شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
محاولة إعلان ولادة قرار الدولة… أم رفع سقف بلا أدوات؟

في لحظة دقيقة أعقبت دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، أطلّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بخطاب يمكن اعتباره من أكثر الخطابات وضوحًا من حيث النبرة، والأعلى سقفًا من حيث الطموح السياسي. لم يكن خطاب تهدئة تقليدي، ولا بيان شكر بروتوكولي، بل أقرب إلى إعلان نوايا كبير: إعادة تعريف موقع لبنان، واستعادة “قرار الدولة”، والدخول في مسار تفاوضي يُفترض أنه مختلف عمّا سبق. لكن بين قوة الخطاب وواقع التوازنات، تبرز الأسئلة الحقيقية: هل نحن أمام تحوّل فعلي؟ أم أمام خطاب يتقدّم على القدرة؟ أولًا: في بنية الخطاب – من الشكر إلى إعلان المسار يبدأ الخطاب من نقطة جامعة: الشكر. شكر الدول، وفي مقدمتها "الصديق دونالد ترامب"، والمملكة العربية السعودية، وسائر الجهات التي ساهمت في وقف إطلاق النار. هذا المدخل ليس تفصيلاً، بل يهدف إلى تثبيت مشهد دولي داعم، وإعطاء شرعية خارجية للمسار الذي سيُطرح لاحقًا. لكن سريعًا، ينتقل الخطاب من الشكر إلى ما هو أهم: إعلان الدخول في “مرحلة الاتفاقات الدائمة”. هنا تحديدًا يبدأ البعد السياسي الحقيقي. فالرئيس لا يكتفي بوصف ما حصل، بل يحدّد ما سيأتي: مفاوضات، اتفاقات، ومسار طويل يتجاوز مجرد وقف النار. ثانيًا: الرسالة الأساسية “استعدنا قرار لبنان” العبارة المفتاحية في الخطاب هي: “استعدنا لبنان وقرار لبنان، للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن”. هذه الجملة تختصر جوهر الخطاب، لكنها في الوقت نفسه تحمل أعلى درجات الإشكالية. ماذا تعني عمليًا؟ * أن لبنان لم يكن يملك قراره سابقًا * أن المرحلة الحالية تمثّل تحوّلًا نوعيًا * أن الدولة باتت الجهة الوحيدة التي تقرّر وتفاوض لكن هنا يظهر التحدي الأكبر: هل هذا توصيف واقعي، أم إعلان هدف؟ لأن استعادة القرار السيادي في لبنان لا تتحقق بخطاب، بل بتغيير جذري في موازين القوى الداخلية، وتحديدًا في مسألة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني. وهذه مسألة لم تُحسم بعد، لا سياسيًا ولا عمليًا. بالتالي، يمكن قراءة هذه العبارة كـ”إعلان نية” أكثر منها توصيفًا لواقع مكتمل. ثالثًا: الدفاع عن خيار التفاوض وكسر المحرّم السياسي من أبرز ما في الخطاب، الجرأة في طرح التفاوض كخيار مشروع، بل ضروري. الرئيس لم يترك مجالًا للالتباس، فشدّد على أن: * التفاوض ليس ضعفًا * ليس تراجعًا * ليس تنازلًا هذه الفقرة تستهدف بشكل مباشر البيئة الرافضة لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، والتي لطالما ربطت التفاوض بفكرة الاستسلام. ما الذي يحاول الرئيس فعله هنا؟ هو يقوم بعملية “إعادة تعريف”: * تحويل التفاوض من تهمة إلى أداة سيادية * ربطه بحماية الشعب، لا بالتفريط بالحقوق * وضعه ضمن إطار الدولة، لا ضمن صفقات خارجية لكن هذا الطرح، رغم وضوحه، يصطدم بواقع سياسي واجتماعي منقسم، حيث لا يزال جزء كبير من الداخل اللبناني يعتبر أن أي تفاوض يتجاوز خطوطًا حمراء. رابعًا: الخطاب ضد “الحروب العبثية” مواجهة غير مباشرة في أكثر من مقطع، يهاجم الرئيس منطق الحروب المتكررة، مستخدمًا تعبيرات لافتة: * “الموت العبثي المجاني الدوري” * “أن نموت من أجل أي كان غير لبنان” * “بين الانتحار والازدهار” هذه ليست عبارات عادية، بل تحمل اتهامًا ضمنيًا لنهج قائم منذ سنوات، يقوم على ربط لبنان بصراعات إقليمية. أهمية هذا الطرح للمرة الأولى بهذا الوضوح، يتم وضع خيارين أمام اللبنانيين: * إما الاستمرار في منطق الحروب * أو الانتقال إلى منطق الدولة والحياة لكن، مرة أخرى، المشكلة ليست في التشخيص، بل في القدرة على تغيير هذا الواقع. خامسًا: السلاح والدولة – العبارة الأكثر حساسية من أخطر وأهم ما ورد في الخطاب، التأكيد على: “بسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً” و “قوى مسلحة واحدة تحمينا كلنا” هذه العبارات، رغم أنها لم تُسمِّ جهة معينة، إلا أنها واضحة في دلالتها: الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة. لماذا هذا مهم؟ لأن هذه النقطة تحديدًا هي جوهر الأزمة اللبنانية: * وجود سلاح خارج إطار الدولة * ازدواجية القرار الأمني * ارتباط هذا السلاح بحسابات إقليمية الرئيس هنا يضع هذا الملف في صلب المرحلة المقبلة، لكن دون تقديم آلية واضحة لكيفية تحقيق ذلك. وهنا يكمن التحدي: الانتقال من شعار “حصرية السلاح” إلى خطة تنفيذية يتطلب توافقًا داخليًا غير متوفر حتى الآن. سادسًا: البعد الشعبي خطاب تعبئة عقلانية الخطاب لم يكن موجّهًا فقط للنخب السياسية، بل ركّز بشكل واضح على الرأي العام. دعوة صريحة إلى: * رفض التخوين * عدم الانجرار وراء الشعارات * تغليب العقل على الغريزة هذا البعد يعكس إدراكًا بأن أي تغيير سياسي في لبنان يحتاج إلى غطاء شعبي، أو على الأقل إلى تخفيف الاحتقان الشعبي. لكن في المقابل، المجتمع اللبناني منقسم بشدة، ما يجعل أي خطاب توحيدي عرضة للتأويل المتناقض. سابعًا: البعد الدولي – تثبيت الشراكة من خلال شكر الولايات المتحدة والسعودية، يحاول الرئيس تثبيت مظلة دولية للمسار الجديد. هذا له هدفان: 1. طمأنة الخارج بأن لبنان يسير في اتجاه الاستقرار 2. تأمين دعم سياسي واقتصادي للمرحلة المقبلة لكن هذا يطرح أيضًا سؤالًا: هل هذا المسار مستقل فعليًا، أم مرتبط بشروط دولية؟ ثامنًا: بين الجرأة والمخاطرة لا شك أن الخطاب يحمل جرأة سياسية واضحة: * طرح التفاوض علنًا * الحديث عن حصرية السلاح * رفض الحروب بالوكالة لكن هذه الجرأة تحمل في طياتها مخاطرة كبيرة: * رفع سقف التوقعات دون ضمان القدرة على التنفيذ * فتح مواجهة سياسية داخلية غير معلنة * وضع الدولة أمام اختبار صعب تاسعًا: هل نحن أمام لحظة تأسيسية؟ الخطاب يقدّم نفسه كلحظة مفصلية: * نهاية مرحلة “لبنان الساحة” * بداية “لبنان الدولة” لكن التاريخ اللبناني مليء بلحظات مشابهة لم تكتمل. ما الذي يحدد النتيجة؟ 1. الإرادة السياسية الفعلية 2. قدرة الدولة على فرض قراراتها 3. موقف القوى الداخلية الأساسية 4. الغطاء الدولي والإقليمي إذا توافرت هذه العناصر، قد يكون الخطاب بداية تحول. أما إذا غابت، فسيبقى في إطار الطموح. في النهاية خطاب يؤسس لسؤال أكبر خطاب الرئيس جوزاف عون ليس مجرد موقف سياسي، بل محاولة لإعادة طرح السؤال الأساسي في لبنان: هل نريد دولة فعلًا؟ الرئيس قدّم إجابة واضحة: نعم، دولة واحدة، قرار واحد، سلاح واحد، ومسار تفاوضي يحمي البلد. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في طرح هذا المشروع، بل في القدرة على فرضه في واقع معقّد، حيث تتداخل المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية. بكلمات أخرى: الخطاب رسم الاتجاه، لكنه لم يحسم الطريق. وهنا، يصبح الحكم على هذا الخطاب مرتبطًا بما سيليه: إما أن يكون بداية مسار سيادي فعلي، أو أن يتحوّل إلى واحد من أقوى الخطابات… التي لم تغيّر شيئًا

والآن يا حزب الله، هل أنت راضٍ؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر

هذا البلد، بلدنا في نهاية المطاف، يستحق أفضل من مقاومتك! ولكن أيّ لعنة هذه التي تجثم علينا في هذا الشرق القابع تحت نزوات المشعِلين للحروب وطالبي الشهادة؟ كلما إستلذ القادة العرب بالخطابات النارية وانجرفوا نحو الحروب، كنا ننجرّ نحو الكوارث. وهكذا، عشية حزيران 1967، أدّت استفزازات حزب البعث السوري الحاكم في دمشق إلى جرّ مصر والأردن إلى حرب الأيام الستة. فمن جهة، خسرت مصر سيناء، والسيطرة على قطاع غزة، والتحكم بقناة السويس؛ ومن جهة أخرى، خسرت سوريا الجولان، بينما انتُزعت من المملكة الهاشمية الأردنية الضفة الغربية والقدس القديمة (1). ولم تتمكّن لا دمشق ولا عمّان حتى اليوم من التعافي من تلك الزلّة، إذ إن الأراضي التي «استولت» عليها إسرائيل لم تُسترجع قط. وحده لبنان، الذي بقي بمنأى، نجا من الانهيار واستطاع الحفاظ على كامل مساحته البالغة 10452 كلم². لكن لا الفلسطينيين، ولا الحركة الوطنية، ولا الإيرانيين الذين قدموا لاحقًا، كانوا على استعداد للقبول بذلك. فقد سعوا إلى زجّنا بأي ثمن في نزاع خاسر سلفًا، لإثبات تضامن عربي وإسلامي. وهذه الحركة الوطنية نفسها، مستندة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ظنّت أنها قادرة على تحقيق أهدافها عام 1975 عبر مهاجمة المعاقل «اللبنانية» والشرعية. وقد ضلّت بفعل خطابها التمرّدي، فرفضت سياسة «الانعزالية» التي انتهجها النظام القائم، في حين أن هذه السياسة حافظت على جنوب لبنان من اجتياح إسرائيلي. لكن ماذا كان بوسعنا أن نفعل؟ كُتب علينا أن نُحتل عاجلًا أم آجلًا من قِبل قوى أجنبية. مع فارق واحد، هو أننا اليوم في حالة حرب لا بدافع التضامن العربي، بل للثأر لإستشهاد المرشد الأعلى الإيراني. أحسنت، «بعد عشرين عامًا» وبما أننا في عين العاصفة، فلندع الأرقام تتحدث، ولنُقرّ بأن حزب الله قد تجاوز أرقامه لعام 2006. ففي حرب الثلاثة والثلاثين يومًا سُجّل 1200 قتيل، بينما اليوم، وفي الفترة الزمنية نفسها، نحصي بالفعل 1400 ضحية (2). أحسنت يا حزب! ولنواصل: إذا كان أكثر من 100 ألف مسكن قد دُمّر قبل عشرين عامًا، فإن التدمير هذه المرة كان منهجيًا، فسوّى أحياءً كاملة بالأرض، ومَحا قرى حدودية من الخريطة (3). ولإتمام المقارنة، نشير إلى أنه إذا كان النازحون الذين بلغ عددهم مليونًا في عام 2006 قد تمكنوا فور توقف القتال من العودة إلى منازلهم، فإنهم اليوم لن يستطيعوا ذلك في الوضع الراهن: إذ إن نزوح 1,200,000 شخص منذ الشهر الماضي قد يصبح دائمًا. ويُتوقّع الآن، كما يقول أحد المراقبين، حدوث تحوّل دائم في الأرض وإعادة تشكيل للمجال الجغرافي. أي إعادة ترتيب جغرافية للجنوب تقوم على«تفكيك المناطق الشيعية» عبر قطع طرق التواصل. والفكرة هي إقامة منطقة عازلة ربما تمهيدًا لضمّ تدريجي. أحسنت مرة أخرى يا حزب! الغرب، محرابنا! منذ الاستقلال، اختار لبنان أن يتميّز وأن ينفصل عن مجموعة الدول المجاورة التي كانت تتخبط في تخلفها وخطابها القومي. ومن دون أن نتنكر لأصولنا الشرقية، ولا للأخوة العربية، بل بثقة كبيرة، تطلعنا نحو الغرب الذي اتخذناه نموذجًا ومحرابًا. وكانت دولتنا تتحفّظ على المشاغبين الأيديولوجيين، كما على الخطباء المتحمسين ودعاة الحروب. وكان هذا الفارق بيننا وبين الدول العربية المجاورة هو ما ميّزنا، وضمن على أرضنا ازدهار الحريات الشكلية وحرية المبادرة الاقتصادية. وهي أمور كانت محظورة تمامًا في عهد جمال عبد الناصر، وفي ظلّ حافظ الأسد وابنه، وكذلك في عهد صدام حسين. غيرأن هذه الخصوصية اللبنانية عُدّت خيانة عظمى في نظر بعض الأحزاب السياسية وشريحة واسعة من شعبنا. ففي عام 1956، استطاع الرئيس كميل شمعون أن يرفض قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة وفرنسا اللتين تورطتا في عدوان السويس. لكن ابتداءً من عام 1990، لم يعد لدينا ما نواجه به، فاصطففنا نهائيًا إلى جانب دمشق... ومنذ ذلك الحين، وعلى الرغم من سقوط النظام البعثي، لا نزال نكافح للخروج من المأزق. ولنقولها بصراحة، لم ننتهِ بعد من حزب الله. فمن مواجهة إلى أخرى، يمعن في التفوق على نفسه: فهو ينتقل من كارثة إلى أخرى! 1-وقد قالت غولدا مائير للملك حسين: «كان كل ذلك سيبقى لكم لو لم تتدخلوا في 6 حزيران!» 2- وحتى اليوم، تجاوز عدد القتلى ألفي قتيل، هذا دون احتساب الجرحى والمعوقين مدى الحياة. 3- وسيكون لدينا متسع من الوقت لإجراء الإحصاء الكامل .

