شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
عاصفة في السماء الأوروبية
بقلم
روجيه بركه
نُشر

إن التخلي عن «نظام القتال الجوي المستقبلي» SCAF، الذي أعلنت عنه فرنسا وألمانيا هذا الأسبوع بعد سنوات من التوترات، يمثل أكثر من مجرد فشل برنامج صناعي. فهو يكشف التناقضات العميقة التي تطبع اليوم مسار بناء دفاع أوروبي مستقل، في وقت تسعى فيه القارة إلى التحرر من تبعيتها الاستراتيجية للولايات المتحدة. في صلب هذا الإخفاق تكمن مسألة لم تجد قط جوابًا توافقيًا: هل أوروبا قادرة على إنتاج أدوات سيادتها العسكرية عبر جهد مشترك، أم أنها لا تزال مجرد تجاور لمصالح وطنية متنافسة؟ مشروع وُلد من طموح تاريخي أُطلق المشروع رسميًا عام 2017 من قبل فرنسا وألمانيا، قبل أن تنضم إليه إسبانيا، وكان يفترض أن يشكل حجر الزاوية في «أوروبا الدفاعية». وكان الهدف يتجاوز بكثير تصميم طائرة قتالية عادية. فالبرنامج كان يرمي إلى إنشاء «نظام من الأنظمة»، يجمع بين مقاتلة من الجيل الجديد، وطائرات مسيّرة مرافقة، وأجهزة استشعار متقدمة، وقدرات حرب إلكترونية، وبنية رقمية تتيح ربطًا دائمًا لساحة المعركة ضمن شبكة موحدة. في نظر مروّجيه، كان يفترض أن يرمز SCAF إلى بروز استقلال استراتيجي أوروبي في عالم يزداد اضطرابًا. وبعد نحو عقد من الزمن، تبدو الحصيلة قاسية. فعلى الرغم من مليارات اليوروهات التي أُنفقت على الدراسات التمهيدية، لم يتمكن الشركاء يومًا من تجاوز خلافاتهم الجوهرية. الفرنسيون في قفص الاتهام أعاد فشل البرنامج فورًا إطلاق الانتقادات الموجهة إلى شركة «داسو أفياسيون» ورئيسها التنفيذي إريك ترابييه. في بعض الأوساط السياسية الألمانية والأوروبية، يُقدَّم رئيس الشركة الفرنسية على أنه أحد المسؤولين الرئيسيين عن الانسداد. ويتهمه منتقدوه بأنه دافع عن رؤية وطنية مفرطة للبرنامج، لا تتوافق مع منطق التعاون الأوروبي. وفق هذه القراءة، تكون «داسو» قد سعت إلى الاحتفاظ بسيطرة حصرية على التقنيات الحساسة للطائرة القتالية المستقبلية، رافضة تقاسم القيادة فعليًا مع شركائها الألمان والإسبان. وتزداد هذه الانتقادات حدة لأن المجموعة الفرنسية كانت تمتلك موقعًا خاصًا في المفاوضات. إيمانويل ماكرون وإريك ترابييه أمام نموذج لطائرة رافال بألوان يونانية. (AFP) فخلافًا لشركائها، كان بإمكان «داسو» الاستناد إلى خبرة حديثة ومتكاملة في تصميم طائرة قتالية عصرية: «رافال». وبالنسبة إلى كثير من الفاعلين الألمان، استُخدمت هذه الخبرة حجة لفرض علاقة غير متوازنة داخل البرنامج. غير أن «داسو» ترفض هذا التأويل. فمنذ سنوات، تكرر الشركة أن المشكلة ليست أوروبية، بل صناعية. فبرأيها، لا يمكن تصميم طائرة قتالية عبر اللجوء إلى تسويات دائمة بين شركات عدة ودول عدة. ومنطقها بسيط: لا يمكن فصل المسؤولية عن السلطة. فإذا كان مُصنّع ما مكلّفًا بتطوير الطائرة الرئيسية، فعليه أن يمتلك أيضًا سلطة القرار الموافقة لهذه المسؤولية. صورة مركّبة بالكمبيوتر لطائرة SCAF تحمل شارات سلاح البحرية الفرنسية. من هذا المنظور، لم يفشل SCAF بسبب نقص في الروح الأوروبية، بل بسبب حوكمة عاجزة عن الحسم بين المتطلبات المتناقضة للشركاء. ويشدد مؤيدو هذا الطرح على أن التاريخ الحديث لصناعة الدفاع الأوروبية حافل ببرامج أبطأتها التسويات السياسية، والتوزيعات المصطنعة لأعباء العمل، والتنافسات الوطنية. كما يذكّرون بأن «رافال»، التي صُممت تحت قيادة فرنسية، تُعد اليوم أحد أبرز النجاحات الصناعية والتصديرية في القارة. رؤيتان غير قابلتين للتوفيق لأوروبا إن النقاش حول SCAF يتجاوز في الواقع شخصية إريك ترابييه وحدها. فمنذ بداية البرنامج، تصادمت رؤيتان لأوروبا الدفاعية. الأولى، وغالبًا ما تُنسب إلى برلين والمؤسسات الأوروبية، تعطي الأولوية لتقاسم الكفاءات، والتكامل الصناعي، وتجميع التقنيات. نموذج لطائرة SCAF التي كان يفترض إنتاجها بفضل شراكة بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا، غير أن داسو كانت تصر على تولي دور المتعهد الرئيسي. (AFP) أما الثانية، وهي أقرب إلى الموقف الفرنسي، فترى أن التعاون يجب ألا يؤدي إلى تذويب المهارات الاستراتيجية أو إلى خسارة السيادة الوطنية. ويظهر هذا الاختلاف بوضوح في الحاجات العملانية. ففرنسا تطالب بطائرة قادرة على العمل انطلاقًا من حاملات الطائرات، والمشاركة في المكوّن الجوي من ردعها النووي. أما ألمانيا فلا تشاطرها أيًا من هذه القيود. وفي ما يخص إسبانيا، فهي تسعى قبل كل شيء إلى الحفاظ على موقعها في صناعة الطيران الأوروبية، وهو حضور تؤكده مشاركتها داخل «إيرباص». وهكذا، كان المشروع يحمل منذ البداية طموحات متعارضة أحيانًا. الخياران الإيطالي والبريطاني