شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10)

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات العاطفية والأيديولوجية والرومانسية التي تتجاهل الحقائق، تاركةً للقارئ حرية استخلاص النتائج المناسبة. تناولت الأجزاء التسعة السابقة إعادةَ قراءة الأحداث المتعلقة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف، مروراً بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في مايو 2000، وقيام "حزب اللهستان" في الجنوب، وصولاً إلى حرب 2006. أما هذا المقال، فيتناول دروس حرب 2006 وتداعياتها. في عملية "الوعد الصادق" (المسمى الذي أُطلق على حرب يوليو 2006)، اتبع حزب الله أساليب قتالية مرتكزة على مفهوم الحرب غير المتماثلة الهجينة، إذ مزج بمهارة بين حرب العصابات التقليدية، والاستخدام الواسع للصواريخ المضادة للدروع من الجيل المتقدم ذات التأثير المزدوج، والدفاع بالعمق على امتداد المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وجزء من شماله. وفي صلب هذا الهيكل العسكري، برزت تكتيكات ما بات يُعرف بـ"المحميات الطبيعية"، وهي شبكة معقدة من الأنفاق والمخابئ المدفونة في باطن الأرض، بعيداً عن أعين سلاح الجو الإسرائيلي، مع شنّ الكمائن في الوقت ذاته. وهو أسلوب دفاعي مستوحى من تكتيكات الفيتكونغ والجيش الفيتنامي الشمالي إبان حربهم مع الولايات المتحدة (1964-1973)، حين كانت الأخيرة تتمتع بتفوق جوي لا جدال فيه. أجاد الجماعة الموالية لإيران توظيفَ صواريخ مضادة للدروع من الجيل الرابع، كما أُشير إلى ذلك سابقاً. وفي الوقت نفسه، حافظ على ضغط متواصل لم يهدأ على شمال إسرائيل، الذي ظل شبه مشلول طوال فترة الحرب جراء الإطلاق اليومي لصواريخ الكاتيوشا (نحو 4000 صاروخ بمعدل 100 إلى 120 صاروخ يومياً)، انطلاقاً من منصات متحركة مموّهة. فضلاً عن ذلك، لم يكن مقاتلو الميليشيا الإسلامية بحاجة إلى خطوط إمداد لوجستية، إذ كانت الأسلحة والذخائر والمؤن ووسائل الصمود متوفرة بوفرة في الأنفاق الجوفية التي جرى تخزينها على مدى ست سنوات، ولم تمتد الحرب سوى 33 يوماً. وأخيراً، خاض حزب الله حرباً إعلامية شرسة؛ إذ كانت قناة المنار تبث خطابات حسن نصر الله التي اتخذ منها سلاحاً نفسياً لرفع معنويات أنصاره وزعزعة الرأي العام الإسرائيلي. وفي هذا السياق، وعلى سبيل المثال، شنّ مقاتلو الحزب في 14 يوليو 2006 هجوماً على سفينة حربية إسرائيلية قبالة بيروت، باستخدام صاروخ بحري موجّه صيني من طراز C802 Silkworm زوّدته به إيران، مما أربك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وأوقعها في مفاجأة كاملة. أودى الاصطدام بحياة أربعة بحارة. وشكّل هذا الحادث مفاجأة تكتيكية كبرى، إذ لم تكن أنظمة الدفاع الآلي للسفينة في وضع التشغيل، لأن القيادة كانت تستبعد أي تهديد بصواريخ مضادة للسفن. وفي خطاب مباشر عبر الراديو، دعا حسن نصر الله اللبنانيين إلى التطلع نحو البحر لمشاهدة السفينة وهي تشتعل، مما شكّل منعطفاً حاسماً في الحرب النفسية خلال هذا النزاع. ملخص التكتيكات الإسرائيلية في المقابل، اعتمد الجيش الإسرائيلي استراتيجية محورها التفوق الجوي والتقنيات المتقدمة في تلك المرحلة وعمليات الضربات الدقيقة. غير أنه أبدى تردداً واضحاً في شنّ هجوم بري واسع النطاق، في محاولة على الأرجح لاستنساخ نموذج حرب الخليج الثانية عام 1991، حين شنّت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حملة جوية مطوّلة ومكثفة قبل التقدم براً في عملية "عاصفة الصحراء". وقد أخفق رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس، وهو طيار مقاتل في الأصل، في تكييف استراتيجيته مع المعطيات الميدانية اللبنانية الجديدة التي فرضها حزب الله. تمكّن الطيران الإسرائيلي من تدمير ما يقارب الجزء الأكبر من صواريخ حزب الله بعيدة المدى (فجر والزلزال) منذ الساعات الأولى للنزاع، إلى جانب عدد كبير من منصات إطلاق الصواريخ ومراكز قيادة حزب الله ومستودعات الذخيرة. كما نجح في عزل جنوب لبنان بتدمير الجسور والطرق الاستراتيجية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى العملية الناجحة للكوماندوز في العمق اللبناني، لا سيما عملية بعلبك في الثاني من أغسطس 2006، حيث سيطرت وحدة خاصة إسرائيلية على مستشفى وأسفرت عن مقتل 10 مقاتلين من حزب الله و6 مدنيين، فضلاً عن اعتقال عدد من المدنيين الذين أُفرج عنهم لاحقاً. أما على صعيد العمليات البرية، فلم يتحقق التقدم نحو نهر الليطاني إلا بصورة جزئية. نجحت وحدات النخبة في اختراق بعض المناطق، لكنها عجزت عن بسط سيطرة فعلية على الضفة الجنوبية للنهر قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الرابع عشر من أغسطس. وقد شكّل عجز المشاة والمدرعات عن تأمين الأرض في مواجهة صواريخ مضادة للدروع وإيقاف قصف الصواريخ على شمال إسرائيل الإخفاق الاستراتيجي الأبرز في هذه الحرب. أما الخسائر في المعدات العسكرية، فبالإضافة إلى دبابات ميركافا والسفينة التي تضررت، فقد أُسقطت طائرة هليكوبتر بصاروخ مضاد للدروع، وتضررت طائرتان أخريان جراء تصادمهما، فضلاً عن عدد من الطائرات المسيّرة. وقد كانت هذه الحرب الحدثَ الذي أنهى المسيرة العسكرية لرئيس الأركان دان حالوتس، الذي بات اليوم (2026) من أشد المعارضين لنتنياهو، إذ يتصدر المشهد في الشارع قائداً للمتظاهرين ضد رئيس الوزراء. حصيلة حرب الثلاثة والثلاثين يوماً على الجانب اللبناني، يُقدَّر عدد القتلى بنحو 1100 مدني، و43 عسكرياً وعنصراً من قوى الأمن اللبناني رغم عدم انخراطهم في القتال، و5 جنود من قوات الأمم المتحدة، وما بين 250 و600 مقاتل من حزب الله، و31 من المسلحين الحلفاء للحزب، إضافة إلى 52 مدنياً من جنسيات أجنبية. في صفوف الإسرائيليين، بلغ عدد القتلى 165 شخصاً من بينهم 119 جندياً. وعلى صعيد الخسائر المادية اللبنانية، بلغ عدد الوحدات السكنية التي دُمِّرت كلياً أو جزئياً في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت نحو 30,000 وحدة، علاوة على الجسور والطرق والبنية التحتية؛ وقد قُدِّرت الأضرار الإجمالية بما بين 5 و7 مليارات دولار. وبلغ عدد النازحين نحو 685,000 شخص باتجاه بيروت وجبل لبنان، و200,000 آخرين نحو سوريا، في حين تراوح عدد نازحي شمال إسرائيل بين 300,000 و500,000 شخص. نهاية النزاع: القرار 1701 أُسدل الستار على