شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
سبيس إكس: ولادة أول قوة عظمى مؤسسية في التاريخ؟

في 12 حزيران/يونيو 2026، شهدت الأسواق المالية في العالم لحظة تاريخية جرت أمام أعينها في الزمن الحقيقي. فبعد ساعات قليلة فقط من إدراجها في البورصة، تجاوزت سبيس إكس العتبة الرمزية البالغة ألفي مليار دولار من القيمة السوقية، لتصبح أكبر عملية طرح عام أولي في التاريخ. أما مؤسسها، إيلون ماسك، فأصبح أول فرد في تاريخ البشرية تتجاوز ثروته الشخصية تريليون دولار. ومن دون مفاجأة، انقسمت وول ستريت فورًا إلى معسكرين. بالنسبة إلى البعض، تمثّل هذه القيمة السوقية التعبير الأقصى عن التجاوزات المضاربية في عصرنا: سوق منتشية بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسرديات النمو اللامحدود. أما بالنسبة إلى آخرين، فهي تعكس ببساطة القيمة المنطقية لشركة أحدثت ثورة في الوصول إلى الفضاء، وتسيطر اليوم على الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، وقد تعيد، على المدى الطويل، تعريف مستقبل البشرية خارج كوكبنا. لكن المعسكرين ربما يطرحان السؤال الخطأ. فالأهمية الحقيقية لإدراج سبيس إكس في البورصة لا تكمن في معرفة ما إذا كانت الشركة تساوي ألفي مليار دولار أم لا. بل تكمن في أن المستثمرين ربما لم يعودوا يقيّمون شركة. بل ربما يقيّمون شكلًا جديدًا من القوة العابرة للسيادة الوطنية. الشركة فوق الوطنية على امتداد التاريخ الحديث، تطورت الشركات داخل هياكل أنشأتها الدول وحمتها. كانت الحكومات تسيطر على الأراضي، وتدير الجيوش، وتبني الطرق، وتقيم العدالة، وتصدر العملات. أما الفاعلون الاقتصاديون والشركات، فكانوا يحققون أرباحهم داخل هذه الأطر المؤسسية. لكن سبيس إكس تطمس اليوم هذه الحدود. فالشركة تمتلك وتدير أكثر بنى الإطلاق الفضائي تطورًا في العالم. ومن خلال ستارلينك، تسيطر على أوسع شبكة اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية تم نشرها على الإطلاق. وقد أصبحت لا غنى عنها للقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات الأميركية. وهي تطوّر في الوقت نفسه قدرات تشمل الاتصالات والدفاع والذكاء الاصطناعي واللوجستيات واستكشاف الفضاء. تاريخيًا، كانت القدرة على إسقاط القوة خارج الحدود الوطنية حكرًا شبه كامل على الدول. لكن ذلك كان قبل العصر الرقمي. اليوم، تسقط سبيس إكس قدراتها إلى ما هو أبعد حتى من كوكب الأرض. لم يعد الأمر مجرد إنجاز تكنولوجي. إنه إنجاز جيوسياسي. كل عصر ينتج عملاقه يشهد التاريخ أحيانًا بروز شركات تتجاوز وظيفتها التجارية الأصلية لتصبح البنى التحتية المؤسسة لعصرها. فمنذ عام 1602، موّلت شركة الهند الشرقية الهولندية وسهّلت أول حقبة كبرى من التجارة العالمية. وأصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية إحدى الأدوات الرئيسية للتوسع الإمبراطوري البريطاني. وحوّلت السكك الحديدية التجارة وجغرافيا القرن التاسع عشر. أما ستاندرد أويل، فقد غذّت العصر الصناعي. وبنت آي بي إم عصر المعلومات. وقدّمت مايكروسوفت نظام التشغيل للثورة الرقمية. وحوّلت آبل الهاتف الذكي إلى عنصر مركزي في الحياة الحديثة. كل هذه المؤسسات أصبحت أكثر من مجرد شركات. لقد تحولت إلى منصات بُنيت عليها أنظمة اقتصادية كاملة. ويبدو أن سبيس إكس تسلك اليوم مسارًا مشابهًا. لكنها، خلافًا لأسلافها، تعمل في وقت واحد ضمن مجالات استراتيجية عدة: النقل، والاتصالات، والدفاع، وبنى البيانات التحتية، والفضاء. لم تحاول أي شركة من قبل دمج هذا العدد من الأنظمة الحساسة تحت سقف واحد. الحدود الجديدة للتنافس بين القوى الكبرى لا يمكن فصل صعود سبيس إكس عن المنافسة الجيوسياسية الأوسع التي ترسم ملامح القرن الحادي والعشرين. فخلال العقود الثلاثة الماضية، نقلت العولمة جزءًا كبيرًا من الإنتاج الصناعي إلى آسيا، وخصوصًا إلى الصين. وقد رسّخت بكين تدريجيًا مواقع مهيمنة في قطاعات التصنيع، والمعادن الاستراتيجية، والبطاريات، وتكنولوجيا الطاقة الشمسية، وسلاسل الإمداد الصناعية. ووجدت الولايات المتحدة نفسها عاجزة أكثر فأكثر عن المنافسة وفق المعايير الصناعية التقليدية. لكنها احتفظت بميزة حاسمة: الابتكار التكنولوجي. فتركيز رأس المال المغامر، والثقافة الريادية، والمواهب التكنولوجية، والأسواق المالية داخل وادي السيليكون لا يزال بلا نظير في العالم. وربما تمثل سبيس إكس التعبير الأكثر صفاءً عن ذلك. فبينما تتقن الصين منطق الحجم الصناعي، تواصل أميركا الهيمنة على خلق منظومات تكنولوجية جديدة بالكامل. لذلك، تتجاوز أهمية سبيس إكس بكثير عائدات مساهميها. فالشركة تمثل محاولة لإقامة موقع مهيمن في المجال الاستراتيجي المقبل، حتى قبل أن تُكتب قواعد اللعبة. وبات سباق الفضاء يشبه أكثر فأكثر السباق إلى السيطرة على البحار الذي شكّل القرون السابقة. اندماج السلطة الشركاتية وسلطة الدولة يكمن أحد أبرز جوانب سبيس إكس في التلاشي التدريجي للحدود بين السلطة العامة والشركة الخاصة. فالشركة هي في الوقت نفسه مزوّد تجاري لخدمات الإطلاق الفضائي، ومتعهد دفاعي، وشبكة اتصالات عالمية، وأصل استراتيجي استخباراتي، ومكوّن أساسي في التخطيط العسكري الغربي. وقد ظهرت الأهمية الجيوسياسية لستارلينك بوضوح خلال الحرب في أوكرانيا، ثم امتدت منذ ذلك الحين إلى مناطق عديدة ذات أهمية استراتيجية كبرى. وقليلة هي الشركات في التاريخ التي مارست تأثيرًا مباشرًا بهذا الحجم على النتائج العسكرية والسياسية. بطبيعة الحال، تعمل سبيس إكس في عالم جديد جذريًا. لكن تراكم القدرات الاستراتيجية في يد كيان خاص واحد يثير أسئلة لم تبدأ الحكومات إلا بالكاد في التفكير فيها. إلى أي حد ينبغي أن تمتد سلطة شركة ما؟ وماذا يحدث عندما تصبح الحكومات معتمدة عليها؟ هل يمكن تبرير قيمة سوقية تبلغ ألفي مليار دولار؟ لا يزال النقاش حول القيمة السوقية لسبيس إكس بعيدًا عن الحسم. فالنماذج التقليدية للتقييم تعجز عن استيعاب التكنولوجيا التخريبية. كيف يمكن تقييم شركة تشمل طموحاتها في الوقت نفسه البنى التحتية العالمية للاتصالات، والإنتاج الصناعي في المدار، واللوجستيات القمرية، ودمج الذكاء الاصطناعي، والنقل بين الكواكب، واستغلال موارد الكويكبات؟ الحقيقة أن نماذج خصم التدفقات النقدية تصبح أقل موثوقية عندما تُطبّق على أسواق لم توجد بعد. هذا لا يعني أن القيمة غير عقلانية. ولا يعني أيضًا أنها مبررة. بل يعني ببساطة أن المستثمرين يحاولون خصم مستقبل بالغ الافتراض. تحذير من التاريخ المالي يستحق توقيت إدراج سبيس إكس في البورصة اهتمامًا خاصًا. فهو يأتي بعد واحدة من أكثر فترات المضاربة التكنولوجية استثنائية في التاريخ الحديث. لقد انفجرت القيم المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وتسيطر أسهم التكنولوجيا على المؤشرات العالمية. وبلغت مشاركة المستثمرين الأفراد مستويات قياسية. كما وصلت الرافعة المالية إلى مستويات قصوى. لقد حلّت السرديات الجذابة محل الأسس الاقتصادية والمالية. وتاريخيًا، كثيرًا ما رافقت مثل هذه البيئات المنعطفات المالية الكبرى. فكل فقاعات الاستثمار تغذت من ابتكارات حقيقية. وكلها انتهت بعمليات تصحيح مؤلمة. يعلمنا التاريخ أن التكنولوجيا الثورية والتجاوزات المضاربية ليستا ظاهرتين متعارضتين. بل تميلان، على العكس، إلى الظهور معًا. من المرجح أن يغيّر الذكاء الاصطناعي والاتصالات الفضائية العالم. لكن المستثمرين الذين اشتروا الثورات التكنولوجية الكبرى عند ذروة الحماسة المضاربية اكتشفوا غالبًا أن أفضل الأفكار يمكن أن تتحول إلى استثمارات سيئة عندما تُشترى بأسعار غير واقعية. الرسالة الحقيقية لإدراج سبيس إكس في البورصة في النهاية، قد لا تكون أهمية إدراج سبيس إكس في البورصة مرتبطة كثيرًا بسعر سهمها. ولا بثروة إيلون ماسك الشخصية. فمعناها الحقيقي يكمن فيما تكشفه عن تطور العلاقة بين الدول والتكنولوجيا ورأس المال. على مدى قرون، عملت الشركات داخل أطر وضعتها الحكومات. أما اليوم، فتبدو الحكومات أكثر اعتمادًا على الشركات لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. ومع دخول العولمة مرحلة جديدة تتسم بالتنافس التكنولوجي، وتفكك سلاسل الإمداد، وعودة المنافسة الجيوسياسية، تصبح كيانات مثل سبيس إكس فاعلًا كاملًا على الساحة الدولية. هل سيعزز هذا التطور النظام العالمي أم سيساهم في إضعافه؟ لا أحد يعرف. لكن المؤكد أننا نشهد بروز عالم يميل فيه كل من القوة الاقتصادية، والقوة التكنولوجية، والقوة الجيوسياسية إلى التركز في الأيدي نفسها. سيواصل السوق، بلا شك، مناقشة مسألة ما إذا كانت سبيس إكس تساوي فعلًا ألفي مليار دولار. لكن السؤال الأكثر إثارة للقلق قد يكون في مكان آخر: من سيحكم المستقبل عندما يصبح بناة المستقبل أقوى من الحكومات التي يُفترض بها أن تؤطرهم؟

التفاهم والمصالحة
بقلم
هشام دبسي
نُشر

تحرّك الرئيس ترمب بسرعة قياسية غير متوقعة، إثر إعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز مجدداً ، و وجّه نقمته هذه المرّة إلى حليفه نتنياهو ، فارضاً عليه وقفاً لاطلاق النار في الجنوب اللبناني. حرصاً على سلامة مسار المفاوضات في محطته السويسرية . إلا أنّ يوم الاغلاق الجديد هذا ، لم يمنع عبور خمسة وخمسين ناقلة نفط عملاقة إلى أسواق العالم بحماية أميركية حسب بيانات القيادة العسكرية المركزية فضلا عن تصريحات ترمب ونائبه فانس. الآن، ليس مهماً البحث في صِدْقيّة الطرفين ، ولا ضرورة لتقصّي الحقائق في كل تفصيل ، حيث تُبيح "مذكرة التفاهم" للطرفين تسويقها بما يناسب احتياجاتهم. إلا أن مجرد إعلان طهران مجدّداً عن اغلاق المضيق - حتى وإن لم تنفذ - صار حدثاً سياسياً بذاته يدفع الادارة الامريكية للتحرّك ولو على حساب الجيش الاسرائيلي، مفخرة الصناعة الحربية الامريكية في الشرق الاوسط. لقد بالغ الرئيس ترمب قليلاً بإعلانه تدمير سلاح الجو وسلاح البحر، لكنه لم ينتبه بأنه لم يستطع تدمير سلاح المفاوضات الايراني ولا يريد الاعتراف بذلك، في الوقت الذي برهن الإيراني على قدرات تفاوضية لا تتناسب مع وضعه الحالي و تتجاوز ميزان القوى . مجتبى المرشد الجديد ما زال يتحدّث من خلف حجاب ، و جمهوره في توقٍ لرؤيته، أما اعوانه المُقَرّبين أكثر دراية منه في حال الجمهورية بعد كل ما جرى من تدمير واسع النطاق للقدرات والمباني والأسلحة ويدركون أيضاً حاجتهم المُلِحّة للهدوء والمال والوقت وهذا ما منحتهم إياه "مذكرة التفاهم" ، بوابة المصالحة مع الشيطان الأكبر. لكنّهم يدركون أيضاً أن المُصالحة تحتمل حصول انهيارات داخلية، خاصةً و أنّ سياسات واشنطن لم تقنعهم و من خلفها اسرائيل المعترضة على "مذكرة التفاهم" بما هي ضمانتهم الوحيدة ، فإن وافق عليها المرشد الاعلى، فَقَدَ النظام مساحة المُناورة وان رفضها، تتعاظم الخسائر و كلا الخيارين أحلاهما مُرّ. لذا اختصر توجيهاته لاعوانه و شعبه بكلمتين يفصح فيها عن القبول على قاعدة عدم القناعة. بالأمس، في المنتجع السويسري وبعد النجاح الذي حققته دولة الباكستان بمساعدة "حيوية" قَطَريّة، أثمر اللقاء الاول والمباشر بين الوفدين عن رسالة ايجابية، لم يعَكّرها إلا تصريحات المتشددين في طهران و ردود فعل الرئيس ترمب المتسرّعة ، وهذا ما يذكر الجميع بهشاشة العملية السياسية حتى الآن وقابليتها للانهيار مجدّداً، إذ ما زال العقل السياسي الايراني تحت وطأة نظرية "الحَبَل بلا دَنَس" خاصةً إذا كان الزواج مع إدارة يقودها تاجر عقارات يتحدث بفظاظة وفضائحية. حدود اللعبة اياً تكن ملاحظات المعترضين على نص "مذكرة التفاهم" ، وفيها جانب من الصحة، إلا أن وظيفتها الأساسية ليس بظاهرها وانما بالملاحق السّرّيّة المصاحبة لها سواء كانت مكتوبة ام شفهية، و دورها هو دخول الايراني الى الغرفة السوداء الثنائية للمفاوضات المباشرة وجهاً لوجه. و عندما ينجح الوسطاء بإعداد غرفة التفاوض الثنائي المباشر، لن يتذكر أحد نواقص و ثغرات "مذكرة التفاهم" لأن مسار المفاوضات الايرانية - الاميركية عندما ينطلق و يترسخ لن يكون الا ترجمة مباشرة لموازين القوى الواقعية وليس للتشاطر والمراوغة. وبهذا المعنى، لا مجال في المفاوضات المباشرة لنظرية "الحَبَل بلا دَنَس". هذا ما يعرفه جيداً قادة النظام