شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
لبنان: حين تتحوّل الكراهية إلى نظام

لم يعد الانقسام في لبنان نتيجةً للحرب، بل أصبح أحد أدواتها. يمكن تسمية ما يجري اليوم في لبنان باقتصاد الانقسام. أي تحويل الكراهية إلى مادة تنتج يومياً، تُصنّع وتُوزّع وتُستهلك، وتخدم أكثر من طرف في آنٍ واحد، ولو بدا هؤلاء الأطراف في حالة عداء معلن. انتقلت المعركة من العنف العسكري إلى العنف الرمزي، فحين يقف رجل مسنّ ليشتم رئيس الحكومة بهذه اللغة المنحطة، وآخر يهاجم رئيس الجمهورية ويذكره بمصير السادات، وحين يدرّب الأطفال على السباب، وحين تمجّد العسكرة ولو بواسطة حذاء، لا تعود المسألة تتعلق بالشخص، بل بما يمثّله من التفاف على القلق والخوف المُستشعر، وبقصد تدعيم صورة الدولة المنهارة في الوعي الشعبي، وتطبيع الإهانة وسيلة تعبير سياسي، فيُنقل الصراع من نقد السلطة إلى تحقيرها وتخوينها. هذا ليس مجرد انحدار أخلاقي أو انفلات غضب، إنه في العمق، مؤشر على تحوّل أخطر: ضرب صورة الدولة في الوعي العام، واستبدال النقاش العام بالتشهير. عندما لا تعود السلطة موضع مساءلة، بل هدفاً للتحقير، تُفرغ من أي شرعية رمزية. وهنا نكون أمام ما وصفه Pierre Bourdieu بـ"العنف الرمزي": حين تصبح اللغة نفسها أداة تفكيك من أجل السيطرة، لا مجرد وسيلة تواصل. ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف في المواقف أو تباين في القراءة السياسية، بل عملية منهجية تُعيد تشكيل المجتمع من الداخل، عبر اللغة والصورة والتربية، لتجعله أكثر هشاشة، وأقل قدرة على إنتاج معنى مشترك أو موقف وطني جامع. لبنان اليوم لا يواجه فقط خطر الحرب، بل خطر التحول إلى مجتمع يُعاد تشكيله على قاعدة الإذلال. والأخطر من ذلك ما يُزرع في الأجيال الجديدة. أطفال يُدرَّبون على السباب، يُصوَّرون ويُحتفى بهم، كأنهم يؤدون دوراً بطولياً، يشاركونهم في عرضٍ تعبوي. هذا ليس تفصيلاً عابراً، بل آلية لإعادة إنتاج الانقسام عبر التربية. فالطفل الذي يتعلم أن الكراهية تعبير مشروع، وأن الإهانة وسيلة حضور، لن يكون في المستقبل مواطناً، بل أداة في صراع لا يفهم أبعاده. وفي هذه اللحظة، لا يعود الطفل ضحية، بل يتحوّل إلى أداة: ناقل مبكر للكراهية، ومشروع مواطن منزوع القدرة على التفكير خارج ما لُقِّن له. إنها عملية تشكيل بطيئة للوعي، حيث تُزرع الانقسامات في اللغة قبل أن تظهر في المواقف. إنها عملية "غسل دماغ ناعم"، لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عبر التكرار والتطبيع والتشجيع الاجتماعي. أما الرموز، فقد دخلت بدورها في هذا المسار. صور تُظهر تمجيد الحذاء العسكري، أو تحويله إلى عنصر احتفالي، هذه ليست مجرد مظاهر مبتذلة، بل تعبير عن إعادة تعريف القيم: من الكرامة إلى الخضوع، ومن المواطنة إلى الطاعة وعودة الى زمن أصنام الجاهلية. في هذا المشهد، لا تعمل الأطراف المتصارعة بالضرورة بتنسيق مباشر، لكنها تلتقي في النتائج. وللمفارقة، بينما تمعن إسرائيل في العدوان والهدم والاحتلال، تظهر نفسها انها تحترم مقدسات اللبنانيين، فيعتذر ساعر عن تحطيم الجندي الإسرائيلي لتمثال يسوع، بينما يهاجمون الكنائس والجوامع في القدس وبيت لحم ويمنعون المصلين من ارتيادها. على العكس، يغطي الحزب عجزه بضرب كل ما يحترمه المواطن اللبناني. إسرائيل تستفيد من تفكك النسيج الاجتماعي، ومن تحويل كل ضربة عسكرية، على غرار عين سعادة وبيروت، إلى مادة خلاف داخلي، بما يضعف أي إمكانية لرد وطني موحد. وفي المقابل، يعمل "حزب الله" على تعميق الخوف المتبادل بين اللبنانيين، وعلى ضرب فكرة الدولة الجامعة، بما يعزز منطق "الحماية" خارج مؤسساتها. هكذا، وعلى نحو مفارق (paradoxal)، يتغذى الطرفان من المسار نفسه: كلما ازداد التفكك الداخلي، تعززت مبررات كل منهما. ولا تقف المسؤولية عند هذا الحد. فبقية القوى السياسية تشارك، بدرجات متفاوتة، في تكريس هذا الواقع: عبر خطاب طائفي، أو صمت انتقائي، أو توظيف