شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
لبنان-إسرائيل: اجتماعات روما تُطلق مسار المناطق التجريبية

في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية، بشكل متقطع، غاراتها المركزة على جنوب لبنان، إلى جانب التدمير المنهجي للبنية التحتية التابعة لحزب الله في المنطقة الجنوبية، يبدو أن الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي اختُتمت الأربعاء في روما برعاية الولايات المتحدة، قد أعطت رسميًا وعمليًا إشارة الانطلاق للمسار الطويل والمعقد للانسحاب التدريجي لقوات الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. وفي ختام يومين من الاجتماعات، يومي الثلاثاء 14 والأربعاء 15 يوليو، في العاصمة الإيطالية، وصفت كل من المصادر الأميركية الرسمية والمصادر اللبنانية نتائج الجولة السادسة من المباحثات اللبنانية – الإسرائيلية بأنها «مثمرة» و«إيجابية». وأفادت السفارة الأميركية في بيروت بأنه تم الاتفاق على إجراءات عملية لإقامة أول منطقتين تجريبيتين، بما يسمح للجيش اللبناني بالانتشار في القطاعات التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية. وأضافت السفارة الأميركية أن التفاصيل التقنية الدقيقة سيتم استكمالها خلال الأيام المقبلة، الأمر الذي سيفتح الباب أمام مناقشات أوسع تفضي إلى تنفيذ «جميع بنود» الاتفاق الإطاري الموقع بين لبنان وإسرائيل، «بهدف التوصل إلى اتفاق شامل» بين البلدين. وقد شارك مصدر لبناني، إلى جانب مسؤول إسرائيلي رفيع نقلت عنه صحيفة معاريف ، هذا التقييم الإيجابي لاجتماعات روما، إذ أكد المسؤول الإسرائيلي الأربعاء أن لبنان وإسرائيل توصلا إلى «اتفاق بشأن أول منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان». وأضاف أن الطرفين يعتبران «نزع سلاح حزب الله هدفًا أساسيًا» في إطار المسار الذي حدده الاتفاق الإطاري. ترامب يعود للحديث عن دور الشرع وفي ما يتعلق بمصير حزب الله، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء إلى طرح مسألة الدور الذي يمكن أن يؤديه الرئيس السوري أحمد الشرع في تفكيك البنية العسكرية للحزب. وقال ترامب: «الرئيس الشرع يرغب في التدخل للتعامل مع حزب الله، وأنا أفكر في منحه الضوء الأخضر». وأضاف موضحًا: «سيكون أكثر دقة من الإسرائيليين في طريقة تعامله مع حزب الله، وسينجز ذلك بطريقة مختلفة، من دون تدمير المباني». وكان الرئيس ترامب قد دافع عن هذا الطرح أكثر من مرة خلال الأيام الأخيرة، إلا أنه قوبل بالرفض من الجانب اللبناني. ومن المرجح أن يُطرح هذا الملف خلال زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 يوليو، حيث سيستقبله الرئيس الأميركي في البيت الأبيض. كما يُتوقع أن يبحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الموضوع خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن مطلع الأسبوع المقبل. العراق يفرض عقوبات على سليمان فرنجية ومحمود قماطي وفي سياق مكافحة تجاوزات الميليشيات المدعومة من إيران، أدرجت الحكومة العراقية حزب الله اللبناني على قائمة العقوبات المصرفية، في خطوة تهدف بوضوح إلى تجفيف مصادر تمويل الحزب. كما فرضت السلطات العراقية عقوبات مصرفية على رئيس تيار المردة، الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية، وعلى نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي، وكلاهما سبق أن فرضت عليهما وزارة الخزانة الأميركية عقوبات. وجاءت هذه العقوبات عقب المباحثات التي أجراها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزايدي قبل أيام في واشنطن مع الرئيس ترامب. وقد وضع الزايدي هذه اللقاءات تحت عنوان «الشراكة الاستراتيجية» مع الولايات المتحدة. ومن جهته، رسم ترامب ملامح هذه الشراكة بقوله إن الشركات الأميركية ستتولى عمليات استخراج النفط العراقي. وأضاف: «العراقيون لم يعودوا يريدون التعامل مع الآخرين، بل يريدون التعامل مع الولايات المتحدة، وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلتني مقتنعًا بأنه سيكون رئيس وزراء ممتازًا». الضربات الأميركية تستهدف مواقع للحرس الثوري وعلى الجبهة الإيرانية، واصل الجيش الأميركي صباح الأربعاء، ثم في وقت لاحق من النهار والمساء، شن هجمات استهدفت منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى رادارات ومنشآت عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني في جنوب إيران، على طول الساحل المطل على مضيق هرمز. كما تعرضت جزيرة هنغام، الواقعة أيضًا في جنوب إيران، لضربات أميركية. وفي هذا السياق، أكد الرئيس ترامب أن «الأسبوع المقبل قد يكون الأسوأ الذي شهدته إيران على الإطلاق». ويُذكر أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات على سبعة أشخاص وكيانات بتهمة المشاركة في شبكة دولية تسهم في دعم جهود تسليح الحرس الثوري الإيراني.