الإيراني ، وجُلّ ما يرغبون به هو حفظ رأس النظام وضمان عدم التعرّض مجدّداً للهجمات التي هدّدت وجودهم وسلطتهم. وهذا لا يعني أن القيادة الإيرانية لن تبذل كل ما تستطيع من أجل الحصول على اتفاق يناسبها، بل يعني أن قواعد اللعبة تتغير من مرحلة العداء و الصراع و المناكفة إلى مرحلة التفاهمات المؤقتة، وصولاً إلى المصالحة. هنا يمكن قراءة التجربة المَصرِيّة في المصالحة مع الولايات المتحدة عبر اتفاقية "كامب ديفيد" مع اسرائيل ، وكذلك اعادة قراءة التجربة الفلسطينية وعنوانها "اتفاق أوسلو" ، لندرك التباين الكبير في النتائج بين الحالة المصرِيّة والحالة الفلسطينية عندما يسود منطق ميزان القوى الواقعي وليس الافتراضي . الآن ايران أمام تجربتها الخاصّة، وحالتها الحاملة لإرث الجمهورية الاسلامية وخلفه ارث الدولة الشاهنشاهية الماثل حتى اليوم؛ فضلاً عن إرث الحروب التي لم تتوقف لحظة منذ وصول قائد الثورة الامام الخُمَيْني إلى سُدّة الحُكُم، سواء كانت حروب ضد الشعوب الإيرانية أو ضد الشعوب العربية والاسلامية، من افغانستان حتى اليمن ما يجعل الحرب الاخيرة مع اسرائیل و امیرکا من أقصر الحروب لكنها الأخطر على النظام والدولة. ولأنها كذلك وصلت اللعبة الى حدها الاقصى؛ حيث لم يبْقَ من الدولة الإيرانية إلا شعب يعاني الجوع والمرض وجيش مازال لديه صواريخ وقادة لا يكترثون لشعبهم ولا لجيرانهم. دينامية جديدة ساعة المنتجع السويسري، بدأت العد التنازلي لمدة الشهرين المتفق عليها في "مذكرة التفاهم" و قضايا الحوار الأساسيّة ليست تلك المُعْلَنَة "النووي ، العقوبات، الارصدة المجمّدة، وغيرها" بل هي قاعدة العلاقات الثنائية الاميركية- الايرانية في المستوى الامني اولاً وعلى المستوى الاقتصادي ثانياً وصولاً إلى المصالحة السياسية. و هذه القضايا الثلاث ( الامن و الاقتصاد و السياسة) هي العناوين التي تستوعب كافة الملفات المُختَلَفْ عليها، و هي عناوین تحتاج إلى ديناميّة جديدة في المفاوضات لا علاقة لها بالديناميّة التي أنتجت "مذكرة التفاهم". ولها أيضاً أولوياتها من اجل انتاج مصالحة سياسية قابلة للحياة، في مقدّمها انتاج سياسات امنية عَميقَة يطمئن لها النظام الإيراني وترضى عنها الولايات المتحدة التي تعتبر ايران حتى الآن فجوة أمنية في منطقة عمل القوات الأميركية في الشرق الأوسط الكبير "السنتكوم" ، وهذا يستتبع ايضاً الامن الاقليمي لمنطقة الخليج والدول العربية. فضلاً عن دول وسط آسيا في المحور الاوراسي الكبير، هذا الامر يتطلّب حسم مصير الاقتصاد الإيراني ثاني أكبر اقتصاد بعد المملكة العربية السعودية. وهنا يجدر الذكر بأنّ سبب انسحاب الرئيس ترمب من "الاتفاق النووي" هو الاقتصاد قبل الأمن حسب تصریحاته. إن الوقت قصير نسبياً لانجاز القضايا الأساسية إذا استمرت المفاوضات على طريقة الأرجوحة، وهو كافٍ إذا تعلّمت إدارة ترمب درساً في المفاوضات من خصمها اللّدود، وهذا ليس عيباً في السياسة. وهنا تبدو المسؤولية الامريكية أكبر بكثير من المسؤولية الإيرانية ، وإلا على الولايات المتحدة الاقرار بهبوط مكانتها إلى مستوى دولة اقليمية وليس كما تُصَرّح وتُمارِس بصفتها دولة كبرى. لا بد من الاشارة أيضاً إلى دور دول الوساطة الأربعة ( باكستان، السعودية، مصر، تركيا ) بصفته يعكس ثقل الناتج السياسي للقمم العربية والاسلامية معاً، وقدرته على التأثير الفعّال في عواصم العالم من بكين إلى موسكو إلى دول الغرب الاوروبي وكذلك علاقاته مع الدول اللاتينيّة. و قد وصل هذا التأثير الى الولايات المتّحدة باعتراف صريح من الرئيس ترمب. لذا لا يمكن لأحد التجاوز والقفز عن حقائق موضوعية برهنت على قدراتها، لأن دول الوساطة خلال الفترة القادمة قادرة على أن تكون لاعباً وازناً في معادلات المنطقة والعالم ، و هي تعلن ذلك وما يصدر من تصريحات واضحة المعالم والاتجاه عن وزراء خارجية الدول الاربعة في لقائهم الاخير في القاهرة لا يمكن اعتباره تفصیل او قناعة بدور الوساطة وهذا ما لا تفعله اسلام آباد و الرياض وانقرة والقاهرة بعد مِراسٍ طویل من الاشتباك السياسي والامني و الدبلوماسي على أكثر من محور واكثر من قضية بينما الآن نشهد الاشتباك على مستقبل المنطقة وهذه الدول هي الاساس فيها وعليها يدور الصراع أيضاً. البرازيل نموذجاً تُعدّ البرازيل من الدول الصاعدة في المسرح العالمي من خلال مجموعة العشرين و مجموعة البريكس بحجم سكاني و اقتصاد تريليوني يسمح لها كدولة كبرى فی امريکا اللاتينية ان تجسّد طموح شعبها بأعراقه المتعددة كي تصبح قطبأ في عالم متعدد الاقطاب فإن دورها هذا يفصح عنه بيان مقتضب صادر عن وزارة خارجيتها فى19 حزيران الجاري يرحّب بتوقيع "مذكرة التفاهم" من اجل انهاء النزاع ويحثُّ الاطراف على الالتزام التام بالبنود المتّفق عليها ويدعو تحديداً [إلى الوقف الكامل للأعمال العدائية على جميع الجبهات بما فيها لبنان وإلى مواصلة الانخراط في مفاوضات لضمان ابرام اتفاق سلام شامل وتؤكد البرازيل مجدّداً على تحقيق الاستقرار والأمن الدائمين في الشرق الاوسط ولا سيما في دولة فلسطين في كل من غزة والضفة الغربية]. بهذه العبارات الواضحة والبسيطة والمحدّدة بدقّة عبّرت دولة البرازيل عن موقف لا يستطيع رفضه اي مواطن لبناني او فلسطيني ، حيث تَجَلّت المقاربة الدولتية "لمذكرة التفاهم"، في الوقت الذي ضجّت وسائل الاعلام المحلّيّة بالمقاربات المتباينة يميناً و يساراً مقاربات تجاوزت حدود الوظيفة المؤقتة "لمذكرة التفاهم" عبّرت عن نزق سياسي لدى من لا يتوافق نص المذكّرة مع طموحه او رغباته أو أوهامه السياسية او يأسه من الواقع الصعب والمعقّد، الذي يواجه لبنان وفلسطين على خصوصية كل طرف وتباين موقعه و دوره. في الوقت الذي يُتاح للشرعيّة اللبنانيّة فرصة التقدم الحيوي والوازن للبرهنة على قدرتها. وكذلك فرصة الشعب الفلسطيني للتمسّك بحقّه السياسي و دولته المستقلّة. لقد منَحَت البرازيل دعماً لجنوب افريقيا في محكمة العدل الدولية ضد اسرائيل و قدّمت منحة ماليّة لوكالة الأونروا، بينما ايران الحرس الثوري لم تعترف بدولة فلسطين و لم تقدّم لشعوبنا سوى الموت و الدمار.

