شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
بين المفاوضات والميدان: هل من مجال للجمع؟

لا يمكن للبنان واللبنانيين مواجهة التحديات الماثلة أمام البلاد بهذا القدر من الانقسام حيال الخيارات الاستراتيجية الكبرى، خصوصاً مسألة كيفية التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي ومعالجة قضية حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب محق وبديهي ومعتمد في كل الدول، فليس ثمة دولة تقبل بوجود فصيل مسلح خارج عن سيطرتها قادر على إشعال حرب كبرى ليس دون موافقتها فحسب، بل دون مشورتها من الأساس! خطوط الانقسام اللبناني العامودي آخذة في التوسع، والشرخ بين اللبنانيين يزداد عمقاً، وتكاد الأدبيات السياسيّة اللبنانيّة تنحصر بين مهرول نحو سلام لم تنضج ظروفه بعد، وبين منكفئ يقود الميدان من دون قراءة المتغيرات الاستثنائية التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، من التفوق الإسرائيلي دون منازع، إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، إلى الحرب الأميركيّة- الإسرائيليّة- الإيرانيّة… أما مقولة أن من يفاوض هو ليس من يقاوم في الميدان، فهي مقولة صحيحة وتعرقل مسيرة المفاوضات الجارية في واشنطن، ولو أنها لا تزال في بدايتها، خصوصاً أن إسرائيل- في كل التجارب التفاوضيّة السابقة مع أطراف أخرى- لم تكن يوماً ممن يقدمون تنازلات بالمطلق، فكم بالحري تنازلات مجانيّة. وإزاء هذا الشرخ السياسي الخطير بين اللبنانيين، لا بد من استعادة بعض العناوين التي لا يمكن إغفالها أو اشاحة النظر عنها من الطرفين أو الأطراف المتباينة في الخطاب والموقف حتى العظم وفي طليعة تلك العناوين ما يتصل بالاقرار بأن ثمة اعتداءات إسرائيليّة تاريخيّة في لبنان وأن الحروب المتتالية التي شنتها على اللبنانيين لم تكن تتصل حصراً بتحقيق الأهداف التي أعلنتها مثل (إخراج الفلسطينيين في السابق والقضاء على حزب الله راهناً). ثمة انتقام إسرائيلي واضح من لبنان، من المدنيين فيه (وصور الأربعاء الأسود في 8 نيسان/ أبريل 2026 لا تزال ماثلة أمامنا)، من قراه ومدنه، من بناه التحتية، من مستشفياته، والأهم من كل ذلك، من تجربته التعدديّة التي تناقض الآحاديّة الإسرائيليّة وتعكس ثراء المجتمع اللبناني الذي- رغم كل الصعوبات- يفاخر بتنوعه، بعكس المجتمع الإسرائيلي الذي ينادي بتفوق عنصر واحد فيه ويتعامل باستعلاء واستخفاف شديدين مع العناصر الأخرى. أما العناوين الأخرى التي لا بد من الإقرار بها هو عودة الاحتلال إلى أرض الجنوب، وابتداع ما سُمّي "الخط الأصفر" تيمناً بقطاع غزة، وبالألوان الأخرى التي تعتمدها إسرائيل في تقطيع أوصال الضفة الغربيّة وزرع المستوطنات فيها. هناك 55 قرية باتت عملياً تحت الاحتلال وهذا تراجع خطير إذا ما قيس بالانجاز الوطني الكبير الذي تحقق في العام 2000 ألا وهو إنسحاب كامل دون قيد أو شرط ودون معاهدة سلام أو حتى اتفاقيّة ترتيبات أمنيّة. ولكن المشكلة لا تكمن فقط في الإقرار بهذه العناوين، بل أيضاً في البحث الجدي في سبل التعامل معها سواء أكان عبر المقاومة المسلحة أم عبر التفاوض السياسي. والمعضلة تكمن أيضاً في أنه لا يجوز ألا يستفاد في التفاوض السياسي من ورقة الميدان، وكما أنه من غير المنطقي أن يكون الميدان منعزلاً تماماً عن التفاوض السياسي. في مجال المفاوضات، من المفيد مواصلة العمل على فصل المسار اللبناني عن أي مسار آخر. يكفي لبنان ربط مساراته ومصيره بمسارات أخرى، وتجربة "توأمة" المسارين اللبناني والسوري في حقبة الوصاية لا تزال ماثلة أمام اللبنانيين، وأثبتت تماماً أنها لم تكن في مصلحة لبنان لا من قريب أو من بعيد. ولكن، باستطاعة المفاوض اللبناني الاستفادة من ورقة الميدان بشكل أو بآخر، بدل الذهاب خالي الوفاض إلى واشنطن، وبدل أن تكون مقاربته تنطوي على شيء من الاستجداء واستدرار العطف. فإذا صدف أن اللحظة السياسيّة الراهنة تشهد إلتفاتاً أميركياً إلى لبنان يتمثّل في ضغط على الحكومة الإسرائيليّة لوقف إطلاق النار، فإنه لا بد من التنبه إلى أن شبكة المصالح الأميركيّة- الإسرائيليّة أكثر عمقاً وتجذراً من الحسابات اللبنانيّة المتواضعة. لبنان لن يستطيع أن يزاحم إسرائيل في "حب واشنطن"، فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. إلا أن الاستفادة من "ورقة الميدان" تتطلب أيضاً إقراراً من قبل حزب الله، ومن يقف خلفه، بأن مرحلة الانفكاك الكامل عن الدولة اللبنانيّة لم تعد مقبولة لبنانياً أو عربياً أو دولياً، ومن تجلياتها توريط لبنان في حروب لا تنتهي ولا طائل منها، وأن ثمة حاجة جديّة للعمل- وفق صيغة ما- تحت كنف الدولة. والأهم أن هذه الخطوة، لا تكفي لدعم موقف لبنان التفاوضي فحسب، بل تساهم أيضاً في رأب الصدع الداخلي وتنفيس الاحتقان والابتعاد عن احتمال الانفجار الأمني أو الاجتماعي الذي تتراكم عناصره رويداً رويداً. وإذا كانت صيغ الحوار الفضاضة من خلال طاولات الحوار الوطني لم تعد تجدي تنفعاً، فلا بد من ابتكار صيغ جديدة تراعي المتغيرات وتعزّز مناعة لبنان وتقطع الطريق أمام الاقتتال الأهلي في لحظة تتربص فيها إسرائيل لتأليب الطوائف على بعضها البعض، وهي لعبة لطالما لعبتها في الماضي. في هذا الإطار، تبرز الحاجة كذلك لأن يفرمل "معسكر السلام" إندفاعته بعض الشيء، سواء في الهرولة للتطبيع "الإعلامي"، أو في إثارة قضايا سابقة لأوانها تماماً ولا تعدو كونها تقدّم هدايا مجانيّة لإسرائيل منها مثلاً المقترح المتسرع في إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الذي أقر سنة 1955، وتجريم التعامل معها. لا يزال لبنان في حالة عداء حتى اللحظة، وإسرائيل ثبت ذلك يومياً أقله من الألفي شهيد وأكثر الذين سقطوا في الحرب الأخيرة. تماماً كما هو مطلوب من "معسكر المقاومة" الإقلاع عن التهديد بالفتنة والحرب الداخلية والانقضاض على سائر اللبنانيين بهدف "تأديبهم" والتلويح بورقة 7 أيار جديدة، وهي وصمة عار غير مبررة على من قام بها سنة 2008. كما هو مطلوب منه الامتناع عن إلصاق تهم العمالة والتخوين والصهينة بحق كل من يعارضه الرأي. قد يكون لبنان أمام فرصة تاريخيّة، وهذا صحيح. ولكن المسألة تتطلب دراية ووعي في طريقة إدارتها بدل التسرّع والتهوّر كي لا تنقلب الفرصة إلى لعنة تشعل فتيل الحرب الداخليّة مجدداً. من دون حوار ما بطريقة ما، سوف تتفاقم التوترات، وتصعب مهمة تحرير الأراضي المحتلة ووضع حد نهائي للحرب.

