شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الولايات المتحدة وإيران: إنذارات ترامب السابقة (2/2)

ينبغي وضع خريطة الطريق الأميركية-الإيرانية الممتدة على 60 يوماً في سياق دورات الإنذارات التي تطبع استراتيجية الرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط، وهي استراتيجية تقوم على المراوحة بين التهديد بالتدمير الكامل واعتماد دبلوماسية ذات طابع تجاري بحت. ففي نيسان/أبريل 2025، انتهى إنذار أحادي أول مدته ستون يوماً، طالب طهران بتفكيك برنامجها النووي، برفض قاطع من المرشد الأعلى علي خامنئي، ما أدى إلى الضربات الأميركية الكثيفة في حزيران/يونيو 2025 بواسطة قاذفات B-2 ضد المواقع النووية الإيرانية. وبعد عام، في نيسان/أبريل 2026، وأمام الحصار الخانق لمضيق هرمز، عادت البيت الأبيض إلى الأسلوب نفسه، ملوّحاً بتهديد تدمير البنى التحتية الحيوية الإيرانية «في غضون أربع ساعات»، وهو تهديد حقيقي أرغم طهران حينها، في اللحظة الأخيرة، على قبول مبدأ هدنة، فاتحاً الطريق أمام البروتوكول الذي وقّعه الرئيس ترامب في فرساي. الأمن البحري في المفاوضات على المستوى العملياتي، أنشأت الولايات المتحدة وإيران في بورغنشتوك «خط اتصال مباشر» يهدف إلى تجنّب أي حادث بحري في مضيق هرمز، وهو المعبر الرئيسي للنفط الإيراني والعربي. وبالتوازي، منحَت وزارة الخزانة الأميركية إعفاءً من العقوبات حتى 21 آب/أغسطس 2026، يشمل النفط والمنتجات البتروكيميائية الإيرانية. وتُعد هذه الإجراءات ذات دلالة بالنسبة إلى واشنطن وطهران على السواء: فهي تستجيب للمطلب الإيراني بالحصول على متنفس اقتصادي فوري، وتحدّ، على المدى القصير، من خطر ارتفاع حاد في أسعار النفط. كما تكشف منطق المقايضة الذي تقوم عليه المفاوضات — الأمن مقابل الوصول إلى الأسواق — وهشاشة الحلول القائمة على إعفاءات موقتة بدلاً من ضمانات دائمة. لبنان ومنع الاشتباك: هل يمكن لآلية من دون إسرائيل أن تكون قابلة للحياة؟ إن إنشاء «خلية منع اشتباك» تهدف إلى فرض وقف إطلاق النار في لبنان هو آلية تضم الولايات المتحدة وإيران وقطر ولبنان وباكستان، لكنها تستثني إسرائيل، في سابقة منذ أربعة عقود، خلافاً لـ«الميكانيزم» الحالي ولجان تفاهمات تموز/يوليو 1993 ونيسان/أبريل 1996. إن إغفال تل أبيب شديد الحساسية سياسياً. فبالنسبة إلى إسرائيل، التي تعتبر حزب الله تهديداً وجودياً، فإن إبقاءها خارج خلية ستدير جبهتها نفسها أمر غير مقبول، وقد عبّر بنيامين نتنياهو عن ذلك مراراً، لأنها تحدّ من هامش المناورة العسكري والعملياتي الإسرائيلي في جنوب لبنان. أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن هذه الصيغة تخلق معضلة: إما تثبيت الاستقرار في لبنان من دون تنفير إسرائيل، أو المخاطرة بخسارة دعم حليف استراتيجي في مواجهة إيران عبر فرض قيود عليه يعتبرها خطرة. وعلى المدى الأطول، تبقى فاعلية خلية منع الاشتباك هذه موضع شك، فيما يظل وقف إطلاق النار في لبنان هشاً. النووي: نيات معلنة من دون التزام ملزم في الملف النووي، تبدو أوجه التقدم موضع شك. فقد تحدث جي دي فانس عن عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أثار قدراً من التفاؤل، غير أن وزارة الخارجية الإيرانية أوضحت أن طهران لم توقّع «أي التزام نووي جديد» خلال هذه الجولة. بعبارة أخرى، الباب مفتوح أمام الرقابة والشفافية، لكن من دون أي التزام إيراني بتسليم اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة إلى الصين أو روسيا، أو بتخفيفه، ولا بوقف أعمال التخصيب. في المرحلة الراهنة، صحيح أن البرنامج النووي الإيراني متهالك ولا يعمل نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية. لكن إيران تنتظر، في مقابل رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ضمانات اقتصادية وأمنية ملموسة ودائمة، وهو ما لا يبدو متوافراً في الوقت الحالي. ومن دون جدول زمني ملزم لتفكيك القدرات النووية الإيرانية، يبقى جوهر المشكلة قائماً. وهذا الغموض يجعل التوصل إلى اتفاق دائم أمراً صعباً من دون بنود تقنية متينة، قابلة للتحقق، ومقرونة بعقوبات تلقائية في حال حصول أي انتهاك. المكاسب الاقتصادية: أوكسجين موقت إلى جانب شبكات الالتفاف على العقوبات إن الإعلان الرسمي من جانب طهران عن خاتمة إيجابية للمفاوضات التقنية، والمختومة بموافقة البيت الأبيض على الإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمّدة، يعكس منطقاً تبادلياً. غير أن هذا الإفراج المالي الكبير فجّر فوراً سجالاً عن بُعد كشف هشاشة المسار: ففيما سارع دونالد ترامب إلى التأكيد عبر منصاته أن هذه الأموال ستُوجَّه إلزامياً إلى شراء منتجات زراعية أميركية، رفضت الحكومة الإيرانية هذه الإملاءات بصورة قاطعة. فإذا كانت الإدارة الأميركية تسعى إلى تصوير صفقة تجارية رابحة على أنها تنازل جيوسياسي، فإن إيران تريد تكريس هذا الانتصار المالي على أنه استرداد سيادي ومن دون مقابل تجاري أحادي. إلى ذلك، تبقى تبعية إيران للسوق الصينية عاملاً حاسماً، حتى وإن لم تكن بكين في صلب المفاوضات مباشرة. وتظل الصين شريكاً أساسياً في مجال الطاقة بالنسبة إلى طهران، كما أن مصالحها تساهم جزئياً في ضبط السلوك الإيراني، وتحديداً في ما يتعلق بفتح مضيق هرمز. وأخيراً، فإن ظل شبكات التصدير الملتفة على العقوبات التي لا تزال قائمة يعقّد قدرة الدبلوماسية الغربية على