الخوف في خدمة الزعامة. فيتحول الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة للغرائز، لا للنقاش، وللتعبئة، لا للمساءلة. النتيجة الأخطر ليست فقط في الانقسام، بل في فقدان المعايير، فيفقد المجتمع قدرته على التمييز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض. عندها، لا تعود المشكلة في حدثٍ معين، بل في البنية التي تستقبله وتعيد إنتاجه. يأتي كل ذلك في لحظة دقيقة، يُفترض فيها أن لبنان يقف على أعتاب مسار تفاوضي جديد. لكن بدل أن يشكّل هذا المسار فرصة لتوحيد الرؤية والدعم، يحدث تفتيت السرديات، فيتعمّق التصدع الداخلي، ما يضعف الدولة بدل تقويتها، ويجري إضعاف رمزيتها، ما يهدد بإفراغ أي تفاوض من مضمونه. فالدول لا تفاوض فقط بحدودها، بل بتماسك مجتمعاتها، وبقدرتها على إنتاج موقف واحد، أو على الأقل سردية مشتركة. لبنان اليوم لا يواجه فقط خطر الضربات العسكرية، بل خطر التحول إلى مجتمع مفكك من الداخل، ومجرد ساحة لإدارة الصراعات. وهذه هي المرحلة الأخطر: حين لا يعود التفكك نتيجة للحرب، بل شرطاً لاستمرارها. نصبح أمام مجتمع يُعاد تشكيله على أسس ما قبل الدولة. في مواجهة ذلك، لا يكفي تسجل المواقف أو التنديد، وأن نرفض الضربة هنا أو نستنكر الشتيمة هناك. المطلوب استعادة الحد الأدنى من المعنى: أن الضحايا ليسوا طوائف بل مواطنون، والدولة ليست طرفاً بل إطاراً، والكرامة ليست تفصيلاً يمكن التنازل عنه. من دون ذلك، لن تكون كل ضربة عسكرية سوى خطوة إضافية في مسار تفكيك بدأ من الداخل… هي المرحلة الأخطر: حين لا يعود التفكك نتيجةً للصراع، بل يتحول إلى ثقافة. عندها، لا تكون المعركة على الأرض فقط، بل على معنى الإنسان نفسه. المطلوب الآن استعادة المعنى. أن يُعاد الاعتبار لفكرة المواطن، وليس الرعية التابع. ويعاد الاعتبار للدولة، لا للرمز؛ للكرامة، لا للقوة. لأن المجتمع الذي يتصالح مع الإذلال، لا يحتاج إلى من يهزمه… بل يكفيه أن يستمر على هذا النحو.

كيف تحوّلت الدولة إلى وسيط…
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر

لم يعد الوصول إلى الدولة في لبنان مسارًا مباشرًا كما يفترض أن يكون في أي نظام حديث. العلاقة التي يُفترض أن تقوم على حقوق واضحة وواجبات متبادلة، تحوّلت تدريجيًا إلى شبكة معقّدة من المسارات غير الرسمية، حيث لم يعد المواطن يتعامل مع الدولة، بل مع من “يوصله” إليها. لكن التحوّل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ لم تعد الوساطة مجرد جسر بين المواطن والدولة، بل أصبحت، في كثير من الحالات، بديلًا كاملًا عنها، عبر بناء منظومات موازية تعيد إنتاج الدولة خارجها. ما نشهده اليوم يتجاوز الفساد التقليدي. لم يعد الأمر خرقًا لقواعد قائمة، بل تبديلًا لهذه القواعد. لم يعد المواطن يحصل على حقه عبر المؤسسة، بل عبر وسيط يعيد تعريف هذا الحق كخدمة، أو عبر مؤسسة بديلة تنشأ خارج الدولة لكنها تؤدي وظيفتها. بهذا المعنى، لم تعد المشكلة في ضعف الدولة فقط، بل في نشوء نظام موازٍ يعمل مكانها ويعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسلطة. هذا التحوّل لم يحدث فجأة. بدأ بإضعاف الدولة عبر تعطيل مؤسساتها وتأخير خدماتها وتآكل الثقة بها. ثم دخلت القوى السياسية لملء هذا الفراغ، ليس فقط عبر الوساطة، بل عبر إنشاء مؤسسات بديلة في الصحة والتعليم والخدمات. ومع الوقت، لم يعد المواطن يلجأ إلى الدولة إلا كخيار ثانوي، بل أصبح مرتبطًا بمنظومة مزدوجة: إما وسيط يفتح له الطريق، أو مؤسسة موازية تؤمّن الخدمة. في مختلف القطاعات، تكرّرت هذه المعادلة. في الخدمات الأساسية، لم تعد الدولة هي المرجع الفعلي، بل شبكات موازية لإنتاج وتوزيع الخدمات. في الصحة، لم يعد الوصول إلى العلاج مرتبطًا فقط بالمؤسسات الرسمية، بل بشبكات دعم ومؤسسات بديلة. في التعليم، ظهرت منظومات منح ودعم خارج الإطار التقليدي. وفي سوق العمل، لم تعد الكفاءة وحدها تحدد الفرص، بل الانخراط في شبكات النفوذ. في