندوز؛ وخبير سابق لدى المنظمة البحرية الدولية (IMO).

الفن الانطباعي اللبناني: قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4)

الفن الانطباعي اللبناني : قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4) يبرز قيصر الجميّل كأحد أعمدة الرسم الحديث في لبنان، بوصفه شخصيةً مؤسسية وفناناً من الطراز الرفيع. طبع مسيرته بتحوّلٍ لافت من الأكاديمية الجامدة إلى تعبيرية أكثر حسّية وارتباطاً بالواقع اللبناني. لقد ساهم الجميل في الانتقال من فنٍّ ديني وتوثيقي بحت إلى فنٍّ يستند إلى التعبير الشخصي، محوّلًا الفنّ اللبناني التقليدي إلى لغةٍ حديثة مشبعة بتأثيراتٍ الانطباعية الفرنسية. الإنسان وُلد قيصر الجميّل في 9 شباط 1898 في عين التفاحة، وهي قرية صغيرة في جبل لبنان قريبة من بكفيا (كانت آنذاك تحت الحكم العثماني)، لأسرة من الأعيان. بدأ دراسته في معهدٍ كهنوتي في قرنة شهوان، لكنه ما لبث أن غادره إثر وفاة والده، ليدرس الصيدلة في الجامعة الأميركية في بيروت. البدايات الفنية اتخذت حياته مساراً جديداً كلياً حين تقاطع دربه مع الفنان خليل الصليبي، أحد كبار أساتذة الرسم اللبناني. وإذ اضطلع الصليبي على رسومه، اتخذه تلميذاً في محترفه، حيث اكتسب الجميّل منه تقنية فنية استثنائية. عدل الجميّل عن الصيدلة ليتفرغ كلياً للرسم. وفي عام 1927، سافر إلى باريس، حيث التحق بـ«أكاديمية جوليان» و«المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وهما مؤسستان خرّجتا كبار الرسامين أمثال ماتيس، وبونار، وجبران خليل جبران. أمضى هناك ثلاث سنوات انكبّ فيها على دراسة المدارس الفنية الباريسية التي سادت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مثل الانطباعية، وما بعد الانطباعية، والوحشية، مع ميل جليّ نحو الانطباعية والوحشية. كما تأثر بشكل خاص بأعمال رينوار. كانت تلك الحقبة مفصلية في مسيرته؛ إذ ساهمت في تحرير ألوانه وطريقته بالرسم. النضج الفني في عام 1930، عاد الجميّل إلى بيروت. وفي العام التالي، نال الجائزة الأولى في "المعرض الاستعماري الدولي" في باريس، كما قُلّد وسام الأرز الوطني. وبدفعٍ من هذه التقديرات الرفيعة، قرر التفرغ كلياً لفنّه. خلال تلك الحقبة، شهد الفن في لبنان نهضةً كبيرة، بفضل رعاة الفن أمثال ألفريد سرسق، وعمر الداعوق، وهنري فرعون، وكميل إده. حتى وفاته إثر أزمة قلبية في بيروت عام 1958، ظل قيصر الجميّل يمارس الرسم والتعليم، مشاركاً بفاعلية في في الحياة الثقافية اللبنانية. وفي عام 1943، ساهم في تأسيس قسم الفنون والهندسة المعمارية في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA)، حيث تولى التدريس فيها، لاعباً بذلك دوراً محورياً في نشأة استقلالية الفكر الفني اللبناني، ومساهماً في مأسسة التعليم التشكيلي في لبنان. رسّام الجسد والأرض كان الجميّل عاشقًا للّون والضوء، فاستطاع أن يجسد في لوحاته الهوية اللبنانية دون أن يقع في فخّ الفولكلور. وتتميز لوحته بضربة ريشة حيوية، وبطلاء زيتي كثيف وطبقات من الألوان المتراكمة. فهو يبحث في فنه على الانفعال البصري بدلاً من التفاصيل الفوتوغرافية