
الاتفاق الأميركي-الإيراني: وقف إطلاق نار بتوازنات هشّة


بعد الإعلان الرسمي عن اتفاق إطار بين واشنطن وطهران حول مذكرة تفاهم ستشكّل أساساً للمفاوضات بين العاصمتين، يبدو المشهد على النحو الآتي: إسهاب في طهران، حيث يُقدَّم الوثيقة على أنها انتصار تاريخي؛ غضب في إسرائيل؛ تكتّم محسوب في الولايات المتحدة؛ تفاؤل حذر في لبنان؛ وارتياح في دول الخليج وأوروبا، مع تراجع أسعار النفط.
ومن المقرر أن تُوقَّع مذكرة التفاهم، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب ليل الأحد الاثنين، يوم الجمعة في جنيف، حيث وصل ترامب الاثنين للمشاركة في اجتماعات مجموعة السبع. ويُقال إن الوثيقة وُقّعت إلكترونياً بالفعل.
لكن انتقال وفد قطري مساء الأحد إلى إسلام آباد يوحي بأن بعض التفاصيل لا تزال بحاجة إلى تسوية. وكانت الدوحة قد انضمت، بطلب من واشنطن، إلى جهود الوساطة التي تقودها باكستان.
وهذه الفرضية تعززها أيضاً تصريحات نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس. فبحسبه، ستُكشف الوثيقة خلال هذا الأسبوع، من دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل في هذا الشأن.
وفي الانتظار، حرصت طهران على الإسهاب مطولاً — مصحوباً بتعليقات انتصارية — في عرض بنود مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 نقطة. فالنص يضع أسس وقف إطلاق نار يُفترض أن يفضي إلى سلام دائم، في ختام مفاوضات تمتد على مدى 60 يوماً. ستون يوماً لمسار مليء بالعقبات، إذ إن مذكرة التفاهم ليست سوى وثيقة تحدد الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة.
وقد أفادت وسائل الإعلام الإيرانية بأن الوثيقة تنص على «وقف دائم وفوري للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، والإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، على أن يُفرج عن نصف هذا المبلغ قبل بدء المفاوضات».
وبحسب وسائل الإعلام الإيرانية أيضاً، تنص الوثيقة على تعليق العقوبات المفروضة على بيع النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها.
وفي مقابل إنهاء الأعمال القتالية وإعادة فتح مضيق هرمز، سترفع واشنطن تدريجياً الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وكذلك العقوبات التي كانت تخنق اقتصاد الجمهورية الإسلامية.
لكن الرهان الأساسي بالنسبة إلى الطرفين المتحاربين يبقى مصير مخزونات اليورانيوم المخصب، والبرنامجين النووي والباليستي الإيرانيين. وقد اكتفت طهران بالإشارة إلى البرنامج النووي، مؤكدة أن واشنطن قبلت بأن تُبقي الجمهورية الإسلامية تخصيب اليورانيوم عند مستوى 3%، بعدما كانت الولايات المتحدة متشددة حتى الآن في هذا الملف. أما البرنامج الباليستي، فلم يرد بشأنه أي ذكر.
وإذا صدّقنا الإيرانيين، فهم من نجحوا في فرض كل شروطهم على الولايات المتحدة. فقد أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أن المفاوضات النهائية لن تبدأ إلا «عندما تفي الولايات المتحدة بالتزامات أساسية، ولا سيما إنهاء الحصار البحري، ووقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة». وقال للتلفزيون الرسمي: «ما إن تُنفّذ هذه الالتزامات العاجلة، حتى ندخل فوراً في المفاوضات».