النزاع في الرابع عشر من أغسطس 2006 إثر صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي. وكانت إسرائيل تحتل آنذاك منطقة عازلة تتراوح عمقاً بين 10 و30 كيلومتراً شمال الخط الأزرق. وفور الإعلان عن وقف إطلاق النار، وعلى الرغم من الطرق المدمرة، عاد النازحون بأعداد كبيرة إلى قراهم في الجنوب. وكانت تلك المرة الرابعة التي يعود فيها النازحون إلى جنوب لبنان، لا بفعل تحرير الأرض بالقوة، بل نتيجة ضغوط دولية ظل إيران وحزب الله يُعوِّلان عليها دوماً، كما جرى عام 1993 و1996 و2000، وهي ضغوط تهدف إلى استقرار الشرق الأوسط عبر تسويات مؤقتة في كل مرة. سعى القرار 1701 إلى إنشاء "منطقة أمنية" في جنوب لبنان بين الخط الأزرق ونهر الليطاني الواقع على بُعد نحو 30 كيلومتراً إلى الشمال. غير أن تطبيقه جاء انتقائياً وقاصراً، مما أفضى إلى الوضع القائم حالياً. وللمرة الأولى منذ قرابة ثلاثين عاماً، انتشر الجيش اللبناني بقوام 15,000 جندي على امتداد الحدود الجنوبية، مرسِّخاً مبدأ سيادة الدولة، على النقيض من خطاب رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود الذي رفض باستمرار نشر الجيش في الجنوب تاركاً تلك المنطقة تحت سيطرة حزب الله. وفقاً للقرار 1701 أيضاً، انسحب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها خلال هجومه البري، وجرى تعزيز قوات اليونيفيل تعزيزاً ملحوظاً، إذ ارتفع عدد جنودها من 3000 إلى ما يقارب 10,000 جندي، مع توسيع صلاحياتها لمراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني في تطبيق القرار. غير أن شيئاً من ذلك لم يتحقق على مدى السنوات السبع عشرة التي تلت ذلك. نصّ القرار 1701 على ألا يكون بين نهر الليطاني والحدود أي جماعة مسلحة سوى الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. إلا أن أطراف النفوذ داخل الحكومة اللبنانية آثرت الخضوع والاستسلام، في غياب أي رؤية استراتيجية، ودون أن تستثمر الضغوط الدولية لصالحها. وبالتنسيق معهم، قبل حزب الله سحب مسلحيه الذين يرتدون الزي العسكري وأسلحته الثقيلة الظاهرة، لكنه أبقى على حضوره السري بالكامل. فأعاد بناء شبكة أنفاقه وتحصيناته تحت الأرض، وجدّد ترسانته وطوّرها بصورة واسعة، لا سيما عشرات الآلاف من الصواريخ، وذلك على مرأى ومسمع من اليونيفيل، عبر سوريا التي شكّلت جسراً برياً بين لبنان وإيران. في المقابل، واصل الجيش الإسرائيلي انتهاكاته اليومية للأجواء اللبنانية، مدّعياً أن ذلك ضرورة لمراقبة أنشطة حزب الله في ظل غياب أي تطبيق فعلي لنزع السلاح. نجح القرار 1701 في الحفاظ على استقرار نسبي وتفادي حرب شاملة طوال 17 عاماً (حتى أكتوبر 2023)، إلا أنه لم يعالج قط جوهر المشكلة، المتمثل في الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان. اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

إيران-الولايات المتحدة: انطلاقة فاشلة وتوترات في لوسيرن

كان لبنان في صلب المحادثات، الأحد، بين إيران والولايات المتحدة في سويسرا. لكن فيما كانت طهران تؤكد أنها أغلقت مضيق هرمز، وكان نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس يلقي خطاباً بنبرة إيجابية، ردّ الرئيس دونالد ترامب على إغلاق المضيق ملوّحاً بتهديدات ضد إيران، ما دفع المفاوضين الإيرانيين إلى تعليق المحادثات. أما في ما يتعلق بلبنان، فالأنظار شاخصة إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، الأمر الذي أثار غضب حزب الله. الأحد 21 حزيران: بدأت المحادثات الإيرانية-الأميركية في لوسيرن، سويسرا. وترأس الوفد الأميركي نائب الرئيس جاي دي فانس، فيما ترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد قاليباف. وبعد بداية متعثرة، إذ كان من المفترض أن تُعقد المحادثات الجمعة في المكان نفسه، انعقدت في نهاية المطاف بعد يومين. ولم يكن مقدراً لها أن تجري بهدوء، بل أن تُظهر مرة جديدة عمق الخلافات بين الخصمين السابقين. على مستوى الشكل، كانت جلسة التفاوض هذه مناسبة لكثير من المصافحات والابتسامات، ولا سيما بين الأميركيين والقطريين والباكستانيين. وكانت تصريحات جاي دي فانس إيجابية. وقال: «طلب منا الرئيس ترامب أن نفتح صفحة جديدة من أجل تحويل علاقتنا مع الشعب الإيراني». كما تحدث عن «تقدم كبير خلال الساعات الأخيرة». وقد شهدت هذه الجلسة الأولى ارتباكات دبلوماسية، إذ رفض الإيرانيون التقاط صور مع الوفد الأميركي، فضلاً عن أنهم حرصوا على إبقاء السيد فانس منتظراً من خلال تأخرهم في الوصول إلى قاعة الاجتماع! أما على مستوى المضمون، فكانت المسألة اللبنانية في صلب المحادثات، بحسب الأصداء التي وصلت إلى وسائل الإعلام، والتي تفيد بأن هذا الملف كان حاضراً بقوة في النقاشات. فعلى النقيض من التصريحات المنمقة لفانس، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواقف حازمة على منصته للتواصل الاجتماعي، مشدداً على أن على إيران أن «توقف فوراً دعم وكلائها»، ولا سيما حزب الله، وإلا «فسنضرب بقوة كبيرة». وبعد قليل، أكد الرئيس الأميركي، في تصريح لشبكة فوكس نيوز، أنه حذّر مسؤولين إيرانيين خلال الليل، من دون أن يسميهم، من إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أنه «قادر على السيطرة عليه». وقد أثارت هذه المواقف الحازمة توتراً شديداً داخل قاعة الاجتماع، وانسحاب الوفد الإيراني. في لبنان، أتاحت المواقف الإيرانية لحزب الله أن يستعيد زخمه. فقد دعا النائب في حزب الله حسن فضل الله إلى «الاستفادة» من دعم إيران. وصبّ الحزب الموالي لإيران، الأحد، جام غضبه على المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي يُفترض أن تُعقد جولة جديدة منها الثلاثاء في واشنطن. «إملاءات أميركية»، «استسلام»… لم يبخل بيان الحزب بالمفردات للتنديد بمواصلة المفاوضات المباشرة التي بدأتها السلطات اللبنانية باسم لبنان، والتي ستُعقد مع ذلك في واشنطن، بمشاركة وفدين سياسي وعسكري. ومساء الأحد، وجهت تل أبيب رسالة تصالحية إلى واشنطن، التي بدت في الآونة الأخيرة وكأنها تبتعد عنها: فقد كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي مستعد لتنفيذ انسحابات «محدودة» في جنوب لبنان. فهل هي بادرة حسن نية تجاه السلطات اللبنانية، أم جزء من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة؟ أسبوع حافل بالتقلبات كان الأسبوع السابق قد اختُتم بإعلان من الرئيس الأميركي عن توقيع قريب لاتفاق مع إيران. وقد تمكن من التوجه إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة السبع بعدما حقق ما يعتبره انتصاراً دبلوماسياً. وجرى توقيع الاتفاق عبر الإنترنت، من قبل الرئيسين الأميركي والإيراني، مساء الأربعاء. وكان ترامب في فرساي للمشاركة في العشاء الذي أقامه له نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، على هامش قمة مجموعة السبع، التي رحب قادتها بالاتفاق وبإعادة فتح مضيق هرمز، وكذلك بـ«الفرصة الفريدة» للحصول من الإيرانيين على تخليهم عن الترسانة النووية. وقد سُرّبت بنود الاتفاق عبر وسائل الإعلام في اليوم نفسه، قبل أن تُعلن رسمياً. وبموجب هذا الاتفاق، يقرر الطرفان «الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، ويتعهدان بعدم شن حرب أحدهما ضد الآخر، مع احترام السيادة الإقليمية لكل منهما. كما يشير النص إلى مهلة قابلة للتجديد مدتها 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي. أما الحصار البحري الأميركي فسيُرفع، ويُعاد فتح مضيق هرمز بالكامل خلال مدة 30 يوماً. ومن أبرز نقاط النص وأكثرها إثارة للجدل، تعهد الولايات المتحدة و«شركائها الإقليميين» بإعداد خطة لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية وتنميتها بميزانية «لا تقل عن 300 مليار دولار». وتنهي الولايات المتحدة «كل أنواع العقوبات» ضد إيران، في حين تؤكد الجمهورية الإسلامية مجدداً أنها «لن تقتني أو تطور أسلحة نووية»، بعدما اتفق البلدان على تسوية مصير مخزونات اليورانيوم المخصب التي لا تزال موجودة على الأراضي الإيرانية. وسيكون على وزارة الخزانة الأميركية «إصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني ومشتقاته»، كما تلتزم الولايات المتحدة بـ«جعل أموال وأصول الجمهورية الإسلامية الإيرانية المجمدة أو الخاضعة لقيود متاحة وقابلة للاستخدام بالكامل». وأخيراً، فإن الاتفاق النهائي، حين يتم التوصل إليه، «سيُصدَّق عليه بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي»، وهو مطلب إيراني من الأساس. وقد اعتُبرت بنود هذا الاتفاق، شبه بالإجماع في العالم، أكثر ملاءمة لإيران منها للولايات المتحدة، على اعتبار أن الطرف الأول حصل على الورق على كل ما يطالب به، فيما أن البنود التي تهم الطرف الثاني تندرج كلها ضمن ما سيجري بحثه خلال مهلة الـ60 يوماً، أي إنها لا تزال في دائرة الغموض، ولا سيما مسألة الملف النووي. وقد نفى ترامب أن يُدفع أي سنت لإيران ما لم تفِ هذه الدولة بجميع التزاماتها. أما الإيرانيون، فلم يترددوا في إعلان الانتصار. وجاء رد المرشد الأعلى مجتبى خامنئي على مذكرة التفاهم، الجمعة، على شكل مباركة مغلفة بالتشكيك، إذ أوحى بأن موافقته لا تعني أن رأيه يتقاطع مع رأي الطرف الآخر. مجتبى خامنئي لا يزال غير مرئي ومراوغاً كما كان دائماً. أخيراً، تجدر الإشارة إلى أنه رغم النجاح الدبلوماسي لباكستان، فإن دور قطر في هذه المفاوضات يزداد وضوحاً: فعندما بدا الاتفاق مهدداً خلال هذا الأسبوع، ولا سيما بسبب الهجمات الإسرائيلية في لبنان، قيل إن زيارة قام بها وسطاء قطريون إلى إيران كانت حاسمة. لبنان: ورقة إقليمية أم دولة سيدة؟ في نص الاتفاق الإيراني-الأميركي، لا ترد أي إشارة واضحة إلى الصواريخ الباليستية أو إلى النفوذ الإيراني في المنطقة. بل على العكس، يتيح هذا النص لإيران أن تستعيد الإمساك بالورقة اللبنانية، إذ نجحت في إدراج وقف إطلاق النار في لبنان كشرط أساسي لتنفيذ الاتفاق. ويأتي ذلك في وقت تجري فيه السلطات اللبنانية مفاوضاتها الخاصة مع إسرائيل في واشنطن، بينما شددت الولايات المتحدة مراراً على فصل الملفين الإيراني واللبناني. ولا يبدو أن تمسك طهران بحليفها حزب الله قد تراجع: فقد وصل رئيس البرلمان الإيراني إلى حد الاعتراف بأن الحزب الشيعي اللبناني قاتل 104 أيام من أجل إيران، في حين أن إيران نفسها لم تقاتل سوى 38 يوماً… في رابط لا ينفصم لم يعد أي من الطرفين يسعى إلى إخفائه. لكن ذلك لم يكن في حسبان الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين رحبا بوقف إطلاق النار، مع إعادة التأكيد بقوة على إرادة لبنان التفاوض باسمه، واستعادة سيادته. وخلال هذا الأسبوع أيضاً، تلقى حزب الله وحلفاؤه ضربة قاسية السبت، عندما فُرضت عقوبات أميركية على الوزير السابق سليمان فرنجية، مرشحهم المفضل إلى رئاسة الجمهورية، وعلى أحد كوادرهم الأكثر حدة، محمود قماطي. وقد يكون ذلك، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وسيلة للإشارة إلى أنه رغم رغبتها في عدم تعريض الاتفاق مع الإيرانيين للخطر، فإن أولوياتها في لبنان لم تتغير. الميدان في الجنوب في غضون ذلك، وعلى الأرض في جنوب لبنان، لم تخف حدة المعارك طوال الأسبوع، بل ارتفعت درجة مع اقتراب نهاية الأسبوع. وتبادل الجيش الإسرائيلي وحزب الله الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار. وكانت القوات الإسرائيلية تواصل محاولاتها للسيطرة على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في النبطية، ما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا في الجانب اللبناني، وخسارة جنود في الجانب الإسرائيلي. وفي أكثر من مناسبة، هددت إيران بتجميد المفاوضات إذا لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان. وعند هذا المستوى تحديداً، ظهرت الخلافات بين الإسرائيليين والأميركيين إلى العلن، إذ مارس الأميركيون ضغوطاً قوية على الإسرائيليين من أجل احترام وقف إطلاق النار. وهو سيناريو غير معتاد إطلاقاً في العلاقة بين الحليفين. في النهاية، لم يطلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رسمياً من جيشه «وقف العمليات» في لبنان إلا مساء السبت، مع احتفاظه بحق الرد على أي استفزاز من جانب حزب الله، وتحذيره من أن الانسحاب من الأراضي التي احتُلت خلال هذا النزاع ليس مطروحاً. وكان وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ لا يزال يبدو هشاً جداً الأحد: فرغم الهدوء الظاهر، سُجلت بعض الانتهاكات الإسرائيلية، في حين أعلنت قوات الدولة العبرية اكتشاف نفق كبير تحت بلدة مجدل زون، في قضاء صور. وكانت تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير كلها تصب في اتجاه احتمال استئناف المواجهات عند أول فرصة.