في GCAP لقد سلكت المملكة المتحدة وإيطاليا طريقًا آخر، وراهنتا على نموذج مختلف. وخلافًا لبعض الأفكار الشائعة، لم ترفض روما التعاون الأوروبي. بل اختارت ببساطة نموذجًا آخر من الشراكة. فإلى جانب المملكة المتحدة، تشارك إيطاليا اليوم في «البرنامج الجوي القتالي العالمي» GCAP، الذي انضمت إليه اليابان أيضًا. بمزيد من البراغماتية، تحالف البريطانيون والإيطاليون مع اليابانيين لإنتاج مقاتلتهم من الجيل الجديد، أو “New Generation Fighter”. ويستند هذا الخيار إلى عوامل عدة. أولًا، إن الروابط التاريخية بين الصناعة البريطانية والصناعة الإيطالية متينة للغاية منذ مرحلة «يوروفايتر»، المقاتلة المشتركة التي أُنتجت مع ألمانيا وحققت قدرًا من النجاح في التصدير. ولا ينبغي أن ننسى أن إيطاليا مرتبطة، عبر شركة «ليوناردو»، بالعملاق البريطاني «بريتيش إيروسبيس» BAE، في إنتاج أنظمة التسليح وصناعة الطائرات. كما ترث «ليوناردو» تعاونًا قديمًا بين «أغوستا» و«وستلاند»، وهما شركتان بريطانيتان متخصصتان في المروحيات. ثانيًا، كانت روما تخشى ألا تحتل سوى موقع هامشي داخل برنامج تهيمن عليه فرنسا وألمانيا. وأخيرًا، غيّر انضمام اليابان المعادلة الاقتصادية بعمق. فقد وفر تمويلًا إضافيًا، وخبرة تكنولوجية متقدمة، وإمكانية الوصول إلى سوق رئيسية. وفي نظر كثير من المسؤولين الإيطاليين، كان GCAP يمنح نفوذًا صناعيًا وآفاقًا تجارية أكبر مما كان يوفره SCAF. أوروبا أمام مفارقة ترامب يأتي فشل SCAF في سياق شديد الحساسية. فمنذ سنوات، وبشكل أكبر منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يشدد القادة الأوروبيون على ضرورة تعزيز استقلالهم الاستراتيجي. طائرة F-35 الأميركية، هنا في نسختها ذات الإقلاع القصير والهبوط العمودي. وقد دفعت الشكوك المحيطة بالالتزام الأميركي داخل حلف شمال الأطلسي حكومات عديدة إلى زيادة إنفاقها العسكري والدعوة إلى صناعة أوروبية أكثر اندماجًا. غير أن التخلي عن البرنامج الجوي الأوروبي الرئيسي يؤدي إلى النتيجة المعاكسة تمامًا. فبدل التقارب نحو منصة مشتركة، يجد الأوروبيون أنفسهم اليوم منقسمين بين مشاريع متنافسة عدة. وقد يؤدي هذا التفتت الصناعي إلى تكرار الاستثمارات، وتشتيت الموارد، وبشكل مفارق، إلى استمرار الاعتماد على أنظمة أميركية مثل F-35، التي اختارتها بالفعل دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا والمملكة المتحدة وبولندا وبلجيكا والنرويج وهولندا وغيرها. ربما لا تكمن المشكلة في «داسو» من المغري البحث عن مسؤول واحد عن فشل البرنامج. إلا أن تحليلًا أوسع يقود إلى خلاصة مختلفة. فـSCAF يكشف قبل كل شيء الحدود البنيوية للتعاون الأوروبي في مجال الدفاع. وخلافًا للولايات المتحدة، لا تمتلك أوروبا حكومة فيدرالية قادرة على فرض التحكيم، ولا عقيدة عسكرية موحدة، ولا زبونًا رئيسيًا يمكن مقارنته بالبنتاغون. كل دولة أوروبية تحتفظ بأولوياتها الاستراتيجية، ومصالحها الصناعية، وقيودها المالية. وفي هذا السياق، تبدو الخلافات بين «داسو» و«إيرباص» وباريس وبرلين أقل شذوذًا، وأكثر تعبيرًا عن مشكلة أعمق. ولا ينبغي تجاهل أن أوروبا قطعت بالفعل شوطًا طويلًا على طريق الاستقلال التكنولوجي. فقد أثبتت تعاونات ثنائية قديمة نجاحها التجاري والتكنولوجي: «كونكورد» الفرنسية ـ البريطانية، و«جاغوار»، ومروحيات «لينكس» و«غازيل»، وكذلك طائرة التدريب الفرنسية ـ الألمانية «ألفا جت» التي تستخدمها دورية فرنسا الجوية… والأمثلة كثيرة. كانت «يوروفايتر تايفون» تقدم أصلًا بديلًا عن «رافال». وهي ثمرة تعاون بين لندن وبرلين وروما ومدريد، وقد حققت أداءً جيدًا في التصدير. لكن النجاح التجاري والصناعي الحقيقي يبقى «إيرباص»، الكونسورتيوم الأوروبي الذي سمح ليس فقط بكسر شبه الاحتكار الأميركي للطيران المدني، خارج الاتحاد السوفياتي طبعًا، بل أيضًا بتجاوز المنافس المدني الوحيد الحالي، أي شركة «بوينغ» الأميركية. ولم يكن لـ«إيرباص» أن ترى النور من دون قرار سياسي أوروبي مشترك. ولا يزال هذا المشروع علامة فارقة في مسار التكامل الأوروبي، على غرار معاهدة ماستريخت أو إنشاء اليورو. لكن، للأسف، سيذكر التاريخ أنه في مقابل تعاونات تُوجت بالنجاح، هناك تعاونات أخرى لم تتجاوز مرحلة المفاوضات التمهيدية. درس للمستقبل قد يذكر التاريخ أن SCAF لم يفشل بسبب نقص التمويل أو التكنولوجيا. لقد فشل لأن مروّجيه لم يتمكنوا أبدًا من الإجابة عن سؤال جوهري: من كان يجب أن يقود البرنامج فعليًا، ولمصلحة من؟ دافع الصناعيون عن كفاءاتهم. وحمت الحكومات مصالحها الوطنية. واستدعى المسؤولون السياسيون أوروبا، مع أنهم كانوا يلاحقون أهدافًا متناقضة أحيانًا. كل واحد من هذه السلوكيات قد يبدو عقلانيًا إذا أُخذ منفردًا. لكنها مجتمعة قادت إلى التخلي عن المشروع الذي كان يفترض، تحديدًا، أن يعزز الاندماج والقوة الاستراتيجية للقارة. وفي وقت يتساءل فيه الأوروبيون عن أمنهم في بيئة دولية تزداد اضطرابًا، يشكل فشل SCAF إنذارًا شديدًا. فهو يذكّر بأن الدفاع المشترك لا يمكن أن يقوم فقط على التصريحات السياسية. إنه يتطلب أيضًا إرادة مشتركة للتخلي عن جزء من الصلاحيات الوطنية لمصلحة هدف جماعي. ولعل هذه الإرادة، أكثر من الحرب الأوكرانية والتهديد الروسي، وأكثر من الأزمة الاقتصادية وندرة الأموال، وأكثر من النزعة المشككة في أوروبا لدى بعض القادة الراديكاليين، هي التي غابت في نهاية المطاف. التداعيات على الشرق الأوسط لا يشكل فشل SCAF انتكاسة لصناعة الدفاع الأوروبية فحسب. فقد تكون له أيضًا تداعيات مهمة في الشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال من أبرز الأسواق العالمية للطائرات القتالية. فمنذ عقدين، لعبت دول الخليج وعدة دول في المشرق دورًا أساسيًا في النجاح التجاري لصناعة الطيران الأوروبية. وقد أسهمت مبيعات «رافال» إلى مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة في ضمان استمرارية القطاع الفرنسي. ومن جهتها، تجهز «يوروفايتر» خصوصًا السعودية والكويت. في مواجهة أوروبا وأميركا، تحاول الصين تعويض تأخرها التكنولوجي بقدر المستطاع، وقد نجحت في إنتاج طائرة شبحية، هي «تشنغدو J-20» أو «التنين المهيب»، لصالح جيش التحرير الشعبي. وكان يفترض بـSCAF أن يتيح لأوروبا الحفاظ على هذا الحضور على المدى الطويل، من خلال تقديم منصة قادرة، في أفق 2040 ـ 2050، على منافسة الأنظمة الأميركية والآسيوية المستقبلية. أما التخلي عنه فيفتح اليوم مرحلة من عدم اليقين. من جهة، قد تُغرى فرنسا بمواصلة تطوير عائلة «رافال» بمفردها، أو بتطوير خليفة وطني لها. ومن شأن خيار كهذا أن يحافظ على استقلالها الاستراتيجي، لكنه سيقلص تلقائيًا وفورات الحجم التي كان سيوفرها برنامج أوروبي مشترك. ومن جهة أخرى، قد يفرض GCAP، الذي تقوده المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان، نفسه بوصفه المنافس الأوروبي الرئيسي من الجيل الجديد. وستتابع ممالك الخليج، القريبة تاريخيًا من لندن والمستخدمة أصلًا لـ«يوروفايتر»، تطور هذا البرنامج باهتمام. لكن هذا التفتت قد يضعف في الوقت نفسه الموقع العام لأوروبا في مواجهة الولايات المتحدة. فطائرة F-35 تتمتع اليوم بميزة كبيرة: فهي تُنتج بأعداد ضخمة، وتدعمها القوة العسكرية الأولى في العالم، ومندمجة في منظومة عملانية واسعة يتقاسمها عدد كبير من الحلفاء الغربيين. وكلما انقسم الأوروبيون بين برامج متنافسة عدة، ازدادت صعوبة منافسة هذه الكتلة الحرجة. منافس آخر من الوزن الثقيل: سوخوي Su-57 الروسية. وقد غامرت دول قليلة، مثل الجزائر أو الهند، في هذا المشروع الذي لا يزال أساسًا في مرحلة الاختبار. وبالنسبة إلى دول الشرق الأوسط، قد يترجم هذا الوضع في تنويع أكبر للمورّدين. فبعضها سيواصل تفضيل الأنظمة الأميركية، وبعضها الآخر سيراهن على المنصات الأوروبية، فيما قد تُغرى بعض الأطراف، على المدى الأطول، باستكشاف بدائل ناشئة من آسيا، لأن الصين وكوريا الجنوبية شرعتا في اكتساب تقنيات التخفي الجديدة والسبائك المستخدمة في تصميم المحركات. وبعيدًا عن الاعتبارات التجارية، يطرح اختفاء SCAF سؤالًا أوسع: أي موقع تعتزم أوروبا أن تحتله في البنية الأمنية للشرق الأوسط خلال العقود المقبلة؟ فبيع طائرة قتالية لا يشكل يومًا مجرد صفقة صناعية. إنه يخلق شراكات دائمة، واعتمادات لوجستية، وتعاونًا في مجالات التدريب والصيانة والاستخبارات، وأحيانًا حتى في التوجه الاستراتيجي. إن القرارات المتعلقة بمصادر التزود بالأسلحة تمثل تمرينًا استراتيجيًا بامتياز. فطائرة F-35 الأميركية، على سبيل المثال، صُدّرت أولًا إلى إسرائيل، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، في حين أُقصيت تركيا من المشروع، وبالتالي حُرمت من توريد المكوّنات ومن دفعتها المسبقة البالغة 1.4 مليار دولار، لأن رجب طيب إردوغان اختار شراء منظومة الصواريخ الروسية المضادة للطائرات S-400. وبتخليها عن مشروعها الجوي المشترك الرئيسي، تخاطر أوروبا بخسارة ما هو أبعد من برنامج صناعي. فقد تفقد جزءًا من قدرتها على التأثير سياسيًا في منطقة تزداد فيها المنافسة بين القوى الكبرى احتدامًا. يبقى العائق الرئيسي أمام الروس والصينيين هو الفجوة التكنولوجية. وهي تظهر خصوصًا في مجال الإلكترونيات والمحركات. في هذه الصورة، تكشف الأدخنة السوداء المنبعثة من محركات هذه الطائرة Su-57 عن تصميم يعود إلى ستينيات القرن الماضي.