القطاع المالي، يتجلّى هذا التحوّل بشكل أكثر حدّة. لم يعد النظام المصرفي إطارًا موحّدًا يخضع لقواعد واضحة، بل أصبح مجالًا تتداخل فيه العلاقات مع القوانين. خلال الأزمة، لم يكن جميع المودعين متساوين في القدرة على الوصول إلى أموالهم، وظهرت مسارات موازية لإدارة التحويلات والتسويات. لم يعد السؤال ما هو الحق، بل من يستطيع الوصول إليه. وهكذا، تحوّل المال نفسه من حق قانوني إلى امتياز مرتبط بالنفوذ. رغم كل ذلك، لم تُفرض هذه المنظومة بالقوة فقط، بل نجحت لأنها لبّت حاجة. في غياب الدولة، يبحث المواطن عن حل سريع، لا عن مسار قانوني طويل. ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، تصبح العلاقة الشخصية أكثر فاعلية. هذا ما جعل المنظومة الموازية لا تكتفي بالبقاء، بل تتوسع وتترسّخ. النتيجة لم تعد فقط تراجع الدولة، بل نشوء ازدواجية كاملة. المواطن يعيش بين نظامين: واحد رسمي ضعيف، وآخر موازٍ أكثر فعالية في بعض الأحيان. الحقوق لم تختفِ، لكنها انقسمت بين هذين النظامين، ما يعمّق التبعية ويضعف مفهوم المواطنة. الأخطر في هذا المشهد ليس وجود الوساطة، بل نجاح البديل. حين تصبح المنظومة الموازية أكثر سرعة وحضورًا، تتحول الدولة إلى خيار ثانوي. لم تعد المشكلة أن الدولة ضعيفة، بل أنها لم تعد ضرورية دائمًا في نظر المواطن. في هذا الواقع، لم يعد السؤال كيف نصلح الدولة، بل ما إذا كانت العلاقة معها ما زالت قائمة أصلًا. بين وسيط يربط المواطن بها، ومؤسسات بديلة تستغني عنها، يظهر نموذج جديد للحكم لا يقوم على الدولة وحدها، بل على تعدد مراكز النفوذ والخدمة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نحن أمام دولة ضعيفة تسعى إلى التعافي، أم أمام نظام نجح في بناء بديل عنها؟

الفن الانطباعي اللبناني: مصطفى فرّوخ، رسّام ومثقف ملتزم (4/4)

يُعدّ مصطفى فرّوخ أحد كبار روّاد الفن التشكيلي اللبناني الحديث، وقد ساهم بشكلٍ واسع في إرساء دعائم المشهد الفني الوطني وتشكيل معالمه. وُلد فرّوخ عام 1901 في حيّ البسطة المتواضع ببيروت، لأسرة سنّية، وتوفي عام 1957. وفي مقتبل العمر، تلقى التشجيع والتوجيه في محترف الرسام الحداثي حبيب سرور، حيث صقل موهبته الأولى. وفي عام 1927، غادر بيروت متوجهاً إلى روما، حيث التحق بالدراسة في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة (سان لوكا)، ونال شهادته منها في العام نفسه. وبعد محطة روما، تابع تحصيله الفني في باريس، وتتلمذ على يد عددٍ من كبار الفنانين، من بينهم بول إميل شاباس، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس جمعية الفنانين الفرنسيين. وبدأ عرض أعماله في كبرى المحافل الفنية، ولا سيما الصالونات الباريسية، و « بينالي روما » (Biennale de Rome)، ثم في البندقية ونيويورك وبيروت. العودة إلى الوطن عاد فرّوخ إلى بيروت عام 1932، حيث افتتح محترفاً وصالة عرض دائمة، غدت محطة استقطاب للحياة الفنية البيروتية. درّس الفن في مؤسسات عريقة عدة، منها الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، والأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA)، ودار المعلمين في بيروت. كما ألقى محاضرات في منتديات فكرية متنوعة، لا سيما في «الندوة اللبنانية»، مساهماً بذلك في التأسيس المؤسساتي للحقل الفني اللبناني الناشئ. وبفضل نشاطه الواسع في المعارض الدولية، أُدرج اسمه عام 1950 في «قاموس بينيزيت» (Bénézit)، المرجع البيبليوغرافي الأبرز عالمياً للفنانين. كان فرّوخ فناناً ومثقفاً ملتزماً؛ نشر في الصحف مقالات عديدة حول الفن، مساهماً في الثقافة الفنية للجمهور العريض. كما أصدر خمس مؤلفات في فلسفة الفن والهوية اللبنانية، من بينها سيرة ذاتية. وقد ساهمت كتاباته بشكل كبير في بلورة النظرية الجمالية ومكانة الفن في المجتمع اللبناني الناشئ. نتاجه الفني وأسلوبه كان فرّوخ رساماً غزير الإنتاج، إذ ترك وراءه أكثر من 2000 لوحة، تقتنيها مجموعات فنية