الهندسة السيميائية للسلطة
بقلم
يقظان التقي
نُشر

لم يعد الخطاب السياسي المعاصر يُقاس بما يقوله القائد فقط، بل بما تُنتجه كلماته وحركاته وصوره من معانٍ ورموز. ومن هذه الزاوية، يشكل أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحد أبرز النماذج السيميائية في السياسة المعاصرة، حيث تتحول اللغة والجسد والصورة إلى أدوات متكاملة لإنتاج السلطة والتأثي. ويمثل الخطاب السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب حالةً استثنائية في الأدبيات السياسية المعاصرة، لما يتضمنه من خصائص لغوية وسيميائية جعلته موضوعاً للدراسة في علوم السياسة والاتصال وعلم النفس السياسي. فلا يقتصر تأثيره على مضمون الخطاب، بل يمتد إلى منظومة متكاملة من العلامات اللفظية والبصرية والجسدية، التي تعيد تشكيل العلاقة بين الزعيم والجمهور، وتمنح أداءه السياسي طابعاً خاصاً يقوم على صناعة الحضور أكثر من مجرد نقل الرسائل. ولم تعد هذه السيميائية مجرد إطار نظري لتحليل شخصية سياسية، وفق منظّري تحليل الخطاب والسيميائيات، مثل Roland Barthes، وUmberto Eco، وTeun A. van Dijk، بل غدت مدخلاً ضرورياً لفهم كيفية إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها الدولية في المرحلة الراهنة. فقد أظهرت نتائج قمة مجموعة السبع الأخيرة أن الحضور الأميركي لم يكن محكوماً بالبيانات الختامية بقدر ما كان محكوماً بحضور الرئيس نفسه، حيث تحولت الإيماءات، وطريقة إدارة اللقاءات الثنائية، والتصريحات المقتضبة، وحتى الغموض المقصود في بعض المواقف، إلى رسائل سياسية موازية للقرارات الرسمية. وفي هذا السياق، لم تعد الصورة والرمز أقل تأثيراً من النصوص الدبلوماسية، بل أصبحت جزءاً من عملية التفاوض وصناعة التوازنات الدولية، الأمر الذي يعكس انتقال السياسة المعاصرة من منطق الدبلوماسية الكلاسيكية إلى منطق "إدارة الانطباعات"، حيث تُنتج العلامة السياسية أثراً قد يفوق أثر القرار ذاته. يعتمد ترامب لغة بسيطة ومباشرة مقارنة بأسلافه، مستخدماً جملاً قصيرة، وأفعالاً في صيغة الحاضر، وتكراراً كثيفاً للشعارات، الأمر الذي يوسع قاعدة المتلقين ويمنح خطابه طابعاً آنياً وحيوياً. وتتكامل هذه البنية اللغوية مع أداء جسدي يقوم على نبرة صوت حادة، وإيماءات متكررة، وتعابير وجه مبالغ فيها، ووقفة جسدية توحي بالثقة والتحدي، لتشكل جميعها نظاماً سيميائياً مدروساً يعزز صورة القائد الحاسم. وقد عادت السيميائية إلى واجهة التحليل مع ولايته الثانية، ليس فقط بسبب قراراته المثيرة للجدل، كفرض الرسوم الجمركية أو إعادة رسم أولويات السياسة الخارجية، بل أيضاً بسبب أسلوبه في إدارة الأزمات وصناعة الغموض السياسي. فقراراته وتصريحاته كثيراً ما تُحدث حالة من اللايقين داخل الولايات المتحدة وخارجها، بما يجعل الغموض نفسه أداة سياسية تُستخدم في التفاوض وإدارة الصراعات. وتتجلى هذه المقاربة في مواقفه من الحلفاء والخصوم على السواء، سواء في انتقاد المؤسسات الدولية، أو مواقفه من الحرب في غزة، أو تصريحاته بشأن غرينلاند وقناة بنما، أو علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو خطابه المتشدد تجاه الهجرة، أو هجومه المتكرر على النخب السياسية والإعلام، وتقديم نفسه بوصفه المنقذ في مواجهة "الدولة العميقة". كما يتكرر هذا الأسلوب في مواجهاته مع خصومه السياسيين، وفي طريقته في مخاطبة القادة الأجانب، بما يجعل الاستفزاز جزءاً من أدوات التواصل السياسي لديه. ويكشف التحليل اللغوي السيميائي أن خطاب ترامب يقوم على ثنائية حادة بين "الأنا" و"الآخر"، حيث يحتكر لنفسه ولأنصاره صفات القوة والشرعية، مقابل تصوير الخصوم باعتبارهم مصدر الخطر والفساد. كما أن ميله إلى الجمل القصيرة والتراكيب المباشرة ليس دليلاً على البساطة، بل يمثل خياراً تواصلياً مقصوداً يهدف إلى تسهيل تداول الرسائل إعلامياً وتعزيز حضورها في الوعي الجمعي. ويبرز التكرار باعتباره إحدى أهم أدواته البلاغية؛ فشعارات مثل "أميركا أولاً"، و"بناء الجدار"، و"استنزاف المستنقع"، أو تأكيده المتكرر أن "إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً"، تتحول إلى رموز