Logotipo da Levant Time

Artigos

Imagem de notícia
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
Retrato do autor
Por خليل حلو
Publicado em سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
Retrato do autor
Por LevantTime . - Publicado em سبتمبر 6, 2026 - 23:27
Imagem de notícia
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
Retrato do autor
Por ميشال حاجي جورجيو - Publicado em سبتمبر 6, 2026 - 13:31
Imagem de notícia
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
Mais Artigos
Ordenar por: RecentesAntigos
حديثٌ لا ينتهي في زمنٍ لا يصل
Por
ريتا باروتا
Publicado

- شو صار؟ - في شي رح يصير. - قالوا رح يصير. - مين قال؟ - ما بعرف. بس أكيد رح يصير. يتكرر هذا التبادل القصير بصيغٍ لا تُحصى داخل تفاصيل الحياة اليومية. يتكثّف ليصبح صيغة من صيغ الوجود، لا تنقل الحدث بقدر ما تعيد إنتاجه، في هيئة توقّع دائم، يتغذّى من نفسه، ويستمرّ عبر اللغة، من دون أن يحتاج إلى تحقّق واضح يثبّته أو يضع له حدًّا. لا تأتي الجمل لتخبر عمّا حدث، بل لتبقي الاحتمال معلّقًا، قابلًا لإعادة التداول، كأنّ وظيفتها الأساسية لم تعد الإحالة إلى الواقع، بل تنظيم العلاقة معه والضياع فيه. هذه اللغة، في تكرارها وإيقاعها الدائري، تقف في صلب المشروع الأدبي الذي تقدّمه رواية الطابور لفلاديمير سوروكين (دار الرافدين، 2023). مع هذه اللغة، تتحوّل الرواية إلى مساحة من الأصوات المتجاورة التي تتدفّق من دون وسيط سردي يضبطها، ومن دون مركز يمكن أن تستقرّ عنده الدلالة. يقوم النصّ بأكلمه على حوارات متقطّعة ومتداخلة، تلتقط لحظات من الانتظار داخل طابور طويل، من دون أن تكشف عمّا ينتظره الواقفون فيه، أو عمّا يحدث في المقدّمة. ليبقى المعنى موزّعًا بين أقوال متجاورة لا تنفتح على نهاية واضحة. كتب سوروكين هذا العمل في سياق سوفياتي كان فيه الوقوف في الطوابير جزءًا من البنية اليومية للحياة ومن العلاقة المعقّدة بين الأفراد والسلطة وندرة السّلع. غير أنّ الرواية لا تتوقّف عند حدود هذا السياق، إذ تدفع التجربة نحو أقصاها، عبر تفكيك الإطار الواقعي الذي يمكن أن يحتويها، وتحويلها إلى اختبار لغوي يضع القارئ نفسه داخل الطابور، يتعرّض، كما يتعرّض اناس سوروكين، لتكرار الأصوات، ولتراكمها، وللإنهاك الذي ينتج عن متابعة نصّ لا يقدّم وعدًا بالوصول، ولا يمنح قارئه نقطة استقرار يمكن أن يتكئ عليها. لتصبح القراءة فعل تحمّل بقدر ما هي فعل فهم، إذ يختبر القارئ، على مستوى الإحساس، ما تعنيه الإقامة داخل زمن لا يتقدّم. وإذا كان نصّ سوروكين يستمدّ مادّته من واقعٍ محدّد، فإنّ استدعاء الطابور في السياق اللبناني لا يحتاج إلى مسافة كبيرة من التخيل، لانه يستند إلى ذاكرة متراكمة، تكاد تكون جسدية في حضورها، تعود إلى سنوات الحرب الاهلية، حين كان الوقوف في الصفوف أمام الأفران، بحثًا عن ربطة خبز، جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة. خلال الحرب تلك، كان زمن الطاوابير يمتدّ على نحو غير متوقّع محوّلا الانتظار إلى تجربة مشحونة بالقلق والترقّب. هذه التجرية الخاصة جدا، تتأرجح بين احتمال الوصول واحتمال الانقطاع. لم يكن الوقوف في الطابور مجرّد إجراء للحصول على سلعة، بل كان دخولًا في زمنٍ مختلف، يُقاس بالمدّة التي لا يمكن التحكّم بها، وبالأسئلة التي لا تجد إجابة فورية. هذه التجربة لم تبقَ في حدود الماضي، بل عادت لتتكرّس في أشكال جديدة مع الانهيار الاقتصادي، حيث أعادت طوابير محطّات الوقود رسم المشهد نفسه، بأجساد مصطفّة داخل سياراتها هذه المرّة، تمتدّ على طول الطرقات، تحت الشمس أو في العتمة، في انتظار دور قد يأتي بعد ساعات، أو قد لا يأتي، في ظلّ غموض يحيط بتوفّر المادة نفسها، وبشروط الحصول عليها، وبالزمن اللازم للوصول إليها. في تلك اللحظات، كان الكلام يتكاثر داخل الصفوف، بين السائقين، وعبر الهواتف، حيث تُتداول الأخبار والتقديرات، وتُعاد صياغة ما يُشاع عن وصول الصهاريج أو انقطاعها، فيتحوّل الانتظار إلى فضاء لغوي كثيف، يملأ الفراغ الذي يخلّفه غياب اليقين. .... انطلاقًا من هذا التراكم التاريخي والتجريبي، يمكن النظر إلى ما يجري في لبنان اليوم بوصفه انخراطًا جماعيًا في زمنٍ يتشكّل عبر التعليق المستمر، حيث لا يعود الحاضر لحظة عابرة بين ماضٍ ومستقبل، بل مساحة ممتدّة يُعاد إنتاجها يوميًا من خلال اللغة، ومن خلال التداول المتواصل للتوقّعات. فتتقدّم الخطابات إلى الواجهة، وتصبح الطريق شبه الوحيدة للاقتراب من الواقع. الوصول إلى الحدث، في هذه الحالة، لا يتمّ بشكل مباشر، بل عبر طبقات متراكمة من الأقوال، التي لا تنقل الوقائع بقدر ما تعيد تشكيلها، وتمنحها إيقاعًا قائمًا على التأجيل. في هذا الفضاء، تتكاثر الجمل التي تشير إلى اقتراب شيء ما، من دون أن تحدّده بدقّة، وتتوالد الأخبار التي تَعِد بتحوّل وشيك، من دون أن تستقرّ في نتيجة، فينشأ شكل من الزمن يعتمد على الترقّب بوصفه حالة قابلة للتجديد. وعليه، يتمّ استهلاك المستقبل في صيغته الاحتمالية، من دون أن يُتاح له أن يتحقّق كزمنٍ فعلي. ومع تراكم هذا الفائض من الكلام، يتبدّل موقع الفرد داخل هذا الزمن، إذ يجد نفسه منخرطًا في إنتاج المعنى وتداوله، عبر التعليق والتحليل وإعادة الصياغة. وما نشاهده اليوم على صفحات التواصل الاجتماعي من تعليقات وتحليلات لا تحصى، هو مشاركة في هذا التدفّق اللغوي، الذي يصبح شكل من أشكال الحضور. فيُبقي الأفراد داخل النسق نفسه، ما يمنحهم إحساسًا بالمشاركة في حدثٍ يتأجّل باستمرار. هل ستستمر الحرب؟ من عليه قانونا، ان يفاوض؟ هل المقاومة مشروع ايراني؟ هل الدولة قوية؟ هل سنعيش؟ لا يأتي الكلام بوصفه تعبيرًا عن الواقع فحسب، بل كفعل يساهم في تثبيت الإطار الذي يُفهم من خلاله هذا الواقع، وفي إعادة إنتاجه بوصفه حالة قابلة للاستمرار. في المقابل، تظلّ “المقدّمة” (او من يتخيلون انه هنالك من مقدّمة!) التي يُفترض أن يحدث فيها التحوّل اي الوصول الى السلعة المنتظرة، موقعًا يتعذّر الإمساك به، ذلك لأنّ العلاقة بها تمرّ عبر وسائط متعددة، إعلامية وسياسية، وكلاما اقرب منه الى الثرثرة منه الى المعنى، تتنافس على إنتاج رواياتها، وتُبقيها في حالة من التعدّد الذي يحول دون تثبيتها في صورة واحدة قابلة للإدراك. ومن خلال هذه الوسائط، تتعزّز مسافة بين من يعيشون الحدث في شروطه المباشرة، وبين من يتلقّونه عبر تداولاته، فتتشكّل تجربتان متوازيتان، تتقاطعان في اللغة، من دون أن تتطابقا في الإحساس بالواقع، ما يساهم في تعميق الإحساس بالانفصال، حتى داخل المشاركة الجماعية في الانتظار. الانتظار، اذا، لا يظهر كفترة بين حدثين، بل كإطار دائم يعيد ترتيب العلاقة بين الزمن والتجربة، ليصبح جزءًا من استقرارٍ هشّ، يقوم على التكيّف مع التأجيل. وعليه، فإنّ المسألة لا تتعلّق بمدى قرب النهاية، ولا بطول المدّة التي يستغرقها الانتظار، بقدر ما ترتبط بطبيعة هذا الزمن الذي يُعاد إنتاجه يوميًا، زمنٌ لا يتوقّف، ولا يتقدّم، بل يدور داخل نفسه، عبر إعادة إنتاج التوقّع واستهلاك كل احتمال. ليبقى السؤال معلّقًا داخل هذا الامتداد من الأصوات (والثرثرة جزء منه)، الذي يتردّد في جمل عديدة من دون أن يستقرّ في إجابة واضحة. سؤال يتعلّق بإمكان تخيّل زمن يسمح بشيء أن يحدث فعلًا. في أفقٍ لم يعد الوصول إليه مضمونًا، يبقى التفكير فيه، محاولة للخروج من الطابور، ولو على مستوى اللغة.

ثلاثة وقفٍ لإطلاق النار، نمطٌ واحد

في السادس عشر من نيسان 2026، دخل وقفٌ للأعمال العدائية مدته عشرة أيام حيّز التنفيذ بين إسرائيل ولبنان. وكان هذا الاتفاق، بأي معيارٍ قيس، أضعف صكٍّ قبله لبنان في تاريخه. فحيث فرض القرار 1701 لمجلس الأمن الأممي الصادر عام 2006 التزاماتٍ ملزمةً ومتوازنةً على جميع الأطراف، وحيث أرسى وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 آليةً متينةً للرصد وجداولَ زمنيةً دقيقةً للتنفيذ، فرض صكّ نيسان 2026 التزاماً فورياً وشاملاً وغير مشروط بنزع سلاح حزب الله، في حين منح إسرائيل حقوقاً في الدفاع الاستباقي عن النفس لم تكن تمتلكها رسمياً في أي وقتٍ سابق. كان ثمة خطأٌ جوهري قد اقتُرف، لا في غرف الصياغة في واشنطن أو باريس، بل في عقودٍ من الشلل الاستراتيجي الذي أنهك بيروت. الحرف الملزم للقرار 1701 كان القرار 1701، على الورق، صكاً جدياً. اعتمده مجلس الأمن بالإجماع في الحادي عشر من آب 2006 لإنهاء حرب الصيف بين إسرائيل وحزب الله، وقد حدّد التزاماتٍ واضحةً وغير مشروطة على عاتق جميع الأطراف. كانت إسرائيل ملزمةً بوقف عملياتها الهجومية فوراً، وبالانسحاب من جنوب لبنان بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، وباحترام الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة في كل الأوقات، وبتسليم خرائط الألغام المتبقية. أما لبنان، فكان ملزماً بنشر جيشه في الجنوب، وبممارسة سيادته الكاملة على كامل أراضيه، ومنع تدفق الأسلحة غير المرخصة، والسعي، وهي التبعة الأثقل وزناً، إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية. أما حزب الله، الذي لم يكن طرفاً رسمياً في الاتفاق، وإن كان أمينه العام حسن نصر الله قد أعلن علناً التزامه بوقف إطلاق النار، فكان مطلوباً منه إيقاف جميع الهجمات على إسرائيل، والانسحاب من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، والخضوع لسلطة الحكومة اللبنانية. فنّ ال”لا تطبيق” ما تلا ذلك كان إخفاقاً شبه شامل في التنفيذ، غير أنه لم يكن إخفاقاً متساوياً. فقد أوقفت إسرائيل عملياتها الكبرى وانسحبت في نهاية المطاف من الجزء الأكبر من قواتها البرية، لكنها استمرت في انتهاك المجال الجوي اللبناني لسنواتٍ ولم تقدّم سوى كشفٍ جزئيٍّ عن خرائط الألغام. أما الحكومة اللبنانية، فقد نشرت الجيش في الجنوب بطاقةٍ محدودة، إلا أنها لم تسعَ جدياً، ولو لمرةٍ واحدة، إلى نزع سلاح حزب الله، مرجئةً هذا المسعى عبر الحوار السياسي والحساسيات الطائفية والحسابات الصامتة بأن كلفة المواجهة تفوق كلفة التقاعس. فأما حزب الله، الجماعة التي أعلنت التزامها العلني بوقف إطلاق النار، فقضى الثمانية عشر عاماً التالية يبني ترسانةً يُقدَّر حجمها في نهاية المطاف بمئة وخمسين ألف صاروخ وقذيفة، ويحفر الأنفاق نحو إسرائيل، ويرسي ما بات في حكم دولةٍ موازيةٍ في جنوب لبنان، كل ذلك في انتهاكٍ صريحٍ لقرارٍ ملزمٍ من مجلس الأمن. أسطورة مزارع شبعا لمواجهة الذريعة الإسرائيلية بالدفاع عن النفس، تمسّك لبنان وحزب الله بالنزاع العالق حول مزارع شبعا، تلك الرقعة الضيقة من الأرض التي ظل وضعها مبهماً من الناحية الخرائطية، مسوّغاً لتحمّل الوضع المسلح لحزب الله بوصفه “مقاومةً وطنية”. غير أن هذه الحجة كانت تنطوي على خللٍ قاتل: فقد أقرّت سوريا سراً عام 2011 بأن الأرض المتنازع عليها سوريةٌ وليست لبنانية، مما يعني أن الأساس السياسي المحوري لوجود حزب الله المسلح في جنوب لبنان كان يرتكز على مطالبةٍ لا تدعمها حتى دمشق. ولم يكن لأيٍّ من ذلك أي صحةٍ قانونية في ضوء نص القرار، الذي لا يتضمن أي بندٍ استثنائيٍّ يجيز عدم الامتثال لأسبابٍ سياسية. فرصةٌ ثانية، أحكم صياغةً بعد أن فتح حزب الله “جبهةً إسناد” في أعقاب هجمات حماس في السابع من أكتوبر، وبعد أن تصاعدت الحرب حتى بلغت حدّ الغزو البري الإسرائيلي لجنوب لبنان في خريف 2024، تداعى المجتمع الدولي إلى الاجتماع من جديد. وكانت الثمرة وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، الذي نُسِّق بوساطة أمريكية-فرنسية. هذه المرة، سعى الصائغون إلى سدّ الثغرات. فانتقلت