هل لبنان في مرمى النيران من جديد؟
بقلم
ريان البصير
نُشر

على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، تحوّل الموقف التفاوضي اللبناني بهدوء، غير أن هذا التحوّل ليس بلا دلالة. محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تجري في واشنطن، في ظل هدنة مدتها عشرة أيام بدأت في السادس عشر من أبريل، ومُدِّدت ثلاثة أسابيع في الثالث والعشرين منه بطلب لبناني. السياق الإقليمي والداخلي قد تغيّر، بيد أن الحكومة اللبنانية لم تتكيّف مع هذا التغيير على ما يبدو. خارج لبنان، وفي دول مجلس التعاون الخليجي تحديداً، يتنامى الإدراك بأن السعي إلى نزع سلاح حزب الله وإبرام معاهدة سلام شاملة مع إسرائيل لم يعد أمراً واقعياً. يرى الفاعلون الإقليميون البارزون أن مواصلة هذه الغايات ستُفضي على الأرجح إلى شرخ داخلي في لبنان، مُحيِياً المواجهة الطائفية التي يسعى الجميع إلى تفاديها. إن توصية مصر والمملكة العربية السعودية المستمرة للبنان بانتهاج نهج أكثر حذراً تجد سندها في نتيجة وقف إطلاق النار الذي أُبرم في الثامن من أبريل بين الولايات المتحدة وإيران، دون أن تُقدِم طهران على تنازلات ذات مغزى تتعلق ببرنامجها النووي أو ترسانتها الصاروخية البالستية أو دعمها لقوات الوكالة. وإذا كانت إيران قد مُنيت بأضرار جسيمة في بنيتها العسكرية التقليدية جراء العمل العسكري الأمريكي الإسرائيلي المشترك، فإنها احتفظت بمخزون معتبر من اليورانيوم المُخصَّب، الذي لا يبلغ حد السلاح لكنه يقترب منه بما يكفي ليظل رافعةً للضغط. كذلك احتفظت بترسانة صاروخية بالستية متبقية، خُفِّفت لكن لم تُزَل. والأهم من ذلك أن شبكة وكلائها الإقليميين، وحزب الله في مقدمتهم، وإن تكن قد تراجعت، ما زالت قادرة على الفعل. وعلى نحو أشد أهمية، فقد أثبتت إيران خلال الأزمة أنها تمتلك ورقة لم تستخدمها بهذا النطاق من قبل، وهي قدرتها على التهديد بتقييد المرور عبر مضيق هرمز أو اعتراضه جزئياً. وما اختارت عدم توظيفه لا يقل دلالة: فالحوثيون في اليمن يحتفظون بقدرة ضرب مستقلة، فيما تبقى قدرة إيران على شن عمليات في المنطقة الرمادية عبر شبكات الإخلال داخل دول الخليج أو حتى الدول الغربية ورقةً مُرجأة. مجموع هذه الترسانة غير المتماثلة المتبقية يعني أن إيران دخلت مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار ليس بوصفها قوة مهزومة مستعدة للاستسلام، بل بوصفها فاعلاً لا يزال يملك أوراقاً حقيقية، وإن كان قد نزف وأُنهك. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، تُشكّل هذه الحقيقة مرجعاً لكل حسابٍ استراتيجي مقبل. الانتصار الشامل على إيران لم يعد مطروحاً على الطاولة. أصبح الخيار العقلاني، وربما الوحيد الممكن دون الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة يخسر فيها مجلس التعاون أكثر بكثير من إيران المنهكة، هو التعامل مع طهران وقبول بعض خطوطها الحمراء وعرض التطبيع الاقتصادي عليها وتخفيف نفوذها بدلاً من تفكيكه. في هذا الإطار، لن يفتأ الضغط الإقليمي على بيروت لمجاراة المصالح الإيرانية يتصاعد بدلاً من مواجهتها، بما في ذلك حرص طهران على بقاء حزب الله بوصفه قوة سياسية وعسكرية. كل تنازل يُقدِّمه مجلس التعاون لإيران مقابل الاستقرار الإقليمي هو تنازل يُضيّق هامش المناورة أمام لبنان. فرضية أن إيران كانت قد أُضعفت بما يكفي للضغط نحو نزع سلاح حزب الله قد سبقتها الوقائع وجاوزتها. وفي هذا السياق، قد تلجأ الرياضُ إلى عرض «حزمة لبنانية» في إطار انخراطها الدبلوماسي الأشمل مع طهران. لبنانٌ يحترق بنيران حرب أهلية سيُقعِد هذه الحزمة ويجعلها مستحيلة الإيصال، فيما سيُعرِّض جهود الرياض لتهدئة الأجواء لخطر مباشر. وتزيد الأبعاد السورية الأمر إلحاحاً: إذ لا تستطيع المملكة العربية السعودية، وهي قد استثمرت بكثافة في مرحلة الانتقال السوري لما بعد الأسد، أن تتحمل انتقال موجة الزعزعة شرقاً من لبنان، وهو ما سيغدو محتملاً للغاية إذا اندلعت أعمال عنف طائفية تُذكيها محاولات التطبيع مع إسرائيل. إسرائيل لم تُبهِم موقفها. فهي لن تنسحب ولن تتخلى عن حق ضرب الأراضي اللبنانية ما لم يُنزَع سلاح حزب الله. وقد استنكر الحزب المفاوضات بوصفها إهانة، وأعلن رفضه الالتزام بأي اتفاق لا يشتمل على انسحاب إسرائيلي كامل وعودة مُيسَّرة ومموَّلة بسخاء للعائلات النازحة إلى جميع بلدات جنوب لبنان المتضررة من العمليات الإسرائيلية الجارية. المأزق البنيوي الذي يُفرزه ذلك ليس جديداً كلياً. فقبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، كانت السياسة اللبنانية تقوم على توازن إقليمي للقوى تحكّم فيه تحفظ مجلس