ممارسة ضغط مستدام. خلاصة المخاطر والسيناريوهات بصورة موجزة، وخلف التفاؤل الشكلي المعروض في سويسرا، تبقى هدنة الستين يوماً مهددة باستمرار بأربعة مفجّرات جيوسياسية. الأول هو الفارق الجوهري بين توقعات واشنطن، التي تطالب طهران بالتخلي عن الخيار النووي، والموقف الإيراني، الذي لا يرى في المسار سوى فسحة اقتصادية من دون مقابل استراتيجي. أما الثاني فيكمن في استبعاد إسرائيل من خلية منع الاشتباك اللبنانية، ما يترك لحكومة نتنياهو حرية تخريب الهدنة في لبنان عسكرياً من أجل تحييد حزب الله، الأمر الذي سيدفع إيران إلى الرد. أما الثالث فهو استئناف حزب الله، بصمت، إعادة تنظيم صفوفه وإعادة نشر جهاز قتالي مموّه في مواجهة إسرائيل، وهو أمر سبق أن نجح في القيام به ببراعة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ثم بعد القرار 1701 عام 2006، وأخيراً بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وإذا كرر حزب الله هذه الأنشطة، فإنه سيمنح إسرائيل مجدداً ذريعة لاستئناف القتال وتجاوز توجيهات واشنطن. وأخيراً، فإن المفجّر الرابع، ذي الطابع الجيوسياسي، الذي يهدد الهدنة يتمثل في عدم القدرة على التنبؤ بسلوك دونالد ترامب، الخاضع لضغوط داخلية من يمينه ويساره، ما قد يدفعه إلى قطع مسار بورغنشتوك من جانب واحد. وإذا سقط أحد هذه الأقفال، فإن بدء الانزلاق سيكون فورياً: فإعادة فرض الحصار الأميركي بصورة فورية ستؤدي، كردّ متناظر، إلى إغلاق إيراني جديد لمضيق هرمز، ما سيعيد الخليج والشرق الأوسط إلى أجواء الأزمة. خاتمة: تهدئة مشروطة، لا سلام مضمون ستحدد الأيام الستون المقبلة ما إذا كانت خريطة الطريق تمهيداً لتهدئة تدريجية، أم إطاراً لمهلة موقتة تؤجل المواجهة فحسب. في الوقت الراهن، نحن أمام انفراج هش قد يسمح ربما ببناء ضمانات قابلة للتحقق بصبر، وصولاً إلى اتفاق رسمي في نهاية صيف 2026، لكن من دون استبعاد خطر محتمل بالعودة إلى الحرب في لبنان والخليج. وإذا نجحت عملية التثبيت، فستحوّل حرباً ساخنة إلى حرب باردة إقليمية شديدة العسكرة، معلّقة على عوامل عدة قد تؤدي إلى انهيارها على المديين المتوسط والطويل. اقرأ أيضاً في الموضوع نفسه: الولايات المتحدة وإيران: خريطة طريق تحت ضغط الوقت (1/2)

لبنان-إسرائيل: روبيو يسعى لانتزاع إعلان نوايا

في اليوم الثالث من الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن، كان يُفترض أن تفضي مناقشات وُصفت بالشاقة بين الوفدين السياسيين-العسكريين اللبناني والإسرائيلي إلى إعلان نوايا يحدّد إطار مفاوضات أكثر تفصيلاً وتعاون مستقبلي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة. وكان من المقرر إعلان وتوقيع إعلان النوايا بين لبنان وإسرائيل عند الساعة الحادية عشرة ليلاً، بتوقيت بيروت، غير أنّ الإعلان تأخر بسبب استمرار المناقشات بين الطرفين. وبحسب مصادر مختلفة ومتطابقة، فإنّ وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، يضع ثقله كاملاً في الميزان من أجل دفع لبنان وإسرائيل إلى توقيع إعلان النوايا هذا. في غضون ذلك، سُجّلت خلال نهار الخميس ومساء اليوم نفسه عدة حوادث متفرقة بين الجيش الإسرائيلي ومسلحين من حزب الله. وقبيل منتصف الليل، شنّ طيران الدولة العبرية غارة على بلدة بيت ياحون، في قضاء بنت جبيل. وقد تركزت نقاشات هذا اليوم الأخير من الجولة الخامسة من المفاوضات، من دون مفاجأة، على الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الترسانة العسكرية لحزب الله. وهما موضوعان كان الطرفان يجدان صعوبة في التفاهم بشأنهما، في وقت كان وزير الخارجية الأميركي، خلال جولته في الخليج، يتحدث عن تحقيق تقدم في المفاوضات. بالنسبة إلى إسرائيل، الخاضعة لضغوط أميركية قوية من أجل الانسحاب، أقله حتى الخط الأصفر، تبدو المعادلة واضحة: لا انسحاب ما دامت التشكيلة الموالية لإيران تحتفظ بسلاحها وتشكل تهديداً لشمال البلاد. أما لبنان، من جهته، فيؤكد إرادته بسط سيادته على كامل أراضيه، ويرى أن بقاء الجيش الإسرائيلي في الجنوب سيعقّد مهمته. ولذلك تطالب بيروت بانسحاب إسرائيلي كامل ومسبق، في حين ترغب تل أبيب في أن ينتشر الجيش اللبناني في الجنوب قبل انسحاب قواتها. وكان الطرفان يجدان صعوبة أيضاً في التوصل إلى تفاهم حول «المناطق النموذجية» التي ستشكل نقطة انطلاق لانسحاب إسرائيلي لا يزال جدوله الزمني بحاجة إلى تحديد. وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نجح في إقناع دونالد ترامب بالتوقف عن المطالبة بانسحاب، ما دامت واشنطن شريكة في مشروع «المناطق النموذجية» في الجنوب، التي ستنسحب منها إسرائيل تدريجياً مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني. وقد أكد نتنياهو مجدداً، في خطاب ألقاه في نهاية اليوم، أنّ قواته ستبقي على وجود لها في «المناطق الأمنية في غزة ولبنان»، وأنّ «مهام لا تزال ينبغي تنفيذها في مواجهة إيران وحزب الله وحماس». صحيح أنّ تل أبيب خفّضت بشكل ملحوظ عملياتها في الجزء الجنوبي من البلاد، إلا أنّ جيشها يواصل القضاء على مقاتلين من حزب الله. فقد قُتل ثلاثة أشخاص في ضربة نفذتها طائرة مسيّرة واستهدفت سيارة قرب ميفدون، في قضاء النبطية. والملف اللبناني، كما هو معلوم، مُدرج في المناقشات بين واشنطن وطهران، بإصرار من الجمهورية الإسلامية التي تريد أن تبقي يدها العليا على أي مسار يتصل بمصير البلاد، والتي نصّبت