السيد الذي أنار الدرب
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

خمس سنوات على رحيل السيد محمد حسن الأمين.. ولا يزال فكرُه وإرثُه، كمرجعية شيعية عاملية وكيانية، يتصدران المشهد اليوم أكثر من أي وقت مضى. منذ خمس سنوات، في العاشر من أبريل 2021، فارق العلامة الشيعي محمد حسن الأمين الحياةَ في صيدا، بعد أن ألمّ به كوفيد في الخامسة والسبعين من عمره. كان لبنان يتهاوى منذ أمد بعيد أمام عينيه — واستمر في الانهيار بلا هوادة بعد رحيله. ولعل المنية، الكريمة ربما بسخاء متناقض هذه المرة، قد أتاحت لهذا الرجل الحكيم الوديع — كما فعلت قبله بعقد تقريباً مع صديقه هاني فحص — ألّا يُعذَّب أكثر أمام المشهد المرعب للاحتضار المتواصل لبلاد الأرز، واحتضار الطائفة الشيعية معه. والأرجح أن الفناء حيّته تحيةً أخيرةً رقيقةً إذ اختطفه من هذا العالم قبل أن تبدأ نبوءاته الأشد سواداً في التحقق بهذا القدر من الدقة. وربما يكون الأمر مجرد ذلك العزاء الأخير الذي يتيح لنا الصمود حين تتداعى المعالم الأساسية التي أرست شيئاً فشيئاً رؤيةً سياسيةً كاملةً قوامها الاعتدال والتعايش والسلام. بعد خمس سنوات، تحمل أنقاض البلد بالضبط تلك الخطوط التي رسمها محمد حسن الأمين. وإعادة قراءة نصوصه اليوم تفضي إلى ضرب من الامتنان المتأخر لشجاعة الاستبصار التي اضطر إلى توظيفها في صميم مجتمعه، في مواجهة الحرس البريتوري الذي نصّب نفسه حارساً عليه، وباسم صورة لمجتمعه كان هؤلاء الحراس يعمدون إلى تشويهها بصورة منهجية. رجل النجف وصيدا وُلد عام 1946 في شقراء، في قلب جبل عامل، في كنف أسرة تمتد سلالتها الدينية عبر أجيال متعاقبة — إذ كان المرجع الكبير محسن الأمين، صاحب “أعيان الشيعة”، من بين أجداده —، فغادر في الرابعة عشرة من عمره طرَف العالم ذاك نحو أزقة النجف العلمية، حيث أمضى اثني عشر عاماً مستغرقاً في الفقه والفلسفة والموروث، دون أن يتوقف قط عن قراءة ما لم يقرأه أشداء الحظر في العادة: تاريخ الأديان، والنصوص الكبرى لعصر النهضة الأوروبية، وابن رشد مقروءاً من الهوامش، وجمال الدين الأفغاني منبعاً لتساؤلات لا تنضب. وعاد عام 1972 حاملاً خليطاً دقيقاً من الشك الخلّاق، والقدرة على الفصل بين الإلهي والبشري دون إنكار أحدهما لصالح الآخر، والاقتناع بأن الفقه دون معرفة عميقة بالتاريخ ليس في الواقع سوى امتداد لا نهائي، وتجديد مأساوي للماضي. قاضياً شرعياً في صور ثم في صيدا، وحضوراً فكرياً في مدينة ذات أغلبية سنية يسكنها دون الاحتماء بالعزلة الطائفية، كان محمد حسن الأمين يُحيي “ملتقى الثلاثاء”، تلك الأمسيات الأسبوعية في بيته التي يتلاقى فيها الشعراء والسياسيون، ورجال الدين والعلمانيون، وحيث كان المطران سليم غزال يأتي ليتبارز مع السيد في صداقة لم تكن لتتزعزع لا أمام الانقسامات الطائفية ولا أمام الصدوع السياسية. من صيدا، شيّد محمد حسن الأمين بذلك شخصية فكرية فريدة في المشهد الشيعي اللبناني، تُعلي من شأن الاعتدال والعدالة والحرية وثقافة الحياة في وسط طائفي يزداد فتكاً وشمولية، وترفض التضحية بأيٍّ منها باسم عقيدة أو أيديولوجية أو بلاغة شعبوية زائفة. فقد أدرك الرجل إدراكاً تاماً أن المسألة التي يطرحها لبنان منذ قرون تكمن في هذه الجدلية بعينها: تحرير الدين من السياسة التي تسعى باستمرار إلى مصادرته. مُصلحٌ حتى النخاع، في روح التقليد العاملي اللبناني الذي كان من أبرز مرجعياته، في أثر الإمام محمد مهدي شمس الدين. أما الموجة البنية التي كانت تجتاح محيطه؟ فقد كان محصّناً منها تحصيناً تاماً. مقاوم في مواجهة المقاومة المصادَرة غير أن السيد كان مقاوماً. لم يكن بإمكان أحد أن يطعن في شرعيته على هذا الصعيد. فقد آوى راغب حرب في منزله الصيداوي. وأخفى عبد اللطيف الأمين في خضم السنوات المظلمة من الاحتلال الإسرائيلي. واعتُقل في يوليو 1984 وأُبعد إلى بيروت من قِبَل أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. بيد أنه كان يؤمن إيماناً راسخاً بمبدأ مقاومة وطنية لبنانية كان يميّزها بعناية، ومنذ أمد بعيد، عن المقاومة المسلحة الطائفية. وقد ارتكز هذا التمييز على قناعة بنيوية تستند إلى أنثروبولوجيا ولاهوت، مفادها أن المقاومة لا قيمة حقيقية لها إلا حين يحملها شعب وتنتسب إلى مشروع دولة، بدلاً من أن تُسلَّم لحزب-مليشيا ينتهي دائماً، بعد أن يحتكر الحرب، إلى احتكار السلام والتمثيل والحياة والموت لمن يدّعي الدفاع عنهم. وقد صرّح بذلك دون مواربة في مقابلة أجرتها معه ساندرا نجيم من “لوريان لو جور” في يوليو 2015، حين كان التورط الميليشياوي لحزب الله في سوريا ينكشف نهائياً عن طبيعته الحقيقية من تحت طبقات الخطاب التي كانت تُغطيه: “لا تستطيع المقاومة في لبنان أن تستوفي شروط نجاحها دون وحدة لبنانية، ودون جيش قادر على مواجهة العدو، ودون مؤسسات الدولة التي تشكّل مرجعيةً للشعب اللبناني.” وأضاف بعدها، بصراحة كانت، على لسان سيد شيعي محترم، ضرباً من الشجاعة المثالية: «بتحوّله إلى عماد للنظام السوري، الذي لا يختلف بأي وجه عن سائر الديكتاتوريات القمعية في المنطقة، تنحرف المقاومة عن مسارها تدريجياً.” والممانعة، ذلك المحور المشهور الذي كانت دعاية حزب الله ترفعه شعاراً مقدساً؟ “أين هي بالضبط؟ لا أراها.” كان الرد، في هدوء تام، يُحيل الأسطورة التأسيسية لحزب الله إلى شظايا في ما يخص النضال دفاعاً عن المظلومين. التشخيص واكتماله شكّل اشتراك حزب الله في الحرب السورية دليلاً إضافياً على أن الحزب حوّل الطائفة الشيعية اللبنانية إلى وقود لمشروع كفّ عن أن يكون شيعياً بالمعنى الذي تحمله تقاليد جبل عامل، ليصبح فارسياً في غاياته الإسكاتولوجية ومرتزقاً في آلياته الأرضية. وكان صيف 2006 قد كلّف كثيراً أصلاً، وظل الحكم قابلاً للطعن فيه تجاه “الانتصارات الإلهية” التي أذاعها الحزب. أما العقد السوري فقد كان قد شرع في توقيع البداية الحقيقية للنهاية... قبل أن تأتي صواريخ سبتمبر 2024 ثم صواريخ مارس 2026 لتكتب فصله الأشد وطأةً ومأساوية. كان محمد حسن الأمين يمتلك تلك الموهبة الفريدة في صياغة الحقائق التي يأبى محاوروه سماعها دون أي مرارة، وفي وضع التشخيص على الطاولة دون أن يتلذذ بالجرح الذي يُحدثه. ذلك الحزن الصافي للطبيب الذي يرى المرض يتقدم لأن المريض يرفض العلاج، ويواصل مع ذلك تكرار الوصفة يوماً بعد يوم، وإن علم أن من يصغون إليه يتضاءلون. ذاك كان موقفه الفلسفي، وذاك ما كان يسري في نصوصه. ولاية الفقيه أساساً للشرعية السياسية؟ لقد أمضى حياته كلها يُثبت أن الحكم، في التقليد الإسلامي المفهوم على وجهه الصحيح، ينتمي إلى دائرة الشؤون الإنسانية لا إلى الولاية الإلهية، وأن الدولة تنشأ في رحاب المباحات، وأن خلط الشريعة بهندسة السلطة السياسية إنما يرتكب الخيانة ذاتها التي ارتكبها معاوية في زمانه: سرقة العدل باسم العدل. الديمقراطية نقيضاً للإسلام؟ لقد حرص على إثبات أن الديمقراطية تعمل بوصفها آلية، وأن مبدأ الشورى القرآني لا ينتظر سوى ترجمته إلى مؤسسات، وأن المسلمين فوّتوا قبل أربعة عشر قرناً فرصةً تاريخيةً لاختراع الديمقراطية قبل الأوروبيين. كربلاء في مواجهة عبادة الاستشهاد لم يعد السيد حاضراً ليشهد انتحار الفرقة المسلحة التي دمّرت جبل عامل برمته وأسلمته للعدو، ودفعت دون وجل إلى تهجير سكانه قاطبةً، لأعظم مجد الفقيه. يخرج حزب الله اليوم من رماد انهياره العسكري. غير أنه في أنقاض هذه الكارثة المتصاعدة الدخان، تواصل البلاغة الاستشهادية عملها، كأن ثقل الكارثة عاجز عن كسر الدائرة الشيطانية لأيديولوجيا الموت. تلك الأيديولوجيا التي حاربها الأمين طوال حياته، باسم كرامة الحياة السامية، مقتنعاً بأن التشيع، كما تصوّره منذ قراءاته في النجف حتى محاضراته الأخيرة في صيدا، يطرح نفسه قبل كل شيء بوصفه مشروع تحرر إنساني، قبل أن يُوظَّف برنامجاً للتضحية الشعائرية في خدمة الطموحات الإمبريالية لطهران. عبادة الموت البنيوية تلك، التي تحوّل الهزيمة نصراً روحياً والدمار تضحيةً تأسيسية، تحتل القلب اللاهوتي لمنطق حزب الله، دون أن يمتلك أحد داخل المنظومة الأدوات المفاهيمية للخروج منها. ذاك ما أدركه الأمين في قراءته الجديدة لكربلاء بوصفها نداءً إلى عدم تحمل الظلم أبداً، ورفض الخضوع للطاغية، والتمييز بين الشهادة والسعي القسري إلى الاستشهاد المُتَّخَذِ غايةً في ذاتها. ففي محاضراته عامَي 1992 و1993 في طيردبا، كان يقلب شعار “كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء” ضد القراءة السائدة التي كانت المليشيا ومادحوها يروّجون لها. فهذا الشعار، كما كان يشرح، يعني أن النضال من أجل العدالة يُطرح في كل عصر وفي كل مكان، وأن الوفاء الحق للإمام الحسين هو بناء العالم الذي كان يطمح إليه. ومن ثم، فإن تكرار مشهد استشهاده إلى ما لا نهاية يخون بالضبط ما أراد تبليغه. لكن كيف يمكن إقناع جمهور رُضع منذ مهده الفكرةَ الثابتة المخدِّرة بأن الحياة الحقيقية تمر بالاستشهاد؟ الإرث والبوصلة ما يجعل فكر الأمين لا يُعوَّض في لبنان اليوم يكمن في جودة البديل الذي طرحه والذي لا يزال قيد البناء. تشيع محرَّر من وصاية جهاز عسكري صادر قرار الحرب والسلم عن مجتمع بأكمله دون أن يستأذنه قط، وفرض مصيره على طائفة بتأسيس هيمنة بالسلاح في خدمة مشروع غريب عنها. إن إرث محمد حسن الأمين، أكثر من أي وقت مضى، هو إرث هوية شيعية لبنانية مضيئة متألقة، أولويتها لبنان وتراث جبل عامل، يُعادان قراءتهما بعيداً عن العبودية السياسية التي تفرضها عليهما ولاية الفقيه منذ 1979. رؤية للدولة بوصفها مشروعاً مشتركاً للعدالة والحرية، يتخطى الانتماءات الطائفية ويحتضن التعددية اللبنانية في بنية مدنية قائمة على القانون والديمقراطية، بعيداً عن السلاح وتجارة المخدرات والممارسات المفيستوفيلية الموروثة عن الحشاشين. هذه الرؤية اللبنانية بناها محمد حسن الأمين، رجل الدين والفيلسوف والكاتب والشاعر، في الممارسة اليومية لرجل بسيط زاهد دافئ، كان يسكن مدينةً ذات أغلبية سنية، ويجلس في مجالس وطنية جامعة، ويستقبل بذراعين مفتوحتين، في روح التعايش التي ميّزت لبنان الكبير، رجال دين موارنة ومثقفين علمانيين، ويقرأ محمد أركون باهتمام يعادل اهتمامه بالشهيد الصدر، رافضاً أن تملي عليه مكانته وقناعاته الدينية طبيعة علاقته بمواطنيه. القرب، والاشتباك وجهاً لوجه مع الآخر، والاقتناع بأن الإسلام يُشكّل تراث الحضارة الإنسانية بمفهومها الأشمل... كل ذلك جعل منه ضرباً من الفقيه المثقف، من المجتهد الإنساني، الذي لم تُعِق تقاليده العميقة قط حرية تفكيره وكونَه مع الآخرين ومن أجلهم. “شيعة العقل والضمير”. تلك هي الطريق التي يقترحها محمد حسن الأمين، في ركب أسلافه المشهود لهم بالفضل من جبل عامل، على الشيعة اللبنانيين. إنه مشروع للمستقبل. للطائفة الشيعية، كما هو الحال أيضاً لجميع الطوائف اللبنانية، الحائرة اليوم، المبتلاة بأعنف التشنجات الهوياتية، كما يحدث دائماً في أوقات الأزمات. كأصدقائه محمد مهدي شمس الدين وهاني فحص ونصير الأسعد ومحمد حسين شمس الدين وسواهم الكثيرون، فإن إرث محمد حسن الأمين يذكّرنا بأن البوصلة هي دولة لبنان الكبير وطناً نهائياً لجميع أبنائه، سيداً حراً مستقلاً متعدداً. في صمت الأبدية، لا يزال ينتظر — الآن أكثر من أي وقت مضى — أن يُسمَع.