الدقيقة. وإذا كان عمر الأنسي "سيد الضوء والشفافية"، فإن قيصر الجميّل يفرض نفسه سيد العري. ولعل هذا هو الجانب الأكثر جرأة في فنه؛ ففي مجتمع محافظ، استطاع الجميّل فرض العري الأكاديمي. فلوحاته كانت تضج بالحياة وهي أقرب الى المنحوتات منها الى الرسم. مع أن موضوع العديد منها كان العري، إلا أنها لا تقع أبداً في التزلف الرخيص، بل هي أقرب الى فن النحت الراقي. أما الضوء والطبيعة اللبنانية، وعلى نقيض الرسامين المستشرقين الذين اختزلوا الشرق في مجرد ديكور جميل، فقد رسمها الجميّل بروحٍ صادقة نابعة من أعماق حسه الوطني المرهف. نضاله الفني طوال مسيرته، عاش الجميّل صراعًا دائمًا بين التقاليد والحداثة. ففي بعض المعارض، أثارت لوحاته التي تمثل العري سجالات حادة. ومع ذلك، استطاع بفضل مهارته التقنية كسب احترام النخب ورجال الدين على حد سواء، فاتحاً بذلك الباب أمام حرية فنية أوسع للأجيال اللاحقة. وبإدخاله العري والواقعية الحسّية إلى الشرق الأوسط، ترك أثراً بالغاً في مسيرة فنانين لبنانيين كبار، أمثال شفيق عبود وبول غيراغوسيان. وفي عام 1988، في الذكرى المئوية لميلاده، أقام لبنان احتفالًاً وطنيًا تكريمًا له، في دليل قاطع على أنه لا يزال يمثل المرجع المطلق للجمالية اللبنانية في القرن العشرين. وحتى اليوم ، لا تزال أعماله تشكل درة المقتنيات في متاحف ومؤسسات مرموقة، مثل متحف سرسق، ومتحف (المتحف العربي للفن الحديث) في الدوحة، ومؤسسة دلّول الفنية. عملٌ أيقوني: «عُريٌ في استراحة» (Nude in Repose) يُعدّ "العري" موضوعاً ملازماً ورمزياً في أعمال الجميّل، سواء في لوحاته الزيتية أو في رسومه بالفحم. العُري عنده ينبض بالحياة، ترافقه ألوان زاخرة تنبض بالحياة؛ كان يميل إلى استخدام الواناً دافئة للبشرة، ولا يتوانى عن إدخال ظلال ملونة ببراعة فائقة. وتحت ريشته المتحررة، تشعر وكأن البشرة ترتعش وتتنفس. تجسد لوحة «عُريٌ في استراحة» (Nude in Repose) روحُ الريادة التي ميّزت فن الجميّل. فبحجبه وجهَ المرأة يوجه الرسام الانتباه كله إلى لعبة الضوء فوق الجسد. ضربات ريشته، الانسيابية والمتحررة، تلتقط انحناءة الظهر والعمود الفقري، متبعاً بذلك أرقى تقاليد الانطباعية الفرنسية وأسلوب رسامين كبار أمثال رينوار. فالعريّ عند الجميل ليس مبتذلاً، بل ينضح بشاعريةً رقيقة وشفافة ويجمع بين الجاذبية القوية والاحتشام الرقيق التي توحي به وضعية الجسد المتراخية. الجمال هنا متّزن، والخطوط منسابة تمنح اللوحة تناغماً تاماً. بعيداً عن التقنية، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان عرض جسد امرأة عارٍ، ولو من الخلف، يمثل خطوة ثورية بامتياز. فمن خلال لوحاته، قد كسر الجميّلُ القيود الاجتماعية بجرأة، وفرض حرية التعبير الفني، رافعًا الفن اللبناني إلى مصاف التجارب الطليعية الغربية. المقال المقبل الفن الانطباعي اللبناني : مصطفى فروخ، رسّام ومثقف ملتزم إقرأ في الموضوع نفسه – الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع (1/4) – الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء (2/4)

مفاجأة مدوية من نتنياهو: نعم لمفاوضات مباشرة مع بيروت