سياسية تختزل برامج كاملة في عبارات قصيرة سهلة التداول. وهكذا يصبح التكرار وسيلة لترسيخ الأفكار وإغلاق باب النقاش قبل افتتاحه، أكثر منه مجرد أسلوب لغوي. كما يوظف ترامب اللغة لإنتاج حالة من الاستقطاب السياسي، فيبني هوية جماعية لأنصاره باعتبارهم "الأميركيين الحقيقيين"، في مقابل "الإعلام الكاذب" و"النخب الفاسدة" و"أعداء الشعب". ولا يتردد في استخدام أوصاف قاسية ومثيرة للجدل بحق خصومه، أو حلفائه ( بنيامين نتنياهو ) بما يحول الخطاب السياسي إلى معركة رمزية هدفها تعزيز الولاء الداخلي أكثر من إقناع الخصوم. ويتجاوز هذا الأداء حدود اللغة إلى الجسد بوصفه أداةً للتواصل السياسي. فالإيماءات، ونظرات العين، وحركة اليدين، وطريقة الوقوف على المنصة، وحتى الرقصة التي يؤديها أحياناً في ختام تجمعاته الجماهيرية، تشكل جميعها علامات سيميائية تؤكد صورة الزعيم الواثق الذي يكسر الأعراف السياسية التقليدية. وعندما تترافق عباراته الحاسمة مع إشارات جسدية قاطعة، تتضاعف قوة الرسالة ويتحول الخطاب إلى أداء بصري متكامل. وينتمي المعجم السياسي لترامب إلى ثلاثة حقول دلالية رئيسية: الحرب والمواجهة، والتفوق والاستثنائية، وتجسيد الشر. فهو يكثر من استخدام مفردات مثل "دمرنا"، و"الأعظم"، و"الأقوى"، و"الشرير"، بما ينسجم مع رؤية شعبوية ترى العالم في إطار صراع دائم بين الخير والشر، وبين الأمة وأعدائها. وقد انعكس هذا الأسلوب على عدد من القادة الشعبويين حول العالم، مثل الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، بما يعكس اتجاهاً سياسياً يتحدى كثيراً من مرتكزات الديمقراطية الليبرالية التقليدية، ويمنح الأولوية للزعامة الشخصية على حساب المؤسسات والتعددية الديمقراطية والضوابط الدستورية. ويبرز في الخطاب الترامبي بعدٌ آخر يتمثل في توظيف الرموز المرتبطة بالرجولة السياسية، حيث لا يقتصر الصراع على البرامج والسياسات، بل يمتد إلى تمثلات القوة والهيمنة داخل المجال العام. ففي مواجهاته مع هيلاري كلينتون ثم كامالا هاريس، غالباً ما اتخذ الخطاب منحىً يتجاوز الاختلاف السياسي إلى إعادة إنتاج ثنائية القوة/الضعف والزعيم/الخصم، من خلال السخرية، والتقليل من الكفاءة، وإبراز صورة الخصم بوصفه فاقداً للحزم أو القيادة. وفي هذا السياق، لا تعمل الذكورية باعتبارها سمة شخصية فحسب، بل كأداة سيميائية تُنتج صورة القائد القادر على فرض الإرادة، وتعزز لدى الجمهور الشعبوي نموذج "الرجل القوي" في مواجهة النخب التقليدية. وحتى عندما يتعامل مع شخصيات محافظة أو حليفة مثل جورجيا ميلوني، فإن أسلوبه القائم على المزاح الحاد أو السخرية العابرة يعكس نزعة إلى احتكار مركز القيادة الرمزية ، وإبقاء الآخرين داخل فضاء يدور حول حضوره الشخصي، بما يجعل الشخصية السياسية نفسها جزءاً من أدوات إنتاج السلطة. ومن منظور سيميائي، فإن الذكورية في خطاب ترامب لا تُقرأ بوصفها موقفاً من المرأة بحد ذاته، بل بوصفها علامة سياسية تُستثمر في بناء صورة الزعيم المهيمن، حيث يتحول الأداء اللغوي والجسدي إلى وسيلة لإنتاج التفوق الرمزي وترسيخ علاقات القوة داخل المجال السياسي. ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين تحليل الأسلوب السياسي وإطلاق الأحكام المسبقة. فالقراءة العلمية تستوجب فحص الوقائع والخطابات في سياقها، بعيداً عن الانحيازات السياسية أو الرغبات الشخصية. فكل رؤية سياسية للعالم تنطلق، في النهاية، من تصور معين للطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد لدى الباحثين بالاستفادة من علم الأعصاب وعلم النفس السياسي لفهم آليات اتخاذ القرار وصناعة القيادة. إن تجربة ترامب لا تقدم نموذجاً مختلفاً في الخطابة السياسية فحسب، بل تكشف تحولاً أعمق في طبيعة القيادة المعاصرة، حيث أصبحت الصورة والإيماءة والرمز عناصر فاعلة في إنتاج القوة السياسية إلى جانب القرار والمؤسسة. ومن هنا، تبدو السيميائية السياسية اليوم أداةً تفسيرية لا غنى عنها لفهم التحولات التي يشهدها النظام الدولي، في زمن لم يعد فيه الصراع يدور حول السياسات وحدها، بل حول المعاني التي تُنتجها القيادة وكيفية إدراكها وتداولها عالمياً.