واسعة في لبنان والخارج. تندرج لوحاته أساساً ضمن المدرسة «ما بعد الانطباعية»، وهي ذات طابع تشخيصي وواقعي، طبعتها دراسته الأكاديمية الأوروبية، لكنها ظلت متجذرة في الموضوعات اللبنانية. شملت مواضيعُه الأثيرة تفاصيل الحياة اليومية: من المناظر الطبيعية الريفية والحضرية، والقرى، والحقول، والموانئ، وكورنيش بيروت، وصولاً إلى وجوه الأعيان، والنساء العاملات، والفلاحين. كما رسم بعض لوحات العرِي، في خطوة اتسمت بالجرأة ضمن السياق المشرقي في ذلك الزمن. تتميز لوحاته بألوان دافئة ومشرقة، وقد أولى عناية خاصة لتقنية «الكلاروسكورو» (الضوء والظلال) الموروثة عن دراسته الإيطالية، والتي نجح في دمجها مع الضوء المتوسطي. وفي الثلاثينيات، وبعد إقامة مؤثرة في إسبانيا، رسم فرّوخ الإرث العربي الأندلسي، مجسداً بذلك الذاكرة العربية للأندلس بلغة بصرية حديثة. لوحة أيقونية: «كورنيش رأس بيروت» تُعدّ لوحاته لواجهة بيروت البحرية والكورنيش من أبرز الصور الأيقونية للبنان في مرحلة تشكّل هويته المعاصرة؛ فهي تقدّم رؤية شاعرية لبلدٍ يتجاور فيه البحر والجبل والعمارة التقليدية في انسجام وتكامل تامّين. تجسد لوحة «كورنيش رأس بيروت»، التي رسمها عام 1941 إبان الانتداب الفرنسي، رغبة مصطفى فروخ في إرساء قواعد فن تشكيلي وطني لبناني يستلهم من الجذور والتأثيرات الأوروبية. ويرمز هذا المشهد المديني، المنفتح على البحر، إلى الحوار بين المدينة الحديثة والأفق المتوسطي اللامتناهي؛ إذ يُعلي الفنان من شأن الضوء والمناخات المحيطة. وبذلك، تصبح رأس بيروت عتبةً بين الشرق والغرب، وبين الحداثة والتقليد. إن هذا العمل يجسد الهوية اللبنانية الناشئة ويشكل محطة مفصلية في مسار الحداثة التشكيلية في البلاد. إنها رؤية شاعرية للبنان، حيث يتعايش البحر والجبل والعمارة التقليدية في انسجام تام. وتمنح هندسة اللوحة الموزعة على ثلاثة مستويات عمقاً للوحة، تقود العين من الطريق الترابي وصولاً إلى خط الأفق. وتتباين تدرجات الأرض الدافئة مع زرقة البحر والسماء الباردة، مما يخلق أجواءً تجمع بين الإشراق والشجن في آن واحد. أما وجود شخصيتين في وسط اللوحة، فيضفي لمسة إنسانية على المشهد ويُدخل بعداً سردياً محبباً لدى فرّوخ. وتأتي أشجار النخيل والبيوت المنخفضة، المنفذة بلمسات ريشة مرنة، لترسخ اللوحة في فضاء شرقٍ متوسطي مثالي، يفيض بالحنين والعذوبة. روادُ الريشة.. أيقوناتُ وطنٍ في طور التكوين ختاماً، يبرز روادنا الأربعة في الرسم اللبناني – خليل صليبي، وعمر الأنسي، وقيصر الجميل، ومصطفى فرّوخ – وهم ليسوا الوحيدين بالتأكيد، كفنانين أيقونيين لأمة في طور التكوين. هؤلاء الذين صقلوا مواهبهم في الخارج، استلهموا من المدارس الفنية الأوروبية في عصرهم، واستخلصوا منها الأفضل ثم طوّعوها لتتلاءم مع الضوء والحساسية المتوسطية والشرقية. وبذلك، ساهموا في تعزيز الهوية الوطنية اللبنانية الناشئة، وأبدعوا رسماً لبنانياً بامتياز، يتشابه مع الرسم الأوروبي في مطلع القرن العشرين ويختلف عنه في آن واحد. لقد أتاح لهم تأثير الرسم الغربي تحرير ريشة الرسم ولوحة ألوانهم، كما مكّنهم من الانعتاق من قيود التكليفات الدينية والرسمية، كاسرين بذلك المحرمات الاجتماعية التي كانت سائدة حينها. وإذا كان بعضهم قد استلهم من الانطباعية، فقد اقترب آخرون من الواقعية أو ما بعد الانطباعية. ومع ذلك، فقد ساهموا جميعاً في صياغة هوية وطنية لبنانية، وفي النهضة الفنية والاجتماعية للبنان. كما شكلت أعمالهم مصدراً لإلهام المجتمعات المشرقية في ذلك العصر. إقرأ في الموضوع نفسه – الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع (1/4) – الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء (2/4) – الفن الانطباعي اللبناني: قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4)

البدايات، الفصل الأوّل
بقلم
نديم تابت
نُشر