الصياغة من الطموحي إلى الإلزامي. ولم يُطلب من لبنان بعد الآن مجرد السعي إلى نزع سلاح حزب الله، بل بات ملزماً “بمنع” عمليات حزب الله بوصفها نتيجةً تعاقديةً ملزمة. وحُدِّد جدولٌ زمني من ستين يوماً للانسحاب الإسرائيلي المنسّق وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب. وأُسِّست آليةٌ للرصد تترأسها الولايات المتحدة للتحقق من الامتثال. وظهرت كلمة «متوازٍ» صراحةً، إذ لا يجوز معالجة التزامات أيٍّ من الطرفين على أنها متسلسلة. تقدّمٌ حذر، أظلّته ظلالٌ مألوفة جاءت النتائج الأولية مشجعةً بحذر. ففي نيسان 2025، كان حزب الله قد سلّم الجيش اللبناني السيطرةَ على نحو مئةٍ وتسعين من أصل مئتين وخمسٍ وستين موقعاً عسكرياً له جنوب الليطاني. وأفاد مسؤولون عسكريون لبنانيون وأمريكيون بمصادرة آلاف الصواريخ والمئات من القذائف. وللمرة الأولى منذ عام 1990، تعهّد رئيس الجمهورية بتطبيق الاحتكار الحصري للدولة على السلاح، وجرّمت الحكومة رسمياً الأنشطة العسكرية لحزب الله. وقد مثّلت هذه الإجراءات تقدماً ملموساً، وإن ظلّ محدوداً. التاريخ يعيد نفسه، بوتيرةٍ أسرع بيد أن الإخفاقات ذاتها عادت إلى الظهور. فقد وثّقت اليونيفيل أكثر من سبعة آلافٍ وخمسمئة انتهاكٍ إسرائيلي للمجال الجوي وما يقارب ألفين وخمسمئة انتهاكٍ بري حتى أكتوبر 2025. وأبقت إسرائيل على قواتها في خمسة مواقع داخل لبنان بعد انتهاء الأجل المحدد بكثير، معلنةً نيتها الإبقاء عليها إلى أجلٍ غير مسمى. ولم يُكلَّف الجيش اللبناني رسمياً بمصادرة أسلحة حزب الله إلا بعد نحو عامٍ من إبرام الاتفاق. وظلّ لبنان يشترط، مراراً وتكراراً، الانسحاب الإسرائيلي الكامل قبل المضي قدماً في مساعي نزع السلاح، وهو اشتراطٌ لا سند له في نص الاتفاق. وأعاد حزب الله بناء ترسانته على نحوٍ هادئ. وفي الثاني من آذار 2026، أطلقت المجموعة قذائف نحو شمال إسرائيل، متذرعاً بمقتل المرشد الأعلى الإيراني خامنئي واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وهي ذرائع لا وزن قانوني لها في ضوء أيٍّ من الاتفاقات التي التزم حزب الله، فعلياً، بالالتزام بها. ثمن الإخفاقات المتراكمة جاء اتفاق نيسان 2026 في سياقٍ من الانتهاكات المتكررة. وتعكس بنيته عجز لبنان التفاوضي المتراكم عبر السنين. فالتزامات إسرائيل أضيق مما كانت عليه في أي وقتٍ منذ عام 2006، إذ تقتصر في جوهرها على الامتناع عن العمليات الهجومية لعشرة أيام، وصفها الاتفاق صراحةً بأنها “بادرة حسن نية” لا التزاماً قانونياً ملزماً. والأخطر من ذلك أن حق إسرائيل في الدفاع عن النفس قد وُسِّع رسمياً ليشمل ليس فقط الهجمات الجارية والوشيكة، بل أيضاً الهجمات “المخططة”، مما يعني أن إسرائيل تحتفظ بالحق الصريح في توجيه ضرباتٍ استباقية استناداً إلى تقديراتٍ استخباراتية، دون انتظار تحقق أي هجوم. ولم يكن هذا امتيازاً انتزعته إسرائيل بدبلوماسيةٍ متشددة، بل كان المآل المنطقي لمسارٍ أُخلّ فيه كل اتفاق سابق، وأُهدر فيه كل أجلٍ للتنفيذ. ما أُسلِم ولم يُنتزَع تصاغ التزامات لبنان في عام 2026 بلغةٍ أشد وطأةً بشكلٍ ملحوظ مما كانت عليه في عام 2024. فحيث اشترطت الاتفاقيات السابقة على لبنان أن “يمنع” عمليات حزب الله بوصفها نتيجةً تعاقديةً ملزمة، أو أن يمضي تدريجياً في نزع سلاح الجماعات غير الحكومية، يستحضر نص عام 2026 المسؤولية “الحصرية” للبنان عن الدفاع عن أراضيه، دون أي آليةٍ للرصد أو جدولٍ زمني لمصادرة الأسلحة. وبصكٍّ واحد، تبخّرت كامل بنية الإشراف الدولي التي أُرسيت بجهدٍ مضنٍ منذ عام 2006، وحلّت محلها مفاوضاتٌ ثنائيةٌ مباشرة يدخلها لبنان من موقع ضعفٍ هيكلي. لا يصعب استجلاء النمط الذي يخترق الاتفاقيات الثلاث. فقد فرض كل إطارٍ متعاقب مطالب أشد في نزع السلاح على لبنان وحزب الله، في حين رسّم في الوقت ذاته ووسّع الهامش المعترف به لإسرائيل في العمل العسكري. وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فحين تعجز دولةٌ ما عن إرساء سيطرتها الحصرية على أراضيها، وتتسامح مع احتفاظ جماعةٍ مسلحة غير حكومية بترسانةٍ عسكريةٍ مستقلة، وتتيح لحدودها أن تكون ممراً لنقل الأسلحة في انتهاكٍ لالتزاماتها الدولية، يتسع حتماً الفضاء القانوني والسياسي المتاح للدولة المجاورة المحتجّة بحق الدفاع عن النفس. لم تنتزع إسرائيل هامشها العملياتي في 2026 بفعلٍ أحادي الجانب، بل أُسلِم إليها تدريجياً، على مدى عقودٍ من الجمود اللبناني. غير أن هذا لا يعفي إسرائيل من المسؤولية عن استمرار احتلالها للأراضي اللبنانية بعد انقضاء المواعيد المتفق عليها، ولا عن مقتل مئات المدنيين منذ تشرين الثاني 2024، ولا عن ضرباتها المتكررة على البنية التحتية المدنية. فهذه انتهاكاتٌ جسيمة تُرتّب مسؤوليةً قانونية، وهي ميزةٌ كان لأي حكومةٍ وفّت بالتزاماتها أن تسعى إلى توظيفها. بيد أن مجرى المفاوضات في مجمله بين إسرائيل ولبنان يظل قابلاً للتوقع. فالشروط السياسية والقانونية التي تجعل العمل العسكري الإسرائيلي قابلاً للدفاع عنه، على الصعيدين الداخلي والدولي، قد تشكّلت إلى حدٍّ بعيد بفعل ما أخفق لبنان وحزب الله في الإقدام عليه على مدى أكثر من عقدين. إن المسار الممتد من القرار 1701 عام 2006 إلى بادرة العشرة أيام في نيسان 2026 ليس مسارَ تلاعبٍ من قِبَل القوى الكبرى ولا خيانةً دبلوماسية، بل هو انعكاسٌ لخيارات دولةٍ أتاحت لسلطةٍ عسكريةٍ موازية أن تعمل على أراضيها، وحاولت التحايل على المجتمع الدولي، واكتشفت — اتفاقيةً تلو اتفاقية — أن صبره قد استُنفد. ونتيجةً لذلك، يدخل لبنان في نيسان 2026 مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل بوصفه دولةً سيادية اعترفت رسمياً بعجزها عن ضمان السيطرة على أراضيها. وهو موقفٌ بالغ الصعوبة ينطلق منه في سعيه إلى التوصل إلى اتفاقٍ عادل.