في مفاجأة مدوية طبعت نهاية يوم الخميس 9 نيسان، وفي أعقاب اجتماع للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه أوعز إلى حكومته الشروع في مفاوضات مباشرة مع لبنان في أسرع وقت ممكن. وقد انتهز نتنياهو الفرصة ليشيد علناً بقرار نظيره اللبناني نواف سلام انتزاع موافقة مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة الخميس في قصر بعبدا، على قرار يقضي بتكليف الجيش اللبناني والقوى الأمنية منع أي وجود مسلح غير شرعي في محافظة بيروت؛ وهو ما يمثل تطبيقاً فعلياً لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وجاءت هذه المفاجأة المدوية من نتنياهو في أعقاب تطورات بارزة شهدتها الساعات الأربع والعشرون الماضية، إذ أُعلن عنها غداة اتصال هاتفي جرى مساء الأربعاء بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي. وكانت معلومات وردت من تل أبيب بعد ظهر الخميس، أفادت بأن سيد البيت الأبيض طلب من نتنياهو «تخفيف» حدة الغارات ونطاقها في لبنان «إلى حد ما». غير أنه من المرجح جداً أن يكون قرار الدخول في مفاوضات مباشرة مع لبنان قد شكل المحور الأساسي لذلك الاتصال الهاتفي. أما الحدث البارز الآخر في يوم 9 نيسان، فتمثّل في الموقف الذي أطلقه رئيس الجمهورية جوزيف عون في مستهل جلسة مجلس الوزراء، إذ شدد على أن «لبنان وحده يفاوض باسم لبنان، ومن غير المقبول أن تحاول أي جهة ثالثة التفاوض نيابة عنه». وكان لوزارة الخارجية موقف صبّ في الاتجاه نفسه قبل أيام، ما أثار حينها غضب أوساط حزب الله. وفي مطلق الأحوال، طلب رئيس الحكومة خلال جلسة مجلس الوزراء الخميس إقرار قرار يكلف الجيش والقوى الأمنية التطبيق العملي لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة في محافظة بيروت. وقد عارض وزراء الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) بشدة طلب سلام، وسُجلت سجالات حادة في هذا الشأن بين الطرفين، إلا أن وجهة نظر رئيس الحكومة هي التي سادت في نهاية المطاف، مدعومة من وزراء القوات اللبنانية وحزب الكتائب والوزراء السياديين الآخرين. وفي ختام الجلسة، حرص سلام على إعلان قرار إخلاء محافظة بيروت من السلاح بنفسه وبصورة رسمية، موضحاً أن هذا القرار اتُخذ وفقاً لنصوص اتفاق الطائف والقرارات السابقة التي اتخذتها حكومته في هذا الصدد. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن رئيس الجمهورية جوزيف عون هو من طالب مراراً، منذ أسابيع عدة، بإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهو ما أثار استياءً كبيراً لدى حزب الله وحركة أمل. ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان قد رفض مبادرة رئيس الدولة في هذا الصدد، إلا أن تطورات الحرب في إيران، ولا شك الغارات المكثفة التي شُنت الأربعاء ضد كوادر ومواقع لحزب الله في قلب بيروت، كما في صيدا والبقاع والهرمل (نحو مئة غارة في عشر دقائق)، كان لها أثر غير مباشر في دفع نتنياهو إلى إعطاء الضوء الأخضر للمفاوضات المباشرة مع لبنان. في الخارجية الأميركية بضمانة واشنطن أما من الناحية العملية، فتُظهر المعلومات