التعاون من الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، مما أتاح لإيران الحفاظ على نفوذها وأغلق أمام لبنان كل منفذ سوى استيعاب حزب الله مسلحاً بوصفه ركيزةً راسخة في المشهد السياسي. السؤال الآن هو ما إذا كان ثمة ما يُمكِن بناؤه من اتفاق جوهري يستوعب هذا الواقع بأمانة. الشريط الأمني الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية على طول الحدود، ودور الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وقواعد الاشتباك الخاصة باليونيفيل، كلها عوامل تعقيد حقيقية لم يُبَتَّ فيها بعد، وتنتصب أمام أي اتفاق محتمل. نصيحة مصر والمملكة العربية السعودية للرئيس عون هي تأمين الحد الأدنى من التوافق الداخلي الضروري لتفادي الشرخ، وذلك بتخفيض سقف التوقعات من معاهدة سلام إلى اتفاق محدود النطاق لا يرى فيه حزب الله وحاضنته الشعبية تهديداً وجودياً. وبدون هذا التوافق، يُخاطر أي اتفاق بأن يكون إما غير قابل للتطبيق أو فتيلاً للاقتتال الأهلي. والاتفاقات التي تستوفي متطلبات الإجماع الوطني ستكون في الغالب نسخاً مُعزَّزة من الترتيبات السابقة، القرار ١٧٠١ أو اتفاقية الهدنة لعام ١٩٤٩، مع ما قد يترتب على ذلك من ولاية أوضح وأكثر إلزامية لليونيفيل، وإعادة انتشار مرحلية للجيش اللبناني جنوب الليطاني مرتبطة بمعالم قابلة للقياس، وآلية تدريجية للانسحاب الإسرائيلي مقيَّدة بالمعالم ذاتها. بيد أن التساؤل المحوري يبقى ما إذا كانت إسرائيل مستعدة، بعد كل ما جرى منذ أكتوبر ٢٠٢٣، للعودة إلى ما كان قائماً قبل ذلك. معاهدة سلام كاملة مع إسرائيل ونزع سلاح حزب الله مساران مسدودان في المعطيات الراهنة. ما يبقى ممكناً هو على الأغلب ترتيبٌ أمني يُخفِّف مخاطر العودة إلى الحرب، ويمنح الجيش اللبناني دوراً حقيقياً في الجنوب، ويُهيئ الشروط لكي تستعيد الدولة اللبنانية تدريجياً سلطتها المؤسسية في مناطق طالما افتقرت إليها. السيادة الكاملة ليست وجهةً يبلغها الاتفاق الراهن، لكنها وجهة يمكن لترتيب مُحكَم البناء أن يُبقيها في الأفق.

ترامب يسلط الضوء على عدم فعالية محادثات إسلام آباد في ظل الخلافات الإيرانية

لم يعد هذا سراً على أحد. هناك خلافات عميقة بين كبار المسؤولين الإيرانيين حول المسار الذي يجب أن تتخذه المفاوضات (المحتملة) مع الولايات المتحدة. هذا الانقسام، الذي يظهر للعلن أكثر فأكثر، قد جمّد عملياً، أو حتى وضع موضع تساؤل، ما يسميه البعض «الخيار الدبلوماسي» في البحث عن مخرج للصراع الحالي. هذه الخلافات التي تمزق التيارين المتعارضين داخل النظام الإيراني – الحرس الثوري في مواجهة الفصيل المسمى بـ «المعتدل» – جعلت من الناحية العملية الزيارة التي بدأها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في نهاية الأسبوع إلى إسلام أباد لاغية. منذ البداية، تم نسف هذه الزيارة لرئيس الدبلوماسية الإيرانية من قبل رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني الذي صرح بالفعل أن «عراقجي غير مكلف بأي مهمة في باكستان تتعلق بالمفاوضات النووية». وشدد على أن «المفاوضات النووية تشكل أحد الخطوط الحمراء لإيران». بعد تهميش دوره منذ البداية، انطلاقاً من طهران، اكتفى السيد عراقجي بإجراء محادثات مع القادة الباكستانيين حيث سلمهم وثيقة تحدد موقف إيران في الصراع الحالي. تسلط الوثيقة الضوء على «تحفظات إيران العميقة بشأن المطالب الأمريكية»، مشددة على أن الجمهورية الإسلامية تطالب بـ «إنهاء الحصار البحري والهجمات الأمريكية». ووفقاً لبعض المصادر، أوضح الوزير الإيراني لمحادثيه الباكستانيين أنه غير قادر على تعديل الوثيقة المذكورة «لأنه من الكوابيس الوصول إلى المرشد الأعلى»… كنتيجة مباشرة لـ «الاستدعاء للانضباط» القادم من طهران: لم يعد اجتماع السيد عراقجي مع المفاوضين الأمريكيين، في إطار الجولة الثانية من المحادثات مع الولايات المتحدة (التي كانت منتظرة منذ عدة أيام) وارداً. ولذلك غادر الوزير الإيراني إسلام أباد في نهاية يوم السبت متوجهاً إلى عُمان. وعلى الفور، ألغى الرئيس دونالد ترامب مغادرة مفاوضيه الاثنين إلى إسلام أباد، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مؤكداً أنه لا يستطيع أن يطلب منهما القيام برحلة تستغرق 18 ساعة «للجلوس إلى طاولة وعدم مناقشة أي شيء». وأضاف: «لقد أضاع فريق مفاوضينا الكثير من الوقت في السفر دون جدوى (...). لا أحد يعرف من المسؤول في إيران. حتى هم لا يعرفون ذلك (...). نحن نقوم برحلة تستغرق 18 ساعة للتحدث مع أشخاص بينما لا نعرف من يمثلون في إيران»… توتر شديد في الفنار وفي الأحياء السنية في بيروت على الصعيد اللبناني، شهد يوم