رسالة البابا حول الذكاء الاصطناعي: برج بابل أم المدينة المقدّسة؟ (2/3)

لتوضيح فكرته ومنحها بُعداً كتابياً، يستخدم البابا لاوون الرابع عشر، في رسالته العامة Magnifica humanitas حول العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، استعارةً مفادها أن على البشرية أن تختار بين بناء «برج بابل» جديد أو بناء «المدينة المقدّسة». وقصة برج بابل هي إحدى الحلقات الواردة في سفر التكوين. فبعد الطوفان بقليل، حين كان البشر جميعاً يتكلمون لغة واحدة، شرعوا في بناء مدينة وبرج يبلغ رأسه السماء، سعياً إلى صنع اسم لأنفسهم. عندها بلبل الله ألسنتهم حتى لا يفهم بعضهم بعضاً، وبدّدهم على وجه الأرض كلها (التكوين 11: 1-9). وقد كان هذا الرمز شديد الخصوبة في تاريخ الأفكار، إذ ألهم تأملات كثيرة حول أصل تعدد اللغات، وقوة الجهد الجماعي، وخطيئة الكبرياء، وشمولية المعرفة، وغير ذلك. أما موضوع «المدينة المقدّسة»، الذي بدأ في سفر نحميا، فإنه يختتم العهد الجديد ويحتل مكانة مركزية في أعمال القديس أوغسطينوس. فالمدينة المقدّسة ترمز إلى كل ما هو ممكن ومرغوب فيه، إنسانياً وإلهياً: السلام، العدالة، علاقات الصداقة بين المسيح وقديسيه، الأمانة العقائدية، وسواها. وبحسب الإيمان المسيحي، فإن على البشرية أن تسمو فوق ذاتها لكي تبني هذه المدينة، وفق التوجهات الكبرى للعقيدة الاجتماعية للكنيسة. لا مسؤولية «الواقعية السياسية» غير أن لاوون الرابع عشر، في وصفه للعالم الذي نعيش فيه، يلاحظ أنه بعيداً من كل الوعود التي قطعتها الأمم على نفسها بعد الحرب العالمية الثانية، ومن صرخة «لن تتكرر الحرب أبداً» التي أطلقتها أوروبا، «يبدو أن منطق التوازن المسلح والردع يعود ليفرض نفسه». ويضيف البابا: «لكن، خلافاً للسيناريو الثنائي القطب في زمن الحرب الباردة، فإن تعدد الفاعلين وجبهات النزاع يجعل هذا المنطق اليوم أكثر هشاشة. ويقود تفاقم المواجهات إلى حروب غير متكافئة و”هجينة“، تُخاض أيضاً على المستويات الاقتصادية والمالية والمعلوماتية، مع اللجوء إلى التضليل والحملات التي تغذي الخوف للتأثير في الرأي العام. في بلدان كثيرة، بما فيها بلدان الجنوب، تُقدَّم زيادة النفقات العسكرية على أنها الجواب الوحيد على مستقبل غامض أو على تهديدات متصوَّرة، فيما يقع الثمن الحقيقي على عاتق الفئات الأكثر فقراً، التي ترى الموارد المخصصة للصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية تتراجع. ويشدد لاوون الرابع عشر على أنه «خلف كل ذلك يختبئ “واقعيّة” زائفة، لا تقوم فقط على منطق القوة الراسخ، بل أيضاً على قناعة ثقافية وأنثروبولوجية، وكأن الحرب جزء لا مفر منه من الطبيعة البشرية. يُقال: هكذا كان الأمر دائماً، باستثناء فترات قصيرة، وهكذا سيبقى دائماً! وبذلك، لا تعود المشكلة هي السلام، الذي فُقد كمرجع في المشهد الدولي، بل كيف ومتى ينبغي التحرك عسكرياً، مع التأكيد أنه سيكون من اللامسؤولية عدم الاستعداد للمواجهة الحتمية. إن اللامسؤولية الحقيقية هي الـRealpolitik، أي ذلك الشكل من “الواقعية” السياسية الذي يزرع في الضمائر كما في الثقافة الاستسلام لفكرة حرب لا مفر منها، ويعتبر السلام والحوار مواقف طوباوية أو غير عقلانية تتجاهل المخاطر القائمة». (§205) نمط إنتاج الاقتصاد الرقمي وفي سياق آخر، يتوقف لاوون الرابع عشر مطولاً عند نمط إنتاج الاقتصاد الرقمي. فهذا الاقتصاد يقوم، كما يقول، «على العمل الصامت لملايين البشر، العاملين في أنشطة قليلة الظهور لكنها أساسية: تصنيف البيانات، مراقبة المحتويات — وغالباً ما تكون شديدة السوء — وتدريب النماذج. وفي حالات كثيرة، يتعلق الأمر بشباب، غالبيتهم من النساء، يعملون بجهد شاق لقاء أجور زهيدة. وإلى هذا الإرهاق غير المرئي، يضاف إرهاق أكثر قسوة، هو استخراج الموارد اللازمة لإنتاج الأجهزة والمعالجات الدقيقة التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي». ويؤكد الحبر الأعظم أنه «في بعض مناطق العالم، يعمل أطفال ومراهقون، في ظروف خطرة، على سحق المواد التي تُستخرج منها العناصر الأرضية النادرة. أجساد موسومة ومشوّهة ومستخدمة كي لا ينقطع تدفق الحسابات أبداً. فضلاً عن ذلك، تستخدم شبكات إجرامية المنصات الإلكترونية، وأنظمة المراسلة، والمدفوعات المجهولة، وتقنيات التنميط، لتجنيد ضحايا الاتجار بالبشر والتحكم بهم ونقلهم، وغالباً ما يكونون من القاصرين، محوّلةً الرجال والنساء إلى “بيانات” قابلة للتتبع و”طرود” قابلة للنقل داخل الدوائر الرقمية نفسها التي تقوم عليها نسبة كبيرة من الاقتصاد العالمي». ويضيف: «إن هذه الحقيقة تخاطب بعمق الضمير الأخلاقي في زمننا. فلا يكفي التذرع بالكفاءة، ولا الاحتفاء بفوائد الابتكار، إذا كانت تقوم على سلسلة استغلال تبقى، عن قصد، غير مرئية». السلام ثمرة العدالة والمحبة بالنسبة إلى البابا بريفوست، «السلام ليس أملاً ساذجاً ولا مجرد غياب للحرب»، بل هو «ثمرة، ممكنة دائماً، للعدالة والمحبة». ولتوضيح هذه الفكرة، يستشهد لاوون الرابع عشر بج. ر. ر. تولكين، الكاتب الكاثوليكي البريطاني الكبير في القرن العشرين، واصفاً مسؤوليتنا على لسان غاندالف، أحد أبطال ثلاثية سيد الخواتم : «ليس من شأننا أن نجمع كل مدّ العالم وجزره، بل أن نفعل ما في وسعنا لمساندة السنوات التي وُضعنا فيها، وأن نقتلع الشر من الحقول التي نعرفها، لكي يجد الذين سيأتون بعدنا أرضاً صالحة للزراعة». أما نحن، الذين تُرش أراضينا الزراعية وبساتين زيتوننا بالغليفوسات والفوسفور، فينبغي لهذه الكلمات أن تلقى فينا صدى خاصاً. المقال المقبل: ضد الوهم ما بعد الإنساني، القدرة على العلاقة والمحبة (3/3) اقرأ أيضاً في الموضوع نفسه: رسالة «Magnifica humanitas» للاوون الرابع عشر، نص تأسيسي حول الذكاء الاصطناعي (1/3)