ضباب ال " لا انتصار " (2/2)
بقلم
ريان البصير
نُشر

أثبت الجزء الأول من هذا التحليل أن لا الولايات المتحدة ولا إيران خرجتا من ستة أسابيع من الحرب بانتصار استراتيجي. يفحص هذا الجزء الثاني ما تعنيه هذه النتيجة المعلّقة للأطراف التي باتت مضطرة إلى العيش مع تداعياتها: إسرائيل، ولبنان، وتركيا، ودول الخليج، والتحالف الغربي في سياقه الأشمل. ما يلي استعراض للتناقضات والحسابات الخطرة التي ترسم الفصل الإقليمي المقبل. إسرائيل: عقيدة التعطيل الدائم دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي الحملةَ على إيران بوصفه مهندسها الأول ومدافعها الأبرز، وها هو يخرج منها محاصراً بالضغوط من الجانبين في آنٍ واحد. فمن جهة، يقف الصقور العسكريون والسياسيون الذين أرادوا مواصلة العمليات رغم الإنذار الأمريكي بوقفها، ويرون أن وقف إطلاق النار، شأنه شأن الاتفاق اليمني من قبله، قد جعل إسرائيل أكثر انكشافاً لا أكثر أماناً. ومن جهة أخرى، معارضة متجددة القوى لم تتوقف عن وصف استراتيجية نتنياهو — تصعيد دائم بلا أفق سياسي — بأنها وصفة لحرب لا تنتهي لا لأمن يدوم. وتحت هذه الضغوط السياسية تكمن عقيدة أمنية عرفت تحولاً جوهرياً منذ السابع من أكتوبر. في أعقاب هجمات حماس المباشرة، انتقلت إسرائيل من الردع إلى الوقاية، منطلقةً من مبدأ أن العمل العسكري الاستباقي، لا التهديد الموثوق بالانتقام، هو الكفيل الوحيد الفعلي للأمن الإسرائيلي. كانت غزة أول تطبيق واسع النطاق لهذه العقيدة، وكشفت نتائجها عن قيد مركزي لا مفر منه: القوة الساحقة قادرة على تدمير البنى التحتية وتصفية القيادات، لكنها عاجزة عن إنتاج سيطرة سياسية مستدامة أو إيقاف عملية التجدد التدريجي. فقد نجا حماس بوصفه فاعلاً سياسياً. تحتفظ إسرائيل بهيمنة عسكرية غير متنازع عليها على القطاع دون أن تحكمه، مما يعني أنه وإن كان التهديد الفوري على البلدات المحيطة قد جُرِّد من خطورته، فإن شروط تجدد حماس المحتمل لم تُعالَج. وتجمع العقيدة المعدَّلة الآن بين مناطق عازلة منزوعة السلاح وجهود مستمرة للإبقاء على الأطراف المعادية مشغولةً بصراعاتها الداخلية. والهدف ليس إدارة هذه الأراضي بل منع أي تهديد عسكري متماسك من التجمع داخلها من جديد. إنها عقيدة التعطيل الدائم لا انتصار حاسم وآني. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن نحو 22% فقط من الإسرائيليين يرون أن بلادهم أو الولايات المتحدة قد فازت بهذه الحرب، فيما لا يتجاوز الراضون عن نتائجها الإجمالية 32%، في حين يواصل 79% دعمهم للعمليات العسكرية في لبنان. وفي الأرجح أن الانتخابات التشريعية الإسرائيلية عام 2026 ستعمّق هذه التوترات لا أن تحلّها، إذ سيواجه القادة السياسيون ناخبين يطالبون بضمانات أمنية ملموسة لا بمعايير استراتيجية مجردة — وهو ما سيُبقي زخم العمليات العسكرية في لبنان حتى نزع سلاح حزب الله بالكامل، مدعوماً بضغط دبلوماسي مستمر على الحكومة اللبنانية وضربات مستهدفة متواصلة ومناطق عازلة مصممة لمنع الحزب من استعادة وضعيته العسكرية ما قبل 2023. وثمة كلمة لا بد منها في شأن التوسع الجغرافي. الهدف العسكري المُعلَن لإسرائيل هو إقامة مناطق أمنية عازلة في صورة محيطات متقدمة تهدف إلى إبعاد التهديدات عن الحدود القائمة، ولذا لا يمكن لإسرائيل أن تبحث في ضم أراضٍ جديدة إلى سيادتها. فضم الأراضي اللبنانية الجنوبية بصورة نهائية سيقرّب المدنيين الإسرائيليين من القدرات المتبقية لحزب الله لا أن يُبعدهم عنها، وهو النقيض الحرفي لما تقتضيه عقيدة الوقاية. والسجل التاريخي يعزز هذه القراءة: انسحبت إسرائيل من سيناء في ثمانينيات القرن الماضي، ومن جنوب لبنان عام 2000، ومن غزة عام 2005. والاستثناء الوحيد هو هضبة الجولان، المضمومة رسمياً والمعترف بها لاحقاً من قِبَل الولايات المتحدة في ولاية ترامب الأولى إثر ضغط لوبي مكثف من المجموعات الموالية لإسرائيل في واشنطن. أما مشروع “أرض إسرائيل الكبرى” بمعناه الشامل، فلم يُفضِ قط إلى خريطة واحدة متفق عليها، حتى في أوساط أشد التيارات يمينية في إسرائيل. ولو كان التوسع الجغرافي هو المحرك الفعلي للسياسة الإسرائيلية، لما أمكن تفسير الانسحابين من غزة وجنوب لبنان، وكلاهما يرد في بعض إصدارات تلك الخريطة على الأقل. لبنان: بين أمل تبدَّد وكارثة معلَّقة في الداخل اللبناني، اكتسى المشهد الذي بدا منذ عام قائماً على تفاؤل حذر بظلالٍ قاتمة. كانت حكومة نواف سلام التي تشكّلت مطلع 2025 موعودة بحق: أول حكومة لبنانية منذ ثلاثين عاماً تحذف معادلة “الشعب والجيش والمقاومة” الشهيرة من بيانها الوزاري، فتُسقط بذلك عن حزب الله غطاءه السياسي الرسمي. وبدأ الجيش اللبناني انتشاره جنوب الليطاني للمرة الأولى منذ عقود. وبدا الحزب، الذي أنهكته حرب 2023-2024 مع إسرائيل وتصفية قيادته، لوهلةٍ كأنه أُحكمت السيطرة عليه فعلاً. غير أن أداء الحركة منذ قرارها الانضمام إلى الحرب في الثاني من مارس يُثبت بجلاء أنها لم تتوقف لحظة عن إعادة بناء نفسها وتكييف أسلوبها، متحولةً نحو عقيدة قتال أكثر تشتتاً وأقرب إلى أسلوب حرب العصابات. والأهم من ذلك أنها تسعى اليوم إلى توظيف التراجع الأمريكي تجاه إيران لإعادة بناء شرعيتها الداخلية، مستخدمةً هذه اللحظة لإحباط أي عودة محتملة إلى ترتيبات ما قبل الحرب أو إلى الشروط السياسية-العسكرية التي جرّدتها سابقاً من غطائها الحكومي الرسمي. ويقيّم الحزب بنشاط السبل الكفيلة بتهميش خصومه السياسيين وإضعافهم، أولاً بالوسائل القانونية والبرلمانية، وإن عجزت هذه عن تحقيق الغاية، فبالاغتيالات والتصفيات الموجّهة من النوع الذي عرفه لبنان بين عامَي 2005 و2013. والنظام التوافقي اللبناني المبني على توزيع صارم للسلطة الطائفية يجعل أي عمل حاسم ضد طرف بعينه أمراً بالغ الصعوبة. وفي هذا السياق المشحون تتشكّل أزمة نزوح تطال أكثر من مليون شخص مُقتلَع من بيئته، غالبيتهم من مجتمعات محسوبة على حزب الله أو مرتبطة به. وتصرّ إسرائيل على منع عودة هؤلاء إلى جنوب لبنان قبل نزع سلاح الحزب كلياً. وتواصل الحكومات المانحة المحتملة