نفسها ناطقة باسم لبنان، رغم الرفض اللبناني الرسمي لأي تدخل إيراني في شؤونه. وضارباً عرض الحائط بانتقادات الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لسلوك طهران، أعلن قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، مرة جديدة، أنّ على إسرائيل أن تغادر «كامل الأراضي اللبنانية» بمحض إرادتها، وإلا فإنها ستُرغم على «الفرار تحت وطأة الهزيمة». وتواصل طهران وضع الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من جنوب لبنان شرطاً لمواصلة مفاوضاتها مع واشنطن. من جهتها، أكدت الولايات المتحدة ودول الخليج، في بيان مشترك صدر في ختام الاجتماع الوزاري لمجلس التعاون الخليجي الذي انعقد في المنامة، ضرورة الفصل بين المسارين الدبلوماسيين الجاريين في واشنطن وسويسرا. وسار التكتل النيابي لحزب الله في الاتجاه نفسه الذي يسلكه الحرس الثوري الإيراني، داعياً الدولة اللبنانية إلى «الاستفادة من الدعم الإيراني»، ومحذراً إياها من «تنازلات قد تُقدَّم إلى تل أبيب». وردت إسرائيل فوراً، على لسان وزير دفاعها، يسرائيل كاتس، الذي أعلن أنّ بلاده «ستضرب إيران بقوة إذا هاجمتنا بسبب عملياتنا في لبنان». شدّ حبال حول هرمز على المستوى الإقليمي، اشتدّ الخميس شدّ الحبال حول مضيق هرمز بشكل واضح، بعدما رفض الحرس الثوري الإيراني مبادرة عُمانية، مدعومة من واشنطن ودول الخليج، تهدف إلى تأمين الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي. ويهدد هذا التطور بتعقيد المسار الدبلوماسي الجاري من أجل تحقيق سلام في المنطقة، خصوصاً أنّ إيران، التي تعلن نفسها منتصرة في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تواجه صعوبات مالية واقتصادية كبيرة، تسعى إلى مراكمة مكاسب من هذا النوع. وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فإن رسوم العبور قد تدرّ على طهران ما يصل إلى 40 مليار دولار سنوياً. وهو مبلغ كفيل بإنعاش النظام، ولا سيما إذا بقيت أصوله مجمدة من قبل واشنطن. وفي مؤشر إلى أزمة ناشئة، أعلنت البحرية البريطانية في نهاية اليوم أنّ ناقلة نفط «أصيبت بجسم متفجر مجهول المصدر جنوب شرق ميناء عُماني». كما اضطرت ثلاث سفن شحن أخرى، بينها ناقلة نفط، كانت تعبر الممر نفسه، إلى العودة أدراجها، بحسب المصدر نفسه. وكانت طهران تراهن على عُمان للالتفاف على الضغوط الدولية وفرض رسوم عبور في هرمز، إلا أنّ السلطنة سارعت إلى النأي بنفسها عن ذلك، معلنة إنشاء ممرين مؤقتين جديدين على طول سواحلها، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية. وأكد وزير خارجيتها، بدر البوسعيدي، أنه لن تُفرض أي «رسوم عبور»، موضحاً في الوقت نفسه أن مسقط تواصل مناقشاتها مع طهران بشأن تكاليف مرتبطة ببعض الخدمات الإدارية وخدمات الأمن البحري. وإذا كان هذا القرار قد لقي ترحيباً واسعاً من دول الخليج، فإن الحرس الثوري الإيراني، الذي يعتزم الحفاظ على السيطرة على أحد أبرز معابر الطاقة في العالم، سارع إلى رفضه. ففي بيان مضاد، أكد أنّ «الطرق الوحيدة المسموح بها لعبور مضيق هرمز هي تلك التي أعلنتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية». واتهم مسقط بعدم التشاور معه، محذراً من أنّ أي سفينة تسلك مساراً آخر ستعرّض نفسها لـ«عقوبات»، من دون أن يحدد طبيعتها. ولم يتأخر الرد الأميركي. ففي البحرين، حيث يشارك في الاجتماع الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، رفض ماركو روبيو بشكل قاطع أي فكرة لفرض رسوم عبور أو إتاوات في المضيق، مؤكداً أنّه «لا يمكن لأي دولة أن تدّعي امتلاك ممر بحري دولي». وبالنسبة إلى واشنطن، يتجاوز النقاش بكثير إطار الخليج. فالمسؤولون الأميركيون يخشون أن يشجع أي سابقة في هرمز قوى أخرى على تحويل العبور في مضائق استراتيجية حول العالم إلى مورد مالي، ما قد يؤدي إلى «فوضى تامة»، كما حذر روبيو. ويبقى أن نرى أي تأثير سيكون لهذه الحلقة على المفاوضات الأميركية-الإيرانية. فمن جهة، يعتبر الحرس الثوري الإيراني أنّ أي تنازل بشأن هرمز يعني خسارة نفوذ إقليمي. ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة، وإن كانت حريصة على التوصل إلى اتفاق مع إيران، لا تريد القيام بذلك «بأي ثمن»، كما أكد ماركو روبيو في المنامة. وقد كرر رئيس الدبلوماسية الأميركية أنّ أي بند في الاتفاق المقبل مع إيران يجب ألا يعرّض للخطر «أمن واستقرار وازدهار» دول الخليج، في محاولة واضحة لطمأنة هذه الملكيات، فيما يُنتظر عقد اجتماع تقني جديد بين خبراء أميركيين وإيرانيين في سويسرا في نهاية الشهر. وقد تجلى هذا الالتزام في البيان الختامي للاجتماع الوزاري في المنامة. فقد أُدرجت مسألة الصواريخ الباليستية فيه، رغم أنها لا ترد في مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، ورغم رفض طهران، باسم توازن القوى الإقليمي، أن يكون هذا الملف موضع تفاوض. ودعا وزراء خارجية دول الخليج واشنطن إلى إدراج مسألة الصواريخ الإيرانية والجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران في المفاوضات الهادفة إلى وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط. وقال وزراء مجلس التعاون الخليجي إنّ «السلام والأمن الإقليميين الدائمين يتطلبان معالجة مجمل التهديدات الإيرانية، بما في ذلك صواريخها الباليستية ومسيّراتها ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة».