البطريرك الحويك، نبي العيش المشترك (1/4)

Juvenis ad majora natus «وُلد للعظمة». هذا هو شعار القديس ستانيسلاوس الذي دوّنه أحدهم بصورة نبوية في هامش كتيّب إلياس بطرس الحويك، في نهاية دراسته اللاهوتية. كان في الثامنة والعشرين من عمره آنذاك، ويقيم في روما منذ عام 1866، إذ أوفده البطريرك بولس مسعد لإتمام دراسته اللاهوتية التي بدأها في إكليريكية غزير عام 1859، والاستعداد لسيامته الكهنوتية. بما عُرف عنه من ذكاء حاد والتزام دقيق بالنظام، كان هذا الرجل المقدَّر له العظمة ليصبح لا أقل من الممثل الثاني والسبعين لسلسلة طويلة من البطاركة الموارنة القديسين، وهو يُعدّ بلا شك من أبرز شخصياتها وأكثرها تأثيراً. وكان أعظم إنجازاته معركته من أجل إنشاء لبنان الكبير عام 1920. ويدين اليوم بتطويبه إلى معجزة نُسبت إلى شفاعته، تمثّلت في شفاء ضابط في الجيش اللبناني من المذهب الدرزي يُدعى نايف أبو عسي، وهو رجل متأهل كان يعاني من إعاقة جراء مرض في العمود الفقري (انحلال الفقار الثنائي). استيقظ الرجل ذات صباح من أبريل 2005 وقد تحرر من كل أعراض مرضه، فعزا هذه المعجزة إلى رجل رآه في المنام يرتدي ثياباً بيضاء ويحمل عصا، وقد تقدم إليه وبشّره بشفائه. وُلد إلياس الحويك عام 1843 في قرية هلتا (البترون)، تلك القرية الصغيرة النائية في ركن منسي من أركان الدولة العثمانية. وكان هذا الرجل هو فعلاً رجل العناية الإلهية الذي سيدافع أمام جورج كليمنصو ثم أمام عصبة الأمم عن فكرة إنشاء لبنان الكبير، وذلك بعد شهرين من توقيع معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919، التي أوكلت جزءاً من الشرق الأدنى إلى الانتداب الفرنسي. بات من الشائع في هذه الأيام توجيه اللوم إلى المدافع عن الدولة اللبنانية بسبب خياره -وهو خيار لم يكن حكراً عليه وحده- في التعامل مع لبنان دولةً تعددية، حتى وإن كان ذلك يجعل المسيحيين أقلية من حيث العدد. غير أن وراء هذا القرار -وهذا أقل ما يمكن قوله- بُعداً نادراً في الرؤية السياسية والاقتصادية والكنسية. فأولاً، جاء لبنان الكبير ليحمي المسيحيين اللبنانيين من وضع أهل الذمة؛ فضلاً عن ذلك، فإن ضم بيروت وطرابلس والبقاع وجبل عامل إلى النواة «اللبنانية الجبلية» للمتصرفية أعاد إلى البلاد «سلّتها الغذائية» وأمّنها من مجاعة كتلك التي ضربتها عام 1915؛ كما وفّر لها ثروات مائية وفيرة، وتوّجها بواجهة بحرية تُعدّ من أجمل واجهات المتوسط، وأكسبها في الوقت ذاته موقعاً استراتيجياً فريداً. بيد أن لبنان الجغرافي، وإن كان جوهرة ثمينة، فإن رسالته الإنسانية والروحية لم تكن أقل قيمة: إذ كان في نظر المدافع عنه أن يكون إطاراً للعيش المشترك، يجمع «الذئب والحمل» (إشعياء)، ذلك المثال الكتابي المشيحاني الذي سيسعى لبنان إلى تجسيده، والذي قال عنه يوحنا بولس الثاني إنه «نموذج للحرية والتعددية للشرق والغرب»؛ نموذج لا يزال يشدّ لبنان نحو الأعلى، على الرغم من كل الإخفاقات التاريخية التي مرّ بها. مسيرة لا تشوبها شائبة ومليئة بالتجارب قبل أن يُنتخب بالإجماع في 27 يناير 1898 لتولي المسؤولية الجسيمة لبطريركية الموارنة، وأن يضطلع بها بنزاهة وكفاءة حتى وفاته عام 1931، كان الرجل قد سلك، وبعناية إلهية أيضاً، مساراً تكوينياً شاملاً في مختلف المجالات. إلياس الحويك، أكبر إخوته في عائلة من ثمانية أبناء، وابن كاهن صار بدوره كاهناً (إذ كان في السابعة من عمره حين رُسم والده)، ثم أسقفاً. غدا سكرتيراً خاصاً وموضع ثقة البطريرك بولس مسعد، الذي عهد إليه بمهام دقيقة لدى الباب العالي والكرسي الرسولي والعاصمة الفرنسية. ثم تولى منصب النائب البطريركي سبعة عشر عاماً، فاطّلع على خبايا وأسرار الكوريا البطريركية ودقائقها، قبل أن يُنتخب. وكان من الهيبة والوقار بحيث إنه حين راح يدافع عن نفسه في خضم الحرب العالمية من كل تهمة بـ«الخيانة» بسبب ارتباطاته بفرنسا، استغنى السلطان عن مترجمه، لِما كان يشعّ من وجهه من صدق لا يقبل الشك. بعد أن كلّفه ليون الثالث عشر عام 1897 بإدارة المدرسة المارونية في روما، تخلّى البطريرك الحويك عن هذه المهمة بعد عامين إثر وفاة البطريرك مسعد. وما