تعليق دعمها على معايير نزع سلاح يرفض الحزب استيفاءها. وتتحفّظ حكومات الخليج تحديداً على تمويل دولة خاضعة لنفوذ حزب الله، إن صحّ افتراض أن التداعيات الاقتصادية للحرب في بلدانها ستسمح لها بالعطاء بالسخاء ذاته كما كان معهوداً منها. والنتيجة، الماثلة للعيان بالفعل، أزمة نزوح مديدة في بلد يتدحرج نحو كارثة معلّقة مماثلة لغزة: بلد عاجز عن النهوض لأنه مدمَّر، وعاجز عن أن يُحكَم لأنه مسلَّح، وعاجز عن إيجاد مخرج وحيداً لأنه منقسم. تركيا: قوة محورية في فراغ إقليمي لا تُفضي إيران المُضعَفة بالضرورة إلى استقرار المنطقة. إنه يخلق فراغاً. قبل اندلاع الحرب على إيران، كانت أنقرة أصلاً القوة الخارجية المهيمنة في سوريا ما بعد الأسد. وقد عجّل انحسار النفوذ الإيراني بتصدّر تركيا لأي نظام إقليمي محتمل — في سوريا والعراق، وفي كيفية تشكّل الرأي السياسي الإسلامي على وجه الخصوص. وتضع هذه القوة المتنامية تركيا على مسار تصادمي متصاعد مع إسرائيل. وقد بات المسؤولون الإسرائيليون أكثر صراحةً في الإشارة إلى تركيا بوصفها تهديداً استراتيجياً ناشئاً، لا سيما في سوريا حيث تمسك أنقرة بأوراق أكثر من أي طرف آخر. لقد غدا السؤال عن دور تركيا بوصفها قوةً إقليمية محوريةً في مرحلة ما بعد الحرب على إيران إجابةً لا سؤالاً: إنه واقع راسخ. الخليج: ثلاثة تحديات على عقد اجتماعي مُجهَد امتصّت دول مجلس التعاون الخليجي الصدمة الاقتصادية الأكثر مباشرةً من هذه الحرب. يقوم العقد الاجتماعي لدول الخليج — الوعد الضمني برخاء شبه غير محدود مقابل الولاء السياسي للأسر الحاكمة — على اقتصاد إقليمي مستقر ومزدهر ومترابط، وهو عقد يرزح اليوم تحت الضغط. يواجه المجلس ثلاثة تحديات متزامنة، كلٌّ منها كافٍ للاستنزاف لو جاء منفرداً. الأول استعادة الثقة في النموذج الاقتصادي المبني منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو نموذج يعتمد على صادرات نفطية قابلة للتنبؤ وطرق عبور آمنة واستثمارات أجنبية هشّة أمام الاضطراب الإقليمي. والثاني البتّ في كيفية التعامل مع إيران الجريحة غير المنكسرة، التي ستحتفظ في شبه كل سيناريوهات وقف إطلاق النار بقدرة على تهديد البنية التحتية الخليجية من جديد — بين مهادنة تخاطر بتجريء طهران ومواجهة تخاطر بدورة أخرى من الدمار الاقتصادي. والثالث، وربما الأكثر إلحاحاً، إطلاق برنامج تعافٍ اقتصادي معجَّل. الغرب الغائب: خطأ استراتيجي سيظل يُذكر كانت السمة الأكثر لفتاً للنظر في السياسة الأوروبية والغربية طوال هذه الأزمة هي غيابها. بينما كانت الولايات المتحدة تحارب نظاماً لم يستثنِ أي مصلحة غربية، كانت الحكومات الأوروبية في معظمها تتفرج من المدرجات، مستغلّةً الأزمة الإيرانية لتصفية حساباتها السياسية مع إدارة ترامب بدلاً من مواجهة الواقع الاستراتيجي القاضي بأن التهديد الإيراني لا يقتصر على المصالح الأمريكية. سيُحفَر هذا في الذاكرة خطأً استراتيجياً عميقاً. فبصرف النظر عن الحكم على أساليب دونالد ترامب، تبقى الحقيقة الجوهرية ماثلة: إيران أكثر جرأةً تخرج من هذا الصراع في الوقت الذي يرزح فيه الخليج تحت ضغط مستمر على أسسه الاقتصادية. بتخيّرهم عدم الانضمام إلى الجهد الأمريكي لإضعاف إيران أو عدم دعمه ولو بالحد الأدنى، أسهم ا الأطراف الغربية المترددة فعلياً في ترسيخ توازن قوى أشد خطورة، توازن تتعاظم فيه الرافعة الإيرانية وتتآكل الردعية ويرتفع ثمن المواجهة المحتملة ارتفاعاً ملحوظاً. المنطقة الرمادية أفقاً استراتيجياً لن تظل القدرات غير المتماثلة المتبقية لإيران خاملةً ريثما تسير المفاوضات الدبلوماسية في مجراها. وفي غياب اتفاق يُقنع الرئيس ترامب، ثمة دوافع استراتيجية صلبة تحمل الولايات المتحدة وإسرائيل معاً على الإبقاء على نمط عمليات مستهدفة. بيد أن الأطراف الثلاثة — والخليج معها — لا تستطيع تحمّل العودة إلى حرب مفتوحة كتلك التي اشتعلت في مارس ومطلع أبريل 2026. الغاية من استراتيجية المنطقة الرمادية المتشكّلة هي تعطيل عملية إعادة التسليح النووي والصاروخي الإيرانية، واستنزاف البنى المتبقية للوكلاء، وإيصال الرسالة عبر الفعل بأن كلفة إعادة البناء ستبقى مرتفعة. وقد أثبتت عمليات المنطقة الرمادية — ضربات دقيقة وتعطيل إلكتروني وعمليات استخباراتية — ديمومةً في تأثيراتها تفوق الحملات العسكرية المتفجّرة، تحديداً لأنها تحرم الخصوم من البيئة المستقرة التي يحتاجونها لإعادة البناء. والضبط الاستراتيجي المبني على رجاء حل المفاوضات للقضايا الهيكلية لن يفعل، في ضوء المعطيات الراهنة، سوى منح إيران ووكلائها متّسَعاً لإعادة التسليح. فالنمط تكرّر مراراً بما لا يسوّغ توقّع نتيجة مغايرة هذه المرة. أما سيناريو الاختراق الدبلوماسي الشامل الذي يُسوّي الملف النووي ويُطوّق شبكة وكلاء إيران وينتج نظاماً جديداً مستقراً وقابلاً للتطبيق، فكفيل حقاً بتغيير المعادلة الإقليمية. لكنه أقل النتائج احتمالاً في ضوء المعطيات الراهنة. إذ يفترض مستوى من الاستثمار السياسي الأمريكي المتواصل عجزت واشنطن باستمرار عن الحفاظ عليه في أعقاب حملاتها العسكرية. ويفترض أن تقبل القيادة الإيرانية لما بعد الحرب بتنازلات رفضتها سابقتها صراحةً. ويفترض حزب الله مستعداً لنزع سلاحه شرطاً لإعادة إعمار لبنان، وهو ما أشار الحزب مسبقاً إلى أنه لن يقبل به. الفاعلون الإقليميون أكثر يأساً وأقل قدرةً على التنبؤ، والثقة اللازمة لأي تسوية دائمة أنهكتها عقود من الاتفاقات المُنتهَكة والمواقف المبنية على سوء النية من كل الجهات. خاتمة: اللايقين وحده أفق مشترك المرحلة الجديدة من الأزمة الشرق-أوسطية التي لا تنتهي لا تتحدد بفائز واضح ولا بخاسر محدد. تتحدد باللا يقين — في إسرائيل والولايات المتحدة وعموم الخليج ولبنان — وبإجماع ضمني بين الفاعلين الإقليميين على أن الوضعية التشغيلية الأكثر أماناً، في المدى المنظور، هي تقديم المصالح عبر المواجهة منخفضة الحدة والضغط بالقنوات الخلفية والغموض الاستراتيجي، لا عبر المواجهة المفتوحة. الرهانات أعلى مما كانت عليه في أي وقت مضى، والفاعلون أشد يأساً مما كانوا.