المجتمعات الكنسية، ربيع الكنيسة (1/2)

بمبادرة من حركة "الفوكولاري"، استضاف راعي أبرشية أنطلياس المارونية، المطران أنطوان بو نجم، في 29 أيار الماضي في كاتدرائية القيامة (مطيلب)، أمسية صلاة وعروضاً تقديمية ضمّت مسؤولين وأعضاء من 35 حركة كنسيّة، نشأ معظمها في سياق التجدّد الكاريزماتي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. وفي هذا المقال المكوّن من جزئين، نسلّط الضوء على هذا الحدث الذي يشكّل سابقة من نوعها، وعلى دلالاته بالنسبة إلى الكنيسة عموماً، كما نتطرق إلى "الموقع اللاهوتي" لهذه الحركات الكنسيّة في علاقتها معالتراتبية الكنيسة، وفق ما صاغه في تسعينيات القرن الماضي الكاردينال جوزيف راتزينغر (البابا بندكتوس السادس عشر لاحقاً)، حين كان يتولى رئاسة دائرة عقيدة الإيمان. ربيع الكنيسة في أواخر ستينيات القرن الماضي، ومع الخروج مما وصفه اللاهوتي كارل رانر بـ"شتاء الكنيسة"، بدأت تباشير صحوة استثنائية تجتاح لبنان والعالم الكاثوليكي، تمثّلت في ولادة حركة التجدّد الكاريزماتي. وكان أحد المفاتيح اللاهوتية لهذه الظاهرة – ولا يزال –اختبار محبة يسوع الشخصية لكل فرد، وإعادة اكتشاف فعل الروح القدس من خلال النِعَم الروحية الممنوحة لبنيان الكنيسة وكل مؤمن على حدة. وكان المجمع الفاتيكاني الثاني قد أعاد الاعتبار لفكرة أن الروح القدس يفيض هباته ليس على التراتبية الكنسية فحسب، بل على جميع المؤمنين أيضاً، من أجل الخير العام للكنيسة. وقد أتاحت هذه الرؤية فهماً أعمق لبروز أشكال جديدة من الحياة المسيحية، تحاكي متطلبات العصر ، وتتحقق بفضل فيض الروح والنشاط المتجدّد واختبار حضور الله. وفي هذه الأثناء، وفيما كانت تتبلور ملامح نواة جماعة مسكونيّة كاريزماتيّة في الأوساط الجامعيّة الأنغلوفونية، اندلعت الحرب في لبنان. وعلى مدى سنوات، وفي غمرة حماسة البدايات، نجحت جماعة الصلاة واللقاءات التي انبثقت من هذا التجدّد في جذب شبانٍ وشابات أظهروا التزاماً بطولياً بحضور هذه اللقاءات والالتفاف حول النسيج الإنساني الذي نشأ منها، متجاهلين مخاطر القصف والخطف وسائر أهوال تلك الحقبة. وكان بوسع الجميع الشهادة بأنهم، في غمرة ظنّهم أنهم "يقدّمون كل شيء"، كانوا في الواقع "ينالون كل شيء"، على الرغم مما واجهوه من "عدم استيعاب" من قِبل بعض الأقارب. ومنذ تلك البدايات العفوية والمربكة أحياناً، تمدّد هذا "الربيع الكنسي" ليتأصل في العالم أجمع، كما في لبنان، حيث غدت مساهمته في "البشارة الجديدة" اليوم محطّ اعتراف وتقدير. وإذ كان من الصعب أحياناً تفسير أو تقبّل فرادة بعض النعم الروحية وفيض الروح، إلا أن هذه المجموعات والجماعات باتت اليوم تعيش نضجاً كنسيّاً ملحوظاً، وشركةً صبورة، ومسؤوليةً مشتركة، وتجذّراً عميقاً في الكنيسة. وبغية الإشراف على انتشارها في العالم الكاثوليكي، أنشأ البابا فرنسيس الهيئة الدولية "شاريس" (Charis)، وهي هيئةٌ تابعة لدائرة العلمانيين والعائلة والحياة، دُعيت لخدمة كافة أطياف "التجدد الكاريزماتي". وفي 29 أيار الماضي، وبمبادرة من حركة "الفوكولاري"، التقت في لبنان للمرة الأولى 35 حركة وجماعة كنسية ناشطة في البلاد، على تنوّعها، في كاتدرائية القيامة (مطيلب – أبرشية أنطلياس المارونية). وقد استضافها راعي الأبرشية، المطران أنطوان بو نجم، مدعوماً بالسفير البابوي المطران باولو بورجيا، في كاتدرائيته، وأتاح لها رسمياً التعبير عن نفسها. تحقيق وعد وَصَفَ فادي بو زامل (من حركة الفوكولاري) اللقاءَ بأنه "وفاءٌ بوعدٍ قطعتْهُ كيارا لوبيك عام 1998 للبابا يوحنا بولس الثاني". وقضى هذا الوعد بالعمل الدؤوب، "انسجاماً مع دعوة الفوكولاري إلى الوحدة"، على تقريب الحركات الكنسية الجديدة بعضها من بعض، ودفْعِها إلى التعارف والتقدير المتبادل، والتعاون في رسالتها لتبشير العالم، كلٌّ بحسب مواهبها، وتحت رعاية أساقفتها. لماذا عام 1998؟ الإجابة تستدعي العودة بالذاكرة إلى المؤتمر العالمي للحركات الكنسية الذي عُقد في روما في 31 أيار 1997. في ذلك اليوم، شَهِدَ يوحنا بولس الثاني "لقاءً مشهوداً" مع أكثر من مائتي ألف شخص ينتمون إلى نحو خمسين حركة كنسية وجماعة جديدة؛ وكانت هذه الجماعات تمثّل " حركةَ نِعَمٍ" متنامية، رأى فيه سلفُه القديس بولس السادس "فرصةً سانحة للكنيسة" يوم استقبل "التجدد الكاريزماتي" في بازيليك القديس بطرس عام 1975. وفي عيد العنصرة من عام 1998، تجدّدت دهشة البابا يوحنا بولس الثاني أمام تظاهرة حاشدة ضمّت، بين 27 و29 أيار في ساحة القديس بطرس، 400 ألف مسؤول وعضو في الحركات الكنسية والجماعات الجديدة، وفدوا من أصقاع الأرض الأربعة. يومها، شَخَصَتْ أبصار العالم لتكتشف كنيسةً في مقتبل الفتوّة والعطاء؛ كنيسةً قادرة على احتضان كل موهبة روحية وتثمينها، وعلى جمْع التنوع في إطار الوحدة، وعلى تجسيد الزَّخَم الرسوليّ للعلمانيين، وكاثوليكيّة الحركات الكنسية والجماعات الجديدة التي أبصرت النور في المَدى الرعوي للمجمع الفاتيكاني الثاني. ومن بين الحركات الأكثر تأثيراً، على سبيل المثال لا الحصر، كانت حاضرةً حركة "الفوكولاري" التي ولدت في أتون الحرب العالمية الثانية (1942)، وحركة "التجدد الكاريزماتي الكاثوليكي"، وحركة "شركة وتحرير" (Communion et Libération)، و"طريق موعوظي الجديد" (Chemin néocatéchuménal)، وجماعة "سانت إيجيديو" (Sant’Egidio)، وجماعة "عمانوئيل"، وحركة "الدرب الجديد" (Chemin neuf). وفي خطاب وجّهه إلى الحشود، أكد يوحنا بولس الثاني قائلا: " لقد وصفتُها سابقاً بأنها بذور تجدّدٍ لا تزال تنتظر احتضانها وتثمينها على نحو ملائم. واليوم أرى، وبكل بهجة، أنها تُظهر وعياً ذاتياً أكثر نضجاً. إنها تمثل إحدى أبرز ثمار ربيع الكنيسة هذا، الذي سبق أن أنبأ به المجمع الفاتيكاني الثاني، ولكنه تعثّر للأسف في كثير من الأحيان بسبب مسار العلمنة الآخذ في التنامي (...) والذي يروّج لنماذج حياة من دون إله (...). ومن هنا، نشعر بالحاجة الملحّة إلى تبشير قويّ، وإلى تنشئة مسيحية صلبة وعميقة. إننا بحاجة اليوم إلى مسيحيين ناضجين، واعين لهويتهم المعمودية، ولدعوتهم ورسالتهم في الكنيسة وفي العالم! نحن بحاجة إلى جماعات مسيحية حية! وها هي الحركات الكنسية والجماعات الجديدة: إنها الاستجابة التي أحدثها الروح القدس لمواجهة هذا التحدي المأساوي في نهاية الألفية. أنتم هذه الاستجابة الناتجة عن العناية الإلهية".