إن وصل إلى لبنان حتى توجّه مباشرةً إلى المقر البطريركي في بكركي للانضمام إلى الأعمال المجمعية المنعقدة هناك، فانتُخب بالإجماع في اليوم التالي لوصوله. توضيحات بعد نحو خمس سنوات وأشهر من إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر 1920 من مقر إقامة الصنوبر، أتيحت للبطريرك الفرصة لإيضاح موقفه السياسي. فقد عيّنت حكومة أريستيد بريان في الثالث والعشرين من ديسمبر 1925 الدبلوماسي هنري دو جوفينيل مفوضاً سامياً. وفور وصوله إلى لبنان، انكبّ على طمأنة مكوّنات المجتمع اللبناني واستطلاع آرائها، وأطلق في الوقت ذاته مشروع صياغة دستور للدولة الناشئة، الذي اعتُمد في الثالث والعشرين من مايو 1926. وهكذا، رداً على السؤال السادس من استبيان جوهري وُجِّه إلى البطريركية المارونية - «هل ينبغي أن يكون التمثيل البرلماني طائفياً أم لا، ولماذا؟» - أوضح البطريرك إلياس الحويك والأساقفة الموارنة في الثامن من يناير 1926 مسوّغات مطلبهم بهذه العبارات: «البلد مؤلَّف من طوائف دينية متعددة، لا تختلف في عقائدها وحسب، بل أيضاً في تقاليدها وعاداتها وأعرافها ونظرتها إلى القضايا الاجتماعية. ولذلك، فإن الانتخاب على أساس طائفي يتيح تمثيل هذه الطوائف في الهيئة التشريعية بنسبة محددة، فتتعارف وتتوافق، وتقبل كلٌّ منها التنازل عن جزء من مطالبها في إطار التنازلات المتبادلة. وهذه الديناميكية ستفضي تدريجياً إلى اندماج وتوحيد الحياة السياسية. في المقابل، إن إلغاء النظام السياسي القائم على التوزيع الطائفي في هذه المرحلة من شأنه أن يخلّ بالتوازن ويُرجّح كفة طائفة على حساب أخرى، مما يولّد التنافس والأحقاد. لهذا نرى أن يظل التمثيل قائماً على الانتماء الطائفي» (أرشيف البطريرك إلياس الحويك، وثيقة أ 46، ملف 45). «ما يلفت القارئ في هذا العرض الرصين الجامع بين الإيجاز والعمق، يعلّق الأستاذ جورج الحبيقة، الوكيل العام للرهبانية اللبنانية المارونية ورئيس جامعة الروح القدس - الكسليك الفخري، هو أن البطريرك الحويك ينظر إلى التنوع والتعددية والاختلاف داخل المجتمعات البشرية باعتبارها معطىً طبيعياً. فلا يرى غرابةً في تباين التقاليد والعادات والأعراف والآراء الناجمة عن المعتقدات الدينية، ويحترم الحق في الاختلاف ويتمسك به بحزم بوصفه حقاً مقدساً لا يقبل المساومة. وما كان يسعه إلا ذلك.»

كيف اختار الغرب أوكرانيا (1/5)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

لا تزال الحرب في أوكرانيا في قلب نقاش واسع ومتواصل، تُغذّيه جملةٌ من العوامل، أبرزها القصف الذي يكاد يكون يومياً ويستهدف المراكز الحيوية من الجانبين، ولا سيما العاصمتان الروسية والأوكرانية. لفهم الأبعاد المختلفة لهذا الصراع العتيق فهماً أعمق، لا بد من العودة إلى مقدماته وجذوره التي أفضت إلى هذه الحرب (الأخوية؟)، وذلك باستعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية كافة، وفي مقدمتها الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي الممتد ليشمل دول حلف الناتو باستثناء تركيا، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام أو التفاوض على أقل تقدير، في ظل تشابك المسؤوليات وتعقّدها. جان-باتريك دايراس، نائب أدميرال (متقاعد) في سلسلة من خمس مقالات، يعرض مراسلنا جان-باتريك دايراس، نائب أدميرال في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله للمسألة. لاستيعاب خبايا الحرب في أوكرانيا وتداعياتها بجوانبها المتعددة، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها منذ البداية: ما الذي تمثله روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما الانعكاسات الفعلية المحتملة لانتصار حاسم لأيٍّ من الطرفين؟ وتبعاً لذلك، ما التداعيات على الغرب والشرق الأوسط؟ قبل تناول هذه الزوايا المختلفة، لا بد بلا شك من استعراض مقدمات هذا الصراع وجذوره بوصفه محطةً لا يمكن تجاوزها. كانت حركة ميدان، بوجه من الوجوه، الشرارة التي أشعلت فتيل النزاع؛ إذ انتفضت الشبيعة الأوكرانية رفضاً لقرار الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش عدم التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2013، وهو ما رأت فيه تخلياً عن التوجه الذي كانت تصبو إليه. كانت أبرز دوافع هذا الجيل في تلك المرحلة: الطموح إلى مستوى معيشي أرقى، وإرساء دولة القانون، ومكافحة الفساد، وحرية التنقل وتيسير السفر والدراسة والعمل في أوروبا، فضلاً عن تأكيد الهوية الثقافية والسياسية. شعر جزء من الشباب، لا سيما في غرب أوكرانيا ووسطها، بقرب ثقافي أكبر من أوروبا مقارنةً بروسيا، في تمايز واضح عن مناطق الشرق. وهكذا كان البلد يفتقر إلى التجانس الاجتماعي، وكانت حركة ميدان في هذا السياق حراكاً شعبياً واسعاً. دعمت الولايات المتحدة المعارضة الأوكرانية سياسياً ومالياً، إذ موّلت لسنوات برامج دعم المجتمع المدني والإعلام المستقل والمؤسسات الديمقراطية، وذلك على خلفية مصالح جيوسياسية واضحة. بعد جورجيا واستقلال دول البلطيق، رفعت روسيا شعاراً صريحاً مفاده «لن نتراجع أكثر من هذا»... فهل دعمت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، المعروفة بنشاطها الدائم وتورطها في كثير من الأحداث، حركة ميدان أو أشعلت فتيلها؟ هذا ممكن لكنه غير مؤكد. والتاريخ الأمريكي منذ السبعينيات يوحي بأنها لم تكن بعيدة عن ذلك. تصف روسيا ميدان بأنه انقلاب دبّرته الـ CIA، وهذا ليس دليلاً قاطعاً، غير أنه افتراض وارد بل ومنطقي. أعرب المسؤولون السياسيون الأوروبيون والأمريكيون عن دعمهم للمحتجين والانفتاح على أوروبا. علاوة على ذلك، أدّت وسائل الإعلام الأوكرانية ومنصات التواصل الاجتماعي والجامعات والاتحادات الطلابية ومنظمات المجتمع المدني (التي استفاد بعضها من تمويل غربي أو من مؤسسات دولية) دوراً لا يستهان به في هذا الإطار. وفي المقابل، كانت روسيا تعمل على توسيع نفوذها اقتصادياً وإعلامياً وسياسياً لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. من الشر إلى ما هو أشر من سيئ إلى أسوأ بعد أحداث ميدان، تحوّلت العلاقات بين البلدين تحوّلاً جذرياً. سقطت حكومة يانوكوفيتش في فبراير 2014، وفي مارس من العام نفسه جرى تنظيم استفتاء في شبه جزيرة القرم، أسفر عن ضمّها إلى روسيا. وقد أدان عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هذا الضم باعتباره غير مشروع، متجاهلةً عن سابق علم وإصرار تاريخ انتساب القرم إلى أوكرانيا. في ربيع عام 2014، سيطر انفصاليون موالون لروسيا - تدعمهم موسكو مالياً وتزوّدهم بالسلاح والمستشارين - على مدن في منطقتَي دونيتسك ولوهانسك في إقليم دونباس. أطلقت أوكرانيا عملية عسكرية لاستعادة الأراضي المحتلة، فاندلعت بذلك الحرب على التراب الأوكراني. وفي بداياتها، كانت حرباً أهلية بامتياز! اتفاقيتا مينسك (الأولى والثانية) وُقِّعت اتفاقية مينسك الأولى، الرامية إلى وقف الحرب في دونباس، في الخامس من سبتمبر 2014، وذلك بين ممثلين عن أوكرانيا وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والانفصاليين. غير أن وقف إطلاق النار انتُهك سريعاً واستُؤنفت المعارك. وُقِّعت اتفاقية مينسك الثانية في الثاني عشر من فبراير 2015 بين بيترو بوروشينكو وفلاديمير بوتين وأنجيلا ميركل وفرانسوا هولاند. تضمّنت الاتفاقية جملةً من الإجراءات العسكرية والسياسية، إلا أن تطبيقها اصطدم بخلافات عميقة. واستمرت المواجهات المسلحة منخفضة الحدة بين عامَي 2015 و2022. ظلّت عملية مينسك رسمياً الأساس الدبلوماسي للمفاوضات، إلا أنها لم تُطبَّق قط تطبيقاً كاملاً. وقد أدلى كلٌّ من ميركل والرئيس هولاند لاحقاً بتصريحات بشأن هذه الاتفاقية، لم تكن في مستوى ما تقتضيه مكانتهما. في أعقاب ميدان، وقّعت أوكرانيا اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وشرعت في تنفيذ إصلاحات في مجالات القضاء والشرطة ومكافحة الفساد، وإن جاءت نتائجها متفاوتة. كما عزّزت تدريجياً تعاونها مع حلف شمال الأطلسي دون أن تنضمّ إليه. إن النقطة الأولى وبالأخص الأخيرة من النقاط المذكورة أعلاه جوهريتان ولا يمكن إغفالهما متى تناولنا مسؤوليات كل طرف في هذا النزاع المأساوي، الذي يجمع بين بلدين تربطهما روابط تاريخية عميقة فيما بينهما ومع أوروبا، مما يجعله بعيداً كل البُعد عن