في البيسارية كما في البرلمان الفرنسي... ريح التمرّد تهبّ

في اللحظة نفسها التي كانت فيها ندوة تُعقد في باريس، داخل مبنى البرلمان الفرنسي، مُفسحة المجال أمام مواطنينا الشيعة الأحرار* للتعبير عن آرائهم، كانت قرية جنوبية ترتفع 180 مترًا عن سطح البحر تلفت الأنظار. ففي يوم الجمعة 5 حزيران، هبّت رياح التمرّد في البيسارية، إذ اندلعت فيها مشادّة بين السكان، وغالبيتهم من الشيعة الاثني عشرية المؤيدين لنبيه بري، وبين عناصر من حزب الله كانوا يريدون نصب منصّات لإطلاق الصواريخ من قلب البلدة. مما اضطر الجيش اللبناني إلى التدخل للفصل بين الطرفين وإعادة النظام. وقد وثّق شريط مصوّر هذا الاشتباك الجماعي الذي جرى، ويا للمفارقة، في شارع ازدانت جوانبه برايات خضراء فستقية اللون تحمل ألوان حركة أمل! وقد وقع هذا الاحتكاك في الوقت ذاته الذي كان فيه مركز عمليات الطوارئ في وزارة الصحة العامة يُبلغنا بأن لبنان سجّل 3558 قتيلًا و10870 جريحًا منذ الثاني من آذار، وهو التاريخ الذي أعاد فيه حزب الله إشعال فتيل المواجهة بحجة الثأر لإغتيال المرشد الأعلى الإيراني. وسيقول البعض إن هذا الثمن ليس باهظًا مقابل الدعم الإيراني الذي أسهم في تحرير جنوب لبنان والمسجد الأقصى. السأم ينتشر كالعدوى غير أن البيسارية لم تكن الوحيدة التي أبدت اعتراضها على سائر الأراضي اللبنانية. ففي الوقت نفسه، وكأنّ الجميع اتفقوا على موقف واحد، تمرّد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء على الخطاب السائد لدى حزب الله. فقد صرّح جوزيف عون لشبكة CNN بأن إيران لا يحق لها استخدام لبنان كورقة مقايضة، وأن نعيم قاسم لا يمثل وطننا، وأن الخيار العقلاني الوحيد يتمثل في التفاوض لوضع حد نهائي لحالة العداء بين لبنان وإسرائيل. أما نواف سلام، فقد شدّد بدوره على أن لبنان ليس ساحة لتصفية صراعات الآخرين، وأن أبناء الجنوب لا ينبغي لهم أن يدفعوا ثمن «حسابات لا يملكون قرارها». وفي هذه الحالة، لم يبقَ إلا أن يدلي الرئيس نبيه بري برأيه! لكننا سنغيب تصريحاته التي تمليها الهيبة والخشية اللتان يثيرهما حزب الله لديه. وعلى أي حال، فإن قرية البيسارية أجابت عنه مسبقًا باسم حركة أمل وباسم جميع الشيعة المستائين من عبثية المعارك المستمرة ومن احتكار الميليشيا الإيرانية للسلطة. وكما هو الحال في سائر أنحاء لبنان، يتسع نطاق السأم ويتعمم في ظل الدمار والنزوح اللذين يطالان السكان. فمهما امتنع نبيه بري، الذي يبدو ثابتًا في موقعه، عن مباركة الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن، فإن قاعدته الشعبية لم تعد، على ما يبدو، راغبة في دفع ثمن مغامرات نعيم قاسم غير المحسوبة. كم انتظرنا طويلًا قبل قلب الطاولة! ذلك أن الأوساط الرسمية اللبنانية كانت، حتى وقت قريب، شديدة التحفظ. فقد كان ينبغي الحذر من إغضاب «المقاومة»، كما والتعامل معها بكثير من اللياقة والحساسية. وباسم احترام تضحيات حزب الله وتقديرها، كان يُفترض عدم المساس بصورته كمحرّر ومقاوم. لكن فجأة، حدث تحول جذري! لم يعد الخطاب هو نفسه. وكأننا أمام «قطيعة إبستمولوجية»، أي تغيير جذري في طريقة النظر إلى الواقع، مما يقطع مع الخطاب السابق ومع الصور النمطية التي فرضها علينا الحزب الإيراني وجماعته. وهذا التحول بحد ذاته يشكل علامة من علامات التحرر، لأن السلطة التنفيذية اللبنانية كانت، على مدى سنوات طويلة، تتبنى خطاب حزب الله. ونتيجة لذلك، بدا كيان الدولة الجمهورية أقرب إلى «الكوميديا ديلارتي» وإلى المهزلة. فقد تحول المسؤولون إلى ممثلين هزليين ومهرجين يسعون إلى الدفاع عن أطروحات حزب الله، رغم أنهم كانوا يرفضونها في أعماقهم. لذلك، فلتذهب إلى الجحيم تلك الحيطة المفرطة التي كانت تُحيط بموضوع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ومن الواضح أن مستوى التوتر سيرتفع، وأن مسارًا من التحرر سينطلق. وسيصل هذا المسار إلى حد إعداد ونشر لائحة رسمية بالجرائم المتسلسلة التي ارتكبها حزب الله. شكرًا للبيسارية، وشكرًا للبرلمان الفرنسي؛ فقد انتهى زمن الخوف الذي كان حزب الله يزرعه في بيئته الخاصة كما في بعض الأوساط السياسية الأخرى. * ندوة «لبنان بين السلم والحرب: شرعية الدولة ودور المجتمع المدني»، البرلمان الفرنسي، باريس، 5 حزيران 2026. وقد حمّل المشاركون فيها حزب الله و«التحالف المقدس» الإيراني مسؤولية الكارثة الراهنة، ودعوا إلى إعادة الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات.

