

بمبادرة من حركة "الفوكولاري"، استضاف راعي أبرشية أنطلياس المارونية، المطران أنطوان بو نجم، في 29 أيار الماضي في كاتدرائية القيامة (مطيلب)، أمسية صلاة وعروضاً تقديمية ضمّت مسؤولين وأعضاء من 35 حركة كنسيّة، نشأ معظمها في سياق التجدّد الكاريزماتي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. وفي هذا المقال المكوّن من جزئين، نسلّط الضوء على هذا الحدث الذي يشكّل سابقة من نوعها، وعلى دلالاته بالنسبة إلى الكنيسة عموماً، كما نتطرق إلى "الموقع اللاهوتي" لهذه الحركات الكنسيّة في علاقتها معالتراتبية الكنيسة، وفق ما صاغه في تسعينيات القرن الماضي الكاردينال جوزيف راتزينغر (البابا بندكتوس السادس عشر لاحقاً)، حين كان يتولى رئاسة دائرة عقيدة الإيمان.
ربيع الكنيسة
في أواخر ستينيات القرن الماضي، ومع الخروج مما وصفه اللاهوتي كارل رانر بـ"شتاء الكنيسة"، بدأت تباشير صحوة استثنائية تجتاح لبنان والعالم الكاثوليكي، تمثّلت في ولادة حركة التجدّد الكاريزماتي.
وكان أحد المفاتيح اللاهوتية لهذه الظاهرة – ولا يزال –اختبار محبة يسوع الشخصية لكل فرد، وإعادة اكتشاف فعل الروح القدس من خلال النِعَم الروحية الممنوحة لبنيان الكنيسة وكل مؤمن على حدة. وكان المجمع الفاتيكاني الثاني قد أعاد الاعتبار لفكرة أن الروح القدس يفيض هباته ليس على التراتبية الكنسية فحسب، بل على جميع المؤمنين أيضاً، من أجل الخير العام للكنيسة. وقد أتاحت هذه الرؤية فهماً أعمق لبروز أشكال جديدة من الحياة المسيحية، تحاكي متطلبات العصر ، وتتحقق بفضل فيض الروح والنشاط المتجدّد واختبار حضور الله.
وفي هذه الأثناء، وفيما كانت تتبلور ملامح نواة جماعة مسكونيّة كاريزماتيّة في الأوساط الجامعيّة الأنغلوفونية، اندلعت الحرب في لبنان. وعلى مدى سنوات، وفي غمرة حماسة البدايات، نجحت جماعة الصلاة واللقاءات التي انبثقت من هذا التجدّد في جذب شبانٍ وشابات أظهروا التزاماً بطولياً بحضور هذه اللقاءات والالتفاف حول النسيج الإنساني الذي نشأ منها، متجاهلين مخاطر القصف والخطف وسائر أهوال تلك الحقبة. وكان بوسع الجميع الشهادة بأنهم، في غمرة ظنّهم أنهم "يقدّمون كل شيء"، كانوا في الواقع "ينالون كل شيء"، على الرغم مما واجهوه من "عدم استيعاب" من قِبل بعض الأقارب.
ومنذ تلك البدايات العفوية والمربكة أحياناً، تمدّد هذا "الربيع الكنسي" ليتأصل في العالم أجمع، كما في لبنان، حيث غدت مساهمته في "البشارة الجديدة" اليوم محطّ اعتراف وتقدير. وإذ كان من الصعب أحياناً تفسير أو تقبّل فرادة بعض النعم الروحية وفيض الروح، إلا أن هذه المجموعات والجماعات باتت اليوم تعيش نضجاً كنسيّاً ملحوظاً، وشركةً صبورة، ومسؤوليةً مشتركة، وتجذّراً عميقاً في الكنيسة. وبغية الإشراف على انتشارها في العالم الكاثوليكي، أنشأ البابا فرنسيس الهيئة الدولية "شاريس" (Charis)، وهي هيئةٌ تابعة لدائرة العلمانيين والعائلة والحياة، دُعيت لخدمة كافة أطياف "التجدد الكاريزماتي".
وفي 29 أيار الماضي، وبمبادرة من حركة "الفوكولاري"، التقت في لبنان للمرة الأولى 35 حركة وجماعة كنسية ناشطة في البلاد، على تنوّعها، في كاتدرائية القيامة (مطيلب – أبرشية أنطلياس المارونية). وقد استضافها راعي الأبرشية، المطران أنطوان بو نجم، مدعوماً بالسفير البابوي المطران باولو بورجيا، في كاتدرائيته، وأتاح لها رسمياً التعبير عن نفسها.