العودة الأبدية للمأساة؟
Por
ميشال حاجي جورجيو
Publicado

ثمة في وقف إطلاق النار اللبناني-الإسرائيلي، المُبرَم برعاية أمريكية، وعدٌ. غير أن هذا الوعد واهٍ ومشدودٌ في آنٍ معاً، هشٌّ كخيط الأقدار، يبدو قابلاً للانقطاع في أي لحظة. لبنان تعلّم منذ أمد بعيد أن يعيش بالقليل، وأن يحيل فُتات الاستقرار إلى مادة للبقاء. لذا يستقبل هذه الهدنة كأنها استراحةٌ من مرض مزمن، وإن كانت التجربة تُلقّنه أنها قد لا تعدو كونها مقدمةً لانتكاسة جديدة. هذه هي المأساة اللبنانية في أشد تجلياتها إيلاماً: التكرار الحتمي للمصيبة، وعودتها الدورية التي لم تتوقف الذاكرة الجمعية يوماً عن استباقها. فلبنان يعرف وقف إطلاق النار. يعرفه جيداً، أشد المعرفة. منذ حرب 1975، خاض من هذه التجربة ما يكفيه ليعلم أن عمرها الافتراضي لا يتوقف على إرادة الأطراف بقدر ما يتوقف على المعطيات الإقليمية، والتوازنات الداخلية للقوى الراعية، وجملة من المتغيرات التي لا يُحكم أحدٌ في بيروت قبضته عليها. فاكتسب الشعب اللبناني، من ثَمَّ، ضرباً من الحكمة المُرّة: حكمة الطفل الذي تعلّم على حسابه الخاص أن تدخل المعلمة لا يُوقف “البلطجي” إلا ريثما تلتفت إلى جهة أخرى. والعنف ما إن يجد الملعب بلا رقيب حتى يستعيد حقوقه. حتماً. بيد أن ما يثقل اليوم، فوق الضبابية الآنية، هو العمق الزمني لهذا الإحساس بالمألوف المُفزع. ذاكرة 1982 أو 2006 تعود كاللعنة، ومعها شيءٌ أعمق وأكثر بنيوية: سلطة العابر التي لا تنتهي. في الزمن اللبناني، يتعثر الحل الوسط ويتثاقل، ويتمطى القلق في البرزخ حتى يغدو شرطاً للوجود. فتعلّم المرء أن يستبطن رسالةً متناقضة، لا تكاد تُحتمل من كثرة التكرار، وقد أفضت إلى حالة شبه انفصامية كامنة: أن يعيش دوماً في الأمل ويترقب الأسوأ في آنٍ واحد. كقدَر محتوم. صِيغ هذا المنعكس البقائي عبر عقود ظل فيها الأسوأ يقع حين كان المرء قد بدأ للتو يصدّق أن الأفضل ممكن... غير أن هذه الرسالة المتناقضة، هذا الأمر التعجيزي الذي يُهيكل النفسية الجمعية اللبنانية منذ 1975، بلغت اليوم حدّاً من التطرف لا يُستهان به، وذلك لأن الفاعلين المعنيين لم يتغيروا في منطقهم العميق، وإن كانت قدراتهم التشغيلية قد تعرضت لانتكاسات جسيمة. حزب الله، المسكون بصراعات داخلية بين تيار براغماتي وجناح متشدد يعكسان في الغالب الانقسام بين الحمائم والصقور داخل النظام الإيراني نفسه، يمتلك طاقة تسويفية لا يُستهان بها. يُجيد التظاهر بأنه يؤدي دور الشريك في الدولة اللبنانية، عبر نبيه برّي أو من خلال إبقاء وزرائه في الحكومة، بينما يواصل المزايدة ويعمل في الوقت ذاته على إعادة بناء قدراته العسكرية... منتظراً اللحظة المواتية لقلب موازين القوى، كما فعل بقوة السلاح في مايو 2008... أو بـ”أناقة” أكثر كلاسيكية حين أسقط حكومة الحريري عام 2011 في اللحظة التي كان فيها الأخير يزور باراك أوباما في البيت الأبيض. إن المسار الذي اختاره جوزاف عون ونواف سلام، مسار التفاوض والتأكيد التدريجي للسيادة، يبدو في هذا السياق بالقدر ذاته ضرورياً وشائكاً. تجد الدولة اللبنانية نفسها مضغوطة بين إرادتين متخاصمتين تتقاطعان، مفارقةً، في أثرهما التخريبي: إسرائيل، التي تسعى إلى إضعاف الدولة بما يكفي لإبقائها طيّعة، مع الحرص على إبقائها صامدة بما يكفي لتظل محاوراً صالحاً؛ وحزب الله، الذي لا يمكنه الاستمرار إذا تبخرت أسلحته وانقطع الوصل الوجودي بين ذراعه اللبنانية وراعيه الإيراني، والذي يُدرك أن ديناميكية السلام، إن تمت، تُوقّع شهادة وفاته الاستراتيجية. فحركة بنت هويتها كلها على العنف المسلح وخطاب “المقاوم” لا تستطيع أن تتحول إلى قوة سياسية عادية دون أن تكف عن كونها ما تدّعي أنها عليه. إنها ستكون مدانة بالاختفاء بمنطق “هوبريسها” الذاتي — كطائفة تنهار عقيدتها — لو أنها دخلت اللعبة السياسية وقبلت بوضع السلاح. وهذا ينطبق بالمثل على الباسداران في إيران؛ ولذا فإن الهدنة مع الولايات المتحدة ستسقط على الأرجح. الحرب كفن للحياة... وكحيلة لإحكام روح التضامن والتشريع الذاتي المتواصل. العداء الخارجي في خدمة تصفية الخصوم الداخليين. وفي هذا الإطار، لا شك أن حزب الله سيبذل كل ما في وسعه لاسترداد مواقعه داخل الدولة اللبنانية وإعادتها إلى ما كانت عليه: تابعاً هزيلاً كالجثة ودمية في يد دويلته الساترابية. وللعودة إلى لبنان، المعتاد على أن يخيّم فوق المدينة الظل الشؤم للعنات الغابرة، فإن سابقة 1982 تستحق أن تحتل حيزاً أكبر في الذاكرة الجمعية. نافذة فرصة حقيقية، وإن طُعن فيها بشدة، كانت قد انفتحت بين بيروت وتل أبيب، مدعومةً بإرادة أمريكية جسّدها آنذاك وزير الخارجية ألكسندر هيغ. وكان سقوط هيغ وانهيار مناحيم بيغن كافيَين لأن تنقلب الديناميكية ويغدو اتفاق السابع عشر من مايو أكثر رموز الوهم الدبلوماسي إحراقاً، قبل أن يُلغى تحت ضغط حافظ الأسد وبعض المكوّنات السياسية اللبنانية. التاريخ في لبنان، بعيداً كل البعد عن الهزل حتى المأساوي منه، يعيد نفسه دوماً كجرح. ويكفي أدنى تغيير في واشنطن — الانتخابات النصفية — أو في تل أبيب — سقوط الحكومة الحالية — كي يسلك هذا الوقف الهشّ لإطلاق النار، ومعه كل ديناميكية التفاوض وأبطالها، الطريق ذاتها. لبنان لا يملك ترف انتظار أن ينتهي التاريخ من تكرار نفسه. لذا، وبمعزل عن الديناميكية الخارجية، فإن ما ينبغي بناؤه، وعاجلاً، هو خارطة طريق لبنانية تتمتع بشرعية سياسية وشعبية تجعلها قادرة على الصمود في وجه الضغوط الداخلية ونزوات العواصم المؤثرة، التي قد تتبدل أولوياتها في غضون أسابيع، وليست مصالحها بالتأكيد مصالح لبنان، مهما كانت نوايا هذا العالم، حسنةً كانت أم لا. السلام مع إسرائيل ليس دواءً شافياً، لكن لبنان لا يستطيع هو أيضاً أن يظل في حرب إلى الأبد، وحيداً. يُضاف إلى ذلك أن حزب الله، الذي يزعم المقاومة، لا يني يجر لبنان، في مفارقة صارخة، من خلال مغامراته