السبت 25 أبريل ثلاثة تطورات رئيسية. في جنوب لبنان، شن الجيش الإسرائيلي هجوماً جوياً موجهاً استهدف مركبة كان على متنها ثلاثة من ميليشيا حزب الله قُتلوا على الفور. واستهدف هجوم ثانٍ دراجة نارية يقودها أحد أعضاء الحزب الموالي لإيران والذي قُتل أيضاً على الفور. بالإضافة إلى ذلك، تم القضاء على اثنين آخرين من أنصار التنظيم الشيعي في منطقة الليطاني. وفي المساء، كان من المقرر أن يعطي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأمر للجيش الإسرائيلي بـ «قصف مواقع حزب الله في لبنان بقوة»… تطورات رئيسية أخرى في يوم السبت 25 أبريل: في حي ساقية الجنزير السني، في بيروت، وفي ضاحية العاصمة، في الفنار، أثار حادثان خطيران توتراً شديداً على المستوى الشعبي. في الفنار، في الحي (الشيعي) المسمى «الزعيترية»، قام شابان من أنصار حزب الله بضرب أحد موظفي البلدية. وتدخل كاهن رعية الفنار، الأب ربيع، على الفور لتطويق الحادث، لكنه تعرض بدوره للاعتداء والشتائم من قبل الشابين. ثم لجأ الكاهن إلى كنيسة مار يوسف في الفنار. إلا أن المعتدين لاحقوه واقتحموا الكنيسة موجهين إليه تهديدات بالقتل ومعتدين على المصلين الحاضرين. تسبب الحادث في توتر شديد في الفنار حيث تجمع الأهالي أمام الكنيسة في حالة من الغضب. وفي المساء، أشار نائب المتن إبراهيم كنعان إلى أنه بعد اتصالات أُجريت مع مخابرات الجيش وقوى الأمن الداخلي، تم القبض على المعتديَين وتسليمهما إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي. من جانبه، أكد النائب إلياس حنكش أنه تم سجن المعتديَين. في بيروت، اقتحمت عناصر من جهاز أمن الدولة بشكل مفاجئ، مطلقة نيراناً كثيفة من أسلحة رشاشة (كادت أن تقتل طفلة)، حي ساقية الجنزير السني من أجل القبض على أحد الوجهاء، أبو علي عيتاني (من أنصار تيار المستقبل)، وهو صاحب مولدات كهربائية، متهم بزيادة تعرفة الكهرباء دون تفويض قانوني. أثار التدخل المفاجئ لعناصر أمن الدولة وإطلاق النار الكثيف من الأسلحة الرشاشة ردة فعل غاضبة بين سكان الحي الذين اتهموا عناصر الأمن بـ «التحيز الصارخ»، مؤكدين أن الضابط المسؤول عن الوحدة التي تدخلت في الحي مقرب من حزب الله وأنه أراد استهداف أبو علي عيتاني بسبب مواقفه المعادية علناً للحزب الموالي لإيران. سرعان ما امتد التوتر في ساقية الجنزير إلى الأحياء السنية في العاصمة حيث قُطعت الطرقات في قصقص، والمزرعة، وعائشة بكار، وكركول الدروز، والملا، وفردان، والحمرا. قوبل سلوك عناصر أمن الدولة باستنكار من قبل رئيس الوزراء نواف سلام ومفتي الجمهورية. وفي أواخر فترة بعد الظهر، توجه وفد من المخاتير والأهالي إلى وزير الداخلية للمطالبة باتخاذ إجراءات ضد الجناة. وبالفعل، استجوب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، خمسة من عناصر أمن الدولة المشتبه بتورطهم في الحادث. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الزعيم السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، قد استُقبل يوم أمس من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع.

الحزب، ذراع مسلحة لجسد مقطوع الرأس
بقلم
جان الفغالي
نُشر

مَن يدقق في شكل شعار حزب الله والرسم الموجود داخله، يستشف أن الحزب هو منذ اليوم الأول أحد أذرع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والموضوع لم يعد مجرد رسم بل أصبح واقعًا معززًا بالوقائع : حزب الله ساند إيران لأنه ذراعها، وإيران غالبًا ما تباهت بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية ومن بينها بيروت. وتأكد الإرتباط العضوي بين " الرأس" و" الذراع " مع وقف إطلاق النار في إيران وفي لبنان، فكان التلازم بين الإتفاقَيْن، تتصدَّع في طهران فتتصدَّع في بيروت، إلى درجة أن بعض مراكز الأبحاث والدراسات تؤكد أن " الحرس الثوري الإيراني" كما يسيطر على مراكز القرار في إيران، يسيطر على مراكز القرار لدى حزب الله في بيروت، وهناك دليلان على الأقل على ذلك: الأول، مقتل قيادي في الحرس الثوري الإيراني مع السيد حسن نصرالله في الغرفة ذاتها. والثاني إصابة السفير الأيراني السابق في بيروت بعملية " البيجر" لأنه كان يستخدم جهاز "البيجر" الذي كان موزَّعًا على المسؤولين العسكريين والأمنيين في الحزب والحرس. العَلَم او الشعار ، كما الصورة، مرسومة فيه صورة ذراع تحمل بندقية ، وفوقها كلمة "حزب الله هم الغالبون" علمُ حزب الله يبدوهكذا،ذراعًا إيرانية تحمل بندقية. لم يعد توصيف حزب الله كـ"ذراع إيرانية" مجرد شعار سياسي يردده خصومه، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى قراءة مدعومة بسلسلة من الوقائع