قلق في العلاقات بين الولايات المتحدة و إسرائيل

توقف الكثير من المحللين عند الكلام "النوعي" الذي قاله نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عن إسرائيل واعتبروا أنه "الأول من نوعه" رغم الدعم الكبير الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل على جميع المستويات السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة. فلقد ذكّر منتقدي الاتفاق الدبلوماسي مع طهران في تل أبيب بأن ثلثي الأسلحة التي "حمت وطنهم" هي أسلحة أميركية الصنع وممولة بالكامل من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، مشدداً على أن إسرائيل تعتمد بشكل مفرط على القوة العسكرية لحل أزماتها، وينبغي عليها منح واشنطن مزيداً من التقدير كحليف استراتيجي وحيد متبقٍ لها في العالم. وأوضح فانس في مقابلة مع "نيويورك تايمز" الأميركية، أن دونالد ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي يبدي تعاطفاً مع إسرائيل في هذه اللحظة، وتابع قائلاً للاسرائيليين: “أنتم بلد يبلغ عدد سكانه تسعة ملايين نسمة. لا يمكنكم حلّ كل مشكلة من مشكلات أمنكم القومي عبر القتل.” لا شك أن ثمة تغيّر في اللهجة وطريقة المخاطبة ذلك أنه من النادر أن تسمع انتقادات جديّة من الأصوات الرسميّة الأميركيّة لإسرائيل التي تعتبر بمثابة "الطفل المدلل" لدى الإدارات المتعاقبة التي غالباً ما كانت تتنافس على تسجيل الانحياز السياسي لإسرائيل كممر إلزامي لمواصلة العمل السياسي من دون عقبات نتيجة التأثير الواسع الذي تمتلكه مجموعات الضغط الأميركيّة في أروقة واشنطن. وإذا كانت ملاحظة هذا التغيّر المفاجىء باللهجة في محلها، إلا أن ذلك لا يعني مطلقاً أن الإدارة الأميركيّة الحالية قد "تحررّت" من النفوذ الصهيوني الذي تمتلكه مجموعات الضغط، أو أنها صارت تستطيع حقاً أن تناقش علناً أن ثمة فارق بين المصلحة القومية الأميركيّة والمصلحة الإسرائيليّة، وأن افتراض التطابق الدائم فيما بينها هو خطأ سياسي، لا بل استراتيجي، كبّد ويكبّد الولايات المتحدة الكثير من الخسائر المعنوية والسياسيّة والماديّة أيضاً. إن الانحياز الأميركي التاريخي والمطلق لإسرائيل، وتوفير مظلة الحماية لها على مختلف المستويات (من الاستخدام المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن الدولي على مدى عقود لضمان إفلاتها من العقاب على الاحتلال والتنكيل بالشعب الفلسطيني إلى أدنى المستويات) قد ساهم طوال الحقبات الماضية في رفع مستويات الكراهية ضد الولايات المتحدة لا سيما في المنطقة العربية، وأوجد هوّة سحيقة بين أبناء المنطقة وواشنطن. إلا أن هذه المشاعر من الكراهيّة لم تتبلور يوماً في أي تحرّك مضاد نتيجة العديد من العوامل منها غياب الديمقراطيّة في الدول العربية وقمع الشعوب وبالتالي عدم قدرتها على التعبير عن مشاعرها الحقيقيّة، ونتيجة أيضاً التشرذم العربي والانقسام الرسمي حيال سبل التعامل مع الصراع العربي- الإسرائيلي وتوقيع إتفاقيات سلام منفردة مع إسرائيل لا سيما من قبل مصر والأردن، مما أدى إلى شق الصفوف العربية وإضعاف الموقف العربي، وطبعاً استكمل هذا المسار بعد سنوات بالاتفاقات الإبراهيميّة التي رمت إلى التطبيع شبه المجاني. ولكن، للتذكير أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى قد نقلت السفارة الأميركية إلى القدس، كما اعترفت بالمدينة عاصمة لإسرائيل، واعترفت أيضاً بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وهي خطوات كانت تلوح بها الإدارات السابقة دجون أن تنفذها إلا أن ترامب نفذها دون أن يتوقع ردات فعل عربية تُذكر، وهو ما حصل بالفعل. ثمة شعور لدى مجموعة من فريق ترامب أن إسرائيل "ورطت" أميركا في الحرب ضد إيران، وأن الخطر الفعلي الذي كانت تمثله طهران (سواءً مباشرة أم من خلال أذرعها وخصوصاً حزب الله في لبنان) كان متجهاً نحو إسرائيل أكثر منه نحو الولايات المتحدة رغم الخطاب السياسي الإيراني المعادي لواشنطن (الشيطان الأكبر كما توصف أو ما إلى ذلك). ولعل ترامب نفسه تملكه الشعور ذاته، وهو ما يفسر إصراره على إتمام صفقة مع طهران حتى ولو أنه كان يغلف رغبته بنبرة مرتفعة تحتوي على كل أنواع التهديدات وصولاً إلى "محو الحضارة الفارسية"! وهذا ما يفسّر أيضاً أن الاتفاق هو إتفاق أميركي- إيراني رغم أن الحرب كانت أميركيّة- إسرائيليّة- إيرانيّة لإدراك ترامب وفريقه أن إسرائيل لن تقبل الاتفاق بسهولة وأنها تفضّل استدامة حرب ترعاها وتتكفل بها واشنطن وتصب في خدمتها هي أولاً. وهذا ما يبرر قول نائب الرئيس الأميركي للاسرائيليين: “لا يمكنكم حلّ كل مشكلة من مشكلات أمنكم القومي عبر القتل.” لا شك أن الرهان على انشطار أميركي- إسرائيل هو سابق لأوانه، أو أن التعويل على طلاق بين البلدين هو أمر غير ناضج حتماً، ولكن يمكن البناء، أقله من قبل دول الخليج العربي على فتح نقاش سياسي ما مع واشنطن عنوانه الأساسي رفض توريط المنطقة بمزيد من الحروب خدمة لإسرائيل، ورفض أن تكون القواعد الأميركية أهدافاً بدل أن تكون مصدراً للاستقرار، والتأكيد على أن الإستمرار في الالتفاف على القضية الفلسطينية لا يؤدي سوى إلى مزيد من القتل والدمار دون حلول، وأن تأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني هي الممر الإلزامي للاستقرار في الشرق الأوسط والمنطقة العربيّة. الرئيس الأميركي يدرك أهميّة علاقته الاستراتيجية مع دول الخليج العربي لما تملكه من ثروات نفطية تشكل حجر أساس في سياسة ترامب الخارجية (فنزويلا كمثال ساطع)، وبالتالي لا يمكن لواشنطن الاستمرار في إشاحة النظر عن المطالب العربية بتسوية سلمية للقضية الفلسطينية تبدأ بقيام دولة مستقلة قابلة للحياة، وأن تقلع إسرائيل عن سياسة القتل والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وأيضاً التوسع نحو لبنان وجنوب سوريا. وحدها الولايات المتحدة تستطيع أن تلجم إسرائيل وتضبطها إذا توفرت الإرادة السياسيّة لذلك، وإذا تشكلت القناعة أن المصلحة القومية الأميركيّة لا تتحقق حتماً من خلال الالتصاق الكامل بتل أبيب ومشاريعها التوسعية وحروبها التي لا تنتهي!