أن يُقارَن بسائر النزاعات التي تتقاتل فيها دول متنافسة منذ أمد بعيد. الغزو والردود الغربية في الرابع والعشرين من فبراير 2022، غزت روسيا أوكرانيا بحجة ضمان أمنها القومي وحماية الناطقين بالروسية في المناطق الشرقية. يُعدّ هذا العدوان انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، لا سيما أن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن الأممي. بيد أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية، حين تذرّعت بهذه الحجة، أغفلت الاعتراف بأخطائها، المتجلّية في مختلف مواقفها وأفعالها المثيرة للجدل، وفي مقدمتها موقفها من شرعية التغيير السياسي الذي جرى عام 2014. ولا يزال هذا الملف موضع جدل سياسي وتاريخي حادّ. يبدو عدم الاعتراف بهذه الأخطاء ضرباً من المسؤولية، بل قد يرقى إلى درجة التواطؤ. إذ يبدو أن كل شيء كان مدبَّراً ومقصوداً. وحتى اليوم، يتعمّد المدافعون عن فكرة اجتثاث روسيا - والتعبير ليس مبالغةً - التكتّم على ذلك، فضلاً عن أن الجهر به في الغرب اليوم يُعرّض صاحبه لتهمة الموالاة لروسيا. فهل هكذا تُرسَّخ القيم الغربية؟ وهل هكذا يُقوَّد الشعوب المستنيرة إلى فهم الشؤون العالمية وتحديداً الأوروبية منها، وإدراك رهاناتها الكبرى؟ دون إبطاء، وتحت تأثير «الأجهزة» الرسمية وجماعات الضغط المعادية لروسيا، ولا سيما تلك المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي، انحازت الشعوب الغربية إلى جانب أوكرانيا وتبنّت قضيتها. ومن المثير للاهتمام في هذا الصدد أن نتذكر أنه قبل عام 2022، كانت وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية قد أجرت استطلاعات في الشارع كشفت أن كثيراً من الناس كانوا يجهلون موقع أوكرانيا على الخريطة. وثمة دراسات أقدم عهداً حول الثقافة الجغرافية أظهرت أن شريحة لا يُستهان بها من سكان عدة دول غربية كانت تعاني من صعوبة في تحديد مواقع بعض دول أوروبا الشرقية على الخريطة، ومنها أوكرانيا. في أعقاب الغزو الروسي، انصبّ اهتمام الاستطلاعات العلمية على قياس مدى التأييد الشعبي لدعم أوكرانيا، والموقف من العقوبات المفروضة على روسيا، وتسليم الأسلحة، واستقبال اللاجئين، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بالنزاع. غير أن هذه الاستطلاعات لم تتطرق إلى الجغرافيا، ولا إلى الأسباب الحقيقية وراء هذا الغزو. وهذا في حد ذاته مدعاة للريبة، إذ يوحي بأن المسؤولين السياسيين الغربيين يسعون إلى «إسقاط» روسيا مع التعتيم على نواياهم الأصلية، وهي ضم أوكرانيا إلى أوروبا بأي ثمن، وفي مقدمة ذلك إلحاقها بحلف الناتو. كان على الولايات المتحدة أن تعلم، أو كان ينبغي لها أن تعلم، أن ذلك يُمثّل في نظر الروس سبباً كافياً للحرب. فمنذ استقلال دول البلطيق (1989-1991)، ثم إبان الأحداث التي شهدتها جورجيا والتي انتهت في 2008 باعتراف روسيا بأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا دولتين مستقلتين، كان الروس قد أبدوا رغبة صريحة في وجود دول عازلة تحميهم من الغرب. فهل أن «القيم الغربية» التي كثيراً ما يُشار إليها دون توضيح حقيقي، ما هي إلا رغبة في الانتقام؟ معاقبةً لروسيا الوريثة للاتحاد السوفيتي؟ إن هذا لا يُشكّل رؤية للمستقبل بأي حال. خاضت كثير من الدول الأوروبية حروباً طاحنة وأزهقت أرواح لا تُحصى في ميادين قتال متعددة. فكيف تمكنت رغم ذلك من صنع السلام وإن بصعوبة؟ هل كان شعار بوريس جونسون «يجب استئصال الروس»؟ يبدو أن الأمر كذلك، إذ أبدى جونسون في تلك المرحلة حقداً على الروس عامةً، لا على بوتين وحده. ومع ذلك، فقد جرى التفكير في التقارب بين روسيا وأوروبا في مرحلتين: الأولى عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، حين سعى الرئيس يلتسين إلى بناء علاقات وثيقة مع الدول الغربية، وكان بعض المسؤولين الأوروبيين والروس يتحدثون عن إمكانية تحقيق تكامل أعمق على المدى البعيد جداً. ثم في مطلع الألفية الثالثة، في عهد فلاديمير بوتين، حين اتسمت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بنسبة معقولة من البناء والتعاون. كانت المباحثات في تلك المرحلة الثانية تدور حول شراكة استراتيجية، لا حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد ظلت روسيا عضواً في مجلس أوروبا - وهو هيئة مستقلة عن الاتحاد الأوروبي - من 1996 حتى 2022، قبل أن تُطرد منه إثر غزو أوكرانيا. فلماذا لم يُسعَ بين عامَي 1996 و2020 إلى منحها صفة دولة مشاركة، على غرار ما كان يمكن أن يحدث مع تركيا أو المغرب؟ وأين كنا سنقف اليوم، لا سيما في ضوء التنافس القائم فعلاً بين الصين والغرب؟