١ – في مواجهة المحو في مقدّمةٍ لهذه السلسلة من النصوص — “من الظلام الأبدي إلى Histoire… de Raphaël” — شرحتُ سببَ قراري، في هذه الأوقات المظلمة التي يعيشها لبنان، أن أتحوّل نحو التاريخ بالمعنى الكبير للكلمة، وكذلك نحو التاريخ الصغير: تاريخ ابني رافاييل. خلاصةً للقول، فذلك أولاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطيّ والنسيان، في الوقت الذي يهدّد فيه الاندثارُ لبنانَ كما نعرفه. وثانياً لأننا، على الصعيد العالمي، نعيش في زمنٍ يمنح معناه الكامل لمقولة جورج أورويل المستخرجة من رواية “١٩٨٤”: ”مَن يتحكّم في الماضي يتحكّم في المستقبل. مَن يتحكّم في الحاضر يتحكّم في الماضي.” والأمثلة التي تصدّق هذه المقولة كثيرة في أيامنا هذه. لا أستشهد إلا ببعضها: كتاب إيريك زمّور La” messe n’est pas dite” (لا تزال القدّاس غير مؤدّاة)، الذي يُعيد فيه قراءة تاريخ فرنسا للدفاع عن فكرةٍ سياسية بامتياز، هي الهوية اليهودية-المسيحية لذلك البلد؛ وقرار المتحف البريطاني حذف كلمة «فلسطين» من إحدى معارضهّ؛ وإعادة دونالد ترامب بنفسه كتابة تاريخ رؤساء الولايات المتحدة كما يُعرض في “Presidential Walk of Fame” في البيت الأبيض. باختصار، يمكن القول إنه في العصر الرقمي الذي اعتُقد أنه محكومٌ بالسيلفي، يبدو أن مفهوم التاريخ يعود إلى الواجهة بقوة. ٢ – العيش بين علاقتين مع التاريخ على الصعيد الشخصي، لا أستطيع القول إن هذه العودة إلى التاريخ تبدو غريبةً عليّ، إذ إن التاريخ لم يتوقّف قطّ في لبنان، على خلاف أوروبا التي عاشت طويلاً في “نهاية التاريخ” — على الأقل وفق فوكوياما. وبعد سنواتٍ من الإقامة في أوروبا — أولاً في فرنسا ثمّ في إيطاليا — ظلّت إشكاليتي، تلك التي نقلتُها إلى ابني والتي يشاركني إياها كثيرٌ من المغتربين اللبنانيين، هي التساؤُل عن كيفية تكيّف إنسانٍ يعيش في خضمّ التاريخ الكبير مع قارّة “نهاية التاريخ”. بيد أنه، على الرغم من هذا التباين، فإن زمن الجنوب وزمن الشمال يتقاسمان اليوم إشكاليةً مشتركةً، يُبرزها المؤرّخ فرانسوا أرتوغ: وهي اضمحلال الإيمان بقدرة المؤرّخين على تقديم سردياتٍ كبرى قادرةٍ على الجمع وإعطاء الأمل في المستقبل. يعرف المهتمّون بعلم التأريخ أن اللحظة الكبرى للمؤرّخ “النبيّ” كانت القرن التاسع عشر، حين كان التاريخ — على غرار ميشليه في فرنسا — يوفّر رواياتٍ وطنيةً للأمم الناشئة، وحين كان — على غرار فلاسفةٍ كماركس وهيغل — يتشكّل باعتباره سرديةً لمسيرةٍ تقدّميةٍ نحو مُثُلٍ عليا. لماذا لم يعد التاريخ يحتلّ اليوم المكانة ذاتها في مجتمعاتنا؟ الجواب واسعٌ بطبيعة الحال. غير أن المصادفة وضعت مؤخّراً في طريقي عملين — فيلماً لبنانيّاً وكتاباً لفرانسوا أرتوغ — يُقدّمان بعض عناصر الإجابة. ٣ – “Do You Love Me” (هل تحبّني؟) والتاريخ “على تكرار” الفيلم اللبناني المعني هو الفيلم الجميل للانا ضاهر، “Do You Love Me”. مؤلَّفٌ بالكامل من وثائق أرشيفية — تتراوح بين الصور الفوتوغرافية ومقاطع من أفلام — يستعرض الفيلمُ تاريخَ لبنان من الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. إذا أثّر فيّ بشكلٍ خاص، فذلك أولاً لسببٍ نرجسيّ: مقاطع من فيلمي الطويل One of These” Days” تُدرج ضمن الوثائق الأرشيفية المختارة. لكن أيضاً، وبالدرجة الأولى، لأنّي شاهدتُه في بيروت في الوقت الذي كانت فيه القنابل الإسرائيلية تتساقط على لبنان خارج قاعة العرض. وما من داعٍٍ للتوضيح أن مشاهدة هذا الفيلم في مثل تلك الظروف أضفى على العرض طابعَ قداسٍ للجنازة، بكل ما يحمله هذا الطقس من عاطفة. لكن بعيداً عن استقبالي الشخصي للفيلم، فإن ما يستوقفني فيه هنا هو أنه يمتلك — وهذا ما يُشار إليه في مطلعه — ميزةَ نقل الزمن التاريخي كما يُعاش في لبنان: زمن التكرار الأبدي. لا رواية وطنية إذن، ولا مسيرةً تقدّميةً نحو مُثُلٍ عليا، بل الشعور عند مشاهدة الفيلم بأرضٍ هجرها مفهومُ التقدّم الزمني، محكومةٍ — شأن سيزيف — بأن تُعيد عيش الأفعال ذاتها والمشاعر ذاتها والأحداث ذاتها، وفي