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن «الإفراج عن الممتلكات الإيرانية، وكذلك التعويضات عن الأضرار، يشكلان نقطتين أساسيتين» في الاتفاق. وبحسبه، «التزمت الجهة الأميركية باتخاذ إجراءات في هذين المجالين»، وهو ما سارع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى نفيه. فقد أكد خلال مؤتمر صحافي أن الإيرانيين «لن يحصلوا على شيء قبل أن يفوا بالتزاماتهم». وأضاف: «إنهم لا يتحدثون إلا عما سيحصلون عليه، لكنهم يلتزمون الصمت حيال ما سيقدمونه في المقابل»، مشدداً على أن دونالد ترامب سيكون قد حصل بالدبلوماسية على ما كان يسعى إلى فرضه بالحرب، أي ألا تكون لدى الإيرانيين أبداً القدرة على امتلاك سلاح نووي، وأن يتوقفوا عن تمويل أنشطة إرهابية في أنحاء الشرق الأوسط.
وفيما كانت طهران تؤكد أنها انتزعت من واشنطن الإفراج عن تعويضات لإعادة بناء المواقع التي دمرتها أو ألحقت بها أضراراً الهجمات الإسرائيلية-الأميركية، شدد جاي دي فانس على أن الأموال الوحيدة التي ستحصل عليها الجمهورية الإسلامية هي الأموال الإيرانية المجمدة.
وأضاف أن الولايات المتحدة تتوقع، فضلاً عن ذلك، أن يُعاد فتح مضيق هرمز «من دون رسوم» من الجانب الإيراني، في حين كانت الدبلوماسية الإيرانية تتحدث عن «رسوم» خدمات بحرية.
وفي الوقت نفسه، كان دونالد ترامب يشيد بكون سفن «بعضها محمل بالنفط، بدأت تخرج من مضيق هرمز وتبحر على طول طريق آمن تماماً».
ومن المفترض ألا يتأخر إطلاق عمليات إزالة الألغام. فقد أكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن باريس ستشارك في هذه العملية إلى جانب بريطانيا. كما أكد، على هامش قمة مجموعة السبع، أن قدرات إيران من اليورانيوم العالي التخصيب يجب أن «تُحيَّد» تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
غضب في إسرائيل
رغم الترحيب الواسع بها من المجتمع الدولي، ولا سيما من أوروبا، فإن التفاهم الإيراني-الأميركي بعيد جداً عن تلبية تطلعات السلطات الإسرائيلية، التي لم تُخف غضبها. فتل أبيب تعتبر أن اتفاق الإطار لا يحيّد قدرة الجمهورية الإسلامية على إلحاق الضرر، ولا سيما عبر وكلائها، وخصوصاً حزب الله، الذي لا يزال يشكل تهديداً لأمن شمال البلاد. وكانت إسرائيل ترغب في أن «تُنهي واشنطن المهمة» بدلاً من الوقوع في فخ اتفاقات أتقنت طهران فن الالتفاف عليها.
وقد أحدث إعلان المذكرة عاصفة سياسية حقيقية داخل الحكومة الإسرائيلية، التي تراها «خطيرة». وانتقد عدد من الوزراء علناً الإدارة الأميركية، معتبرين اتفاق التفاهم «استسلاماً أمام إرهاب الدولة». وحتى المعارضة الإسرائيلية نددت به.
وفي المساء، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال مؤتمر صحافي، أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية «باتفاق أو من دون اتفاق». ولم يعلّق على مذكرة التفاهم، لكنه تعهد بأن «يبقى يقظاً لصد أي تهديد من حلفاء طهران ضد إسرائيل، ولا سيما من حزب الله».
وفي هذا السياق، أعلن أن جيشه «سيبقى في لبنان ما دام ذلك ضرورياً»، وأنه إذا لم ينسحب تحت ضغط إيران، فذلك لأنه بقي «حازماً جداً». وأضاف: «أعتقد أن أصدقاءنا الأميركيين يحترمون هذا الحزم وهذا الموقف. سنبقى في لبنان».
ومن المؤشرات اللافتة أنه عبّر عن إرادة استقلال عسكري، معلناً ميزانية دفاع تقارب 121 مليار دولار. وقال: «سنطوّر مفاهيم تتجاوز الخيال»، في ما بدا رسالة إلى الولايات المتحدة، التي تقدم دعماً عسكرياً كبيراً لتل أبيب.