إيران-الولايات المتحدة: مشكلة التسريبات في وسائل الإعلام الإيرانية

هل تُبرم قريباً فعلاً «مذكرة التفاهم» الانتقالية التي يُفترض أن تنهي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟ فالإعلان الانتصاري الذي أدلى به الرئيس دونالد ترامب عن «تفاهم وشيك» مع إيران، بات موضع تشكيك بفعل «تسريبات» في وسائل إعلام إيرانية موجّهة من السلطة، لا تزال تؤكد أن الجمهورية الإسلامية حصلت على كل ما كانت تطالب به: السيطرة على مضيق هرمز، الإفراج الفوري عن الأموال ورفع العقوبات، استثمارات أميركية لإنعاش الاقتصاد الإيراني… وقد جاء منشور لترامب على شبكته الاجتماعية ليعيد الأمور بقوة إلى نصابها. غير أنه يبدو من غير المرجح أن يمنع ذلك التوصل إلى اتفاق، وهو ما تعزز مساء الجمعة بإعلان الوسيط الباكستاني رسمياً أن الطرفين توصلا إلى اتفاق. فماذا جرى خلال هذا النهار الطويل؟ بدأ نهار الجمعة في المشرق بأفضل المؤشرات. وقال الرئيس ترامب من المكتب البيضاوي، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية: «لقد توصلنا للتو إلى اتفاق جيد جداً لإنهاء الحرب مع إيران، وما إن تُستكمل الوثائق، وهو ما يُفترض أن يتم خلال الأيام المقبلة، فمن المرجح أن تكون لدينا مراسم توقيع، ربما في أوروبا». أثار هذا الإعلان من دونالد ترامب، الذي بدا مألوفاً إلى حد كبير، الكثير من الجدل في الصحافتين الأميركية والإيرانية على حد سواء. ففي الصحافة الأميركية، تم التداول على نطاق واسع بأن الاتفاق سيوقَّع قريباً: فقد كتبت وكالة بلومبرغ أن الوثيقة ستوقَّع خلال قمة مجموعة السبع في جنيف، سويسرا، يوم الأحد. وبحسب موقع أكسيوس، فإن زيارة نائب الرئيس جي دي فانس إلى سويسرا كانت قيد الإعداد بالفعل، تمهيداً لتوقيع الاتفاق. وركز الموقع الأميركي على الوساطتين القطرية والباكستانية اللتين يبدو أنهما أتاحتا تحقيق هذا الاختراق. وبحسب أكسيوس أيضاً، فقد وقّع الوسيط القطري «اتفاق المبادئ» مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في طهران. الروايتان الأميركية والإيرانية أما الصحافة الإيرانية، فالتزمت بعادتها كوسائل إعلام خاضعة لتوجيه النظام، ونقلت الاحتمال الكبير للتوصل إلى اتفاق قريب، لكنها أضافت تفاصيل كثيرة حول ما قد تكون عليه بنود الهدنة. وبحسب هذه الوسائل، تكون إيران قد حصلت على حق الاحتفاظ بالسيطرة على مضيق هرمز، والإفراج عن أموالها المجمدة، مع تداول رقم 24 مليار دولار، أو نصفه على الأقل، ورفع العقوبات والحصار الأميركي عن المرافئ، وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة المحاذية لإيران، فضلاً عن الحق في مواصلة تخصيب اليورانيوم. وبحسب وكالة مهر، فإن الصواريخ الباليستية غير مذكورة في النص، كما يمنح الاتفاق الإطاري مهلة ستة أشهر للتوصل إلى اتفاق نهائي. وأشارت الأصداء الآتية من طهران أيضاً إلى أن السلطات الإيرانية لم تتخذ قراراً نهائياً بعد، نافية أن يكون موعد التوقيع قد حُدد يوم الأحد. وكانت هذه «التسريبات» في وسائل الإعلام بمثابة الدودة في الثمرة، إذ فجّرت غضب دونالد ترامب على شبكته الاجتماعية Truth Social. وكتب مندداً: «الشروط التي سرّبها الإيرانيون إلى وسائل إعلامهم لا علاقة لها ببنود الاتفاق الذي توصلنا إليه»، معتبراً أن «الإيرانيين يفتقرون كثيراً إلى الشرف»، وأنه يستحيل التفاوض معهم بحسن نية. وأضاف: «من الأفضل لهم أن يصححوا المسار، وبسرعة!». وقد عرض مسؤول في الإدارة الأميركية الروايةَ الأميركية لمراسل قناة الحدث: لن يتم الإفراج عن أي أموال قبل دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ، وسيتم إخراج اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية، كما سيتم تفكيك المنشآت النووية فعلياً. وبحسب القناة السعودية، فإن بنداً أساسياً آخر سيُلزم إيران بالتخلي عن تمويل أذرعها في المنطقة، وهي مسألة تهم لبنان إلى حد كبير. وأكد هذا المصدر أن الإيرانيين وافقوا على هذه البنود. نتنياهو: إيران لن تمتلك القنبلة على هامش هذه التصريحات المتعلقة باتفاق محتمل قد يُوقَّع قريباً بين واشنطن وطهران، في مسار أُقصيت عنه تل أبيب بشكل واضح، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التأكيد أنه «متفق تماماً» مع دونالد ترامب على أن إيران لن تمتلك أبداً قنبلة نووية، مضيفاً أن ذلك لن يحدث «ما دام رئيساً للوزراء». في غضون ذلك، تواصلت المعارك في جنوب لبنان يوم الجمعة بالحدة نفسها بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله. وبحسب قناة الحدث، أعلن الإسرائيليون أنهم سيطروا على جميع التلال المشرفة على مدينة النبطية الاستراتيجية في جنوب لبنان، فيما يواصل حزب الله هجماته، ولا سيما بواسطة الطائرات المسيّرة. غير أن مصير هذا الجبهة هو المطروح منذ بدأ الحديث عن اتفاق قريب إلى هذا الحد على الجبهة الإقليمية الإيرانية. فمن جهة، تشدد الأصداء في وسائل الإعلام الإيرانية على أن أي اتفاق محتمل سيتضمن بنداً بشأن تهدئة على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان. ومن جهة أخرى، كانت مصادر إسرائيلية قد أكدت أن أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة لن يشمل الجبهة اللبنانية، «بما أن السلطات الإسرائيلية تجري مفاوضات مباشرة مع السلطات اللبنانية ضمن مسار منفصل في