المقام الأوّل: حروباً كثيرة. ولنقل هذه العلاقة مع الزمن، كانت الفكرة الجوهرية في المونتاج تصنيفَ هذه الوثائق لا وفق ترتيبٍ زمنيّ بل وفق موضوعات: العلاقة بالبحر، بالمدينة، بالرقص، بالأطلال، إلخ. وعند مشاهدة هذه الموضوعات ذاتها تتكرّر عبر الزمن، يتولّد انطباعٌ غريبٌ بأن كل ما على وشك تصويره من النزاع الراهن قد سبق تصويره. بهذا المعنى، يستحضر الفيلم الفكرة التي طرحها جاك ديريدا في تأمّلاته حول رمز الختان، مفادها أن أرشيف حياتنا قد يسبق في وجوده وجودَنا ذاته. وما وراء هذه الفكرة عن الآثار السابقة، يستدعي المونتاج أيضاً “أطلس مينيموسين” الشهير لأبي واربورغ، حيث يُصنّف تاريخ الفنّ لا وفق ترتيبٍ زمنيّ بل وفق موضوعات، لإظهار كيف يمكن للأشكال القديمة أن “تبقى” بصورةٍ شبحيةٍ في أيقونوغرافيا أكثر حداثة. وأكثر من التكرار، فإن «البقاء» الدائم للماضي في الحاضر هو ما يُعرّف به على أفضل وجهٍ مفهومُ علاقة اللبنانيين بالزمن التاريخي؛ في حين أن نهاية الإيمان بالتاريخ بوصفه منتجاً للسرديات الكبرى تتجسّد في الشمال — أي في أوروبا — بالشعور بالعيش في حاضرٍ أبديّ. ٤ – فرانسوا أرتوغ والحاضرانية هذا على الأقل هو الحدس الذي يدافع عنه فرانسوا أرتوغ في أعماله حول مفهوم التاريخ، ولا سيّما في دراسته “أنظمة التاريخانية” (Les régimes d’historicité). دراسة كبرى في مفهوم التاريخ، يصف فيها الطريقةَ التي تُعبّر بها مجتمعٌ ما عن علاقته بين الماضي والحاضر والمستقبل. وفيما يخصّ أوروبا، يُميّز أرتوغ ثلاث حقبٍ كبرى. نظامٌ قديم، ذلك الخاصّ بالعصور القديمة والوسطى، يتسمّ بالأساطير وعلاقةٍ دوريةٍ بالزمن، حيث الماضي مرفوعٌ إلى مستوى النموذج. ونظامٌ حديثٌ يبدأ في القرن الثامن عشر — مع فكر الأنوار في جملة عوامل أخرى — تُرسي فيه الثقةُ بالتقدّم المستقبلَ أُفُقاً أعلى. ثمّ الحقبة المعاصرة التي بدايتها تتوافق تقريباً مع سبعينيات القرن الماضي — التي ميّزتها صدمة النفط ونهاية اليوتوبيا وشعار “No Future” لفرقة «The Sex Pistols» — حيث يصبح الحاضر الأفق الأقصى. بالطبع، كما في كلّ نظرية، يمكن إيراد عدة تحفّظاتٍ على مفهوم الحاضرانية، لا سيّما أن الأمر لا يتعلّق هنا بوصف نهاية كلّ علاقةٍ مع الماضي. لكن ما يُظهره أرتوغ هو أن التاريخ بوصفه منتجاً للسرديات الكبرى قد تراجع خلف مفاهيم الذاكرة والتراث والمطالبات، ممّا يوحي بأن كلّ الماضي يجب أن يُوضَع في خدمة الحاضر. أمّا المستقبل، فإذا كان انعدامه الكلّي في زمن لبنان مرتبطاً بحالة أزمةٍ وجوديةٍ دائمة، ففي الشمال، بين إدارة الأزمات والخطابات السياسية المنصبّة على قلب منحنى النمو، يكفي القول إن العلاقة بالمستقبل وجدت نفسها مُختزَلةً إلى ما تصفه آني إرنو في كتابها الجميل “الأعوام” (Les Années): التخطيط منذ العودة إلى المدارس في أيلول/سبتمبر لعطلة عيد جميع القدّيسين ولعطلة نهاية السنة. ٥ – عدوى الشمال بأبوكاليبس الجنوب هنا أيضاً تجدر نسبيّة هذه العلاقة مع المستقبل بوصفها “No Future”، إذ إنه قبل الدخول في «العالم وفق ترامب»، كانت خطاباتٌ مختلفةٌ حول المستقبل — كالخطاب البيئي — تبدأ في الظهور. بيد أن المؤكّد أنه في الوقت الراهن، بصرف النظر عن الخطاب حول «مستقبلٍ مشرقٍ» للآلات الذي يروّج له العلماء المجانين في وادي السيليكون، فإن الإنسان يشعر أكثر بأنه يعيش من جديدٍ ساعاتٍ قاتمةً من التاريخ. هذا ما يُولّد الشعور الغريب بأن علاقة اللبنانيين بالتاريخ — كبقاءٍ دائمٍ للماضي في الحاضر — باتت تُلقي بعدواها على سائر أنحاء العالم. كان ذلك على الأقل حدسَ الشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان التي، في “أبوكاليبس عربي” (Apocalypse arabe) المكتوب في خضمّ الحرب الأهلية، أعلنت أن “التاريخ مات”، وأكدت في مقابلة: “لبنان في طريقه إلى أن يصبح النموذج الأوّليّ للعالم الذي ينتظرنا.” وعن هذا البقاء على الصعيد العالمي يتحدّث المقال التالي من هذه المجموعة.