مفاوضات واشنطن: سياسة الخطوات الصغيرة

تركّز اليوم الثاني من الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي عُقدت هذا الأربعاء 24 يونيو في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، على بحث الآلية العملية التي ينبغي وضعها من أجل «إدارة» الانسحاب الجزئي، والرمزي في المرحلة الراهنة، للقوات الإسرائيلية من بعض قطاعات المنطقة الحدودية. ووفقاً للمداولات الجارية في هذا الإطار، يُفترض أن يحلّ الجيش اللبناني تدريجياً محلّ الوحدات الإسرائيلية التي تنسحب تباعاً. وتشير مصادر مطلعة عادةً إلى أن عملية التسلم هذه ستتم عبر وحدات من الجيش اللبناني، بإشراف وإطار «أمني» وعملياتي من القيادة العسكرية الأميركية. ومن المقرر أن تتواصل المباحثات الجارية في واشنطن حول هذا الموضوع لليوم الثالث، هذا الأربعاء 24 يونيو. وفي ما يتعلق بالغاية النهائية من هذه المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية، الأربعاء، إن إدارة ترامب تعمل على «وضع حد نهائي لدورات العنف بين لبنان وإسرائيل». وأضاف، في ما يبدو حرصاً على تحديد إطار المفاوضات — وربما لإبقائها بعيداً عن الاستعراضات الإعلامية الهيمنية لنظام الملالي — أن «لبنان وإسرائيل يتفاوضان بصفتهما دولتين ذاتي سيادة من أجل تحقيق السلام». وفي انتظار اتضاح نتائج هذه الجولة الخامسة، لا يزال هدوء هش ومتوتر يخيّم على الأرض في المنطقة الجنوبية، على طول الحدود مع إسرائيل. غير أن هذه التهدئة تتخللها يومياً تقريباً حوادث أمنية موضعية، كما حصل هذا الأربعاء عندما قتل الجيش الإسرائيلي عنصرين من حزب الله كانا يقتربان من المواقع الإسرائيلية في قطاع تلة علي الطاهر الاستراتيجية. وفي موازاة ذلك، أطلقت مسيّرة إسرائيلية صاروخاً على سيارة كانت تسلك طريق كفر رمان، في قضاء النبطية، ما أدى إلى مقتل شخصين. وفي أواخر بعد الظهر، سُجلت غارة أخرى بمسيّرة في النبطية الفوقا، فيما وُجهت نيران مدفعية نحو بلدة ياطر في قضاء بنت جبيل. وتأتي هذه الحوادث الموضعية فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، أن الدولة العبرية «لم تُنهِ عمليتها في جنوب لبنان»، مشدداً في هذا السياق على أنه ما دام في منصبه رئيساً للوزراء، فإن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب بالكامل من المنطقة العازلة التي يعمل على إقامتها وترسيخها في المنطقة الجنوبية اللبنانية، بهدف تأمين شمال إسرائيل. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، قد أشار الأربعاء إلى أن إدارة ترامب لم تطلب من إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان. ولإقفال هذا الملف اللبناني، الذي يبدو أنه يتقدم إذاً بـ«خطوات صغيرة»، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس جوزف عون جدد التأكيد هذا الأربعاء أن مفاوضات واشنطن منفصلة تماماً عن المباحثات الأميركية-الإيرانية التي انطلقت في سويسرا. البُعد الإقليمي أما في ما يتعلق بالتطورات الإقليمية، فلا تزال ثلاثة ملفات أساسية تُبقي الخلافات قائمة بين الأميركيين والإيرانيين في قراءة الاتفاق الإطاري المبرم بين الطرفين وتفسيره. فإدارة ترامب، وبصورة أكثر تحديداً سيد البيت الأبيض، لا تفوّت مناسبة للتأكيد أن خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيقومون بالفعل بتفتيش المواقع النووية الإيرانية، وهو ما لا ينفك أركان النظام الإيراني ينفونه نفياً قاطعاً. وفي الوقت نفسه، يؤكد الرئيس ترامب بوضوح أن الأصول الإيرانية التي سيتم الإفراج عنها ستُستخدم حصراً لشراء القمح والذرة والصويا، لحساب الشعب الإيراني، مباشرة من السوق الأميركية، بما يعود بالفائدة على المزارعين والمنتجين الأميركيين. غير أن هذا الطرح يرفضه كبار المسؤولين في طهران، الذين يكررون على مسامع من يريد أن يسمع أن السلطة الإيرانية وحدها هي التي تقرر كيفية استخدام الأصول التي ستفرج عنها الإدارة الأميركية. وثمة موضوع آخر يشكل موضع خلاف بين واشنطن وطهران، هو إدارة الملاحة البحرية الدولية في مضيق هرمز. فالنظام الإيراني يواصل التحرك على أكثر من مستوى لفرض سيطرته وسيادته على المضيق كأمر واقع، عبر فرض رسوم لقاء خدمات إدارية و«بيئية» و«أمنية» يُفترض أن تُقدَّم للسفن التي تعبر هذا الممر البحري. ومن الواضح أن الأمر يتعلق برسم عبور لا يريد الإفصاح عن اسمه… وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى التأكيد، الأربعاء، أنه إذا سعى الإيرانيون إلى فرض رسم عبور مقنّع في مضيق هرمز، فسوف يوقف بكل بساطة المفاوضات مع طهران.