التي توافرت مساء الخميس أن المحادثات المباشرة اللبنانية-الإسرائيلية ستجري في الأيام القليلة المقبلة، وربما مطلع الأسبوع المقبل، في مقر وزارة الخارجية الأميركية، على أن تكون واشنطن هي الضامنة لحسن سيرها. وسيرأس الوفد الإسرائيلي سفير إسرائيل في واشنطن، أما بالنسبة إلى الوفد اللبناني، فقد أشارت بعض المصادر مساء الخميس إلى أنه سيكون برئاسة السفير السابق سيمون كرم، بينما أكدت مصادر أخرى أن السفيرة في واشنطن ندى حمادة معوض هي من سيقود فريق المفاوضين. وفيما يخص جدول أعمال المفاوضات، أشار نتنياهو إلى أنه سيركز على «نزع سلاح حزب الله، وإحلال السلام بين لبنان وإسرائيل». وفي المدى المنظور، تطالب بيروت بأن يشكل وقف إطلاق النار، ولو مؤقتاً، مقدمة لهذه المحادثات، وهو أمر لا يبدو أن الإسرائيليين في وارد قبوله. تبقى علامة الاستفهام الكبرى، في ضوء هذه المفاجأة المدوية، حول رد فعل المعسكر الإيراني، وتحديداً الحرس الثوري الإسلامي وذراعه العسكرية في لبنان. ويبقى الإشارة إلى أنه، وقبل إعلان الافتتاح المرتقب للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، واصل طيران العدو يوم الخميس غاراته الجوية على قرى عدة في جنوب لبنان، حيث يبدو أن الرهان الأساسي في المعركة الجارية حالياً هو السيطرة على بلدة بنت جبيل الاستراتيجية.

"​لبنان و"اليوم الذي يلي
بقلم
إيلي الحاج
نُشر

​«متى تنتهي الحرب؟ أقول: حين نلتقي». محمود درويش ​بطبيعتي متفائل. ولست مصفّحاً ضد الحزن. ولكن رغم سوداوية الحرب وبشاعتها، أعيش أكثر مراحل تفاؤلي هذه الأيام خلافاً لكثيرين. أعتقد أننا نعيش آخر حروب لبنان، وأفكّر في هدوء الليل بـ"اليوم الذي يلي الحرب". أفكّر بتعاطف إنساني، ومن دون لوم، بل بحياد تام، في الصدمة التي ستصيب بيوتاً تربّى أهلها على كراهية عميقة لإسرائيل وشعبها واليهود عموماً، من قوميين عرب، وقوميين سوريين، وشيوعيين، وإسلاميّين على تنوّع انتماءاتهم. هؤلاء الذين لا يتحملون ذكر كلمة "إسرائيل"، فيسمّونها "الكيان الصهيونيّ" أو "الكيان المحتلّ والموقّت"، والذين فضّلوا في الماضي، وبعضهم حتى اليوم، أن يحرقوا لبنان إذا لم تتحرّر فلسطين، ورفعوا شعار "حرية العمل الفدائي الفلسطيني المسلّح على كل الأراضي اللبنانية"، فارضين على دولتهم القبول بالتنازل عن سيادتها من خلال "اتفاقية القاهرة" فداء لفلسطين. كيف سيتحملون واقعاً جديداً يتمثل في أن إسرائيل لن تخرج من لبنان هذه المرة إلا باتفاق شامل للسلام؟ وأن لا عودة إلى هدنة 1949، بل ترتيبات أمنية قاسية وصارمة تضمن أمن حدودها الشمالية إلى الأبد؟ ثمن باهظ سيضطرّ لبنان إلى دفعه لاسترداد أرضه ​أقول لمن يسألني هذه الأيام: عندما تحين ساعة التفاوض الحقيقي سيكون "البكاء وصريف الأسنان". هناك ثمن باهظ سوف نضطر إلى دفعه إذا أردنا استرداد أرضنا وأهلنا في الجنوب إلى الدولة اللبنانية. ​اقرأوا نص اتفاق الانسحاب الإسرائيلي لسنة 1983، الذي سمّيتموه تحقيراً "17 أيار" أو "اتفاق الذلّ والعار"؛ ذلك الاتفاق الذي أسقطتموه بانتفاضة 6 شباط 1984. أعيدوا قراءته وتمنّوا وصَلّوا أن تقبل إسرائيل بما يُشبهُه