لبنان-إسرائيل: أجواء «إيجابية» في اجتماع روما

شكّل يوم الثلاثاء الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، والتي عُقدت هذه المرة في العاصمة الإيطالية روما، وليس في واشنطن. ومنذ اليوم الأول، سُجّل أول تطور إيجابي، إذ أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، من القدس، أن إسرائيل مستعدة «للمضي قدماً» في تنفيذ منطقتين نموذجيتين في جنوب لبنان، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية (AFP). إلا أن بنود الاتفاق الإطاري الموقّع في 26 حزيران/يونيو تنص على أن تنفيذ هذه المناطق يجب أن يبدأ بانسحاب إسرائيلي. ووصف ساعر هذا المسار، الذي يجري برعاية الولايات المتحدة، بأنه «الطريق الوحيد للمضي قدماً». وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية أيضاً، فإن «الوفد اللبناني تلقى تعليمات بالمطالبة بالبدء الفوري بانسحاب القوات الإسرائيلية من منطقتين نموذجيتين قبل أي نقاش آخر»، وفق ما أعلنت الرئاسة اللبنانية مساء الاثنين. ووفق مصدر دبلوماسي لبناني مطّلع على مجريات المفاوضات، فإن «الجيش اللبناني مستعد لتسلّم السيطرة تدريجياً على البلدات التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي». وانتهى اجتماع 14 تموز/يوليو قرابة الساعة السادسة مساءً، ووصفته مصادر قناة LBC بأنه «إيجابي». ويكتسب هذا التأكيد الأولي أهمية بالنسبة إلى اللبنانيين، رغم أن كثيراً من التفاصيل لا يزال يحتاج إلى نقاش، وأن العقبات ما زالت قائمة. فهذه المفاوضات تشكّل اختباراً مهماً للجانب اللبناني، الذي يقع على عاتقه تحقيق نتائج خلال هذه الجولة، في ضوء التقدم الذي تحقق في الجولة السابقة في حزيران/يونيو، والتي أفضت إلى توقيع اتفاق إطاري. ويتمثل البند الرئيسي في هذه المباحثات في إقامة «المناطق النموذجية» في جنوب لبنان، حيث يفترض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي لتنتشر مكانه وحدات الجيش اللبناني، من دون أي وجود لحزب الله. غير أن هذا المسار لا يزال يواجه معارضة من أطراف بارزة على الساحة اللبنانية. فقد أكد النائب عن حزب الله حسين الحاج حسن، يوم الاثنين، أن «هذا الاتفاق الإطاري يبدو ثلاثياً في الظاهر، لكنه في الحقيقة اتفاق أحادي لأنه إسرائيلي». ولا تقتصر المعارضة على حزب الله، بل تشمل أيضاً حليفه رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري، الذي أدلى الثلاثاء بتصريح لافت. فعلى الرغم من إعلانه رفض استمرار المفاوضات المباشرة في الظاهر، فإنه ترك الباب مفتوحاً أمام قدر من المرونة. وقال بري في مقابلة مع صحيفة «الجمهورية»: «المناطق النموذجية مرفوضة»، معتبراً أنه كان ينبغي أن تكون هذه المناطق أوسع بكثير، «وإلا فإن الانسحاب سيستغرق عامين». لكنه أضاف عبارة بدت غامضة: «إذا لمست أي نجاح فأنا مستعد لأن ألتزم الصمت، لكنني لا أرى أي نجاح». ورغم إعلانها استعدادها للانسحاب من المناطق العازلة، تواصل إسرائيل على الأرض عمليات النسف والتفجير في قرى الجنوب. فقد لوحظ الثلاثاء أن الجيش الإسرائيلي ركّز عملياته في المنطقة المرشحة لتكون إحدى المناطق النموذجية، أي بلدتي زوطر الشرقية وزوطر الغربية. ومهما يكن، فإن السلطات اللبنانية تُظهر ثباتاً في مواصلة هذه المفاوضات رغم كل التحديات. وفي قصر بعبدا، تُتابَع نتائج المحادثات عن كثب، على أن تُعرف نتائجها النهائية، من حيث المبدأ، يوم غد. وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون، الموجود مع عقيلته في قطر لتقديم واجب العزاء بوفاة أمير البلاد السابق الشيخ حمد آل ثاني، يتابع من كثب مجريات مفاوضات روما، كما يواصل التحضير لزيارته