الميدانية والتاريخية التي تكشف عمق الارتباط العضوي بين الحزب والحرس الثوري الإيراني، فالعلاقة بين الطرفين لم تُبنَ على تحالف عابر أو تقاطع مصالح موقت، بل على تأسيس مباشر، وتمويل مستمر، وتوجيه استراتيجي يظهر بوضوح في لحظات الحرب والسلم. لم يكن الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله يناور حين قال:" إن سلاحنا من إيران وأموالنا من إيران"، ووصل به الأمر مرة أنْ قال:" أفتخر بأن اكون جنديًا في جيش ولاية الفقيه" منذ نشأته أواخر العام 1982، لم يكن الحزب مشروعًا لبنانيًا ، بل امتدادًا عمليًا لمشروع الثورة الإسلامية في إيران. فقد أشرف الحرس الثوري على تدريب النواة الأولى لمقاتليه في بعلبك، ووضع له الإطار العقائدي القائم على "ولاية الفقيه"، وهو ما يجعل مرجعيته النهائية في إيران. هذه النقطة وحدها كافية لتقويض فكرة إستقلاليته ، إذ إن التنظيم الذي يستمد شرعيته الفكرية من قيادة خارجية لا يمكن اعتباره فاعلًا لبنانيًا سياديًا صرفًا. عند الانتقال من التأسيس إلى الممارسة، تتضح الصورة أكثر، خلال حرب تموز 2006، لم تكن المواجهة مجرد رد فعل محلي، بل جاءت في سياق إقليمي متشابك، حيث اعتُبرت جزءًا من استراتيجية الردع الإيرانية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، فعملية خطف الجنديين الإسرائيليين، جاءت بطلب إيراني، كما اظهرت الوثائق التي كشفت لاحقًا، والدعم العسكري واللوجستي الذي تدفق إلى الحزب خلال تلك الحرب لم يكن خفيًا، بل كان عنصرًا حاسمًا في قدرته على الصمود، ما يعزز فرضية أن القرار العسكري لم يكن منفصلًا عن الحسابات الإيرانية الكبرى. الأمر نفسه تكرر في المحطات اللاحقة. فمشاركة الحزب في الحرب السورية لم تكن بدافع لبناني داخلي، بل جاءت استجابة مباشرة لحماية نفوذ إيران في دمشق، الحليف الأهم في "محور المقاومة". هنا، لم يعد الحزب مجرد متلقٍ للدعم، بل تحوّل إلى أداة تنفيذ ميدانية لسياسات إقليمية تقودها طهران، ما عمّق توصيفه كذراع عسكرية متقدمة. وفي السنوات الأخيرة، ازدادت المؤشرات وضوحًا. فالأحداث التي تلت 8 تشرين الأول 2023، وما وُصف بحرب "الإسناد والمشاغلة"، أظهرت نمطًا من العمليات المنسقة التي تتجاوز الحسابات اللبنانية الضيقة، كما أن إطلاق الصواريخ في أكثر من مناسبة، ومنها الصواريخ الستة في الثاني من آذار الفائت، يعكس مستوى من الانخراط في صراع إقليمي أوسع، حيث تتقاطع الجبهات من غزة إلى لبنان إلى اليمن، ضمن إطار استراتيجي واحد تقوده إيران. قد يجادل البعض بأن الحزب يحتفظ بهامش قرار مستقل، وأنه يأخذ بعين الاعتبار البيئة اللبنانية وتعقيداتها الطائفية والسياسية، غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع التمويل والتسليح والتدريب، إذ يعتمد الحزب بشكل شبه كامل على إيران في هذه الجوانب الحيوية. وفي العلوم السياسية، من يمتلك أدوات القوة يمتلك القدرة الأكبر على توجيه القرار. وبالتالي، فإن الحديث عن الاستقلالية يبدو أقرب إلى التجميل النظري منه إلى الواقع العملي. حتى الرمزية البصرية للحزب تحمل دلالات تتجاوز البعد المحلي. فشعاره الشهير الذي يظهر يدًا ترفع بندقية، إلى جانب عبارة "حزب الله هم الغالبون"، ليس مجرد تصميم دعائي، بل انعكاس لثقافة الثورة الإسلامية التي تمجّد "المقاومة المسلحة" كأداة عقائدية. صحيح أن تفسير اليد كـ"ذراع للحرس الثوري" يبقى تأويلًا رمزيًا، لكنه ينسجم مع واقع العلاقة البنيوية بين الطرفين، حيث يتحول الرمز إلى تعبير بصري عن وظيفة سياسية وعسكرية قائمة بالفعل. الأهم من ذلك أن سلوك الحزب الإقليمي ينسجم بشكل شبه كامل مع أولويات إيران الاستراتيجية. فهو يقاتل حيث تقاتل، ويهدأ حيث تهدأ، ويصعّد حين يتطلب الأمر إرسال رسائل ردع. هذا التزامن لا يمكن تفسيره بالصدفة أو بمجرد تقاطع مصالح، بل يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق، إن لم يكن التوجيه المباشر في بعض الحالات. في المحصلة، لا يعني وصف حزب الله بأنه "ذراع إيرانية" أنه مجرد أداة بلا إرادة، لكنه يعني أن إرادته محكومة بسقف استراتيجي ترسمه طهران. فالوقائع من التأسيس، إلى التمويل، إلى السلوك العسكري تشير بوضوح إلى أن الحزب يعمل ضمن منظومة تقودها إيران، ويشكّل أحد أهم أذرعها العسكرية في المنطقة. وعليه، فإن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان الحزب مرتبطًا بإيران، بل حول مدى هذا الارتباط وحدوده. لكن ما هو ثابت حتى الآن، أن هذا الارتباط عميق إلى درجة تجعل الفصل بين القرارين اللبناني والإيراني في حالة حزب الله أمرًا شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا في لحظات الصراع الكبرى.