الولايات المتحدة وإيران: خريطة طريق تحت ضغط الوقت (1/2)

بعد 48 ساعة فوضوية تخللتها تهديدات بالانسحاب، انتهت الجلسة الأولى الرفيعة المستوى بين الوفدين الأميركي والإيراني تحت وساطة مزدوجة من قطر وباكستان. كان البروتوكول الموقّع في فرساي في 17 حزيران يبدو، حتى الآن، بمثابة هدنة هشّة؛ لكنه تحوّل، بعد المصادقة الرسمية على خريطة طريق تمتد 60 يوماً، إلى تمرين دبلوماسي فعلي. ومن المفترض أن تقود هذه الخريطة إمّا إلى اتفاق نهائي، على غرار الترتيبات التي تنظّم الشرق الأوسط منذ عام 1948، وإمّا إلى أزمة مفتوحة جديدة. أما المخاطر السياسية والعسكرية بين الطرفين، فلا تزال قائمة ضمن مهلة شديدة الانضغاط. دور قطر يعكس الدور المحوري الذي تؤديه قطر في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، من جهة، أن الابتزاز الإيراني عبر قصف الإمارة قد أتى ثماره، ومن جهة أخرى، عودة قوية للدبلوماسية التبادلية، حيث تتراجع الجغرافيا السياسية أمام ما يشبه عقداً تجارياً. فقطر، التي كانت تاريخياً مستودعاً للقنوات المالية السرية بين واشنطن وطهران، فرضت حضورها في سويسرا من خلال قوتها الناعمة، كضامن لنوع من الاستقرار الإقليمي. وبحكم مشاركتها إيران في أكبر حقل غازي في العالم، وفي الوقت نفسه استضافتها القاعدة العسكرية الأميركية الرئيسية في الشرق الأوسط، عرفت قطر كيف تناور، أولاً لترتيب تجميد الأصول الإيرانية تحت ضغط واشنطن، ثم لفكّ تجميدها في مرحلة ثانية، بما سمح بإعادة فتح مضيق هرمز. لكن قوة هذه الوساطة القطرية تكمن أيضاً في عمق شبكاتها الاقتصادية مع فريق دونالد ترامب. فسواء تعلّق الأمر بصهر دونالد ترامب، جاريد كوشنر، أو بالمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الحاضرين في سويسرا إلى جانب جي دي فانس، فإن الشخصيتين الأساسيتين في الوفد الأميركي تربطهما علاقات مالية وثيقة بصناديق الثروة السيادية التابعة للإمارة. وقد أتاح هذا التشابك غير المسبوق بين المصالح الخاصة وشؤون الدولة تحويل نزاع أيديولوجي شديد الاشتعال إلى طاولة تفاوض تجارية، ولكن من دون أن يخلو ذلك من المخاطر. ومن خلال إدخال قطر أيضاً إلى قلب خلية خفض التصعيد على الجبهة اللبنانية، تكون واشنطن قد صادقت على بروز رعاية قطرية تعيد رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط. أما الأسوأ بالنسبة إلى لبنان في هذه القضية، فسيكون اتفاق دوحة جديداً شبيهاً باتفاق عام 2008. إن أبرز جديد خرجت به المفاوضات في سويسرا هو خريطة الطريق هذه، التي تطلق سباقاً حقيقياً مع الوقت مدته 60 يوماً، مع مفاوضات تقنية مطوّلة تهدف إلى تنفيذ بروتوكول التفاهم. وتبقى الفرق المعنية في بورغنشتوك، فيما يُفترض أن تتكاثر ورش العمل التقنية. وهذا الجدول الزمني الصارم يحاصر واشنطن وطهران في فخ سياسي، حيث تتحول المهلة اللازمة لتقديم التنازلات إلى عدّ تنازلي قابل للاشتعال تحت ضغط العوامل الداخلية في كلا البلدين. هل يمكن تمديد مهلة الستين يوماً؟ لا تملك الإدارة الأميركية ترف الوقت: فالبيت الأبيض يحتاج بصورة ملحّة إلى نتائج سريعة من أجل تثبيت أسواق الطاقة وتأكيد عقيدته القائمة على الدبلوماسية التبادلية. إن تعثراً تقنياً في سويسرا، مقروناً بإمكانية تمديد الهدنة، سيمنح إيران السيناريو المثالي: مواصلة تحصيل عائدات النفط بفضل الرفع المؤقت للعقوبات المفروضة على بيع نفطها، مع إبقاء الغموض قائماً حول برنامجها النووي. وأمام هذه الساعة الإيرانية التي تدور، قد يجد الجهاز التنفيذي الأميركي نفسه عالقاً في فخ رأيه العام اليميني، ولا سيما السيناتور روجر ويكر، الجمهوري عن ولاية ميسيسيبي ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الذي أعلن علناً أن هذا الاتفاق «يفاوض على الانتصارات العسكرية» للجيش الأميركي و«يكسرها». أما السيناتور تيد كروز، الجمهوري عن ولاية تكساس، فيشنّ هجوماً عنيفاً على فكّ تجميد 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، معتبراً أن إرسال المليارات إلى آيات الله يعني تمويل الإرهاب المعادي لأميركا بشكل مباشر، كما يكرّس السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز. من جهته، يندّد السيناتور جون كورنين، الجمهوري عن ولاية تكساس، باتفاق يسمح لإيران ببيع نفطها بحرية وإعادة ملء خزائنها لإعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية، من دون أي مقابل يتعلق بتفكيك برنامجها النووي. أما السيناتور ريك سكوت، الجمهوري عن ولاية فلوريدا، فيعبّر من جهته عن رفض قاطع للثقة بنظام طهران. لكن الأهم بينهم هو السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وأحد أقرب حلفاء دونالد ترامب، الذي تبنّى موقفاً حذراً ولكن حازماً: فهو يطالب بأن يُعرض أي اتفاق نهائي على الكونغرس للموافقة والتصويت، رافضاً أن ينفرد الجهاز التنفيذي وحده بالمصادقة على فكّ تجميد الأموال. وعليه، إذا كان يفترض بالهدنة الممتدة 60 يوماً أن تفضي إلى معاهدة، فإن دونالد ترامب سيجد نفسه في مواجهة ائتلاف من الصقور الجمهوريين الذين يصرخون بالخيانة، ومن الديمقراطيين الذين ينددون بشيك على بياض. وتشكل هذه المعارضة العقبة الداخلية الأولى أمام نجاح خريطة الطريق السويسرية. عندما يحضر الكابيتول إلى بورغنشتوك يتعرض دونالد ترامب أيضاً لضغوط من يساره. ففي 23 حزيران الجاري، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي، بأغلبية 50 صوتاً مقابل 48، قراراً يحد من صلاحيات الرئيس في شن الحرب. ولا يملك هذا القرار الدستوري قوة قانونية قادرة على شلّ البيت الأبيض، لكن توقيته السياسي محرج. فمن خلال تحالفهم مع الديمقراطيين، كسر أربعة سيناتورات جمهوريين وحدة معسكرهم للطعن في احتكار دونالد ترامب قرار الحرب ضد طهران، مطالبين إياه بالحصول