بعد الحرب. حدسي والمؤشرات أنها لن تقبل. هذه المرة لن تكتفي بانسحاب مشروط أو ترتيبات أمنيّة هشّة يمكن نسفها بعمليات انتحارية، ولن تكون الهجمات المتفرقة على مدى طويل ضد قوات احتلالها متاحة. فنظام الأسد لم يعد موجوداً كي يدعم "المقاومين" ويؤمّن خلفيّتهم، والنظام الثيوقراطي في إيران يتهاوى، والاتحاد السوفياتي لم يعد قائماً، والأرض خالية من سكانها خلافاً للسابق، وأهل الأرض هم المياه التي لا يعيش سمك المقاومة خارجها. ستطالب إسرائيل بضمانات دائمة، وبآليات مراقبة دولية حقيقية تشارك فيها ربما وتشرف عليها، أو تتنكب لهذا الدور جيوش الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية المناهضة للنظام الإيراني في أفضل الأحوال. وربما ستفرض الدول تغييرات جذرية في بنية الدولة اللبنانية نفسها، كي لا يتحول الجنوب، مرة أخرى، منصّة لإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل، وأرض أنفاق للانقضاض عليها. ​سيكتشف الذين بنوا هويتهم على "المقاومة الإسلامية في لبنان" أن النهاية جاءت، وأن "الخمينيّة" التي اعتنقوها إيماناً وأسلوب حياة أصبحت خارج الزمن، وعبئاً ثقيلاً عليهم وعلى عائلاتهم ولبنان برمّته، يستحيل حمله. سيواجهون واقعاً مريراً: أن فلسطين لم تتحرّر، بل إن لبنان دفع الثمن الهائل كاملاً، وإسرائيل لم تُهزم بل غدت قادرة على فرض شروطها. سيدرك اللبنانيون أن الذين أحرقوا بيروت مراراً، ودمّروا الجنوب مراراً، هم أنفسهم الذين يرفضون اليوم أي حلّ سياسي يحمي لبنان من تكرار الكارثة. ​لكن اليوم الذي أتحدث عنه ليس للانتقام أو الشماتة. إنه يوم اللقاء على اقتناع بأن الرهان على تحرير فلسطين على حساب وجود لبنان كان خطأً جسيماً. ما حصل أننا كنّا في مأساة فلسطين، فصرنا في مأساة فلسطين ولبنان معاً، ولم نربح سوى الدمار والوجع على الأبناء الذين انقصفت أعمارهم الفتيّة عبثاً. يومٌ يدرك فيه اللبنانيون أن السلام الذي ذهبت إليه دول عربية شقيقة ليس خيانة، بل هو أفضل الممكن، وأنه الخيار الوحيد الذي يحفظ ما تبقى من بلادنا ودولتنا. السلام الذي يعني حدوداً آمنة، ودولة قادرة على بسط سيادتها، واقتصاداً ينفتح بدل أن يُغلق تحت شعارات "الممانعة". ​سوف يكون ذلك اليوم بداية عهد جديد حقاً. عهد يخرج فيه لبنان من دائرة الحروب المتسلسلة واللامتناهية التي غذّتها أوهام "القضية المركزية" و"المقاومة المسلحة حتى الرمق الأخير" منذ سنة 1969. عهد يستعيد فيه اللبنانيون حقهم في الحياة الطبيعية: في بناء بيوتهم، وزرع أرضهم، وتربية أولادهم بعيداً عن دوي الانفجارات والغارات والصواريخ والخطابات النارية. ​ليس سهلاً على جيل تربّى على مبدأ أن "إسرائيل عدوّة إلى الأبد، وعلينا النضال بلا هوادة ومهما بلغت الخسائر لإزالتها من الوجود من النهر إلى البحر"، أن يستيقظ فجأة على واقع أن هذا "العدو" لن يرحل إلا بعد أن يوقّع اتفاقاً ثقيل الوطء يحميه. لكن التاريخ لا يرحم من يعيش في الماضي، واليوم الذي يلي الحرب سيكون، مهما طال الصراخ، يوماً لمَن اختاروا لبنان أولاً، سواء أبكروا أم تأخروا، كي يعيدوا البناء معاً ويبلمسوا جراح الوطن والنفوس.