واشنطن»، وفق ما تشير إليه وسائل إعلام عربية. ولا يزال السؤال مطروحاً في لبنان، يوم الجمعة، خصوصاً أن وقف إطلاق النار في إيران، مطلع نيسان، لم يؤدِ تلقائياً إلى خطوة مماثلة في لبنان، علماً أن اتفاقات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها عبر المفاوضات المباشرة لم تكن أكثر فاعلية. لكن المؤكد أن هذا الاتفاق المنتظر بدأ يغذي السجال الداخلي. وكما كان متوقعاً، بدأت أصوات حزب الله تعلو لاعتماد خطاب انتصاري. فسارع النائب حسن فضل الله، بنبرته الاستفزازية المعتادة، إلى التأكيد أن أي اتفاق «ستكون له تداعيات» على لبنان، «سواء قبل المسؤولون اللبنانيون بذلك أم لا». ويشير النائب بذلك إلى الحجة الأساسية التي يعتمدها حزبه، ومفادها أن وقف إطلاق نار تفاوض عليه إيران وحده يمكن أن تكون له فرص النجاح. كما وجّه انتقاداً إلى رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، معتبراً أنهما «استُخدما» من قبل واشنطن. صحيح أن حسن فضل الله بدا وكأنه يخفف من حدة موقفه حين أكد أن «إيران لا تسعى إلى الحلول مكان الدولة اللبنانية». غير أن مثل هذه التصريحات استدعت رداً من رئيس الحكومة سلام، الذي أخذ على الجمهورية الإسلامية سعيها إلى إظهار أنها تملك قرار لبنان. ولم ينتهِ السجال حول دور إيران في لبنان، من خلال حليفها المحلي. أما مصادر واشنطن، التي نقلتها وسائل إعلام عدة، فلا تزال تشدد على رغبة الرئيس الأميركي في فصل الملفين. وهذه نقطة ستبقى موضع متابعة في الأيام المقبلة، في ضوء التطورات في المنطقة. سفير سعودي جديد أما لبنان الرسمي، فيواصل من جهته الانخراط في مسار التقارب مع محيطه العربي، الذي أُهمل طويلاً. وإلى جانب القرار السعودي، المتخذ في اليوم السابق، بإعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات الزراعية اللبنانية، وهو قرار يُنتظر أن تكون له انعكاسات كبيرة على القطاع الزراعي في لبنان، لا بد من الإشارة إلى زيارة الموفد السعودي إلى لبنان، يزيد بن فرحان، للرئيس عون في قصر بعبدا مساء الخميس. أما السفير السعودي الجديد، فقد وصل الجمعة إلى بيروت. وفي تطور بارز آخر يوم الجمعة، وبعد جدل طويل حول احتمال تدخل سوري في لبنان لتفكيك حزب الله، على خلفية تصريحات لدونالد ترامب في هذا الشأن، نفى الرئيس السوري أحمد الشرع بشكل قاطع أي ضلوع لبلاده في الجبهة الداخلية اللبنانية.

"ما بيحكّ جلدك غير ظفرك"
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر

يبدو أن العالم يعيش اليوم بين حمى كأس العالم و”منشورات” الرئيس الأميركي Donald Trump على وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتركه من تأثيرات مباشرة على التقلبات الحادة في أسعار النفط والذهب، وعلى الأرباح الطائلة التي تحققها المضاربات المرتبطة بها. غير أن هذا “الضجيج” الإعلامي يخفي وراءه تحولات أعمق وأكثر أهمية، تتمثل في إعادة رسم شبكة التحالفات الإقليمية والدولية نتيجة التداعيات المتسارعة للمواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى. فشركاء الولايات المتحدة العرب في الشرق الأوسط بدأوا إعادة تقييم تموضعهم الاستراتيجي وتحالفاتهم التقليدية، وإن كانت ملامح هذه التحولات لم تكتمل بعد. فالإمارات العربية المتحدة تتخذ موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، وتواصل تعزيز علاقاتها مع كل من إسرائيل والهند، فيما فعّلت المملكة العربية السعودية تعاوناً دفاعياً أوثق مع باكستان، وكثّفت في الوقت نفسه تنسيقها السياسي والأمني مع تركيا ومصر. في ضوء هذه المتغيرات، يبدو أن مصطلح “الشرق الأوسط الجديد”، الذي شاع استخدامه خلال السنوات الأخيرة، لم يعد قادراً على التعبير بدقة عن الواقع الناشئ، أو استيعاب التحالفات الاستراتيجية الجديدة التي تُعيد تشكيل منظومة الأمن والتوازنات في المنطقة. وبذلك، فإن المفهوم التقليدي لـ”الشرق الأوسط الجديد” بات متجاوَزاً أمام الوقائع المستجدة. وبانتظار تبلور هذه التحولات الاستراتيجية بصورة أوضح، تستمر الأسواق العالمية في الانشغال بالمضاربات والتصريحات السياسية التي أصبحت قادرة على تحريك الرساميل والثروات خلال دقائق معدودة. وفي المقابل، تواصل الدول الفقيرة والنامية دفع الثمن الأكبر لهذه التقلبات. فكل ارتفاع في أسعار الطاقة أو الغذاء، وكل اضطراب في الأسواق العالمية، ينعكس مباشرة على حياة المواطنين في هذه الدول، التي تجد نفسها رهينة قرارات وأحداث لا تملك التأثير فيها. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نماذج التنمية المعتمدة، والعمل الجاد على تحقيق أعلى درجات ممكنة من الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والإنتاج، انطلاقاً من تعزيز الوحدة الوطنية وتضافر جهود جميع أبناء الوطن، المقيمين منهم والمنتشرين في مختلف أنحاء العالم. لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في بناء عناصر قوتها الذاتية كانت الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية، والأكثر استقلالية في حماية مصالحها الوطنية. وفي النهاية، تبقى الحكمة الشعبية الأبلغ تعبيراً عن هذه الحقيقة: “ما بيحكّ جلدك غير ظفرك”. فالأمم التي تعتمد على قدراتها الذاتية، وتستثمر في طاقات أبنائها، هي الأقدر على حماية مستقبلها وصون استقلال قرارها الاقتصادي والسياسي.