جيوسياسية حرب إيران: الاستراتيجية الأمريكية الكبرى الجديدة

تتمحور استراتيجية الأمن القومي (NSS) للولايات المتحدة لعام 2025 حول مبدأ "أمريكا أولاً" وتتطلب المزيد من الاستقلالية الاستراتيجية من حلفائها الأوروبيين الذين يضغط عليهم الرئيس دونالد ترامب لتولي مسؤولية الدفاع عن قارتهم. وبذلك ستكون يدا واشنطن طليقتين للتركيز أولاً على وضعها الداخلي وعلى القارة الأمريكية المخترقة من قبل الصين وروسيا، ثم على حوض المحيط الهادئ. ولتحقيق هذه الغاية، من الضروري لها أن تقلل من تدخلها في الشرق الأوسط وأن تحافظ على استقراره بشكل مستدام. ولهذا الغرض، أصبح التحييد النهائي لتهديد إيران وحزب الله أمراً حتمياً. إن إضعاف إيران من شأنه أن يمهد الطريق لتوسيع غير مسبوق لاتفاقيات إبراهيم لتشمل المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية. اتفاقيات إبراهيم تمثل اتفاقيات إبراهيم، التي انطلقت خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، قطيعة مع الدبلوماسية التقليدية "Land for Peace" ("الأرض مقابل السلام"، أو "دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة مقابل السلام")، لصالح نهج "Peace through Prosperity"، أو "السلام من خلال الازدهار"، وهو ما يعني: الازدهار بدلاً من دولة للفلسطينيين. تشمل اتفاقيات إبراهيم في المرحلة الحالية إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب وكازاخستان. وتهدف إلى تشكيل كتلة أمنية عربية إسلامية إسرائيلية، أو "ناتو إقليمي"، يضم إسرائيل والدول العربية، قادر على التنظيم الذاتي للشرق الأوسط واحتواء إيران بشكل مستقل. ومن شأن ذلك أن يسمح للولايات المتحدة بتقليص قواتها البرية، وتوفير المليارات، مع الاحتفاظ بدور الوسيط في المنطقة، والانسحاب للتركيز على أولويتها "أمريكا أولاً"، والتحول نحو آسيا لمواجهة الصين دون ترك فراغ أمني قد تملأه طهران أو موسكو. وفي إطار هذه الاستراتيجية أيضاً، تُعد تركيا شريكاً لا غنى عنه لواشنطن، كثقل موازن حيوي في مواجهة إيران وروسيا، رغم البعد الأيديولوجي لأنقرة والتوترات المستمرة حول القضية الكردية. الحصار المفروض على إيران: استراتيجية خنق ولكن بها ثغرات تعيش إيران في وضع بقاء اقتصادي حرج في مواجهة الحصار البحري الأمريكي المفروض في 13 أبريل 2026. ولا يتوقف هذا الحصار عند مضيق هرمز، بل يمتد إلى خليج عمان، ويمنع ناقلات النفط والسفن الأخرى من الرسو في ميناءي جاسك وتشابهار الواقعين خارج الخليج العربي. وهذا يشل من حيث المبدأ تقريباً كل الواردات والصادرات البحرية الإيرانية، وخاصة النفط. في مواجهة هذا الحصار البحري، يمكن لطهران أن تصمد تقنياً لعدة أشهر بفضل العائدات التي ضمنها الارتفاع الحاد في أسعار برميل النفط بين فبراير ومنتصف أبريل 2026، والتي عوضت جزئياً عن الانخفاض في الكميات المصدرة. وتصل الخسائر اليومية الإيرانية إلى حوالي 435 مليون دولار. كانت طهران قد توقعت هذا السيناريو من خلال تطوير بنى تحتية لتجاوز مضيق هرمز، لكن قدرتها تظل غير كافية إلى حد كبير. يتمثل ذلك في بحر قزوين الذي يوفر طريقاً نحو روسيا وكازاخستان، لكن الإمدادات عبر هذا الطريق تظل هامشية مقارنة بالاحتياجات الوطنية. وهناك أيضاً السكك الحديدية والطرق التي تربط إيران بتركيا والعراق وتركمانستان لاستيراد السلع الاستهلاكية وتصدير المنتجات غير النفطية. لا يمكن لهذه الطرق البديلة بأي حال من الأحوال أن تعوض عن الخليج العربي، الذي كان يمر عبره 90٪ من النفط الإيراني قبل الأزمة. هناك استراتيجية أخرى تتبعها طهران لكسر الحصار والالتفاف على العقوبات الدولية: "أسطول الظل" (أو الأسطول المظلم - dark fleet) والذي يمثل ركيزة البقاء الاقتصادي للنظام وتمويل حلفائه الإقليميين، وخاصة حزب الله. وهو عبارة عن شبكة سرية واسعة تضم 320 ناقلة نفط تعتمد عليها إيران لتصدير نفطها الخام. وللإفلات من المراقبة الدولية والأمريكية، تنشر ناقلات النفط التابعة لأسطول الظل هذا تكتيكات تمويه متطورة من خلال تعطيل أنظمة الإشارات الخاصة بها لتصبح "غير مرئية" أو من خلال اللجوء إلى تزوير إحداثياتها الجغرافية على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). ثم يتم نقل النفط في عرض البحر، عن طريق المسافنة، إلى ناقلات نفط أخرى بهدف إخفاء المصدر الإيراني للشحنة. يتم تعزيز هذه المنظومة من خلال الاستخدام المتكرر لأعلام الملاءمة (بنما وليبيريا وجزر كوك) والشركات الوهمية التي تتخذ من دبي أو هونغ كونغ مقراً لها، مما يسمح بتغييرات متكررة في الهوية والملكية. وعلى الرغم من الحصار البحري الأمريكي الصارم، إلا أن هذا الأسطول يُظهر فعالية مستمرة. ووفقاً لـ Lloyds، فقد نجحت بالفعل 29 إلى 35 ناقلة نفط من أسطول الظل في تجاوز الطوق البحري الأمريكي لتسليم نفطها الخام إلى الصين. وتسمح هذه الخدمات اللوجستية الخفية لطهران بالحفاظ على إيرادات طوارئ حيوية، متحدية الاختناق الاقتصادي التام الذي تسعى إليه الإدارة الأمريكية. ومع ذلك، فقد استولت البحرية الأمريكية بالفعل على ست سفن من هذا الأسطول الوهمي وأجبرت 29 ناقلة نفط عادية أخرى على التراجع بعد أن حاولت تجاوز الحصار. على أي حال، وبدون رفع الحصار أو تدخل دبلوماسي واسع النطاق، فإن الاختناق الاقتصادي لإيران قد يصبح أمراً لا رجعة فيه بحلول صيف عام 2026. وبالتالي فإن إيران مخنوقة ولكنها لا تظهر أي علامة واضحة على التراجع. ومع ذلك، تتجه أنظار واشنطن وطهران بتكتم نحو الصين. دور الصين: حل يلوح في الأفق تبرز الصين اليوم باعتبارها العميل الرئيسي والدرع الاقتصادي الوحيد لإيران. وفي الوقت نفسه، تحتاج بكين إلى سوق الولايات المتحدة، الأكبر في العالم، لتحقيق التوازن في اقتصادها. كما تحتاج واشنطن إلى الصين لتزويد المواطن الأمريكي بالسلع الاقتصادية بأسعار معقولة. وهذا يمنح الصين القدرة على العمل كوسيط براغماتي في الأزمة الحالية. تُعد العلاقات الصينية الإيرانية بمثابة طوق نجاة حقيقي للجمهورية الإسلامية، كما أن العلاقات الصينية الأمريكية تتجه نحو التهدئة. في عام 2025، استوعبت الصين ما يقرب من 90٪ من صادرات النفط الإيرانية عبر أسطول الظل، ولكن هذا لا يمثل سوى جزء بسيط من الواردات الصينية. وعلاوة على ذلك، ونظراً لخشيتها من تعطل إمداداتها العالمية من الطاقة وصادراتها، ألمحت الصين إلى أنها تَعِد بتنفيذ استثمارات بقيمة 400 مليار دولار في إيران كان مخططاً لها في الأصل في عام 2021، مقابل مرونة من جانب الإيرانيين. وقد أشاد الرئيس ترامب بدور بكين في تسهيل وقف إطلاق النار في أبريل 2026. بالإضافة إلى ذلك، تتجنب الصين أي دعم عسكري مباشر لطهران وقد خففت من التوترات حول تايوان. الإدارة الأمريكية تحافظ على مسار استراتيجية الأمن القومي (NSS) من جانبها، تستخدم واشنطن الترابط التجاري مع الصين كسلاح ضغط صامت، من خلال الاستمرار في فرض عقوبات تمنع الصين من الوصول إلى التكنولوجيا والمعدات الأمريكية، والحد من الصادرات الصينية الحيوية إلى الولايات المتحدة. وفي عام 2025 بالفعل، انخفضت هذه الصادرات بمقدار 37 مليار دولار مقارنة بعام 2024. في أكتوبر الماضي، التقى ترامب وشي جين بينغ في سيول وقاما بتخفيف العقوبات من كلا الجانبين. وكان من المقرر أن يلتقيا مرة أخرى في أبريل 2026 لمواصلة الانفراج في حربهما التجارية، لكن هذه القمة تأجلت بسبب حرب إيران. يُعد رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على الصين حاجة استراتيجية لشي جين بينغ الذي يجد نفسه مضطراً للعب دور الوسيط وممارسة الضغط على إيران. ومن منظور جيوسياسي، من خلال إرساء الاستقرار في الشرق الأوسط بهذه الطريقة عبر الضغط الصيني الأمريكي المشترك، تضمن أمريكا علاقة متوازنة مع منافستها الآسيوية، كما تنص على ذلك استراتيجية الأمن القومي (NSS) لعام 2025.