في مواجهة «نزوات» طهران، غموض يلف جولة إسلام آباد الثانية

إنه بالفعل «عالم مقلوب» (أو يكاد) في هذا الكباش المحتدم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، حيث يتمحور الرهان حول انعقاد جولة ثانية من محادثات إسلام آباد، هذا الثلاثاء، من عدمه. ففي الظاهر، يحلو للنظام الإيراني، وتحديداً للحرس الثوري (الباسداران)، تعمّد إشاعة الانطباع بأنه هو من يفرض شروطه على واشنطن بغية إحياء المفاوضات بين الطرفين. وعليه، واستناداً إلى هذا المنطق، يصبح المهزوم هو من يملي إرادته على المنتصر! فلا بد في لحظة ما من تسمية الأشياء بأسمائها و«قول الحقيقة، مهما كانت قاسية» (اقتباساً عن الرئيس بشير الجميل): ففي هذه الحرب، إيران هي من تكبد خسائر فادحة طاولت بناها التحتية العسكرية والنووية والاقتصادية، والقيادة الإيرانية العليا – بشقّيها السياسي والعسكري والأمني– هي من تعرض لعملية «قطع رأس» واسعة النطاق. وفي الوقت عينه، يطبق الأسطول الأميركي حصاره العملي على إيران، فارضاً منذ أيام طوقاً بحرياً يخنق اقتصادها، بينما استأثر سلاحا الجو الأميركي والإسرائيلي طوال أربعين يوماً بسيادة الأجواء، مستهدفين ليل نهار المراكز الحيوية في العمق الإيراني. على الرغم من هذه الوقائع، ظل النظام الإيراني، بلسان جناحه المتشدد، يشترط حتى مساء الإثنين «لقبوله» (!) التوجه إلى إسلام آباد، قيام الولايات المتحدة برفع حصارها البحري في منطقة مضيق هرمز. وبموازاة ذلك، واظبت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) ومعها أبواق الحرس الثوري، منذ يوم الأحد، على الترويج لمقولة رفض طهران المشاركة في جولة ثانية من المحادثات مع الأميركيين، والتشديد على أن ملف الصواريخ الباليستية غير قابل للتفاوض، فضلاً عن بقاء الخلافات العميقة مستعرة بشأن الملف النووي ومصير اليورانيوم المخصب، معتبرة أن «الجانب الأميركي يفتقر إلى الجدية في مسار المفاوضات هذا». وعلى سبيل التبسيط، يبدو النظام الإيراني في سلوكه كـ «طفل مدلل» يواجه الحزم بالصراخ والتخبط وإطلاق مواقف جوفاء، لمجرد أن سلطةً صارمة فرضت عليه نهجاً يتصادم مع نزواته الصبيانية. غير أن سوء طالع الجناح المتشدد في طهران أوقعه في مواجهة رئيس أميركي لم يتوانَ، في ساعة متأخرة من ليل الإثنين، عن تجديد تأكيد تمسكه البحري، ضارباً عرض الحائط بتمني الوسيط الباكستاني في هذا الصدد. وعلى نطاق أوسع، لا يبدو الرئيس ترامب في وارد التراجع عن خطوطه الحمر المتصلة، تحديداً، بالملف النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية. وقد تماهى الاتحاد الأوروبي مساء الإثنين مع الموقف الأميركي في هذا الشأن، بتأكيده المباشر أن المحادثات مع النظام الإيراني يجب أن تطال ترسانة الصواريخ الباليستية، لكونها قادرة، على بلوغ بعض العواصم الأوروبية... وفي هذا الإطار، يضع سيد البيت الأبيض طهران أمام خيارين لا ثالث لهما: إما توقيع الاتفاق الذي عرضته الولايات المتحدة، أو... «العصا» التي ستُستخدم بلا هوادة. وعليه، ظل الغموض سيد الموقف حتى ساعة متأخرة من ليل الإثنين حيال مصير الجولة الثانية من محادثات إسلام آباد. جولة مفاوضات لبنانية - إسرائيلية جديدة الخميس لم يحل التوتر، الذي ظل يتصاعد حتى ساعة متأخرة من ليل الإثنين، دون مضي إدارة ترامب قدماً في مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. ويبدو الرئيس جوزيف عون مصمماً على المضي في هذا النهج، برعاية أميركية، غير آبهٍ بالتهديدات المباشرة (التي وصلت إلى حد التلويحبالقتل!) الصادرة عن مسؤولين رفيعين في "حزب الله"، ممن لم يستسيغوا بعد فكرة استعادة الدولة استقلالية قرارها، وتحطيمها محرّماً قديماً عبر انخراطها في حوار مباشر وجهاً لوجه مع إسرائيل. «بين الحرب والتفاوض، أختار التفاوض»؛ هذا ما أكده رئيس الدولة يوم الإثنين. ومن دون أدنى شك، سيشكل هذا الخيار محور المحادثات المرتقبةالتي سيجريها رئيس الوزراء نواف سلام مع الرئيس إيمانويل ماكرون في "الإليزيه" يوم الثلاثاء. في هذا السياق، من المقرر أن تُعقد جولة ثانية من المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي الخميس المقبل في واشنطن؛ حيث من المنتظر أن تتركز المحادثات حول ملفات تقنية ملموسة، وفي مقدمها تسوية النزاع القائم حول ترسيم الحدود بين البلدين. ويقود الوفد اللبناني في هذه الجولة سفير لبنان السابق في واشنطن، سيمون كرم، الذي يرجّح أن يرافقه وفد مصغر يضم تمثيلاً عسكرياً وآخر مدنياً. وعلى الرغم من اعتراضات أقطاب السلطة الإيرانية، المستشرسين في محاولاتهم للإمساك بالورقة اللبنانية، اختارت السلطة الإجرائية التصدي لـ «النزعات الانتحارية» ــ وفق التعبير البليغ لرئيس الدولة ــ في إشارة لم تعد خافية إلى المغامرات الحربية العبثية والمدمرة التي يخوضها "حزب الله". وعسى أن تصمد هذه السلطة لتمضي حتى النهاية في هذا المسار التفاوضي الجريء مع الدولة العبرية.