الكارثية و”انتصاراته” الهذيانية، نحو سلام المهزومين. فبإضعافه للدولة وتمركزه محاوراً وحيداً مع تل أبيب لعقد الصفقات، ينخر كل مرة في ما تبقى من سيادة وسلطة. ويفعل ذلك عن سابق تصوّر وتصميم، وبأسلوب تخريبي مُحكَم. مسامير متتالية في نعش لبنان. بيد أنه لا مناص من الإقرار أيضاً بأن مؤسسات الدولة الراهنة، كما كان الحال في أعقاب ثورة الأرز عام 2005، عاجزة عن تطهير نفسها من الغرغرينا الإيديولوجية والسياسية — المحور السوري-الإيراني — التي تنخرها منذ 1990. ما تطلبه الولايات المتحدة من لبنان يُعادل أن يُطلب من مريض بالسرطان أن يعالج نفسه بنفسه رغم خطورة حالته. بالكاد يستطيع المريض أن يكافح من أجل البقاء والحفاظ على وظائفه الحيوية بما تبقى له من قوى. هذا أيضاً ينبغي استحضاره، مهما كانت رغبة شريحة واسعة من اللبنانيين العارمة في التخلص من هيمنة حزب الله. لبنان لم يعد يحتمل هذا النظام من الطوارئ الدائمة، هذه الحركة الدائرية الأبدية من الأزمة إلى الحرب ومن الحرب إلى الأزمة، التي باتت منذ 1967 تُدمر المؤسسات والناس حرفياً، وتؤجل إلى ما لا نهاية الحق الأولي في حياة تشبه ولو من بعيد الحياة الطبيعية. واللبنانيون يستحقون أن يعيشوا. لا بطولةً. بشريةً فحسب. ولو من حين إلى حين... هل تستطيع الجماعة الدولية، فيما تطالب لبنان بإبداء الشجاعة وهو محاصرٌ بين مطرقة “العدو المزدوج” وسندانه، أن تمنح الدولة اللبنانية وشعبها ضمانات راسخة ودائمة للاستقرار، بالتوازي مع مسار التفاوض الجاري، درءاً للعودة إلى تلك المأساة المصنوعة من الهشاشة والارتياب والفوضى في نهاية المطاف؟ في ضوء الحالة التي بلغها العالم اليوم، يبدو من المشروع التشكيك في ذلك. والأرجح في المقابل أنه في خضم هذه الدوامة العبثية، لا يستطيع اللبنانيون، في المحصلة، الاتكاء إلا على أنفسهم. ويغدو واجباً عليهم، من ثَمَّ، أن يعملوا على توطيد مشهد داخلي موحّد على ثوابت واضحة لا تقبل التنازل: القيم الجمهورية وروح العيش المشترك في ظل الدستور اللبناني وحده، بعيداً عن مزايدات الجميع وتباهياتهم. وإن أصرّ حزب الله على عدم الانخراط في هذا التوافق، كعادته، فإنه هو الذي سيكون قد اختار، مرة أخرى، طريق الانسداد واللامعقول في مواجهة الخيار الرصين والمُنقِذ للشرعية العقلانية. “مويرا” الأمل اللبناني في مواجهة “الهوبريس” الانتحاري للحزب. لا أحد يستطيع إنقاذ من قرّر فعلاً أن ينتهي، رغماً عنه. أما إنقاذ النفس، في هذه الحال، فواجب.

أسبوع حافل يختتم بتطورين رئيسيين
Por
تالين بشراوي
Publicado

مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة، غير مسبوقة منذ عام 1983؛ وقف إطلاق نار هش في جنوب لبنان؛ مضيق هرمز لا يزال في قلب التوترات الإيرانية الأمريكية؛ ملخص لأسبوع مضطرب في الشرق الأوسط يختتم بتطورين حاسمين. اختتم الأسبوع الماضي، يوم الأحد 19 أبريل، بإعلانين مزدوجين ذوي أهمية قصوى. وبلهجة حازمة تتناقض مع تصريحاته التقليدية، أشار الرئيس دونالد ترامب بعد ظهر الأحد (بتوقيت المشرق) إلى أن ممثليه سيتوجهون إلى إسلام أباد مساء الاثنين لعقد جولة أخيرة من المحادثات، الثلاثاء، يتعين على النظام الإيراني خلالها المصادقة على اتفاق "عادل ومعقول للغاية" اقترحته واشنطن. وفي حال عدم ذلك، أكد رئيس البيت الأبيض، أن الجيش الأمريكي "سيدمر كل محطة كهرباء وكل جسر". "انتهى اللطف،" قال الرئيس ترامب. "إذا لم يقبلوا الاتفاق، فسيكون شرفاً لي أن أفعل ما كان يجب أن يفعله رؤساء آخرون خلال الـ 47 سنة الماضية. لقد حان الوقت لإنهاء آلة القتل الإيرانية". الإعلان الثاني الهام الذي يختتم الأسبوع: أعلن الإليزيه بعد الظهر أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل الثلاثاء رئيس الوزراء نواف سلام. قبل هذين التطورين الرئيسيين، شهد لبنان أسبوعاً مضطرباً كالأسابيع السابقة، ولكنه تميز بحدث تاريخي، بالمعنى الكامل للكلمة: إطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهي الأولى منذ عام 1983. صحيح أن لقاء واشنطن، في 14 أبريل، بين سفيري لبنان، ندى حمادة معوض، وإسرائيل، يحيل لايتر، تحت رعاية وحضور وزير الخارجية ماركو روبيو، وبحضور السفير الأمريكي في لبنان ميشيل عيسى، كان متوقعاً. لكن الصورة التي نتجت عنه وانتشرت حول العالم كان لها تأثير هائل، على الساحة اللبنانية وفي العواصم المعنية على حد سواء. ما ظهر من هذا الاجتماع يضع أسس مفاوضات طويلة الأمد. وبينما أكد ماركو روبيو أهمية اللحظة، مع الاعتراف بأن العملية "ستستغرق وقتاً"، كان سفير إسرائيل في واشنطن الأكثر تحدثاً، مؤكداً أن البلدين "اكتشفا أنهما على نفس الجانب"، متحدثاً عن ترسيم الحدود ومستقبل سلام. واكتفت السفيرة اللبنانية بوصف الاجتماع بأنه "بناء"، موضحة أنها طلبت وقف الأعمال العدائية في لبنان. في البيان المشترك، أعربت الولايات المتحدة عن أملها في أن تستمر المحادثات وأن تؤدي إلى اتفاق سلام. في لبنان، أثارت المحادثات ردود فعل متناقضة تماماً، تماشياً مع الانقسامات السياسية العميقة. ودون مفاجأة، وصفها حزب الله بأنها "استسلام"، حيث ذكرت أوساطه أنها تفضل أن "يستفيد لبنان من دعم إيران" في إطار محادثاته الخاصة مع الولايات المتحدة. وقد رحب المعسكر السيادي بهذه المحادثات مع إسرائيل، ليس فقط بهدف تحقيق سلام دائم، ولكن أيضاً لكي ينفصل الدولة اللبنانية مرة واحدة وإلى الأبد عن المحور الإيراني، مكرسة بذلك حق لبنان في التفاوض على مستقبله الخاص. في هذا الصخب، ظل صوت واحد صامتاً، وهو صوت رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتولى في نفس الوقت قيادة حركة أمل، المكون الآخر للثنائي الشيعي مع حزب الله. وفي لفتة لا يزال الكثيرون يسعون إلى فك شفرتها، أرسل بري نائبه، الوزير السابق علي حسن خليل، إلى المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع اجتماع واشنطن. إذا