من لوسارن إلى واشنطن، لبنان يدافع عن سيادته

تواصلت، الاثنين، في لوسرن بسويسرا، المفاوضات بين الوفدين الإيراني والأميركي عقب الاتفاق الإطاري الذي وُقّع بين الطرفين الأسبوع الماضي. غير أن هذا المسار الدبلوماسي لا يزال في بداياته، فيما تبقى العديد من مناطق الغموض قائمة. وتتزايد التساؤلات: هل نتجه نحو مرحلة تستعيد فيها إيران نفوذها في المنطقة، أم نحو حقبة من التوازنات الإقليمية؟ ولعل لبنان هو أحد أكثر الأماكن التي تُطرح فيها هذه الأسئلة. في مساء الاثنين، أفاد مسؤول أميركي بالتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل لإنشاء آلية لمراقبة وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، بإشراف «سنتكوم»، القيادة المركزية الأميركية. وأضاف المسؤول أن الاتفاق سبقه اتصال أجراه وزير الخارجية ماركو روبيو مع الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكانت المسألة اللبنانية في صلب المفاوضات في سويسرا، وقد سعت إيران إلى نسب الفضل لنفسها في وقف إطلاق النار في الجنوب، في حين أن المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لا تزال مقررة غداً الثلاثاء في واشنطن. ونظراً إلى المحادثات التي أجراها جاي دي فانس مع الإيرانيين في سويسرا بشأن جنوب لبنان، من دون أي تشاور مسبق مع السلطة اللبنانية، وهو ما يشكل هفوة خطيرة، حرص الرئيس جوزاف عون على وضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن لبنان يرحب «بكل مساعدة من أجل إنهاء الحرب»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه يميز بوضوح بين المساعدة والتدخل، في إشارة واضحة إلى إيران. وقال بلا مواربة: «نحن بلد سيّد، ولا أحد يفاوض باسمنا». وقد باشرت سفيرة لبنان في واشنطن، ندى حمادة معوض، اتصالات مع كبار المسؤولين الأميركيين لنقل هذا الموقف إليهم، مشددة على أن أي تفاوض يتعلق بلبنان يجب أن يتم بالتشاور المباشر مع الرئيس عون. وعلى إثر هذا الموقف الحازم الذي اتخذته بعبدا، اتصل كل من جاي دي فانس، والمفاوض الأميركي جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، برئيس الجمهورية للتباحث معه في الإجراءات التي طُرحت في سويسرا بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، والتي تتمثل في «خلايا لخفض التصعيد». ومن المفترض أن تُشرف على هذه الخلايا لجان تضم لبنانيين وأميركيين وإيرانيين. ويوازي هذا الإجراء فكرة «المناطق النموذجية» التي ذُكرت في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن. وإذا كان الرئيس اللبناني قد اتخذ هذا الموقف الحازم حيال المفاوضات التي جرت من دون التشاور مع السلطة، فذلك لا يعود فقط إلى المفاوضات نفسها، بل أيضاً إلى مواقف جميع أقطاب المعسكر الإيراني. ولعل المثال الأبرز في هذا السياق يتمثل في اللوحات التي نُصبت على طريق المطار، وتُظهر المرشد الأعلى الإيراني الذي اغتيل، علي خامنئي، ونجله، المرشد الحالي المفترض، الذي لا يزال متوارياً عن الأنظار، مجتبى خامنئي، مع عبارة ضخمة تقول: «شكراً لإيران الوفية»! وإلى جانب التصريحات المتكررة لكوادر حزب الله التي تنتقد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وتشيد بموقف نظام الملالي، أطلق قائد «فيلق القدس»، التابع للحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، الاثنين، تهديداً بالغ الدلالة ضد إسرائيل. وقال: «إذا لم تنسحبوا طوعاً من جنوب لبنان، فستتكبدون هزيمة شبيهة بملحمة العام 2000». وبذلك تكون إيران قد استولت، بشكل مباشر، على ما كان في السابق مصدر فخر لحزب الله، أي الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار 2000. النووي والقمح والذرة في لوسرن... في لوسرن، وعلى الرغم من توترات مساء الأحد، استمرت المحادثات طوال الليل من الأحد إلى الاثنين. وبدت الأصداء، صباح الاثنين، إيجابية لدى الطرفين، حتى وإن بقيت الخلافات في وجهات النظر قائمة. وقد غادرت الوفود الرسمية لإفساح المجال أمام وفود «تقنية» لمواصلة النقاشات. في اليوم السابق، تسببت التصريحات «النارية» للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي هدد بضرب إيران إذا «لم توقف دعمها لوكلائها»، ولا سيما حزب الله في لبنان، في مغادرة الإيرانيين قاعة المفاوضات قبل أوانها، ما أوحى باحتمال حصول تعثر. غير أن الحكومتين الباكستانية والقطرية أعلنتا، صباح الاثنين، تحقيق «تقدم مشجع». وهكذا أفضت المحادثات إلى «خريطة طريق لمناقشات تمتد على 60 يوماً»، وفتحت الباب أمام مفاوضات تقنية فورية. من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بفخر أن المحادثات حققت «تقدماً كبيراً»، معرباً خصوصاً عن ارتياحه لرفع القيود عن صادرات النفط والمنتجات البتروكيميائية. كما أكد رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة. أما في الملف النووي، فقد أقرت إيران بحصول «مناقشات مقتضبة جداً» خلال المفاوضات في سويسرا. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن أي تفاصيل لم تُبحث بعد. ومن جانبه، يُنتظر أن يتوجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان غداً الثلاثاء لمواصلة المشاورات بشأن المفاوضات. أما نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، رئيس الوفد الأميركي، فكان كثير التصريحات. فقد اعتبر أن المحادثات أفضت إلى قاعدة صلبة جداً، مسلطاً الضوء على أن الإيرانيين قبلوا بعودة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإجراء عمليات تفتيش لديهم، وهو ما نفاه الإيرانيون لاحقاً بشكل قاطع. كما قال إنه واثق من أن البرنامج النووي الإيراني أصبح من الماضي نهائياً، في تباين واضح مع غموض التصريحات الإيرانية في هذا الشأن. وفي وقت لاحق من النهار، شرح جاي دي فانس البنود المالية في «الصفقة» خلال مؤتمر صحافي، محاولاً تبريرها أمام الرأي العام الأميركي، إذ شدد على أن «الأموال الإيرانية المفرج عنها ستخدم مصالح المزارعين الأميركيين»، في إشارة إلى صفقات محتملة مقبلة، لا سيما في ما يتعلق بالقمح والذرة. وحرص على التأكيد أن الولايات المتحدة ستضمن ألا تستخدم إيران الأموال التي ستصل إليها «لتمويل الإرهاب». وهي طريقة للرد على الانتقادات العديدة التي بدأت تستهدف هذه المفاوضات. تلة علي الطاهر على الجبهة الإسرائيلية، يبدو أن التهدئة هي السائدة في الوقت الراهن. فقد أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي وجّه إلى مجنديه إشعاراً بالتسريح بسبب وقف إطلاق النار. وعلى الأرض، شهد الجنوب هدوءاً لليوم الثالث على التوالي، مع تسجيل بعض الخروقات المحدودة. وقد أتاح وقف إطلاق النار عودة حذرة إلى القرى الواقعة على خطوط المواجهة الأولى، كما أتاح اكتشاف جثث قتلى كانت لا تزال تحت الأنقاض. وفي تقرير إعلامي آخر لافت، بثته القناة 12 أيضاً، ورد تفسير لشدة المعارك التي دارت حول تلة علي الطاهر الاستراتيجية، الواقعة في مرتفعات النبطية في الجنوب. وبحسب التقرير، تشكل هذه المنطقة قاعدة أساسية لحزب الله، وهي عبارة عن شبكة متداخلة من الأنفاق، يديرها خصوصاً جنرالات من الحرس الثوري الإيراني. ووفقاً للتقرير نفسه، فإن اقتراب القوات الإسرائيلية من هذه المنطقة هو ما يفسر الاهتمام الإيراني المفاجئ بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان. ومن جانبها، لا تعتزم إسرائيل بالتأكيد ترك هذا الموقع البالغ الأهمية لحزب الله، وهي تسعى منذ الآن إلى انتزاع موافقة، عبر المفاوضات، على أن تكون تلة علي الطاهر ضمن «المناطق النموذجية» الموضوعة تحت سيطرة الجيش اللبناني، تمهيداً لإخراج حزب الله منها. فهل يمكن أن تكون هذه النقطة هي الشرارة المحتملة لمعارك جديدة في حال فشل هذه المساعي؟ في جميع الأحوال، أعلن كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، الاثنين، أن «الجيش الإسرائيلي يحتفظ بحرية الحركة في لبنان».