هرمز ولبنان، سلاحا طهران في التفاوض

مضيق هرمز ولبنان: "سلاحان" عسكريان-دبلوماسيان أساسيان تعتزم إيران استخدامهما للضغط على المفاوضات مع الولايات المتحدة، والتي يُفترض أن تمتد على 60 يوماً، وفق المذكرة التي وقّعها الطرفان الأربعاء. فقد أعلنت إيران، السبت، "إغلاق" مضيق هرمز الاستراتيجي مجدداً، رداً على الهجمات الإسرائيلية في لبنان، من دون أن تقطع، في المقابل، مسار المباحثات الهادفة إلى التوصل إلى اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة، والتي يُفترض أن تبدأ الأحد في سويسرا. وكان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قد حذّر الولايات المتحدة، السبت، من أن البروتوكول الأولي سيكون "في خطر" إذا لم تُطبّق بنوده سريعاً، في إشارة إلى الوضع في لبنان. وقال بقائي: "نحمّل واشنطن المسؤولية المباشرة عن الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وهذا التصعيد يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين"، مضيفاً، في تهديد شبه مباشر لإدارة ترامب، أن طهران ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها وأمنها وحقوق حلفائها. من جهتها، دعت وكالة "تسنيم" للأنباء، القريبة من الحرس الثوري الإيراني، إلى وقف المفاوضات وإغلاق مضيق هرمز. وفي مساء السبت، تولّت القيادة المركزية للجيش الإيراني زمام هذه العملية الدعائية، معلنة أن "مضيق هرمز سيُغلق أمام حركة الملاحة البحرية"، باعتبار ذلك "إجراءً أولياً رداً على انتهاك العدو" — في إشارة إلى الولايات المتحدة — "لالتزاماته". وهددت باتخاذ "إجراءات أخرى" إذا اقتضت الضرورة، "لإجبار العدو" — أي الولايات المتحدة — "على احترام التزاماته" الواردة في بروتوكول الاتفاق. ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مصدر أن واشنطن أبلغت طهران بأن إسرائيل وافقت على وقف لإطلاق النار بعد الضربات في لبنان، وأن الكرة باتت الآن في ملعب حزب الله لوقف هجماته. وفي أول رد فعل، أعلنت القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، "سنتكوم"، أن قواتها لا تزال "يقظة". ووفق "سنتكوم"، استمرت حركة الملاحة في مضيق هرمز بشكل طبيعي السبت، مع عبور 55 سفينة تجارية. "مباحثات تقنية" الأحد في سويسرا وفي كل الأحوال، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية عقد مباحثات "تقنية"، الأحد في سويسرا، بين الإيرانيين والأميركيين، بحضور ممثلين عن قطر وباكستان، وهما البلدان الوسيطان. ويضم الوفد الإيراني، بحسب التلفزيون الرسمي، كلاً من كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، وهو أيضاً رئيس البرلمان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وحاكم البنك المركزي عبد الناصر همتي. وأكدت إسلام آباد عقد هذه "المباحثات التقنية" الأحد في بورغنشتوك، قرب بحيرة لوسيرن. وبحسب نائب الرئيس الأميركي ج. د. فانس، فإن المبعوث ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، موجودان أصلاً في سويسرا من أجل "إدارة بعض العناصر التقنية في هذه المفاوضات". بل إن محادثات "تحضيرية" بدأت منذ السبت بين دبلوماسيين، وفق برن. أكثر من 4000 قتيل في لبنان في لبنان، وعلى الرغم من إعلانات جديدة عن وقف لإطلاق النار، تتواصل المواجهات منذ يومين بين إسرائيل والحركة الموالية لإيران، حزب الله، في الجنوب، حيث أسفرت العمليات الإسرائيلية عن مقتل 24 شخصاً على الأقل السبت، بعد سقوط 83 قتيلاً في اليوم السابق. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية، السبت، أن العمليات الإسرائيلية في لبنان أسفرت عن مقتل 4057 شخصاً منذ اندلاع الحرب بين حزب الله وإسرائيل في 2 آذار. وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد جنوده، السبت، خلال معارك في جنوب لبنان، ما يرفع خسائره إلى خمسة قتلى منذ إبرام اتفاق إيراني-أميركي يهدف إلى إنهاء النزاع مع إيران. وقالت إسرائيل إنها تستهدف مواقع لحزب الله رداً على هجمات ضد قواتها. وبحسب الجيش الإسرائيلي، أُطلق "أكثر من 50 مقذوفاً" من جانب التنظيم الشيعي باتجاه جنوده في ليل الجمعة-السبت. من جهته، أكد حزب الله أن إسرائيل "تتحمل المسؤولية الكاملة" عن انتهاكات الهدنة. عقدة "تلة علي الطاهر" وأعلن الإسرائيليون، السبت، تفاصيل عن العمليات العسكرية الجارية، مشيرين إلى أن "عشرات من مقاتلي حزب الله محاصرون داخل أنفاق تحت تلة علي الطاهر في جنوب لبنان". ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، عن مصادر عسكرية، أن الجيش الإسرائيلي يحاصر عشرات من مقاتلي حزب الله في هذه المنطقة التي تقول المؤسسة العسكرية إنها تضم مجمعاً مركزياً تحت الأرض تابعاً للميليشيا الموالية لإيران، إضافة إلى مقر قيادة لواء بدر. وأضافت الصحيفة أن العملية، التي قُتل خلالها طاقم دبابة وقائد كتيبة، تهدف إلى السيطرة على الأنفاق في منطقة علي الطاهر، في إطار العمليات العسكرية الجارية. ويُعد موقع علي الطاهر، حيث تُفعَّل منظومات إطلاق وتُخزَّن كميات كبيرة من الأسلحة، بالغ الصعوبة للاستهداف عبر الضربات الجوية وحدها، نظراً إلى عمقه وتحصيناته. رسالة فانس إلى المسيحيين اللبنانيين على صعيد آخر، وجّه نائب الرئيس الأميركي ج. د. فانس رسالة إلى المسيحيين اللبنانيين خلال مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، دعاهم فيها إلى "التمسك بقوة بالإيمان بيسوع المسيح". وأضاف: "اعلموا أن لديكم أصدقاء كثر داخل الحكومة الأميركية يعملون من أجل السلام في المنطقة". وأوضح فانس أن "المشكلة الأساسية التي يواجهها هؤلاء المسيحيون، أو سبب تعرضهم الكبير للعنف، هي وجود حزب الله، وهو منظمة إرهابية قائمة بحكم الأمر الواقع في لبنان. يطلق حزب الله النار بين الحين والآخر على الإسرائيليين، وهؤلاء يردون بطبيعة الحال في إطار الدفاع المشروع عن النفس". وأضاف فانس: "لذلك، هناك نزاع مستمر، وإن كان منخفض الحدة. غير أن الوضع تحسن كثيراً خلال الأسابيع الأخيرة بفضل جهود الرئيس ووزير الخارجية ماركو روبيو وكثيرين غيرهما من مسؤولي الإدارة". وختم بالقول: "السلام يحتاج أحياناً إلى وقت كي يترسخ بصورة دائمة، وهذا ما نعمل عليه. في الواقع، هذا هو الهدف الذي نسعى إليه في كل المنطقة: تغيير الطريقة التي كنا نتصرف بها في الماضي. إنها منطقة جميلة جداً من العالم".