انتهى هذا الاجتماع الأول بتأكيد استمرار الاتصالات المستقبلية، فلم يتم الإعلان رسمياً عن أي موعد جديد. ولكن كان من المفترض أن تثير هذه الخطوة تأثير كرة الثلج، حيث كان من المفترض أن يتحقق وقف إطلاق النار الذي طلبه لبنان لمواصلة الحوار بعد يومين. يوم الخميس، عاش رئيس الجمهورية جوزيف عون يوماً مليئاً بالاتصالات الهاتفية الحاسمة. وبينما عرض وزير الخارجية ماركو روبيو أن يضعه على اتصال مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رفض عون، متمسكاً بموقفه المطالب بوقف إطلاق النار. ولم يتغير هذا الموقف حتى عندما كان ساكن البيت الأبيض نفسه على الطرف الآخر من الخط. وبحماسه المعتاد، أعلن دونالد ترامب أنه سيجمع عون ونتنياهو في واشنطن "قريباً". حزم في اللهجة في بعبدا كان من المفترض أن يكون وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام ثمرة الاتصالات التي جرت هذا الأسبوع الماضي. وقد دخل حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس إلى الجمعة. ووفقاً للمعلومات التي تسربت في وسائل الإعلام الدولية، فإن الرئيس ترامب قد يكون قد ضغط نوعاً ما على الإسرائيليين للحصول على هذا التهدئة، التي يعتبرها ضرورية على الجبهتين اللبنانية والإيرانية. على الرغم من الإعلان الواضح من قبل الرئيس الأمريكي عقب محادثته الهاتفية مع نظيره اللبناني، لم يتأخر معسكر حزب الله في محاولة سحب البساط لصالحه، كبطل استرداد، وهي دعاية كان نجومها القيادي محمود قماتي والنائب حسن فضل الله. بل ذهب الأخير إلى حد القول إن سفير إيران، وهو نفسه الذي تعتبره الدولة اللبنانية شخصية غير مرغوب فيها، هو من أبلغه بوقف إطلاق النار... علامة أخرى على الولاء المطلق للحزب لطهران، الذي يفضل منح الأبوة لراعيه بدلاً من السلطة اللبنانية. على الأرض، وكعادته، أعلن حزب الله "النصر الإلهي"، بإطلاق النار في الهواء وإطلاق الصواريخ في سماء بيروت، مما أسفر عن سقوط ضحيتين على الأقل. وتكررت المشاهد المألوفة لعودة السيارات إلى الجنوب على طرق مكسرة، وأعلام حزب الله في الأيدي، على الرغم من التحذيرات بشأن هشاشة هذه الهدنة وطابعها المؤقت. في مواجهة هذا الخطاب العدواني المتزايد من قبل حزب الله والراعي الإيراني، كان هناك رسالة موجهة إلى الأمة من الرئيس عون، مساء الجمعة، لإعادة الأمور إلى نصابها. ودون تضمين إيران في شكره، أكد جوزيف عون أنه سيذهب حيثما يجب لإنقاذ بلاده وشعبه، في إشارة واضحة إلى المفاوضات المباشرة التي ستستمر، مؤكداً أن هذه المفاوضات ليست علامة ضعف ولا استسلام. في هذا الخطاب الحازم، أقر بوضوح الانفصال عن المحور الإيراني، مع التأكيد على تصميم الدولة اللبنانية على بسط سيادتها على كامل البلاد، من خلال التفاوض على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي (أعيد) احتلالها حديثاً. لقد لاقى هذا الخطاب ترحيباً واسعاً من قبل أولئك الذين سعدوا بالعودة إلى نفس النهج الذي ساد في خطاب تنصيب الرئيس في يناير 2025، بينما لا يزال آخرون حذرين، مشيرين إلى تقاعس السلطة اللبنانية في مواجهة حزب الله على مدى خمسة عشر شهراً، والذي كانت نتيجته المباشرة فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل في مارس 2026. من جانب حزب الله، أدى الخطاب إلى قطع العلاقة بشكل نهائي بين الطرفين، كما صرح بذلك قماتي الذي لا يهدأ، والذي هدد بإسقاط الحكومة في الشارع. لكن المواجهة لا تقتصر على الاتهامات الشفهية بالخيانة والتهديدات: يوم السبت، قُتل جندي حفظ سلام فرنسي من اليونيفيل، وأصيب ثلاثة آخرون، بنيران مباشرة في جنوب لبنان. وعلى الرغم من نفي حزب الله أي تورط في الحادث، فقد أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واليونيفيل نفسها على الفور إليه بناءً على عناصر التحقيق الأولي. وتحدثت وزيرة الجيوش الفرنسية عن "كمين". المفاجأة الأخرى هذا الأسبوع كانت "إعادة ظهور" الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، في خطاب مسجل بث في 13 أبريل، عشية المفاوضات المباشرة في واشنطن، والذي رفض فيه الاتصالات المباشرة مع إسرائيل ووصفها بـ "الاستسلام". وفي رسالة أخرى بثها في 18 أبريل هذه المرة، واصل قاسم هجماته على المحادثات، لكنه أكد انفتاح حزبه على "التعاون الكامل مع السلطات اللبنانية". فهل هذا تقسيم للأدوار داخل الحزب أم خلافات حقيقية بين خط أكثر تشدداً وآخر أكثر تصالحاً؟ في إيران، شكوك حول الهدنة على الجبهة الإيرانية، شهد الأسبوع تصريحات غير متوقعة ومتناقضة من الرئيس الأمريكي والقادة الإيرانيين الذين لا يزالون يترددون. وتنشط الدول الوسيطة، وعلى رأسها باكستان، للحفاظ على عملية المفاوضات المباشرة حية، والتي بدأت قبل أسبوعين. أصبحت جميع الأنظار الآن متجهة نحو الأسبوع المقبل، الذي من المتوقع أن يكون حاسماً، حيث تنتهي الهدنة التي فرضتها واشنطن يوم الأربعاء، ومن المفترض أن تعقد جولة جديدة من المحادثات في إسلام أباد. فهل ستتم هذه الجولة وهل ستمدد الهدنة في غياب اتفاق؟ من المتوقع أن تتضح الصورة في الأيام المقبلة، لكن إمكانية تجدد الصراع بعيدة كل البعد عن أن تكون مستبعدة. وكان مضيق هرمز في مركز الاهتمام هذا الأسبوع، حيث كان تارة "مفتوحاً" وتارة "مغلقاً"، في مسلسل مستمر يؤثر على أسعار النفط وعلى الاقتصاد العالمي. وفي إطار الحصار الأمريكي المستمر على الموانئ الإيرانية، نلاحظ أن إيران أعلنت فتح المضيق في أعقاب وقف إطلاق النار في لبنان، مع تصريحات قوية حول العلاقة السببية بين الحدثين، حيث أرادت طهران إعطاء الانطباع بأنها تتفاعل مع إنجاز تنسبه إلى نفسها. غير أن الأسبوع انتهى بملاحظة سلبية أكثر وضوحاً، حيث عاود الحرس الثوري استهداف السفن التجارية، مبرراً في بيانات نشرتها وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية هذا "الإغلاق" الجديد للمضيق برفض أمريكي لإنهاء الحصار.