قراءة في التخلي عن مشروع الطائرة القتالية الفرنسية-الألمانية

يعرض مقال روجيه بر كه «عاصفة في السماء الأوروبية» – Levant Time، 13 حزيران 2026 – الأسباب المطروحة للتخلي عن مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي SCAF. ويقدّم هذا المقال إضاءة خاصة على العلاقات الفرنسية-الألمانية كما يراها كثيرون في فرنسا، كما يسلّط الضوء على هذا التخلي المؤسف. وفي ما يلي بعض المقتطفات اللافتة من مقدمة المقال المشار إليه: «لقد أعاد فشل البرنامج فوراً إطلاق الانتقادات الموجّهة إلى شركة داسو أفياسيون ورئيسها التنفيذي إريك ترابييه. ففي بعض الأوساط السياسية الألمانية والأوروبية، يُقدَّم رئيس الشركة الفرنسية على أنه أحد أبرز المسؤولين عن هذا الانسداد. ويتهمه منتقدوه بأنه دافع عن رؤية شديدة الطابع الوطني للبرنامج، لا تتوافق مع منطق التعاون الأوروبي. ومنذ سنوات عدة، يكرّر إريك ترابييه أن المشكلة ليست أوروبية بل صناعية. وبرأيه، لا يمكن تصميم طائرة قتالية عبر اللجوء إلى تسويات دائمة بين عدة شركات وعدة دول. ومنطقه بسيط: لا يجوز فصل المسؤولية عن السلطة. فإذا كان مُصنّع ما مكلّفاً بتطوير الطائرة الرئيسية، فعليه أيضاً أن يملك سلطة القرار المناسبة. منذ بداية البرنامج، تتواجه رؤيتان لمفهوم أوروبا الدفاعية. الأولى، وغالباً ما تُربط ببرلين وبالمؤسسات الأوروبية، تعطي الأولوية لتقاسم الكفاءات، والتكامل الصناعي، وتوحيد التقنيات. أما فرنسا، فتطالب بطائرة قادرة على العمل انطلاقاً من حاملات الطائرات، والمشاركة في المكوّن الجوي من قوة الردع النووي الفرنسية. ولا تشارك ألمانيا أياً من هذه القيود. أما إسبانيا، فتسعى قبل كل شيء إلى الحفاظ على مكانتها داخل الصناعة الجوية الأوروبية». تعرض هذه المقتطفات بوضوح تام رؤيتين متعارضتين: فداسو Dassault، التي لا تطالب بالإدارة والسيطرة على التصميم إلا في جزء واحد من البرنامج، تسعى بوضوح إلى فرض انسجام مفاهيمي وصناعي يضمن إنتاج طائرة عالية الأداء، وإنجازها وتصنيعها لمصلحة القوات الجوية، وكذلك البحرية بالنسبة إلى فرنسا، بسرعة وبكلفة ستكون حتماً أكثر اعتدالاً مما ستكون عليه كلفة نموذج صُمّم وفق قيود وتعديلات متعددة، قد يرفض بعضها هذا الشريك أو ذاك بحجة أنه غير معني بها، مثل الخصائص المرتبطة بحمل سلاح نووي أو الهبوط على حاملة طائرات، وهي أمور تخص فرنسا وحدها، كما كان الجميع يعلم منذ البداية. إن قراءة هذه المقتطفات وحدها تكشف ذروة سوء الفهم بين وجهتي النظر. فبرلين، وأوروبا من خلفها، تفضّلان تقاسم الكفاءات، والتكامل الصناعي، وتوحيد التقنيات. أما داسو، فتفضّل الفاعلية وكفاءتها الخاصة المرتبطة بالخبرة، في ما يتعلق بالطائرة ذاتها، وبها وحدها؛ كما تحافظ على خبرتها الفنية. لذلك، لا بد من بعض التذكير لتفسير ما يختبئ خلف تباين وجهتي النظر الفرنسية والألمانية. وفي الواقع، هو خلاف. في السيرة اللافتة لتاليران، يشرح جان أوريو بدقة ما لا يزال يثقل حتى يومنا هذا على علاقة جيدة وتفاهم كامل بين البلدين. في مؤتمر فيينا عام 1815، بعد سقوط الإمبراطور نابليون، «ك انت بروسيا تطالب باستمرار بساكسونيا ومنطقة الراين ولوكسمبورغ وبلجيكا؛ ودعمت إنكلترا مطالبها في نقطة واحدة: منطقة الراين. وقد فعلت ذلك خصوصاً لوضع آلة حرب على الحدود الفرنسية (…) لقد أُسقط نابليون باسم الأمن الأوروبي. وأُعطيت منطقة الراين لبروسيا، فدُمّر الأمن الأوروبي لقرن ونصف قرن (…) وهكذا وجدت فرنسا نفسها تحت مراقبة مهدِّدة من جيش متمركز بصورة دائمة على بعد 220 كيلومتراً من باريس، على حدود مفتوحة. لقد نُصبت على عتبتنا أمة ثملة بالحقد منذ يينا. إنكلترا (…) أقامت مجاناً شرطيّاً رهيباً على نهر الراين. ونحن نعرف ما تلا ذلك: بسمارك، سادوفا، سيدان، ضم الألزاس واللورين، حرب 1914، هتلر. أوروبا المغتالة ». ولا تزال النتائج تُلمس حتى اليوم، بما في ذلك في الشرق الأدنى: فبعد هتلر، ينبغي أن نضيف أنه، لمحو الشعور بالذنب المرتبط بالمحرقة، أُنشئت دولة يهودية على أرض كانت مأهولة أصلاً. ولبنان شاهد على ذلك، وضحية له. لا يلطّف جان أوريو عباراته – واختيار الكلمات يثبت ذلك – عندما يتحدث عن أمة ثملة بالحقد منذ يينا. وبصيغة أكثر اعتدالاً، أليست درجة معينة من النفور الألماني من الفرنسيين اليوم امتداداً بعيداً لما بعد يينا، بسبب تمثيل فرنسا عند توقيع الاستسلام غير المشروط للقوات المسلحة الألمانية، الذي أنهى الحرب العالمية الثانية في أوروبا، في 7 أيار 1945؟ في عام 1962، دعا ديغول أديناور إلى حضور قداس في كاتدرائية ريمس، وهي مدينة ترمز إلى الصراعات الفرنسية-الألمانية، لإظهار الإرادة في طي صفحة الحروب الماضية، وترسيخ المصالحة بصورة دائمة، وجعل التعاون الفرنسي-الألماني محركاً للبناء الأوروبي. وفي 22 أيلول 1984، خلال إحياء ذكرى معركة فردان، وقف ميتران وكول ممسكين بأيدي بعضهما البعض أمام عظام ضحايا دومون، في مشهد رمزي اختير لترسيخ المصالحة الأوروبية، وتعميق الاندماج الأوروبي، وتثبيت السلام في أوروبا. في هاتين المناسبتين، كان الرئيسان الفرنسيان محرّكين لمصالحة صادقة ونهائية. فقد بنى ديغول وأديناور المصالحة؛ وعمّقها ميتران وكول لجعل الثنائي الفرنسي-الألماني محرك أوروبا. فلماذا إذاً هذا الفتور الملموس؟ اليوم، إذا كانت فرنسا لا تزال تتحدث عن «الثنائي الفرنسي-الألماني»، فإن هذا التعبير لم يعد مستخدماً في ألمانيا. إن إنشاء اليورو، الذي كان غير مؤاتٍ إلى هذا الحد لفرنسا في مبادلاتها التجارية، وتفكيك الصناعة الفرنسية الذي ساهمت ألمانيا في تنظيمه جزئياً، والتخلي الأحادي عن الطاقة النووية من جانب السيدة ميركل، بما وضع فرنسا في قفص الاتهام أمام محكمة البيئيين الألمان والفرنسيين، وخيارات تحديد كلفة الكهرباء في أوروبا* المطبّقة في فرنسا، كل ذلك يشكّل دليلاً على عداء تجاه الفرنسيين من جانب أولئك الذين نصنّفهم في خانة «أصدقائنا». لكن الشعوب لا تملك أصدقاء، بل شركاء، وأحياناً حلفاء، ما دام التحالف قائماً! يفرض السياسيون الفرنسيون على فرنسا اندماجاً قسرياً ومتسارعاً في أوروبا؛ أما الألمان، ألا يتموضعون هم غالباً من أجل أوروبا ألمانية؟ لا شك في أنه من المبكر جداً إعلان داسو – وبالتالي فرنسا – مذنبة! المستقبل سيقول أي طائرات ستشتري ألمانيا. هل ستكون إف-35؟** *إن ربط تحديد سعر الكهرباء بسعر الغاز يضر بفرنسا ذات الطابع النووي في إنتاج الطاقة. ويُقال إن هذه الآلية وُضعت لتسهيل الانتقال الطاقوي عبر إدماج مزيد من الطاقات المتجددة. فالألمان يعتبرون أن الطاقة النووية لا تنتمي إلى مجال الطاقة المتجددة، لكنهم عوّضوا إلغاء الطاقة النووية جزئياً بمحطات تعمل بالفحم! **وذلك لاستكمال أسطولها المؤلف من 35 طائرة طُلبت على عجل عام 2022، ويُفترض أن تدخل الخدمة عام 2028.

منطق الانتصار وبيع الاوهام الايديولوجية

علّق مواطن جنوبي على عودة النازحين الى الجنوب بالتالي: " إن عدتم… عودوا بصمتٍ يليق بما حدث، لا بضجيجٍ يطعن ما تبقّى من الحياة. لا ترفعوا شارات النصر فوق أرضٍ لم تجفّ دموعها بعد، ولا تلوّحوا بالرايات حيث ما زال الغُبار يحجب ملامح الوجوه التي لم تُنتشل من تحت الركام. عودوا… ولكن اخلعوا عن أكتافكم غرور الشعارات، فهنا ليست منصّات للاحتفال، بل قبورٌ مفتوحة..." إذا تتبعت تصريحات نعيم قاسم، الذي يطل علينا اكثر من مرة في الاسبوع، فهو قد انتصر وتغلب على اسرائيل وحرر لبنان؛ لذا يحق له أن يتهم رئيسي الجمهورية والحكومة بالخيانة والعمالة ويطالب بإسقاط الحكومة التي يمتنع عن إقالة ممثليه منها. في وقت وصلت اسرائيل فيه الى مشارف النبطية وتقصف قرى الزهراني وتحاول احتلال اهم تلة مشرفة - علي الطاهر، هذا والقتلى أكثر من ٤ ٱلاف والجرحى ١١ الف والبيوت المهدمة والقرى الممحية عن وجه الارض.. كل ذلك ليس سوى انتصارات الهية. وعندما يتحدث المسؤولون اللبنانيين مع الأميركيين، هم خونة، ولكنهم يفتخرون عندما يعلن ترامب أنه التقى بحزب الله. وعندما يبرم لبنان اتفاق وقف نار يستنكرون على الدولة ولا يعترفون به، ويقبلون بوقف إطلاق نار ايراني.. ماذا يمكن ان نسمي هكذا عقل ومنطق أو بالأحرى "اللاعقل واللامنطق"؟ إنه تجسيد لفصل الواقع الميداني عن الخطاب التعبوي. حين يقول نعيم قاسم إن "الانتصار تحقق"، فهو ليس قياساً بالمعايير التي يستخدمها الناس عادة أمام: خسائر بشرية، دمار، سيطرة على الأرض. بل قياس ضمن منطق مختلف، يتلخص بالتالي: أولاً: إعادة تعريف الانتصار، الذي لا يعني هزيمة العدو عسكرياً أو حماية الأرض والسكان، بل يعني "صمود" الحزب وعدم انهياره الكامل. والقدرة على الاستمرار بالقتال والرد، ولو بشكل متقطع وغير فعال. بهذا التعريف، يمكن تحويل أي نتيجة تقريباً إلى "انتصار"، حتى في ظل خسائر فادحة. أيضاً: نقل المعركة من الواقع إلى السردية. فعندما تصبح الوقائع صعبة على الاحتمال (دمار، قتلى، تراجع ميداني)، يتم تعويضها بسردية إعلامية قوية: تضخيم الإنجازات الرمزية، وتجاهل أو تبرير اية خسائر، وشيطنة وتخوين أي صوت داخلي معترض. وهنا يصبح من يعارض هذه السردية "خائناً"، لأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، انها معركة على الرواية. ثم ينتقل الى منطق "احتكار الوطنية"، فيتهم الدولة أو المسؤولين بالخيانة (رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة). يدخلنا ضمن منطق يعتبر أن: الشرعية ليست للدولة، بل "للمقاومة".، وأي تفاوض مع الخارج (خصوصاً مع أميركا) هو خيانة، بينما التواصل نفسه يصبح مقبولاً إذا تم عبر قنواتهم أو يخدم خطابهم، على ما سبق ان مارسوه مرات عدة. كيف نفسّر هذا المنطق؟ يمكن تفسيره بعدة مفاهيم معروفة في العلوم السياسية والاجتماع: ازدواجية المعايير، والتفكير الإيديولوجي المغلق: حيث تُرفض الوقائع إذا خالفت العقيدة. كما انها بروباغندا التعبئة التي تهدف الحفاظ على الالتفاف الشعبي حولها، وعلى رأس كل هذا: إنكار الواقع كلما اشتدّت الأزمات. والأدقّ انه "منطق تعبوي غير قابل للمحاسبة"، لأنه لا يسمح بقياس النتائج ولا بمساءلة القرار. جميعها مقدسة وإلهية. الخطر الحقيقي لهذه السياسة المفروضة، لا تقتصر على التناقض، بل على نتائجها الكارثية: تعطيل الدولة ومؤسساتها ضرب مفهوم الحقيقة نفسها (كل شيء يصبح قابلاً للتأويل) تحويل المجتمع إلى معسكرين: "مؤمن" و"خائن" . وهذا بالضبط ما يجعل أي نقاش عقلاني شبه مستحيل. المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالدعاية او بالتناقض، المشكلة في أدوات التفكير نفسها. لقد أصبحت أدوات التفكير هذه أوثاناً تُعبد. وكان بول فاليري يحذر من أن يتحول الانسان من مستخدم لأدوات التفكير الى خادم لها. فنحن أمام: مفاهيم قديمة (انتصار\ هزيمة، مقاومة \ خيانة) يعاد استعمالها، وصيغ جاهزة للتفسير لا يحيدون عنها، وقوالب لغوية ثابتة. هذه كلها تتحول من أدوات إلى مرجعيات مقدسة. لكنهم لا يرون أنها قديمة. هنا يتخطى سؤالنا: هل هذا التحليل صحيح؟ ويصبح: هل انه ينتمي إلى القاموس المقبول داخل الجماعة؟ ثانياً: العقل "الماضوي"، ليس جهلاً، بل بنية. انه عقل ماضوي يلائم نفسه مع الحاضر. فهو ليس خارج الحاضر، بل يعيش فيه، لكن بأدوات من زمن آخر. كيف يعمل هذا العقل؟ يقوم "بإسقاط الماضي على الحاضر"، كل حدث يُفهم كأنه تكرار لمعركة سابقة، وامتداد لسردية قديمة (مقاومة/تحرير/مؤامرة) . في تجاهل تام إلى أن "الشروط نفسها تغيرت"، وأن ميزان القوى تغيّر، وأن طبيعة الحرب تغيّرت، وأن المجتمع نفسه تغيّر. مع ذلك بقيت الأداة نفسها ولم تتغير. لإنهم يحمون الهوية عبر الجمود. فأي تغيير ينظر اليها كتهديد وجودي، وليس كضرورة. يمكن ان تساعدنا مفاهيم دوركهايم على فهم هذا المنطق رغم تناقضاته، هو يتحدث عن "الوقائع الاجتماعية" التي تفرض نفسها على الفرد. فالرأي في هذه الحالة، ليس رأياً فردياً بل هو الخطاب الجماعي، و "الحقيقة جماعية المفروضة". يصبح الفرد عاجزاً عن رؤية التناقض، او هو لا يستطيع كسره حتى إن رآه؛ فكسره يعني الخروج عن الجماعة. قد نجد تفسيراً لهذا السلوك في نظرة كلود ليفي ستراوش إلى كيفية عمل العقل البشري وفقاً للبنى "structures". وغالباً عبر الثنائيات: نصر / هزيمة، خيانة / مقاومة، نحن / هم. وهكذا لا يعود الواقع مهماً، بل المهم هو إدخاله في هذه الثنائية. لذلك يحدث ما نراه يومياً: الهزيمة الميدانية تُعاد صياغتها كنصر، وتفاوض الدولة هو خيانة، أما تفاوض "المقاومة" فهو تكتيك ومشروع. وهذا ليس لأنهم لا يرون، بل لأن بنيتهم العقلية لا تسمح لهم برؤية أخرى. يعدّ ذلك أخطر من مجرد غياب منطق أو لاعقل، إنه عقل يعمل داخل نظام مغلق. لا يمكننا تصحيحه بالوقائع ولا بالحجج ولا حتى بالخسائر. كل معلومة جديدة يتم "هضمها" داخل البنية القديمة. هو نظام إدراك كامل يعيش على أدوات ميتة… لكنه يعيد إحيائها كل يوم.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10)

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات العاطفية والأيديولوجية والرومانسية التي تتجاهل الحقائق، تاركةً للقارئ حرية استخلاص النتائج المناسبة. تناولت الأجزاء التسعة السابقة إعادةَ قراءة الأحداث المتعلقة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف، مروراً بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في مايو 2000، وقيام "حزب اللهستان" في الجنوب، وصولاً إلى حرب 2006. أما هذا المقال، فيتناول دروس حرب 2006 وتداعياتها. في عملية "الوعد الصادق" (المسمى الذي أُطلق على حرب يوليو 2006)، اتبع حزب الله أساليب قتالية مرتكزة على مفهوم الحرب غير المتماثلة الهجينة، إذ مزج بمهارة بين حرب العصابات التقليدية، والاستخدام الواسع للصواريخ المضادة للدروع من الجيل المتقدم ذات التأثير المزدوج، والدفاع بالعمق على امتداد المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وجزء من شماله. وفي صلب هذا الهيكل العسكري، برزت تكتيكات ما بات يُعرف بـ"المحميات الطبيعية"، وهي شبكة معقدة من الأنفاق والمخابئ المدفونة في باطن الأرض، بعيداً عن أعين سلاح الجو الإسرائيلي، مع شنّ الكمائن في الوقت ذاته. وهو أسلوب دفاعي مستوحى من تكتيكات الفيتكونغ والجيش الفيتنامي الشمالي إبان حربهم مع الولايات المتحدة (1964-1973)، حين كانت الأخيرة تتمتع بتفوق جوي لا جدال فيه. أجاد الجماعة الموالية لإيران توظيفَ صواريخ مضادة للدروع من الجيل الرابع، كما أُشير إلى ذلك سابقاً. وفي الوقت نفسه، حافظ على ضغط متواصل لم يهدأ على شمال إسرائيل، الذي ظل شبه مشلول طوال فترة الحرب جراء الإطلاق اليومي لصواريخ الكاتيوشا (نحو 4000 صاروخ بمعدل 100 إلى 120 صاروخ يومياً)، انطلاقاً من منصات متحركة مموّهة. فضلاً عن ذلك، لم يكن مقاتلو الميليشيا الإسلامية بحاجة إلى خطوط إمداد لوجستية، إذ كانت الأسلحة والذخائر والمؤن ووسائل الصمود متوفرة بوفرة في الأنفاق الجوفية التي جرى تخزينها على مدى ست سنوات، ولم تمتد الحرب سوى 33 يوماً. وأخيراً، خاض حزب الله حرباً إعلامية شرسة؛ إذ كانت قناة المنار تبث خطابات حسن نصر الله التي اتخذ منها سلاحاً نفسياً لرفع معنويات أنصاره وزعزعة الرأي العام الإسرائيلي. وفي هذا السياق، وعلى سبيل المثال، شنّ مقاتلو الحزب في 14 يوليو 2006 هجوماً على سفينة حربية إسرائيلية قبالة بيروت، باستخدام صاروخ بحري موجّه صيني من طراز C802 Silkworm زوّدته به إيران، مما أربك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وأوقعها في مفاجأة كاملة. أودى الاصطدام بحياة أربعة بحارة. وشكّل هذا الحادث مفاجأة تكتيكية كبرى، إذ لم تكن أنظمة الدفاع الآلي للسفينة في وضع التشغيل، لأن القيادة كانت تستبعد أي تهديد بصواريخ مضادة للسفن. وفي خطاب مباشر عبر الراديو، دعا حسن نصر الله اللبنانيين إلى التطلع نحو البحر لمشاهدة السفينة وهي تشتعل، مما شكّل منعطفاً حاسماً في الحرب النفسية خلال هذا النزاع. ملخص التكتيكات الإسرائيلية في المقابل، اعتمد الجيش الإسرائيلي استراتيجية محورها التفوق الجوي والتقنيات المتقدمة في تلك المرحلة وعمليات الضربات الدقيقة. غير أنه أبدى تردداً واضحاً في شنّ هجوم بري واسع النطاق، في محاولة على الأرجح لاستنساخ نموذج حرب الخليج الثانية عام 1991، حين شنّت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حملة جوية مطوّلة ومكثفة قبل التقدم براً في عملية "عاصفة الصحراء". وقد أخفق رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس، وهو طيار مقاتل في الأصل، في تكييف استراتيجيته مع المعطيات الميدانية اللبنانية الجديدة التي فرضها حزب