على موافقة الكونغرس على أي عمل حربي. وتضعف هذه الوضعية التشريعية موقف المفاوضين الأميركيين في بورغنشتوك: فإيران باتت تعلم الآن أن تهديد دونالد ترامب باستئناف القصف عند أول تجاوز بات مقيداً سياسياً بكونغرس قادر على تهديده بقطع التمويل اللازم. وفوق ذلك، فإنها تدفع الرئيس الأميركي، الغاضب مما يصفه بـ«خطأ وطني»، إلى تشديد لهجته لإثبات سيادته، ولو أدى ذلك إلى تقويض ورش العمل التقنية بنفسه عبر مواقف نارية على شبكات التواصل الاجتماعي. وبين مطالب مجتبى خامنئي، وغضب حليف إسرائيلي مهمّش وامتداداته داخل الإدارة الأميركية، والصحوة الدستورية للكونغرس الأميركي نفسه، تبدو خريطة الطريق الممتدة 60 يوماً أكثر من أي وقت مضى بمثابة هدنة مؤقتة هشّة، يترقب فيها كل طرف أول خطأ يرتكبه الطرف الآخر. عدم القدرة على التنبؤ بالموقف الأميركي والدبلوماسية المزدوجة فقد كادت المفاوضات، بالفعل، أن تنهار عندما هدد دونالد ترامب، في 21 حزيران الجاري، خلال مقابلة مباشرة على قناة فوكس نيوز، باستئناف القصف ضد إيران والتدخل في مضيق هرمز إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال 60 يوماً. عندها علّق الوفد الإيراني مشاركته، وتطلّب الأمر جهداً مكثفاً من المصالحة بذله القطريون والباكستانيون لإعادة المفاوضين إلى الطاولة. ويجسد هذا النوع من التدخلات العلنية توتراً دائماً بين دبلوماسية ميدانية يقودها جي دي فانس وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وبين خطاب رئاسي يذكّر بموقع مركز القرار، ولو على حساب التقدم المحقق خلف الكواليس. وهنا يكمن جوهر المفارقة الاستراتيجية: الجمع بين تهديد لفظي بأقصى درجاته وممارسة دبلوماسية براغماتية. قد تنجح هذه المفارقة، بالطبع، في فرض تنازلات، لكنها تؤدي أيضاً إلى أزمات ثقة لدى الجانب الإيراني، كما لدى الجانبين الباكستاني والقطري. (يتبع)

أزمة المنطقة: حراك ديبلوماسي مكثف وسط تزايد المساحات الرمادية

شهد يوم الثلاثاء استنفاراً ديبلوماسياً واسعاً تمحور حول ملفين يتصدران واجهة الأحداث الدولية منذ فترة: المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران، والمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وفي هذا السياق، انطلقت أعمال الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في البنتاغون، وسط تأكيد حازم من رئيس الجمهورية جوزاف عون على الثوابت التي يجب أن تحكم هذه المباحثات الممتدة على مدى ثلاثة أيام، وفي مقدمها احترام السيادة اللبنانية. وكان الرئيس عون، الذي انتقد مراراً التدخل الإيراني السافر في الشؤن الداخلية اللبنانية، قد ساوى بين طهران وتل أبيب قائلاً: "لن نقبل بأقل من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وجميع الوصايات الخارجية"، في إشارة واضحة، وإن غير مباشرة، إلى إيران. ونقل بيان صادر عن مكتبه تطلعه إلى أن تفضي هذه المحادثات إلى "استعادة لبنان سيادته الكاملة على كل شبر من أراضيه". وبالنسبة إلى بيروت، يكمن الهدف الأساسي لهذه المحادثات في تحويل اتفاق وقف إطلاق النار إلى آلية تنفيذية ملموسة تضمن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وعودة النازحين، وإطلاق سراح الأسرى. ووفقاً لمصادر قصر بعبدا، التي نقلت عنها وكالة الأنباء المحلية "المركزية"، فقد زُوّد رئيس الوفد اللبناني، السفير سيمون كرم، بتوجيهات دقيقة للتمسك بهذه الأولويات، مع البحث في الوقت عينه عن ترتيبات عسكرية وأمنية قابلة للتطبيق على الأرض، حيث لا يزال وقف إطلاق النار يواجه خروقات ميدانية. وفي هذا الإطار، أطلق الجيش الإسرائيلي النار يوم الثلاثاء على مجموعات من الأشخاص وصفهم بـ"الإرهابيين" التابعين لـ"حزب الله" الموالي لإيران، وذلك في محيط تلة علي الطاهر الاستراتيجية، ما أسفر عن سقوط قتيلين على الأقل. وفي سياق متصل، أفادت معلومات تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية بأن المحادثات تركز بشكل خاص على إنشاء "مناطق تجريبية" في جنوب لبنان. وبحسب صحيفة "هآرتس"، فإن تل أبيب أعدت خرائط عدة تلحظ انسحاباً تجريبياً من بعض المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني والخط الأصفر، على أن ينتشر فيها الجيش اللبناني تحت إشراف أميركي. وفي لبنان، تُشير المعطيات إلى أن المحادثات ذات الطابع العسكري والأمني ستليها، يوم الخميس، مناقشات أخرى ذات أبعاد سياسية، ترتبط على وجه الخصوص بنزع سلاح "حزب الله". وإذ يحظى مشروع "المناطق التجريبية" بدعم أميركي بطبيعة الحال، لكونه يشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الجيش اللبناني على ضبط الأمن في الشطر الجنوبي من البلاد، ومنع أذرع طهران من التمدد مجدداً هناك، فإنه يصطدم مع ذلك بعقبتين رئيسيتين: الأولى تكمن في إشراك الجمهورية الإسلامية، الرافضة لإرخاء قبضتها عن لبنان، في الآلية المرتقب إبصارها النور، دون تقديم أي تفسيرات رسمية حتى الآن لخلفيات هذا الحضور المستغرب في أقل تقدير. أما العقبة الثانية، فتتمثل في أن لبنان لا يبدو مشاركاً في التحضيرات الملموسة لهذه الترتيبات، وهو ما عكسته مضامين الاتصالين الهاتفيين اللذين تلقاهما جوزاف عون من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وكان المسؤولان الأميركيان قد اتصلا به يوم الثلاثاء للإعراب عن دعمهما لمواقفه ولمواقف الحكومة الهادفة إلى استعادة السيادة اللبنانية. وبحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، فقد أطلعاه على أن "التحضيرات المتعلقة بتشكيل هذه الخلية وآلية عملها قيد الدرس حالياً". وأمام هذا المشهد، يبقى السؤال مطروحاً حول طبيعة الدور الذي سيتولاه لبنان في هذا الإطار، في وقت تواصل فيه بيروت المطالبة بفصل المسارين التفاوضيين؛ اللبناني-الإسرائيلي من