


فجأةً، وفي أقل من 24 ساعة، ظهرت بوادر ذعر، يوم السبت 18 أبريل/نيسان، داخل المعسكر الإيراني، في صورة سلوك عدائي وتصريحات عدائية وكراهية.
كان أخطر ما حدث يوم السبت بلا شك الكمين الذي نصبه مسلحو حزب الله لوحدة فرنسية تابعة لقوات اليونيفيل (اليونيفيل) أثناء قيامها بدورية في منطقة بلدة الغندورية، في قضاء بنت جبيل، ضمن منطقة انتشار اليونيفيل جنوب نهر الليطاني. قُتل جندي حفظ سلام فرنسي وأُصيب ثلاثة آخرون، اثنان منهم في حالة خطيرة. وقد رد الرئيس إيمانويل ماكرون بشدة على هذا الهجوم، محملاً حزب الله مسؤولية القصف، وحث السلطات اللبنانية على الإسراع في تحديد هوية الجناة واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهم. وقد أدان الرئيس جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، وحتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، هذا الهجوم على جنود حفظ السلام الفرنسيين بشدة. وأشار الرئيس عون ورئيس الوزراء إلى أنهما أمرا القضاء بفتح تحقيق لاعتقال الجناة. في مواجهة خطورة هذا الهجوم، نفى حزب الله مسؤوليته عن الكمين الذي استهدف قوات حفظ السلام الفرنسية في ذلك المساء. ولم ينطلِ هذا النفي على أحد، لا سيما في الأوساط الرسمية.
وبالتزامن مع حادثة الميليشيا هذه، لم يتردد حزب الله، يوم السبت، في توجيه تهديدات مباشرة بالقتل إلى مراكز القوة، وخاصة رئيس الجمهورية، الذي أثار خطابه المتلفز يوم الجمعة غضب الحزب الموالي لإيران. بل إن مسؤولين كبارًا في هذا الحزب ذهبوا إلى حد تحذير رئيس الدولة من مواصلة عملية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مؤكدين أن الرئيس يُخاطر بمصير مماثل لمصير الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، الذي اغتيل بعد توقيع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل. كما انتقدت مصادر حزب الله نفسها الرئيس عون لعدم "شكره إيران" (!) على جهودها (المزعومة) لإرساء وقف إطلاق النار.
وسط هذه التهديدات الجامحة، طالب أحد مسؤولي الحزب الموالي لإيران الحكومة بالتراجع عن جميع القرارات المتخذة ضد حزب الله، وإلا "ستُسقط حركة شعبية الحكومة!".
خط أصفر
يبقى أن هذه المظاهر الظاهرية للذعر لا تُغير من حقيقة الوضع. فقد أشار مصدر لبناني رسمي، مساء السبت، إلى أن الرئيس عون ورئيس الوزراء عقدا اجتماعًا لمراجعة الاستعدادات للمحادثات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة.
وعلى أرض الواقع، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إنشاء "خط أصفر" جنوب نهر الليطاني - على غرار الخط الموجود في غزة - والذي يُمثل "خط ترسيم" فعليًا يفصل المنطقة العازلة التي أقامتها إسرائيل عن بقية الأراضي اللبنانية. وسيُمكّن هذا الخط الإسرائيليين من منع السكان اللبنانيين من الوصول إلى المنطقة العازلة، التي تضم أكثر من خمسين قرية وبلدة، بعضها دُمر بالكامل. وفي هذا السياق، يُواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية وقصفه المُستهدف جنوب هذا "الخط الأصفر" لمنع عودة مقاتلي حزب الله إلى هذه المنطقة تحت ستار عودة "السكان".
مواجهةٌ بشأن مضيق هرمز
يتماشى التصعيد الملحوظ في لبنان، بقيادة حزب الله، مع تصعيدٍ مماثل في المواقف الإيرانية - أو بالأحرى، مواقف فصيلٍ إيراني (متطرف) - التي تركز بشكلٍ أساسي على مضيق هرمز.
في هذا السياق، يبدو أن خلافاتٍ جوهرية تُهيمن على العلاقات بين مختلف الفصائل داخل النظام الإيراني. وقد برز هذا الانقسام يوم السبت عقب بيانٍ صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية أعلنت فيه إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل كبادرة حسن نية تهدف إلى تسهيل المفاوضات مع واشنطن. ويبدو أن مبادرة وزارة الخارجية لم تلقَ استحسان الحرس الثوري الإسلامي. فقد تراجع نائب وزير الخارجية (وليس الوزير نفسه) فورًا عن موقفه بشأن المضيق، وفي وقتٍ لاحق من ذلك اليوم، أعلن الحرس الثوري إغلاق المضيق بالكامل احتجاجًا على الحصار البحري الأمريكي المستمر. وفي وقت لاحق من بعد الظهر، كان من المتوقع أن تصدر مصادر داخل الحرس الثوري الإسلامي سلسلة من البيانات، تشير إلى أن طهران أبلغت الأمريكيين برفضها إجراء جولة جديدة من المفاوضات برعاية باكستانية، وهو ما يعني ضمناًيبدو هذا، ظاهريًا على الأقل، رفضًا للوساطة الباكستانية. وبالفعل، غادر قائد الجيش الباكستاني، الذي كان يقود جهود الوساطة، إيران يوم السبت بعد زيارة استمرت ثلاثة أيام.
وأكدت مصادر في الحرس الثوري الإيراني أن إيران ترفض التخلي عن صواريخها الباليستية وتعارض أي تنازلات بشأن الملف النووي. وقد رافق هذا التشدد في المواقف الإيرانية تصعيد عسكري. إذ أطلقت زوارق هجومية سريعة تابعة للحرس الثوري النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما دفع رئيس البرلمان الإيراني إلى التصريح بأن الخلافات مع الأمريكيين حول هرمز أدت إلى "اشتباكات مسلحة، وتراجع واشنطن".
وأمام هذا التصعيد الإيراني وتطرف مواقف طهران، أعلن الجيش الأمريكي في نهاية اليوم عزمه مصادرة جميع السفن التجارية الإيرانية ابتداءً من يوم الأحد. السؤال المطروح في هذه المرحلة هو ما إذا كان تشديد الموقف الإيراني، سواء في لبنان أو إيران، يعكس حالة من الذعر إزاء التطورات الراهنة، أم أنه مجرد رغبة في تصعيد الموقف عشية احتمال استئناف المفاوضات الثنائية الأسبوع المقبل. وفي هذا الصدد، صرّح الرئيس ترامب في وقت متأخر من الليلة الماضية بأن "محادثات إيجابية للغاية تجري مع إيران". ومع ذلك، أكد مسؤول أمريكي رفيع المستوى أن "الحرب مع إيران قد تستأنف في الأيام المقبلة".