إدارة أميركيّة لا تعرف إيران!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

على الورق تبدو مذكرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة التي وقعها من بعد الرئيس دونالد ترامب والرئيس مسعود بزيشكيان، مذكّرة كلّ الأسئلة المعلّقة. في حال استثناء إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأميركي على "الجمهوريّة الإسلاميّة" ليس ما يشير إلى أيّ إختراق في شأن أي من المسائل المعلّقة بين واشنطن وطهران. هل يمكن القول، على الورق أيضا، أنّ إدارة دونالد ترامب قرّرت الإستسلام أمام إيران بدل الذهاب إلى النهاية في كسر شوكتها والقضاء على مشروعها التوسّعي، كما كانت تريد في البداية؟ من الواضح، لدى قراءة النقاط الـ14 التي تضمنتها مذكرة التفاهم أنّ إدارة ترامب تركت كلّ المسائل الأساسيّة معلّقة. ليس مفهوما ما الذي سيحل بالبرنامج النووي الإيراني الذي أكّد ترامب المرّة تلو الأخرى أنّه لا يمكنه القبول بوجوده. لا إشارة إلى الصواريخ الباليستية وقواعدها، لا موقف من الأدوات الإيرانيّة في المنطقة باستثناء تأكيد أن وقف النار بين أميركا يشمل لبنان. كيف ترجمة ذلك على الأرض اللبنانية؟ هل توجد قناعة إيرانيّة بأنّ الولايات المتحدة ستجبر إسرائيل على التزام وقف النار في لبنان؟ حسنا، التزمت إسرائيل وقف النار في لبنان. لا تتضمن المذكرة ما يوحي بأنّ إسرائيل، التي ليست طرفا في المذكّرة، استسلمت في لبنان أمام الإدارة الأميركيّة وأنّها ستنفذ في أقرب فرصة كل ما ستطلبه منها واشنطن. على الرغم من الكلام عن إعلان واشنطن التوصل إلى وقف للنار في لبنان، يبقى الموقف الإسرائيلي من لبنان في غاية الغموض. لم يمرّ وقت طويل على دخول المذكرة حيز التنفيذ حتى بدأت تظهر صعوبات أمام تنفيذها. تبيّن، بكل بساطة، أنّ إدارة ترامب لا تعرف الكثير عن إيران ولا عن سلوك المسؤولين الإيرانيين. بدت في الماضي أنّها تعرف الكثير. ربّما كان يعود ذلك، في خلال الولاية الأولى لترامب إلى وجود فريق عمل متجانس يعرف تماما، على سبيل المثال، معنى إغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" وابعاد مثل هذا الحدث. لا يقتصر الأمر على الداخل الإيراني حيث كان قاسم سليماني الرجل الثاني في السلطة، بعد "المرشد" الراحل خامنئي. كان سليماني رجل "الجمهوريّة الإسلاميّة" في المنطقة ورأس حربتها. كان القائد الفعلي للحوثيين والمفوض السامي في العراق وحاكم سوريا ولبنان في الوقت ذاته. ثمّة من يعتبر أنّ الإدارة الأميركية الحالية تفتقد رجلا مثل وزير الخارجية السابق مايك بومبيو. كان بومبيو يعرف ما هو النظام الإيراني وكيف التعاطي معه. كان لافتا سحب ملفّ إيران، في الأسابيع القليلة الماضية، من وزارة الخارجية الأميركية. بدا وزير الخارجية ماركو روبيو أقرب إلى شاهد زور ومجرّد مراقب لما يدور بين طهران وواشنطن. لا يمكن لمجموعة من المسؤولين الأميركيين، من طينة نائب الرئيس جي. دي. فانس، لا يعرفون الكثير عن إيران، إدارة ملفّ بهذه الحساسيّة. ما نشهده حاليا فصل جديد من مسلسل بدأ في العام 1979 عندما احتجزت السلطات الإيرانيّة الجديدة دبلوماسيي السفارة الأميركيّة في طهران طوال 444 يوما. فتح احتجاز الرهائن، الذي لم يلق أي رد فعل أميركي، الأبواب أمام مزيد من الإبتزاز الأميركي لـ"الشيطان الأكبر". تلاعبت "الجمهوريّة الإسلاميّة" بمعظم الإدارات الأميركية في السنوات الـ47 الماضية. استطاعت في العام 2003 جعل إدارة بوش الأبن تجتاح العراق تمهيدا لتسليمه إلى ميليشات مذهبيّة عراقية تابعة لـ"الحرس الثوري" قاتلت في الحرب العراقيّة – الإيرانية (1980- 1988)، إلى جانب "الجمهوريّة الإسلاميّة". ليست مذكرة التفاهم الموقعة أخيرا، وهي مذكرة غير قابلة للحياة، سوى عودة لإدارة ترامب إلى السياسة الأميركيّة التقليدية تجاه "الجمهوريّة الإسلاميّة". لم يكن دخول الولايات المتحدة حربا مع إيران سوى حالة استثنائية. عاد دونالد ترامب إلى موقع الباحث عن صفقة مع إيران. هذا ما يفسّر تكليف نائبه إدارة الملفّ وإلى جانبه مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر. لم يتغيّر شيء في إيران لتبرير رضوخ أميركي لـ"الحرس الثوري". لا يزال بعيدا اليوم الذي يمكن فيه لواشنطن تصوير إيران بالمكان الذي يمكن أن تعقد فيه صفقات تجارية مهمّة. ما نشهده حاليا هو عقل أميركي يتعاطى مع ملف في غاية التعقيد لا يفقه في تفاصيله ولا في تاريخه. لا علاقة لهذا العقل الأميركي، الذي أراد تحويل غزّة إلى "ريفييرا جديدة"، بما يدور في المنطقة. لا يستوعب هذا العقل أنّ إيران غير مستعدة لأن تتغيّر. كل ما تريده القيادة في طهران هو كسب الوقت. هناك رهان إيراني على تغيير داخل إسرائيل وعلى مزيد من الخلافات الأميركيّة – الإسرائيلية... وعلى خسارة إدارة ترامب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني – نوفمبر المقبل. عندئذ سيصبح ترامب أقرب إلى بطة عرجاء أكثر من أي شيء. سيتبيّن قريبا هل هذا الرهان الأميركي في مكانه؟ وقع الرئيس الأميركي في الفخ الإيراني. الأكيد أن دونالد ترامب ليس شخصا سهلا، لكنّ مشكلته تبقى في افتقاده لفريق عمل يعرف ما هي إيران التي تدرك في المقابل كيف تتعاطى مع أميركا. يمتلك الإيرانيون خبرة طويلة في كيفية استيعاب الإدارات الأميركية وتطويعها في انتظار الوقت المناسب لممارسة لعبة الإبتزاز التي تتقنها اتقانا شديدا. لا يقتصر الأمر على أميركا وحدها، بل يشمل دول المنطقة ودول أوروبا الغربيّة التي اتخذت، في العمق، موقفا في غاية الحذر من مذكرة التفاهم!