وبالنسبة إلى المسؤولين الإسرائيليين، فإن المذكرة تضفي شرعية على النفوذ الإيراني، وتحمي البنى شبه العسكرية لحزب الله، التي كانت تل أبيب تعمل تدريجياً على تفكيكها، منذ اللحظة التي أُدرجت فيها الجبهة اللبنانية ضمن إطار وقف إطلاق النار المعلن.
كما أن إسرائيل مقتنعة بأن الإفراج عن الأموال الإيرانية سيسمح لطهران بإعادة بناء ترسانتها الباليستية.
وقد حذرت الحكومة الإسرائيلية من أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بالوثيقة، وأن الانسحاب من لبنان غير وارد ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه. وهو حجة يمكنها الدفع بها بسهولة، إذ سبق لها أن أبرمت اتفاق وقف إطلاق نار مع لبنان برعاية واشنطن.
وفي هذا السياق، أكد عدد من الوزراء الإسرائيليين أن تل أبيب تحتفظ بحقها في التحرك بشكل أحادي للدفاع عن مصالحها، حتى لو تعارض ذلك مع الدينامية الدبلوماسية الجارية.
هدوء هشّ في لبنان
في لبنان، سارع حزب الله إلى ترداد أصداء الخطاب الانتصاري الإيراني. فمنذ إعلان مذكرة التفاهم، علّق هذا الحزب فوراً إطلاق نيرانه على أهداف إسرائيلية، ملتزماً بذلك توجيهات راعيه الإيراني، في محاولة لإظهار أن وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية تحقق بفضل إيران. ويُذكَّر بأن حزب الله لا يعترف باتفاق الهدنة اللبناني-الإسرائيلي، بسبب معارضته الشديدة للمفاوضات المباشرة بين العاصمتين.
ميدانياً، ساد هدوء هش خلال النهار في جنوب لبنان، حيث استهدفت نيران إسرائيلية متفرقة النبطية وكفر تبنيت، حيث قتل مسيّرة إسرائيلية سائق مركبة. كما أُصيب صحافي في هجوم بمسيّرة في البلدة نفسها.
وفي المساء، تحدثت معلومات غير مؤكدة من مصادر رسمية عن تقدم الجيش الإسرائيلي باتجاه تلة علي الطاهر الاستراتيجية، المشرفة على النبطية، وعن اشتباكات مع مسلحي حزب الله.
وسارع عدد كبير من القرويين إلى العودة إلى بلداتهم، رغم تحذيرات الجيش اللبناني.
أما سياسياً، فقد رحبت السلطات اللبنانية بمذكرة التفاهم، فيما سارعت التشكيلة الموالية لإيران إلى استثمار «الانتصار الإيراني»، داعية، عبر المفتي الجعفري محمد أحمد قبلان، إلى تغيير الحكومة. والأخطر هو الحجة التي ساقها. فبحسبه، يجب أن «تمثل» الحكومة الجديدة «التوازنات الوطنية، بعد زوال العوامل التي بررت وصول المعسكر المؤيد لأميركا إلى الحكومة». ويرى المفتي أن التشكيلة الوزارية الجديدة يجب أن تضم «حلفاء حزب الله المسيحيين، ولا سيما التيار الوطني الحر والمردة»، برئاسة جبران باسيل وسليمان فرنجية على التوالي. والهدف هو إعادة شرعية مسيحية إلى تشكيل مرتبط بالكامل بإيران ومعزول تماماً على المستوى المحلي.
كما اعتبر الشيخ أحمد قبلان أن «على لبنان أن ينسحب من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل» المقرر استئنافها في 22 حزيران في واشنطن. فهل ينفذ التنظيم الموالي لإيران تهديداته بإسقاط الحكومة لتحقيق أهدافه؟
وعند سؤاله عن لبنان، قال الرئيس ترامب: «نريد فعلاً أن نرى ما إذا كان بإمكاننا حل مشكلة هذا البلد. إنها جزء صغير جداً مما نقوم به. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون صعباً. علينا أن نجري حديثاً صغيراً مع حزب الله».