الله. تمكّن الطيران الإسرائيلي من تدمير ما يقارب الجزء الأكبر من صواريخ حزب الله بعيدة المدى (فجر والزلزال) منذ الساعات الأولى للنزاع، إلى جانب عدد كبير من منصات إطلاق الصواريخ ومراكز قيادة حزب الله ومستودعات الذخيرة. كما نجح في عزل جنوب لبنان بتدمير الجسور والطرق الاستراتيجية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى العملية الناجحة للكوماندوز في العمق اللبناني، لا سيما عملية بعلبك في الثاني من أغسطس 2006، حيث سيطرت وحدة خاصة إسرائيلية على مستشفى وأسفرت عن مقتل 10 مقاتلين من حزب الله و6 مدنيين، فضلاً عن اعتقال عدد من المدنيين الذين أُفرج عنهم لاحقاً. أما على صعيد العمليات البرية، فلم يتحقق التقدم نحو نهر الليطاني إلا بصورة جزئية. نجحت وحدات النخبة في اختراق بعض المناطق، لكنها عجزت عن بسط سيطرة فعلية على الضفة الجنوبية للنهر قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الرابع عشر من أغسطس. وقد شكّل عجز المشاة والمدرعات عن تأمين الأرض في مواجهة صواريخ مضادة للدروع وإيقاف قصف الصواريخ على شمال إسرائيل الإخفاق الاستراتيجي الأبرز في هذه الحرب. أما الخسائر في المعدات العسكرية، فبالإضافة إلى دبابات ميركافا والسفينة التي تضررت، فقد أُسقطت طائرة هليكوبتر بصاروخ مضاد للدروع، وتضررت طائرتان أخريان جراء تصادمهما، فضلاً عن عدد من الطائرات المسيّرة. وقد كانت هذه الحرب الحدثَ الذي أنهى المسيرة العسكرية لرئيس الأركان دان حالوتس، الذي بات اليوم (2026) من أشد المعارضين لنتنياهو، إذ يتصدر المشهد في الشارع قائداً للمتظاهرين ضد رئيس الوزراء. حصيلة حرب الثلاثة والثلاثين يوماً على الجانب اللبناني، يُقدَّر عدد القتلى بنحو 1100 مدني، و43 عسكرياً وعنصراً من قوى الأمن اللبناني رغم عدم انخراطهم في القتال، و5 جنود من قوات الأمم المتحدة، وما بين 250 و600 مقاتل من حزب الله، و31 من المسلحين الحلفاء للحزب، إضافة إلى 52 مدنياً من جنسيات أجنبية. في صفوف الإسرائيليين، بلغ عدد القتلى 165 شخصاً من بينهم 119 جندياً. وعلى صعيد الخسائر المادية اللبنانية، بلغ عدد الوحدات السكنية التي دُمِّرت كلياً أو جزئياً في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت نحو 30,000 وحدة، علاوة على الجسور والطرق والبنية التحتية؛ وقد قُدِّرت الأضرار الإجمالية بما بين 5 و7 مليارات دولار. وبلغ عدد النازحين نحو 685,000 شخص باتجاه بيروت وجبل لبنان، و200,000 آخرين نحو سوريا، في حين تراوح عدد نازحي شمال إسرائيل بين 300,000 و500,000 شخص. نهاية النزاع: القرار 1701 أُسدل الستار على النزاع في الرابع عشر من أغسطس 2006 إثر صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي. وكانت إسرائيل تحتل آنذاك منطقة عازلة تتراوح عمقاً بين 10 و30 كيلومتراً شمال الخط الأزرق. وفور الإعلان عن وقف إطلاق النار، وعلى الرغم من الطرق المدمرة، عاد النازحون بأعداد كبيرة إلى قراهم في الجنوب. وكانت تلك المرة الرابعة التي يعود فيها النازحون إلى جنوب لبنان، لا بفعل تحرير الأرض بالقوة، بل نتيجة ضغوط دولية ظل إيران وحزب الله يُعوِّلان عليها دوماً، كما جرى عام 1993 و1996 و2000، وهي ضغوط تهدف إلى استقرار الشرق الأوسط عبر تسويات مؤقتة في كل مرة. سعى القرار 1701 إلى إنشاء "منطقة أمنية" في جنوب لبنان بين الخط الأزرق ونهر الليطاني الواقع على بُعد نحو 30 كيلومتراً إلى الشمال. غير أن تطبيقه جاء انتقائياً وقاصراً، مما أفضى إلى الوضع القائم حالياً. وللمرة الأولى منذ قرابة ثلاثين عاماً، انتشر الجيش اللبناني بقوام 15,000 جندي على امتداد الحدود الجنوبية، مرسِّخاً مبدأ سيادة الدولة، على النقيض من خطاب رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود الذي رفض باستمرار نشر الجيش في الجنوب تاركاً تلك المنطقة تحت سيطرة حزب الله. وفقاً للقرار 1701 أيضاً، انسحب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها خلال هجومه البري، وجرى تعزيز قوات اليونيفيل تعزيزاً ملحوظاً، إذ ارتفع عدد جنودها من 3000 إلى ما يقارب 10,000 جندي، مع توسيع صلاحياتها لمراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني في تطبيق القرار. غير أن شيئاً من ذلك لم يتحقق على مدى السنوات السبع عشرة التي تلت ذلك. نصّ القرار 1701 على ألا يكون بين نهر الليطاني والحدود أي جماعة مسلحة سوى الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. إلا أن أطراف النفوذ داخل الحكومة اللبنانية آثرت الخضوع والاستسلام، في غياب أي رؤية استراتيجية، ودون أن تستثمر الضغوط الدولية لصالحها. وبالتنسيق معهم، قبل حزب الله سحب مسلحيه الذين يرتدون الزي العسكري وأسلحته الثقيلة الظاهرة، لكنه أبقى على حضوره السري بالكامل. فأعاد بناء شبكة أنفاقه وتحصيناته تحت الأرض، وجدّد ترسانته وطوّرها بصورة واسعة، لا سيما عشرات الآلاف من الصواريخ، وذلك على مرأى ومسمع من اليونيفيل، عبر سوريا التي شكّلت جسراً برياً بين لبنان وإيران. في المقابل، واصل الجيش الإسرائيلي انتهاكاته اليومية للأجواء اللبنانية، مدّعياً أن ذلك ضرورة لمراقبة أنشطة حزب الله في ظل غياب أي تطبيق فعلي لنزع السلاح. نجح القرار 1701 في الحفاظ على استقرار نسبي وتفادي حرب شاملة طوال 17 عاماً (حتى أكتوبر 2023)، إلا أنه لم يعالج قط جوهر المشكلة، المتمثل في الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان. اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)