هزيمة فيكتور أوربان: نقطة تحول تاريخية في المجر وأوروبا

يشّكل فوز بيتر ماغيار وحزبه "Tisza" نقطة تحول تاريخية في المشهد السياسي المجري، إذ أنهى 16 عاماً من حكم فيكتور أوربان وحزب فيدس. الانتخابات وُصفت بأنها الأهم منذ عقود، ليس فقط بسبب حجم المشاركة الشعبية القياسي، بل أيضاً لأن نتيجتها منحت المعارضة أغلبية الثلثين في البرلمان، وهو ما يتيح لها القدرة على تعديل الدستور والتراجع عن السياسات غير الليبرالية التي كان قد رسّخها أوربان خلال فترة حكمه. الرئيس الجديد ماغيار وعد بإعادة حرية الصحافة وإصلاح الإعلام الحكومي، في خطوة تهدف إلى تفكيك منظومة السيطرة المعلوماتية التي اعتمد عليها النظام السابق. المفاجأة الكبرى كانت اعتراف أوربان بالهزيمة فورياً، من دون محاولة التمسك بالسلطة بالقوة، ما جنّب البالد أزمة سياسية أو احتجاجات دموية. أسباب الهزيمة الهزيمة لم تكن وليدة لحظة انتخابية واحدة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية أضعفت شرعية أوربان. إضافة إلى ذلك، نجحت الحملة المنظمة من ماغيار – الذي كان في السابق حليفاً لأوربان – في توحيد المعارضة خلف شخصية واحدة قادرة على منافسة فيدس بجدية. كما أن اعتماد أوربان على الدعاية السلبية والتخويف لم يعد مقنعاً للناخبين، بل انعكس عليه سلباً، إذ فقدت رسائله المصداقية أمام الواقع الاقتصادي المتردي. 1- صعود أوربان وبناء النموذج الاقتصادي منذ أزمة 2008، بنى فيكتور أوربان شعبيته على وعد بالازدهار الاقتصادي و"مجتمع قائم على العمل"، مع التركيز على خلق الوظائف وجعل المواطنين أكثر اعتماداً على أنفسهم. هذا النموذج اعتمد على الاستثمارات الأجنبية منخفضة الأجور، أي على جذب شركات خارجية لتوظيف العمالة المحلية برواتب منخفضة، بهدف تقليل تكاليف الإنتاج وزيادة تنافسية الدولة في الأسواق العالمية. صحيح أن هذا النموذج يخلق فرص عمل لكنه يبقي الاقتصاد الوطني هشاً أمام الأزمات العالمية، ويحد من القدرة على تحسين مستوى المعيشة. 2- الركود الاقتصادي وتراجع النموذج تباطأت بشكل ملحوظ نجاحات أوربان في زيادة الوظائف بعد جائحة كورونا وغزو روسيا لأوكرانيا، وهو ما كشف هشاشة النموذج الاقتصادي الذي اعتمد عليه طوال سنوات حكمه. فالمجر، التي كانت تفتخر بارتفاع معدلات التوظيف في العقد الماضي، وجدت نفسها منذ عام 2022 أمام واقع اقتصادي صعب: نمو شبه معدوم، وتضخم هو الأعلى في الاتحاد الأوروبي، ما انعكس مباشرة على حياة المواطنين اليومية من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. لكن الأزمة لم تكن اقتصادية فقط؛ بل تحولت إلى أزمة اجتماعية وسياسية عميقة. شعر المواطنون أن وعود أوربان ببناء "مجتمع قائم على العمل" لم تعد قابلة للتحقق في ظل الأزمات العالمية وضغوط السوق. 3- تراجع الدعم الشعبي والأزمات الأخلاقية على الرغم من ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات، تقلصت قاعدة حزب فيدس من 3.1 إلى 2.3 مليون ناخب، وهو مؤشر واضح على تآكل الثقة الشعبية في أوربان وحزبه. هذا التراجع لم يكن مجرد نتيجة طبيعية لعوامل اقتصادية، بل ارتبط أيضاً بأزمات أخلاقية وسياسية هزّت صورة الحزب، من أبرزها فضائح التغطية على قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال، والتي قوّضت شرعية الحزب وأضعفت قدرته على تقديم نفسه كحارس للقيم التقليدية. وقد تزايدت مشاعر الإحباط بسبب الفساد المستشري والتفاوت الاجتماعي الفاضح الذي أبرزته صور القصور الفاخرة التي تملكها النخبة الحاكمة، في مقابل معاناة الطبقات الوسطى والفقيرة، فتعاظمت فجوة الثقة بين الشعب والحكومة. كل هذا ساهم في صعود منافسه بيتر ماغيار، الذي استطاع أن يستثمر في فقدان الثقة العامة ليطرح نفسه كبديل أكثر نزاهة وكفاءة. 4- الخطاب الثقافي والإعجاب الخارجي في مواجهة التراجع الداخلي، حاول أوربان التعويض بالخطاب القومي والثقافي عبر ما يُعرف بـ"الحروب الثقافية"، مسلّطاً الضوء على قضايا الهوية والدفاع عن الأمة ضد "العولمية". فقد صوّر أوربان الاتحاد الأوروبي، والمؤسسات المالية العالمية، والمنظمات الليبرالية كقوى "عولمية" تهدد هوية المجر وثقافتها، مركّزاً على حماية الحدود، ورفض سياسات الهجرة الأوروبية، والتأكيد على "القيم التقليدية" في مواجهة ما اعتبره تفكيكاً للعائلة والمجتمع. غير أنه، على الرغم من خطابه المناهض للعولمة، اعتمد في نموذجه الاقتصادي على الاستثمارات الأجنبية (شركات السيارات