...ليس السلام هو القضية
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

وسط الضجيج السياسي والإعلامي الذي يرافق المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ينشغل كثيرون بالسؤال التقليدي: هل تريد إسرائيل السلام؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين أم مجرد ترتيبات أمنية فرضتها موازين القوى بعد الحرب؟ لكن الحقيقة أن هذا السؤال، على أهميته، ليس السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان. فالقضية الجوهرية اليوم لا تتعلق بما تريده إسرائيل، بل بما استطاع لبنان أن يستعيده لنفسه بعد عقود طويلة من مصادرة قراره الوطني. للمرة الأولى منذ سنوات عديدة، لا يجلس لبنان على طاولة المفاوضات باعتباره ساحة نزاع أو ورقة تفاوض في أيدي الآخرين، بل باعتباره دولة تمثل نفسها بنفسها. وهذا التحول، بحد ذاته، يشكل الحدث السياسي الأبرز في كل ما يجري. لقد اعتاد اللبنانيون، للأسف، على أن تكون بلادهم جزءاً من صراعات الآخرين. اعتادوا أن تُدار الملفات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم والسيادة والأمن من خارج المؤسسات الشرعية، وأن تصبح الدولة مجرد شاهد على قرارات تُتخذ في أماكن أخرى. في مراحل كثيرة من تاريخنا الحديث، لم يكن لبنان هو الذي يفاوض، بل كان هو الموضوع الذي يُتفاوض عليه. وكان اللبنانيون يدفعون الثمن دائماً. ثمن الحروب التي لم يقرروا توقيتها. وثمن التسويات التي لم يشاركوا في صياغتها. وثمن الصراعات الإقليمية التي حوّلت وطنهم إلى صندوق بريد للرسائل العسكرية والسياسية. اليوم، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، تبدو الصورة مختلفة. ليس لأن إسرائيل تغيّرت فجأة، وليس لأن المنطقة أصبحت أكثر سلاماً، بل لأن الدولة اللبنانية بدأت تستعيد حقاً أساسياً من حقوقها السيادية: حق التحدث باسم لبنان. قد يختلف اللبنانيون حول تفاصيل المفاوضات. وقد تتباين المواقف حول بعض البنود أو التوجهات أو الأولويات. وهذا أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع ديمقراطي. لكن ما يجب أن يكون محل إجماع وطني هو أن القرار اللبناني عاد إلى المؤسسات الدستورية، وأن الدولة هي التي تتولى إدارة هذا الملف باسم جميع اللبنانيين. وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية للمسار الحالي. فالدول لا تُقاس فقط بمساحة أراضيها أو بعدد سكانها أو حجم اقتصادها، بل بقدرتها على احتكار القرار السيادي. والسيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ من امتلاك قرار الحرب والسلم وتنتهي بقدرة الدولة على التحدث باسم مواطنيها في المحافل الدولية. من هذا المنطلق، يصبح النقاش حول نيات إسرائيل أقل أهمية من النقاش حول كيفية حماية المكسب اللبناني المستجد. نعم، إسرائيل تسعى إلى تحقيق مصالحها الأمنية. وهذا أمر لا يحتاج إلى اكتشاف. كل دولة تفاوض انطلاقاً من مصالحها. وكل دولة تبحث عن أمنها واستقرارها. وكل دولة تحاول أن تحصل على أكبر قدر ممكن من المكاسب. لكن السؤال الذي يجب أن يشغل اللبنانيين هو: هل أصبح لبنان أيضاً قادراً على الدفاع عن مصالحه الوطنية من خلال مؤسساته الشرعية؟ إذا كان الجواب نعم، فإننا نكون أمام تحول تاريخي يتجاوز نتائج المفاوضات نفسها. فالاتفاقات يمكن أن تنجح أو تفشل. والتفاهمات قد تُطبق أو تتعثر. أما استعادة الدولة لدورها الطبيعي فتبقى مكسباً استراتيجياً طويل الأمد. لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً عندما تحول قرار الحرب والسلم إلى قرار خارج مؤسسات الدولة. ودفع ثمناً أكبر عندما اختلطت الأولويات اللبنانية بالأجندات الإقليمية. ودفع ثمناً هائلاً عندما أصبح مصير اللبنانيين مرتبطاً بحسابات لا تخضع للمصلحة الوطنية اللبنانية. لذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في الوصول إلى أفضل اتفاق ممكن، بل في منع العودة إلى الوراء. أي منع إعادة انتزاع القرار من الدولة وإعادته إلى ساحات النفوذ والمحاور والصراعات الخارجية. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الجدل حول المفاوضات إلى مواجهة داخلية جديدة بين اللبنانيين. فالتجارب السابقة أثبتت أن الانقسام الداخلي كان دائماً البوابة التي يتسلل منها الخارج إلى القرار الوطني. أما عندما تتوحد المؤسسات حول المصلحة اللبنانية العليا، يصبح لبنان أقوى في مواجهة الضغوط وأكثر قدرة على حماية حقوقه. إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد هدنة على الحدود، بل هدنة مع تاريخه السياسي القائم على ازدواجية القرار. ولا يحتاج فقط إلى ترتيبات أمنية، بل إلى تثبيت مبدأ أن الدولة وحدها هي المرجعية النهائية في القضايا الوطنية الكبرى. هذا هو المعنى الحقيقي لدولة المواطنة التي نناضل من أجلها. دولة لا تُختزل بطائفة ولا بحزب ولا بمحور. دولة يكون فيها جميع المواطنين متساوين أمام القانون، وجميع القوى خاضعة للمؤسسات، وجميع القرارات السيادية صادرة عن السلطة الشرعية وحدها. فلا مواطنة من دون دولة. ولا دولة من دون سيادة. ولا سيادة عندما يكون القرار موزعاً بين مراكز قوى متعددة. من هنا، فإن القيمة السياسية للمفاوضات الحالية لا تكمن فقط في ما قد تنتجه من تفاهمات أو اتفاقات، بل في أنها تعكس بداية انتقال لبنان من موقع الساحة إلى موقع الدولة. من موقع المتلقي إلى موقع الشريك. ومن موقع الورقة إلى موقع صاحب الورقة. وهذا هو التحول الذي يجب أن نحافظ عليه مهما كانت التطورات المقبلة. فإذا كان القرن الماضي قد شهد صراع اللبنانيين حول هوية الدولة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة استعادة الدولة نفسها. دولة قوية بمؤسساتها. دولة حرة بقرارها. ودولة سيدة على أرضها لا يتحدث باسمها إلا من انتخبه اللبنانيون ومن خوله الدستور تمثيل الجمهورية اللبنانية. قد لا تكون الطريق سهلة. وقد تكون مليئة بالعقبات والضغوط والتحديات. لكن ما تحقق حتى الآن يستحق الحماية. لأن الأمم لا تُبنى فقط بالانتصارات العسكرية ولا بالاتفاقات السياسية، بل ببناء المؤسسات واستعادة القرار الوطني. وفي نهاية المطاف، قد يختلف اللبنانيون حول نتائج المفاوضات، لكنهم يجب ألا يختلفوا على حقيقة واحدة: إن لبنان الذي يفاوض بنفسه أقوى ألف مرة من لبنان الذي يتفاوض الآخرون باسمه.