جهة، والإيراني-الأميركي من جهة أخرى. نداء جو راجي إلى الدول العربية من عمان، حيث شارك في أعمال الدورة الـ165 لمجلس وزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية، طالب وزير الخارجية جو رجي الدول العربية بدعم "استقلالية مسار التفاوض اللبناني" بعيداً عن المحور الأميركي-الإيراني، مشدداً على أن مستقبل لبنان لا ينبغي أن يُقرّر في غيابه. ويبدو أن هذه الرغبة لا تزال تحظى بدعم واشنطن، وهو ما أكده جي دي فانس في رده على رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي كان قد استفسر منه عن الموقف الأميركي حيال لبنان و"حزب الله". وأكد فانس في رده لجعجع أن الولايات المتحدة تعتبر الرئيس عون والحكومة اللبنانية "السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد". وشدد نائب الرئيس الأميركي على أن المباحثات مع طهران "لا تهدف إلى منحها دوراً في مستقبل لبنان، بل إلى الضغط عليها لكي تحثّ حزب الله على احترام التزاماته". وفي مطلق الأحوال، فإن المعسكر السيادي، الذي شنّ عليه الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم هجوماً عنيفاً مجدداً يوم الثلاثاء، متّهماً إياه بخدمة المصالح الإسرائيلية، لا يعتزم التراجع. وفي هذا السياق، وقّعت أكثر من 400 شخصية لبنانية نداءً لإنقاذ لبنان، يرتكز على ثلاث أفكار رئيسية: الالتفاف حول الدولة، دعم المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ورفض الوصاية التي تسعى إيران إلى فرضها على لبنان عبر ذراعها العسكرية المتمثلة في "حزب الله". وفي الإطار عينه، سلّم تكتل "الجمهورية القوية"، ونواب حزب "الكتائب"، ومجموعة من النواب المستقلين (من بينهم أشرف ريفي، وميشال معوض، وفؤاد مخزومي)، رئيس الحكومة نواف سلام مذكرة يطالبون فيها الدولة اللبنانية بإعداد ملف قانوني ومالي وديبلوماسي لمطالبة جمهورية إيران الإسلامية بتعويضات عن الأضرار والخسائر الناتجة عن الحرب الأخيرة التي أشعلت إيران جبهتها في لبنان. على خط موازٍ، لا تزال الديبلوماسية الفرنسية حاضرة بقوة في مرحلة ما بعد الحرب في لبنان. ففي ثلاث اتصالات هاتفية أجراها مع جوزاف عون، ونواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، استعرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستجدات المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وتثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، والتحضيرات لمرحلة ما بعد "اليونيفيل". وفي وقت من المقرر أن تنتهي فيه مهمة القوة الدولية بدءاً من سنة 2027، تجري باريس مشاورات مع عدد من الشركاء الأوروبيين لتحديد صيغة وجود دولي بديل محتمل. ملامح استياء بالتوازي، دخلت المحادثات الأميركية-الإيرانية مرحلة جديدة، مع قرار الطرفين تشكيل أربع مجموعات عمل تُعنى برفع العقوبات، الملف النووي، إعادة الإعمار الاقتصادي في إيران، ومتابعة الالتزامات. وفي حين يُبدي المسؤولون الأميركيون تفاؤلهم، بدأت ملامح التبرّم والامتعاض تطفو على السطح، بالتزامن مع وجود الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي في إسلام آباد، لإجراء محادثات مع المسؤولين الباكستانيين الذين يقودون الوساطة مع واشنطن. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد أن إيران وافقت على عمليات تفتيش لمنشآتها النووية "على أعلى مستوى"، وأن "المفتشين سيكونون على الأرض في الوقت المناسب"، وهو ما سارعت طهران إلى نفيه. إذ أعلنت الجمهورية الإسلامية، على لسان مسؤوليها، أنها لا تنوي السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش بعض المواقع النووية التي تعرضت لقصف إسرائيلي وأميركي مؤخراً. وجاء رد دونالد ترامب حاسماً: "إذا كانت إيران تبحث عن المشاكل، فما عليها إلا أن تحاول حيازة السلاح النووي". أما نقطة الخلاف الثانية فترتبط بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة؛ إذ أعلنت طهران عن اتفاق يقضي بتحرير فورى لـ12 مليار دولار على دفعتين، قيمة كل منهما ست مليارات دولار. غير أن دونالد ترامب أشار إلى أن هذه الأموال ستوضع في حساب مغلق وتُخصّص حصراً لشراء مواد غذائية وطبية أميركية. وسارعت طهران، عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة، إلى رفض هذا التفسير، مؤكدة أن إيران وحدها ستظل صاحبة القرار في كيفية استخدام أصولها. وفي وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى ضمان استخدام هذه الأموال لدعم الشعب الإيراني، الذي يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، يحاول نظام الملالي، المحاصر بأزمته المالية، تعويم نفسه مالياً لضمان بقائه واستمراريته. النزاع حول مضيق هرمز ترتبط نقطة الخلاف الثالثة بمسألة مضيق هرمز؛ إذ أعادت طهران التأكيد على رغبتها في الاحتفاظ بالسيطرة الإدارية على هذا الممر الاستراتيجي، الذي شهد يوم الثلاثاء أعلى حركة ملاحة بحرية منذ بدء الحرب. وأعلنت إيران وسلطنة عمان بدء محادثات حول آليات وتكاليف الخدمات المستقبلية المتعلقة بإدارة هذا المحور، في وقت تعارض فيه واشنطن بشدة أي سيطرة إيرانية على المضيق. وفي هذا السياق، جدّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي بدأ يوم الثلاثاء جولة في الخليج، التأكيد فور وصوله إلى أبو ظبي على أنه "لا يُسمح لأي دولة بفرض رسوم مرور أو عوائد على ممر مائي دولي". وتهدف هذه الجولة إلى "طمأنة الدول الحليفة في الخليج بشأن مذكرة التفاهم مع إيران". ومن المقرر أن يناقش روبيو مع قادة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين مذكرة التفاهم مع إيران، وأمن مضيق هرمز، وضمانات الاستقرار التي تطالب بها هذه الدول التي كانت قد تعرضت لهجمات من إيران خلال حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.