محمد حسين شمس الدين، ذلك الجندي المجهول

ما يحملني على كتابة هذه الكلمات اليوم ليس الأخلاقَ ولا الصداقةَ ولا المجاملة، بل الاحترامُ العميق الذي أكنّه لرجلٍ أعطى لبنانَ الكثير، وظلّ جندياً مجهولاً. هذا الرجل هو محمد حسين شمس الدين. فكّر وصاغ، بين عامَي 1992 و2026، معظمَ الأدب السياسي الذي شكّل حجرَ الزاوية لرواية السيادة والاستقلال في هذا البلد. كان يرى أن السيادةَ والاستقلالَ لا ينفصلان عن الوحدة الوطنية، إذ لا قيامَ لهما إلا بها. فمتى تصدّعت هذه الوحدة، أياً كانت الأسباب، كان انهيارُ الاستقلال والسيادة أمراً محتوماً. كان يقول إن غالبية اللبنانيين، طوائفَ وأحزاباً، لجأوا إلى وسيلةٍ لتصفية حساباتهم مع سائر الطوائف والأحزاب: التحالفُ مع قوةٍ إقليمية أو أجنبية يُسلّمونها جزءاً من سيادة البلاد، مقابل قوة مساندةٍ يستخدمونها في الداخل ضد الآخر المختلف. كان يرى أن الاستقلالَ والسيادةَ لا يتجزآن، وأن لا مكسبَ يصحّ بناؤه على حساب الشراكة مع الطوائف الأخرى، مختلفةً كانت أم لا. كان شمس الدين جندياً مجهولاً لأن فضل صياغة أدبيات المؤتمر الدائم للحوار، على سبيل المثال، ذهب إلى سواه. وكذلك ذهب فضل صياغة أدبيات قرنة شهوان والرابع عشر من آذار والأمانة العامة، والبيانات السياسية المُعدَّة كل عام، والرسائل الموجَّهة إلى الخارج ومراكز القرار العربية وما إلى ذلك. كلُّ ذلك الإرث الوطني والسياسي لم يكن في الحقيقة إلا وليدَ فكر محمد حسين شمس الدين. حوله كنا نتجمّع في الأمانة العامة، والسيجارة بين الأصابع، ونهرٌ من القهوة تسكبه أنطوانيت. حول هذا الحكيم الشديد التواضع، الذي لم يسعَ يوماً، خلافاً لكثيرٍ من السياسيين والمفكرين، إلى المجاهرة بما كان يعلم على حساب الآخر. بل كان يُعلّم في هدوء الحكماء وسكينتهم. والجميع، الجميع، كانوا يُنصتون، يجدون فيه معيناً للطيبة والشجاعة وسداد الرأي والذكاء، وفوق ذلك كله إدراكاً عميقاً لتعقيدات المجتمع اللبناني. محمد، ستظلّ حاضراً في وجداني دائماً، كما ظلّ سمير فرنجية أو نصير الأسعد، أستاذاً علّمني أن أبقى متواضعاً، وأن أُمعن في القراءة، وأن أرى لبنانَ وأعرفه بطريقةٍ مغايرة. لبنان، كما كنتَ تردّد دائماً، لا يقوم على توازن القوى، بل على قوة التوازن. عسى أن يُسمع صوتُك، لا سيما في هذه اللحظات المروّعة التي نعيشها، وعسى أن تكون كلماتك وفكرك الركيزةَ الفلسفية للبنان الغد.