جوزاف عون يخرج لبنان من اللعبة الإيرانيّة

تظلّ النقطة الأساسية في الكلمة الجريئة التي وجهها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى اللبنانيين تلك المتعلقة بالتوصل إلى "اتفاقات دائمة" مع إسرائيل في ضوء التوصل إلى وقف للنار. تعمّد رئيس الجمهوريّة تأكيد الخروج اللبناني الكامل من اللعبة الإيرانيّة عبر تجاهله أي دور لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" في التوصّل إلى وقف النار. في المقابل، شدّد على دور "الصديق" الرئيس دونالد ترامب والمجموعة العربية، "في مقدّمها المملكة العربيّة السعوديّة". جلب ذلك من دون شكّ غضب إيران و"حزب الله" على رئيس للجمهوريّة يسعى إلى التخلّص من الاحتلال وعودة النازحين إلى قراهم. تحقّق وقف النار في لبنان بعدما تبيّن للرئيسين جوزاف عون ونواف وسلام أنّّ لا فائدة من نصف خروج من اللعبة الإيرانية. إما خروج كامل من تلك اللعبة أو يبقى لبنان ضحيّة أخرى من ضحايا المشروع التوسّعي الإيراني والطريق المسدود الذي بلغه. تبدو مشكلة إيران مع لبنان معقدة إلى أبعد حدود. يعود ذلك، أصلا، إلى العجز الإيراني عن فهم تركيبة لبنان وصيغته المعقّدة من جهة ورفض اللبنانيين، في اكثريتهم، سقوط بلدهم تحت الهيمنة الإيرانيّة مباشرة بعد تخلّصه من الوصاية السورية. لكنّ العقدة الكبرى لإيران تظلّ في اكتشافها أنّ استثمارها في "حزب الله"، وهو استثمار يزيد عمره على أربعين عاما، لم يكن في محلّه. ذهبت كل المليارات التي وظفتها "الجمهوريّة الإسلاميّة" هباء، أكان ذلك في لبنان أو في سوريا أيضا. لا بدّ من تفهم وضع إيران والعقدة التي تسبّب بها لبنان. تتمثّل العقدة في عجز "الجمهوريّة الإسلاميّة" على التكيّف مع التغيير الذي حصل في المنطقة. يعبّر أفضل تعبير عن هذا التغيير أنّ الحرب الدائرة حاليا، إنما تدور في داخل إيران نفسها. ليس بعيدا اليوم الذي ستكشف فيه هذه الحرب الفشل الذي يعاني منه النظام الذي أقامه آية الله الخميني في العام 1979 والذي كان في أساسه شعار "تصدير الثورة". بعد مرور 47 عاما على قيام "الجمهوريّة الإسلاميّة"، ارتد الشعار الذي رفعته طهران على من رفعه. يرفض لبنان، بأكثرية مواطنيه، ارتداد هذا الشعار الإيراني عليه أيضا. لم يستطع النظام الإيراني في نهاية المطاف متابعة الدفاع عن نفسه عن طريق تصدير أزماته إلى خارج حدوده. كان لا بدّ من نهاية للعبة سمجة وخطيرة في الوقت ذاته. اعتمدت هذه اللعبة على سذاجة الإدارات الأميركيّة المتلاحقة منذ عهد جيمي كارتر من جهة وعلى تواطؤ إسرائيلي من جهة أخرى. لعبت إسرائيل كلّ الأدوار المطلوبة منها إيرانيا من أجل خدمة مصالحها القائمة على تفتيت المنطقة. تغيّرت قواعد اللعبة الإقليميّة التي كانت قائمة أساسا على تساهل أميركي مع طهران وعلى تواطؤ إسرائيلي معها. تغيّرت المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، بعد السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023. لم تلتقط "الجمهوريّة الإسلاميّة" حتّى معنى ألّا تعود الطرف الذي يقرّر من هو رئيس الجمهوريّة في لبنان. لا يمكن نسيان أنّ "حزب الله" فرض ميشال عون رئيسا للجمهوريّة في 31 تشرين الأول – أكتوبر 2016. لا يمكن، في الوقت ذاته، تجاهل أن جوزف عون وصل إلى قصر بعبدا مطلع العام 2025 غصبا عن رغبة إيران و"حزب الله". يبقى أنّ الحقيقة والواقع شيء، فيما الوهم شيء آخر. كان ميشال عون مع صهره جبران باسيل مجرّد أداة عند "حزب الله"، أي أداة عند الأداة الإيرانيّة. تسمح الظروف الإقليمية المختلفة في المنطقة، خصوصا مع التغيير الكبير الذي حصل في سوريا، للرئيس الحالي للجمهوريّة اللبنانية بأن يخرج من تحت الهيمنة الإيرانيّة وأن يكون رئيسا بالفعل للبنان على الرغم من غياب بعض الوضوح في الرؤية لدى قصر بعبدا في بعض الأحيان... كلّ ما في الأمر أن إيران لا تعرف كيف تخسر، كما حصل مع المانيا واليابان. يبدو أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا تعرف، حاليا، كيف تخسر مثلما لم تعرف كيف تربح في مرحلة اعتبرت فيها أنّها تسيطر على أربع عواصم عربيّة، بينها بيروت. المهمّ بالنسبة إلى بلد مثل لبنان أن يعرف كيف يخسر وأن يخرج من تحت العباءة الإيرانيّة نهائيا. لا خيارات كثيرة أمام البلد الذي سيكون عليه دفع ثمن "حرب فرضت عليه"، على حد تعبير نوّاف سلام. أظهر لبنان، عبر كلمة جوزاف عون، أنّّه يريد بالفعل الذهاب إلى أبعد من الوصول إلى وقف للنار مع إسرائيل، سيتوجب عليه تقديم تنازلات لا مفرّ منها. كلّما استعجل لبنان قبول الشروط التي يمكن أن تؤدي إلى وقف النار، بشكل دائم، كلما كان ذلك أفضل رحمة بالجنوب وأهل الجنوب. مثلما أنّ إيران تفاوض أميركا، عليه مفاوضة إسرائيل من دون عقد من أي نوع. حين لا ترحم "الجمهوريّة الإسلاميّة" أهل الجنوب والجنوب بقراه ومدنه، ليس أمام لبنان غير وضع مصلحته فوق أي مصلحة أخرى، خصوصا فوق مصلحة إيران. يجدر به أخذ العلم بأنّ لا أوراق لدى البلد يلعبها في مواجهة وحش اسمه بنيامين نتانياهو غير الحديث المباشر مع "بيبي". مثل هذا الحديث يمكن أن يكون مفيدا، في مرحلة معيّنة، بغية الذهاب إلى أبعد من وقف للنار... والبحث فيما إذا كانت هناك وسيلة لزوال الاحتلال مقابل ثمن لا مفرّ من دفعه. إنّّه ثمن التبعية الكاملة لـ"حزب الله" لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة"...