الألمانية، مصانع البطاريات الصينية)، ما جعله عرضة للتقلبات العالمية. أي أنه في حين قدّم نفسه كزعيم يقاوم "العولمة الليبرالية" التي تفرضها بروكسل والغرب، جعل الاقتصاد المجري مرتبطاً بالعولمة. وفي السياسة، كان أوربان أقرب إلى روسيا، معارضاً لسياسات الاتحاد الأوروبي تجاه أوكرانيا، ما جعله رمزاً للتحالفات المناهضة للعولمة الغربية. كما حظي بدعم مباشر من ترامب، الذي رأى فيه نموذجاً للشعبوية القومية المناهضة للعولمة الليبرالية. وبالتالي فقد أصبح أيقونة اليمين الشعبوي العالمي، ونجم مؤتمرات المحافظين حول العالم، مثل "مؤتمر العمل السياسي المحافظ" Conservative Political Action Conference، حيث قدّم نفسه كـ"داوود" يقاوم "غولياث العولمي". وقد أصبح هذا المؤتمر الأمريكي السنوي، الذي يحضره دونالد ترامب كنجم أول، منصة لتصدير الخطاب الشعبوي المحافظ عالمياً، خصوصاً بعد عقد نسخة منه في المجر، ويُستشهد به في أوروبا وأمريكا اللاتينية كمصدر إلهام لليمين القومي. غير أن هذا الخطاب الثقافي الهوياتي اليميني الشعبوي، الذي كان في السابق أداة فعالة لحشد الدعم، لم يعد كافياً أمام التدهور الاقتصادي والخدمات العامة المتردية. فقد بات الناخبون أكثر اهتماماً بارتفاع الأسعار وتراجع مستوى المعيشة من الشعارات القومية. في المقابل، استمر زعماء قوميون في أوروبا والولايات المتحدة في تمجيد أوربان كرمز لمقاومة العولمة، معتبرين تجربته نموذجاً لمواجهة "التهديدات العالمية". لكن هذا الإعجاب الخارجي ظل بعيداً عن الواقع الداخلي للمجر، حيث لم يغير شيئاً من معاناة المواطنين اليومية أو من تراجع ثقتهم في النظام. 5- الانعكاسات الدولية هذه النتيجة تمثل ضربة لخطاب القومية والانقسام الذي كان أوربان رمزاً له، وتكشف حدود فعالية هذا النموذج، خصوصاً في أوروبا. تُعدّ روسيا أكبر الخاسرين، إذ فقدت صوتها الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بعرقلة المساعدات لأوكرانيا. أما الولايات المتحدة (إدارة ترامب) فقد خسرت حليفاً بارزاً في أوروبا، بالرغم من محاولات دعم أوربان قبل الانتخابات. وتقف الصين كالعادة، تراقب بحذر، إذ استثمرت بكثافة في قطاع السيارات الكهربائية بالمجر، وقد تتأثر مصالحها إذا غيّر ماغيار توجهاته لتعزيز علاقاته مع الاتحاد الأوروبي. لعل أكبر الخاسرين هو اليمين الشعبوي العالمي، خصوصاً حلفاؤه في فرنسا: مارين لوبن وحزبها "التجمع الوطني Rassemblement National" وإريك زمور وحزبه "الاسترداد Reconquête". ومن بين أكبر الخاسرين حزب القانون والعدالة (PiS) في بولندا، ونايجل فاراج وحزب الإصلاح في المملكة المتحدة، وتوني أبوت رئيس الوزراء السابق في أستراليا، والرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو. لكن الفائز الأكبر هو الشعب المجري أولاً الذي عبّر عن رفضه للفساد والاستبداد، إلى جانب الاتحاد الأوروبي الذي استعاد شريكاً أكثر انسجاماً مع توجهاته، وأوكرانيا التي قد تحصل على دعم أسهل داخل الاتحاد بعد تراجع النفوذ الموالي لروسيا. الخلاصة لم تكن الانتخابات المجرية الأخيرة مجرد تغيير داخلي وتناوب على السلطة، بل رسالة عالمية ضد الشعبوية اليمينية والفساد، وضربة لمحاولات روسيا والولايات المتحدة التأثير في أوروبا. تجربة أوربان تكشف حدود "المحافظة المؤيدة للعمال"؛ فهي تنجح حين تقدم وعوداً اقتصادية ملموسة، لكنها تنهار عندما تُختبر أمام الأزمات العالمية. كما أن الانتخابات أظهرت حدود "الاستبداد المعلوماتي"؛ فحين يتدهور الاقتصاد وتتوحد المعارضة خلف بديل قوي، تصبح أدوات التضليل والدعاية أقل فعالية وتفقد قدرتها على التحكم بالنتائج. سقوط أوربان لم يكن فقط بسبب سلطويته أو خطابه الثقافي، بل نتيجة فشل النموذج الاقتصادي وتآكل الثقة الأخلاقية بحزبه. التجربة تكشف أن الأنظمة التي تعتمد على التحكم بالمعلومات ليست منيعة، وأنها تنهار عندما تفقد المصداقية أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية. فيما يعكس نجاح ماغيار ميل الناخبين نحو بديل وسطي أكثر كفاءة، واعتدالاً، جامعاً بين الوسط واليسار الليبرالي، بالرغم من أنه محافظ ويشارك بعض سياسات فيدس. وبالتالي فإن ماغيار لا يمثل تحولاً جذرياً في السياسات العامة بقدر ما هو إعلان عن نهاية مرحلة أوربان التي استنفدت زخمها. ويبقى التحدي أمام ماغيار في تحقيق إصلاحات حقيقية تعيد بناء الثقة الشعبية من دون فقدان دعم الناخبين الذين كانوا في الأصل جزءاً من قاعدة فيدس.