 عون يعزز موقفه ويدين "النزعة الانتحارية" والولاء الأجنبي

للمرة الأولى منذ 28 فبراير/شباط، شهد لبنان يوماً من الهدوء: لا غارات إسرائيلية، ولا تبادل لإطلاق النار على الحدود الجنوبية، ولا قتال في القرى الحدودية التي يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي. الاستثناء الوحيد كان هجوماً إسرائيلياً بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل شخص واحد في كونين، جنوب لبنان. وينصبّ التركيز الآن على تقييم الخسائر البشرية - التي لا تزال تُنتشل من تحت الأنقاض - والأضرار المادية في الضواحي الجنوبية لبيروت، وكذلك في البلدات الجنوبية التي يسهل الوصول إليها، والتي عاد إليها النازحون بأعداد كبيرة. ويبدو للوهلة الأولى أن الهدنة التي استمرت عشرة أيام بين تل أبيب وبيروت، بوساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمثابة هدنة في حرب لم تنتهِ بعد، كما أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الأربعاء، إذ لا تزال الأسباب الجذرية للصراع المسلح قائمة. وقد اتخذ لبنان بالتأكيد خطوة هامة بإعلانه سلسلة من الإجراءات الرامية إلى إيجاد حل دائم للمشكلة التي يمثلها وجود ميليشيا مسلحة مستقلة على أراضيه، خاضعة تماماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية. مع ذلك، تواصل السلطات توخي الحذر الشديد في هذا الشأن، لأسبابٍ عديدة، أهمها الرغبة في الحفاظ على التوازن الداخلي المقدس وتجنب أي اضطرابات تُزعزع الاستقرار. تصريحات متباينة تعكس تصريحات الرئيس جوزيف عون، وهي الأولى منذ إعلان الهدنة، وتصريحات وزير الداخلية أحمد حجار، ولا سيما اللهجة التي استخدماها، هذا القلق. ولا يزال القادة اللبنانيون متمسكين بخطوطهم العريضة للسياسة الجديدة التي حددوها، ويتسمون بمزيد من التكتم بشأن آليات التنفيذ، التي تعتمد في نهاية المطاف على المحادثات الثنائية الجارية في واشنطن، بالإضافة إلى المحادثات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد. وقد سعى جوزيف عون وأحمد حجار، وكذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري، حليف حزب الله، إلى طمأنة الرأي العام بشأن أولوية التماسك الداخلي، متجنبين الخوض في قضايا خلافية كالتفاوض المباشر مع إسرائيل، الذي يجري التحضير له حاليًا برعاية واشنطن، ونزع سلاح حزب الله، الذي يُعدّ ضروريًا لتحرير لبنان من الهيمنة الإيرانية وخطر اندلاع حروب جديدة. أكد جوزيف عون، في رسالةٍ للأمة، أن العملية جارية بالفعل، وذلك بعد ساعاتٍ فقط من انتقاداتٍ لاذعةٍ من كتلة حزب الله النيابية للتوجه السياسي اللبناني الجديد. وقال: "اليوم، نتفاوض بأنفسنا ونتخذ قراراتنا بأنفسنا. لم نعد بيادق في أيدي أحد، ولا ساحة معركةٍ للآخرين". وأعلن منذ البداية: "لن نعود أبدًا إلى تلك الحالة"، مشيرًا إلى تأييد غالبية اللبنانيين لهذه السياسات. وهاجم رئيس الدولة حزب الله دون أن يسميه، منتقدًا خطابه الذي يصوّر "المقاومة" على أنها الحصن الوحيد للبنان، قائلاً: "لمن يُعرّضون مستقبل البلاد وشعبها للخطر، أقول: كفى! مشروع الدولة هو الأقوى والأكثر استدامةً والأكثر أمانًا للجميع". وتابع: "كلنا في مركب واحد. إما أن نصل إلى بر الأمان معًا، أو نغرق جميعًا، ولكن لا يحق لأحد ارتكاب مثل هذه الجريمة، تحت أي شعار، بدافع من نزعة انتحارية أو ولاء لقوة أجنبية"، في إشارة واضحة إلى إيران، التي ينتمي إليها حزب الله. علاوة على ذلك، لم يذكر جوزيف عون إيران، التي سارعت إلى ادعاء الفضل في إرساء الهدنة، عندما أشاد بالجهود "الدؤوبة" التي بذلها المسؤولون اللبنانيون والدول العربية، ولا سيما السعودية، والدول الغربية، والرئيس ترامب لفرض وقف إطلاق النار على إسرائيل. وفي حديثه إلى حزب الله، أكد أن المفاوضات المزمعة "ليست علامة ضعف ولا تنازلاً"، بل هي مدفوعة بالرغبة في حماية لبنان "بكل الوسائل، وقبل كل شيء، برفضنا التضحية بحياتنا من أجل أي أحد سوى لبنان". في هذا السياق، أكد الرئيس عون أن بيروت لن تتنازل عن أي حقوق، لا سيما حقوقها الإقليمية، مبدداً بذلك المخاوف من ترسيخ "المنطقة الأمنية" التي أقامتها تل أبيب في جنوب لبنان لحماية البلدات الواقعة شمال أراضيها. وبينما أكد الرئيس عون في وقت سابق على أهمية المحادثات "الحساسة والحاسمة" المقبلة مع تل أبيب، فقد اكتفى بتحديد أهداف الدولة اللبنانية في هذا الحوار، وهي "ترسيخ وقف إطلاق النار، وسحب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تتواجد فيها جنوباً، وبسط سلطة الدولة في جميع أنحاء البلاد، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين". "حركة أمل مع إسرائيل وتسوية النزاعات بين البلدين بشأن بعض النقاط الحدودية". لم يُذكر شيء عن نزع سلاح حزب الله، الذي يُعدّ مع ذلك محور المحادثات المقبلة. اكتفى رئيس الدولة بالوعد بنشر الجيش وقوات الأمن في الجنوب "بعد الانسحاب الإسرائيلي"، مؤكدًا أنها "ستضع حدًا للمظاهرات المسلحة وستكون القوات الوحيدة الموجودة على الأرض". على أي حال، يستعد لبنان لخوض مسار محفوف بالعقبات. في هذا السياق، لا يزال من غير الواضح ما هي الأجندة التي سيحملها المفاوض اللبناني، سيمون كرم، معه إلى واشنطن، ومن سيضعها. ينصبّ التركيز حاليًا على هذا العنصر، في ضوء التقارير التي تفيد بأن رئاسة الجمهورية هي الجهة الوحيدة التي تتولى هذه المسألة، استنادًا إلى اتصالات أُجريت مع ثنائي حركة أمل وحزب الله، المعروف بمعارضته للحوار المباشر مع تل أبيب. إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وعدت وزارة الخارجية الأمريكية، يوم الثلاثاء، بتمديد الهدنة لعشرة أيام إذا ما بدأت بشروط مواتية. بدأت الهدنة بنقطة مهمة: أولًا، أعلنت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، في خطوة قدمتها طهران كبادرة حسن نية مرتبطة بإعلان وقف إطلاق النار في لبنان. ووفقًا لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، سيكون هذا الممر البحري مفتوحًا أمام جميع سفن الشحن التجارية طوال فترة الهدنة في لبنان. وقد رحب الرئيس ترامب بالمبادرة الإيرانية، التي تخدم في الواقع غرضين تكتيكيين: فهي تُظهر انفتاحًا تجاه واشنطن في سياق الجهود المبذولة لإحياء المفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران. إلا أن الولايات المتحدة أوضحت أنها لن ترفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، على الأقل ليس قبل التوصل إلى اتفاق جاد مع طهران، التي كررت على الفور تهديدها بإغلاق مضيق جبل طارق، دون أن تنفذه. يعكس القرار الإيراني رغبة طهران في إظهار سيطرتها المستمرة على الوضع اللبناني، على حساب السلطات المحلية. وقد رد الرئيس جوزيف عون على ذلك بوضوح في خطابه للأمة. من جانبه، حرص دونالد ترامب، يوم الأربعاء، على التأكيد، عند مناقشة القضية الإيرانية، على أنها منفصلة عن القضية اللبنانية. وقد أوضح الرئيس الأمريكي هذه النقطة عندما أعلن على شبكته الاجتماعية "تروث" أن الولايات المتحدة تعتزم استعادة جميع "الرماد" النووي الناتج عن قاذفات بي-2 الأمريكية في إيران، دون أي تعويض مالي. وأوضح أن هذا الاتفاق، مثله مثل الاتفاق المتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، "لا يرتبط بلبنان"، وأن واشنطن "ستعمل بشكل منفصل مع بيروت لحل قضية حزب الله". تبادل التهديدات تتعلق النقطة الثانية المهمة بتبادل التهديدات بين حزب الله وتل أبيب، في وقت يبدو فيه أن خلافًا يلوح في الأفق بين إسرائيل وواشنطن بشأن التعامل مع القضيتين: لبنان وإيران. وقد صرح الرئيس ترامب بشكل قاطع بأن إسرائيل لن تهاجم لبنان بعد الآن، بينما أصر القادة الإسرائيليون على أن الحرب ضد حزب الله لم تنتهِ. أعلنت الجماعة الموالية لإيران أنها لا تزال متيقظة و"مستعدة للهجوم"، محذرةً إسرائيل من انتهاك الهدنة أو اغتيال أي من أعضائها. من جانبهما، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن تل أبيب لا تزال ملتزمة بتحقيق نزع سلاح حزب الله بالوسائل العسكرية والدبلوماسية. كما أكد كلاهما أن الجيش الإسرائيلي سيحافظ على وجوده في المنطقة التي يسيطر عليها حاليًا على طول الحدود، وسيواصل تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله هناك. وفي هذا السياق، جدد بنيامين نتنياهو تأكيده على أن طريق السلام لا يزال طويلًا. وقال: "بدأنا هذه الرحلة بيدٍ تحمل سلاحًا والأخرى ممدودة نحو السلام"، قبل أن يعلن أن بلاده "أنشأت لأول مرة منطقة أمنية على طول حدودها الشمالية بالكامل". امتد هذا الأمر الآن إلى جبل الشيخ، حيث كشف الجيش الإسرائيلي مساءً عن تنفيذه عملية عسكرية في اللحظات الأخيرة في لبنان، قبيل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس، بهدف السيطرة على موقع استراتيجي على جبل الشيخ. يقع هذا الموقع على بُعد 12 كيلومترًا من الجانب الإسرائيلي للجبل، الذي تتشاركه لبنان وسوريا وإسرائيل، و30 كيلومترًا من طريق بيروت-دمشق. ويطل بحسب الجيش الإسرائيلي أيضاً.على سهل البقاع بأكمله، وهو بعيد عن القرى اللبنانية في المنطقة.

انتصار "المقتنعين"
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

يعود مراهق شاب إلى منزله بفخر، معلنًا لوالديه نجاحه في الامتحان، ومقدمًا لهما ورقة علامته 3/20. علامة رسوب، بلا شك، لكنها بالنسبة للطالب، انتصار! ولماذا لا؟ أعلن حزب الله انتصاره في لحظة مشحونة نفسيًا، يوم الجمعة 17 أبريل، في أجواء احتفالية، حيث انفجرت فرحة أنصاره، مصحوبة بوابل من قذائف B7 وقاذفات RPG؛ أضاءت رشقات نارية من رشاشاتهم ذات الرصاص المتوهج السماء لأكثر من أربعين دقيقة. عرضٌ صوتي وضوئي مبهر فوق العاصمة، التي أُعلنت منطقة منزوعة السلاح قبل ساعات قليلة في مؤتمر... انتصار إلهي (مرارًا وتكرارًا) لن تشوبه بأي حال من الأحوال اعتبارات مثل الخسائر البشرية والمادية، مهما بلغت. بغض النظر عن الخسائر في الأرواح، والإصابات، والدمار، وسياسة الأرض المحروقة، واحتلال الجنوب، والتبعات الاقتصادية، وغيرها، طالما أن قادة الميليشيات، رغم تعليمهم ومعرفتهم، يروجون لهذه الخرافات ويروجون لها، بل ويصدقونها هم أنفسهم. وجود العقل لا يعني بالضرورة استخدامه. وهذا تحديدًا ما يجعل غسل أدمغة الآخرين أمرًا يسيرًا. لا يكتفي حزب الله باتخاذ القرارات نيابةً عن جميع اللبنانيين، بل يفكر أيضًا نيابةً عن أنصاره. فبينما قطع الجيش الإسرائيلي خطوط الاتصال بين الجنوب والشمال (عبر نهر الليطاني)، نجح قادة حزب الله في قطع الروابط العصبية لأتباعهم، لدرجة أن منطقهم (إن وُجد أصلًا) يجعل التشكيك في نصرهم بمثابة انحياز للعدو. أكثر من 2200 قتيل، وماذا في ذلك؟ هناك حروبٌ تكون فيها الأعداد أكبر بكثير، وبالتالي يُعتبر النصر نصرًا! أكثر من 40 قرية سُوّيت بالأرض، وماذا في ذلك؟ إنها مجرد حجارة، يمكن إعادة بنائها، إذن النصر! أكثر من عشرة كيلومترات من البلاد محتلة، وماذا في ذلك؟ في الخامس والعشرين من مايو، سنحتفل بيوم "التحرير"، وسيكون عطلة رسمية، إذن النصر! من المستحيل إذًا إقناع المهزوم بأنه مهزوم حقًا. وبما أن الواقع يبدو وكأنه متغير قابل للتعديل، فلماذا نتوقف الآن؟ يكفي تغيير الكلمات ومعانيها لتزييف الحقائق. بهذا المعدل، سيصبح كل تراجع تقدمًا استراتيجيًا، وكل خسارة دليلًا على مكسب، وكل هزيمة نصرًا مُساء فهمه، والسيادة مفهومًا مرنًا، والدمار شكلًا من أشكال الاستثمار، والموت حياة جديدة، وفوق كل ذلك، التفكير المستقل خيانة. ففي النهاية، عندما تُردد الكذبة بصوت عالٍ ولفترة طويلة، تصبح في النهاية حقيقة في نظر من توقفوا عن التدقيق. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق ليس أن بعض الناس يحاولون إعادة كتابة الواقع، بل أن الكثير من الناس يبدو أنهم مستعدون لتصديقه دون حتى إعادة قراءته.