المعسكر الإيراني يكثف السلوكيات العدائية والتصريحات العدوانية

فجأةً، وفي أقل من 24 ساعة، ظهرت بوادر ذعر، يوم السبت 18 أبريل/نيسان، داخل المعسكر الإيراني، في صورة سلوك عدائي وتصريحات عدائية وكراهية. كان أخطر ما حدث يوم السبت بلا شك الكمين الذي نصبه مسلحو حزب الله لوحدة فرنسية تابعة لقوات اليونيفيل (اليونيفيل) أثناء قيامها بدورية في منطقة بلدة الغندورية، في قضاء بنت جبيل، ضمن منطقة انتشار اليونيفيل جنوب نهر الليطاني. قُتل جندي حفظ سلام فرنسي وأُصيب ثلاثة آخرون، اثنان منهم في حالة خطيرة. وقد رد الرئيس إيمانويل ماكرون بشدة على هذا الهجوم، محملاً حزب الله مسؤولية القصف، وحث السلطات اللبنانية على الإسراع في تحديد هوية الجناة واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهم. وقد أدان الرئيس جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، وحتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، هذا الهجوم على جنود حفظ السلام الفرنسيين بشدة. وأشار الرئيس عون ورئيس الوزراء إلى أنهما أمرا القضاء بفتح تحقيق لاعتقال الجناة. في مواجهة خطورة هذا الهجوم، نفى حزب الله مسؤوليته عن الكمين الذي استهدف قوات حفظ السلام الفرنسية في ذلك المساء. ولم ينطلِ هذا النفي على أحد، لا سيما في الأوساط الرسمية. وبالتزامن مع حادثة الميليشيا هذه، لم يتردد حزب الله، يوم السبت، في توجيه تهديدات مباشرة بالقتل إلى مراكز القوة، وخاصة رئيس الجمهورية، الذي أثار خطابه المتلفز يوم الجمعة غضب الحزب الموالي لإيران. بل إن مسؤولين كبارًا في هذا الحزب ذهبوا إلى حد تحذير رئيس الدولة من مواصلة عملية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مؤكدين أن الرئيس يُخاطر بمصير مماثل لمصير الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، الذي اغتيل بعد توقيع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل. كما انتقدت مصادر حزب الله نفسها الرئيس عون لعدم "شكره إيران" (!) على جهودها (المزعومة) لإرساء وقف إطلاق النار. وسط هذه التهديدات الجامحة، طالب أحد مسؤولي الحزب الموالي لإيران الحكومة بالتراجع عن جميع القرارات المتخذة ضد حزب الله، وإلا "ستُسقط حركة شعبية الحكومة!". خط أصفر يبقى أن هذه المظاهر الظاهرية للذعر لا تُغير من حقيقة الوضع. فقد أشار مصدر لبناني رسمي، مساء السبت، إلى أن الرئيس عون ورئيس الوزراء عقدا اجتماعًا لمراجعة الاستعدادات للمحادثات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة. وعلى أرض الواقع، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إنشاء "خط أصفر" جنوب نهر الليطاني - على غرار الخط الموجود في غزة - والذي يُمثل "خط ترسيم" فعليًا يفصل المنطقة العازلة التي أقامتها إسرائيل عن بقية الأراضي اللبنانية. وسيُمكّن هذا الخط الإسرائيليين من منع السكان اللبنانيين من الوصول إلى المنطقة العازلة، التي تضم أكثر من خمسين قرية وبلدة، بعضها دُمر بالكامل. وفي هذا السياق، يُواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية وقصفه المُستهدف جنوب هذا "الخط الأصفر" لمنع عودة مقاتلي حزب الله إلى هذه المنطقة تحت ستار عودة "السكان". مواجهةٌ بشأن مضيق هرمز يتماشى التصعيد الملحوظ في لبنان، بقيادة حزب الله، مع تصعيدٍ مماثل في المواقف الإيرانية - أو بالأحرى، مواقف فصيلٍ إيراني (متطرف) - التي تركز بشكلٍ أساسي على مضيق هرمز. في هذا السياق، يبدو أن خلافاتٍ جوهرية تُهيمن على العلاقات بين مختلف الفصائل داخل النظام الإيراني. وقد برز هذا الانقسام يوم السبت عقب بيانٍ صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية أعلنت فيه إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل كبادرة حسن نية تهدف إلى تسهيل المفاوضات مع واشنطن. ويبدو أن مبادرة وزارة الخارجية لم تلقَ استحسان الحرس الثوري الإسلامي. فقد تراجع نائب وزير الخارجية (وليس الوزير نفسه) فورًا عن موقفه بشأن المضيق، وفي وقتٍ لاحق من ذلك اليوم، أعلن الحرس الثوري إغلاق المضيق بالكامل احتجاجًا على الحصار البحري الأمريكي المستمر. وفي وقت لاحق من بعد الظهر، كان من المتوقع أن تصدر مصادر داخل الحرس الثوري الإسلامي سلسلة من البيانات، تشير إلى أن طهران أبلغت الأمريكيين برفضها إجراء جولة جديدة من المفاوضات برعاية باكستانية، وهو ما يعني ضمناًيبدو هذا، ظاهريًا على الأقل، رفضًا للوساطة الباكستانية. وبالفعل، غادر قائد الجيش الباكستاني، الذي كان يقود جهود الوساطة، إيران يوم السبت بعد زيارة استمرت ثلاثة أيام. وأكدت مصادر في الحرس الثوري الإيراني أن إيران ترفض التخلي عن صواريخها الباليستية وتعارض أي تنازلات بشأن الملف النووي. وقد رافق هذا التشدد في المواقف الإيرانية تصعيد عسكري. إذ أطلقت زوارق هجومية سريعة تابعة للحرس الثوري النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما دفع رئيس البرلمان الإيراني إلى التصريح بأن الخلافات مع الأمريكيين حول هرمز أدت إلى "اشتباكات مسلحة، وتراجع واشنطن". وأمام هذا التصعيد الإيراني وتطرف مواقف طهران، أعلن الجيش الأمريكي في نهاية اليوم عزمه مصادرة جميع السفن التجارية الإيرانية ابتداءً من يوم الأحد. السؤال المطروح في هذه المرحلة هو ما إذا كان تشديد الموقف الإيراني، سواء في لبنان أو إيران، يعكس حالة من الذعر إزاء التطورات الراهنة، أم أنه مجرد رغبة في تصعيد الموقف عشية احتمال استئناف المفاوضات الثنائية الأسبوع المقبل. وفي هذا الصدد، صرّح الرئيس ترامب في وقت متأخر من الليلة الماضية بأن "محادثات إيجابية للغاية تجري مع إيران". ومع ذلك، أكد مسؤول أمريكي رفيع المستوى أن "الحرب مع إيران قد تستأنف في الأيام المقبلة".