إطلاق تعاون إعلامي بين «Levant Time» وموقع «European Security»

في إطار سعيها الدؤوب لتوسيع آفاقها وتعميق رؤيتها للملفات الجيوسياسية الكبرى المطروحة على الساحة الدولية، أبرمت منصة «Levant Time» اتفاقية تعاون وثيق مع الموقع الإعلامي « European Security »، ترتكز على تبادل المحتوى بين الطرفين. هذه المنصة الأوروبية، التي أسستها مجموعة من الخبراء والأكاديميين المرموقين، هي منصة مستقلة لا تتبع لأي جهة حكومية، وهي متخصصة بالدرجة الأولى في شؤون الدفاع والأمن في أوروبا والولايات المتحدة. وقد وضعت المنصة نصب أعينها هدفاً يتمثل في تزويد صناع القرار، من مدنيين وعسكريين، فضلاً عن الباحثين والصحافيين والصناعيين، بنصوص مرجعية وتحليلات ودراسات معمّقة تركز على التحديات الراهنة في مجالي الدفاع والأمن. كما يهدف هذا الإصدار، الذي يديره السيد جويل فرانسوا دومون، إلى بناء جسور التواصل وتحفيز النقاش مع كافة الجهات المعنية بهذا القطاع. وفي هذا السياق، ترى «Levant Time» أن تعاونها مع «European Security» سيتيح لجمهورها المشرقي، كما لمتابعيها من أبناء الاغتراب اللبناني في دول الشرق الأوسط، فرصة الاستفادة من المحتوى الغني والنوعي الذي يقدمه الموقع الأوروبي؛ الأمر الذي من شأنه أن يقدّم منظوراً جديداً ويشكل رافداً للاهتمامات التي تميز منصتنا. سيرتكز هذا التعاون الثنائي على الأسس التي تحدد الرسالة الإعلامية لموقع «European Security»، الذي يؤكد في هذا الصدد أن نهاية الحرب الباردة «أذكت، منذ نحو عقد من الزمن، وهم العالم الأكثر أماناً في الغرب». ويوضح الموقع الأوروبي أنه «في الواقع، وإذا كانت صبغة التهديد المباشر بمواجهة مسلحة بين الشرق والغرب قد تبددت، فإن الوضع لا يقل خطورة، بل يدعو للقلق في مناطق عدة من العالم (...). تبدو في طور الترسخ تهديدات أخرى لزعزعة الاستقرار، لا يزال الرأي العام يسيء تقديرها. فهي تحمل في أحشائها النواة المدمّرة للديمقراطية الثنائية الحزبية، على النحو الذي نمارسه». ويضيف الموقع في هذا السياق أن «البؤس المتفشي الذي يعصف ببعض الدول يلقي بظلاله على دولنا حيث تسود الديمقراطية». وبناءً على ذلك، «فإن الإحاطة بهذه القضايا تُمثّل ضرورة قصوى لكل من يسعى إلى تقديم استجابة للتحديات المطروحة، عبر رفد صناع القرار والرأي العام بالمعلومات (...). ومن هنا تبرز أهمية إرساء هذا الرابط الجديد بين المؤسسات المتخصصة والأفراد المهتمين بهذه الشؤون، والذين من شأن نتاجهم الفكري أن يوفّر عناصر تحليلية مفيدة». وفي هذا الإطار، خصص موقع «European Security»، منذ بضعة أيام، مقالاً مطولاً حول الوضع الراهن في لبنان، تطرق فيه إلى علاقته الجديدة مع «Levant Time»، واصفاً إياها بأنها «جسر فكري بين الشرق والغرب»، و«جوهرة فريدة في الفضاء الإعلامي الراهن» ، و «نافذة مشرعة على روح لبنان». للاطلاع على المقال وعلى التعريف بمنصة «Levant Time»، يرجى الضغط على الرابط التالي: Le Liban au cœur du monde : Quand Levant Time éclaire l'horizon - European Security