تحقيق وعد
وَصَفَ فادي بو زامل (من حركة الفوكولاري) اللقاءَ بأنه "وفاءٌ بوعدٍ قطعتْهُ كيارا لوبيك عام 1998 للبابا يوحنا بولس الثاني". وقضى هذا الوعد بالعمل الدؤوب، "انسجاماً مع دعوة الفوكولاري إلى الوحدة"، على تقريب الحركات الكنسية الجديدة بعضها من بعض، ودفْعِها إلى التعارف والتقدير المتبادل، والتعاون في رسالتها لتبشير العالم، كلٌّ بحسب مواهبها، وتحت رعاية أساقفتها.
لماذا عام 1998؟ الإجابة تستدعي العودة بالذاكرة إلى المؤتمر العالمي للحركات الكنسية الذي عُقد في روما في 31 أيار 1997. في ذلك اليوم، شَهِدَ يوحنا بولس الثاني "لقاءً مشهوداً" مع أكثر من مائتي ألف شخص ينتمون إلى نحو خمسين حركة كنسية وجماعة جديدة؛ وكانت هذه الجماعات تمثّل " حركةَ نِعَمٍ" متنامية، رأى فيه سلفُه القديس بولس السادس "فرصةً سانحة للكنيسة" يوم استقبل "التجدد الكاريزماتي" في بازيليك القديس بطرس عام 1975.
وفي عيد العنصرة من عام 1998، تجدّدت دهشة البابا يوحنا بولس الثاني أمام تظاهرة حاشدة ضمّت، بين 27 و29 أيار في ساحة القديس بطرس، 400 ألف مسؤول وعضو في الحركات الكنسية والجماعات الجديدة، وفدوا من أصقاع الأرض الأربعة.
يومها، شَخَصَتْ أبصار العالم لتكتشف كنيسةً في مقتبل الفتوّة والعطاء؛ كنيسةً قادرة على احتضان كل موهبة روحية وتثمينها، وعلى جمْع التنوع في إطار الوحدة، وعلى تجسيد الزَّخَم الرسوليّ للعلمانيين، وكاثوليكيّة الحركات الكنسية والجماعات الجديدة التي أبصرت النور في المَدى الرعوي للمجمع الفاتيكاني الثاني.
ومن بين الحركات الأكثر تأثيراً، على سبيل المثال لا الحصر، كانت حاضرةً حركة "الفوكولاري" التي ولدت في أتون الحرب العالمية الثانية (1942)، وحركة "التجدد الكاريزماتي الكاثوليكي"، وحركة "شركة وتحرير" (Communion et Libération)، و"طريق موعوظي الجديد" (Chemin néocatéchuménal)، وجماعة "سانت إيجيديو" (Sant’Egidio)، وجماعة "عمانوئيل"، وحركة "الدرب الجديد" (Chemin neuf).
وفي خطاب وجّهه إلى الحشود، أكد يوحنا بولس الثاني قائلا: " لقد وصفتُها سابقاً بأنها بذور تجدّدٍ لا تزال تنتظر احتضانها وتثمينها على نحو ملائم. واليوم أرى، وبكل بهجة، أنها تُظهر وعياً ذاتياً أكثر نضجاً. إنها تمثل إحدى أبرز ثمار ربيع الكنيسة هذا، الذي سبق أن أنبأ به المجمع الفاتيكاني الثاني، ولكنه تعثّر للأسف في كثير من الأحيان بسبب مسار العلمنة الآخذ في التنامي (...) والذي يروّج لنماذج حياة من دون إله (...). ومن هنا، نشعر بالحاجة الملحّة إلى تبشير قويّ، وإلى تنشئة مسيحية صلبة وعميقة. إننا بحاجة اليوم إلى مسيحيين ناضجين، واعين لهويتهم المعمودية، ولدعوتهم ورسالتهم في الكنيسة وفي العالم! نحن بحاجة إلى جماعات مسيحية حية! وها هي الحركات الكنسية والجماعات الجديدة: إنها الاستجابة التي أحدثها الروح القدس لمواجهة هذا التحدي المأساوي في نهاية الألفية. أنتم هذه الاستجابة الناتجة عن العناية الإلهية".