إلى واشنطن في 21 تموز/يوليو. الجبهة الإيرانية لا تزال مشتعلة في جنوب لبنان، وعلى الأرض، يستمر ما يشبه الهدنة، على الأقل من جانب حزب الله، الذي يبدو في حاجة إليها لإعادة ترتيب صفوفه، وذلك رغم تدهور الأوضاع على الجبهة الإيرانية. فقد تواصلت الضربات الأميركية على إيران طوال ليل الاثنين – الثلاثاء وخلال نهار الثلاثاء، فيما دخل الحصار الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيّز التنفيذ عند الساعة الثامنة مساءً (بتوقيت المشرق). وأعلنت إيران عن ضربات جديدة استهدفت مدينة بوشهر، حيث تقع المحطة النووية. كما أدى التصعيد في مضيق هرمز واستئناف الحرب إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط، إذ تجاوز سعر البرميل مجدداً عتبة 80 دولاراً أميركياً. وتبدو المفاوضات في الوقت الراهن مهددة بالتعثر، باستثناء تصريح أدلى به الرئيس ترامب الثلاثاء، اعتبر فيه أن التوصل إلى اتفاق لا يزال «ممكناً». وفي مقابلة تلفزيونية، شدد على أن مذكرة التفاهم كانت «اختباراً» للإيرانيين، وأنهم أثبتوا أنهم غير قادرين على الالتزام بها. وأكد أن النصر سيكون أميركياً، سواء تحقق عبر المفاوضات أو عبر الحرب. وفي موازاة ذلك، أفادت وسائل إعلام عربية بأن الجيش الأميركي ينشر حالياً أكثر من خمسين ألف جندي في المنطقة. أما الإيرانيون، فيواصلون الرد عبر تكثيف الهجمات على دول المنطقة، مع تجنب استهداف إسرائيل حتى الآن. فقد اضطرت البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى الأردن، إلى اعتراض صواريخ إيرانية. وأعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته المباشرة عن هذه الهجمات، وكذلك عن الهجمات المستمرة على ناقلات النفط في مضيق هرمز. وفي خطوة تصعيدية أخرى، أقر البرلمان الإيراني مشروع قانون يفرض رسوماً على السفن التي تعبر مضيق هرمز، في رد على إعلان الرئيس ترامب عزمه فرض مقابل مالي لقاء حماية الملاحة البحرية. ويُذكر أن المضائق الطبيعية تُعد ممرات حرة للسفن، ولا يجوز استيفاء رسوم إلا مقابل الخدمات التي تقدمها الدول المشاطئة. وفي هذه الأثناء، لا يزال الهجوم بالصواريخ الباليستية الذي استهدف مساء الاثنين مطاراً سعودياً، وانطلق من منطقة يمنية يسيطر عليها الحوثيون، حلفاء إيران، يثير ردود فعل داعمة للمملكة. ومن أبرز هذه المواقف تلك الصادرة عن لبنان، ولا سيما عن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في رسائل تضامن واضحة مع المملكة العربية السعودية في مواجهة المحور الإيراني.

الجذور، الفصل الثالث: زمن الأشباح

في الفصل الثاني من هذه السلسلة من النصوص عن التاريخ الكبير وعن حكاية ابني رافاييل، “زمن التكرار، زمن التسارع”، تناولتُ عودة خطاب التفوق الحضاري، الموروث من القرن السادس عشر، وكيف تبنّاه دعاة حضارة جديدة ستغدو فيها التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أكثر أهمية من الإنسان نفسه. غير أنّ خاتمة ذلك النص، التي اتسمت بشيء من التفاؤل الحذر، عادت إلى فيلم “ماجلان” للمخرج لاف دياز، وإلى اختياره أن يصوّر لابو-لابو، رمز المقاومة الفلبينية المنتصرة في مواجهة الغزاة الإسبان، بوصفه شبحًا أكثر منه شخصية تاريخية عاشت فعلًا. وتلك القوة التي تمتلكها الأشباح في مواجهة القوى المهيمنة أعادت إلى ذهني كتاب جاك دريدا الشهير “أطياف ماركس”، الذي صدر بعد سقوط جدار برلين وهزيمة الكتلة السوفياتية. فدريدا، بعيدًا عن أي دفاع عن الأنظمة الشيوعية، كان يرى أن مطلب العدالة الذي يحمله فكر ماركس سيظل يطاردنا حتى بعد الهزيمة. وإذا كان هذا النص يعود إليّ اليوم، فلأننا، نحن اللبنانيين، نعيش لحظة يتعيّن علينا فيها أن نواجه هزيمتين محتملتين، وأن نجد السبيل إلى مقاومتهما. أما الأولى، فتتمثل في الاحتمال المتزايد لقيام حضارة يُمحى فيها الإنسان تدريجيًا لصالح الآلة. وأما الثانية، فهي أكثر محلية، وتتمثل في هزيمتنا أمام اجتياح إسرائيلي جديد لأرضنا. وأدرك أن الحديث عن “الهزيمة” قد يبدو مناقضًا للحدس في وقت يُسوَّق فيه الاتفاق الإطاري الموقَّع بين لبنان وإسرائيل على أنه طريق إلى السلام والازدهار. لكنني، على المستوى الشخصي، أجد صعوبة في مشاركة هذا التفاؤل، فيما تواصل إسرائيل قصف جنوب لبنان، ولا سيما أن ملامح صراع لبناني داخلي مقبل بدأت ترتسم بالفعل. فكيف يمكن مقاومة هاتين الهزيمتين، وهما تنبعان من حركة محو واحدة: محو الإنسان على المستوى العالمي، ومحو جزء من لبنان على المستوى المحلي؟ ولأنني لست من أصحاب القمصان الحمراء، ولا البنية، ولا الصفراء، لون حزب الله، أشعر أنني يتيم الخطابات والأشباح القادرة على أن تمدّني بما أحتاج إليه لمقاومة هذين الخطرين اللذين يهددان بالمحو. ولهذا تحديدًا، وحتى أشعر بأنني أقل يتمًا، أود في الصفحات التالية أن أستحضر ستة أشباح، تمثل بالنسبة إليّ كتيبات للمقاومة في مواجهة خطر المحو. 1. شبح والتر بنيامين: ملاك التاريخ إذا كان أول الأشباح الذين يحضرون إلى ذهني هو شبح والتر بنيامين، فلأنه، إلى حد ما، منحني الثقة اللازمة للشروع في كتابة هذه السلسلة من النصوص. …في كتابة هذه السلسلة من النصوص. فقد بدا لي أن العودة إلى التاريخ ليست خيارًا بديهيًا في لحظة كانت فيها أهوال الحاضر، تحت القصف، تبدو أكثر إلحاحًا من أي شيء آخر. لكن، وسط تلك الشكوك، عاد إلى ذهني آخر ما كتبه والتر بنيامين: “حول مفهوم التاريخ”. وقد كُتب هذا النص عام 1940، في قلب عاصفة الحرب العالمية الثانية، قبل أن يصبح بنيامين نفسه أحد ضحاياها بسبب يهوديته. وعلى المستوى الشخصي، لا أستطيع إلا أن أرى في ذلك دلالة عميقة: أن يكون آخر فعل مقاومة قام به في مواجهة الهمجية النازية هو أن يعيد التفكير في معنى التاريخ ذاته. ومن دون الدخول في قراءة تفصيلية لهذا النص، أكتفي بالإشارة إلى تأمله الشهير في لوحة بول كلي “Angelus Novus”، التي أسقط عليها بنيامين رؤيته الخاصة للتاريخ. وهي رؤية تناقض تمامًا التصور المتفائل الذي يرى التاريخ مسيرةً متواصلة نحو التقدم. ففي تلك اللوحة يرى بنيامين ملاكًا يحدق في الماضي، بينما تدفعه عاصفة التقدم بلا هوادة نحو المستقبل، في الوقت الذي لا يرغب فيه إلا بالبقاء أمام الكارثة التي يشهدها، ليرمم ما تهشم منها. ورغم أن هذا التأويل يبقى قراءةً شخصيةً للوحة، فإن بنيامين يُسقط عليها تصوره لمهمة المؤرخ المقاوم، التي تتمثل في انتشال نضال المهزومين غير المكتمل من النسيان، بعدما اعتادت السردية التاريخية الرسمية، أي سردية المنتصرين وعُبّاد التقدم، أن تمحو دلالته. ولا حاجة إلى القول إن هذا الانتباه إلى ذاكرة المهزومين يكتسب اليوم وقعًا خاصًا، في زمن بات فيه تاريخنا الجماعي يخضع أكثر فأكثر لانتقاء الخوارزميات، وفي وقت بدأت تظهر في لبنان بالفعل محاولات لإعادة كتابة التاريخ على يد من يحتلون أرضنا. وأفكر هنا، على سبيل المثال، في تصريح بنيامين نتنياهو الأخير، الذي ادعى فيه أن قرىً مسيحية لبنانية ترغب في الانضمام إلى إسرائيل. غير أن هذا الوفاء لذاكرة المهزومين لا يمكن أن يتحقق ما لم يرفض الإنسان، أولًا، أن يكون غير مبالٍ. 2. شبح أنطونيو غرامشي: اللامبالاة أعلم أن الحديث عن اللامبالاة قد يبدو من قبيل البديهيات، لكنني أراه مسألةً جوهرية، لأن أحدًا، في زمن تهيمن عليه وفرة الصور كما هو زمننا، ليس بمنأى عن الوقوع في اللامبالاة. وأقصد بذلك، بطبيعة الحال، ذلك الشكل الجديد من توحيد السلوك الذي فرضه التمرير القهري للصور، حيث تُوضَع جميع الصور في المرتبة نفسها؛ ففي أقل من ثانية يمكن أن ننتقل من مشاهد دمار جنوب لبنان إلى صور عطلة أحد الأصدقاء، أو إلى صور زائفة أنشأها الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت أستحضر شبح أنطونيو غرامشي، الذي تأرجحت حياته بين الهزيمة والمقاومة، وكتب جزءًا كبيرًا من أعماله خلف القضبان، فلأن تأملاته في “اللامبالاة” تبدو لي اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. وقد بسط غرامشي هذه الفكرة في نصه القصير “أكره اللامبالين”، الذي نشره عام 1917، أي قبل وقت قصير من تأسيسه الحزب الشيوعي الإيطالي. وهنا أيضًا، من دون الخوض في قراءة تفصيلية للنص، أكتفي بالإشارة إلى إحدى أفكاره الأساسية، وهي أن اللامبالاة، في نظر غرامشي، ليست موقفًا سلبيًا، بل شكل من أشكال التواطؤ الصامت مع المآسي التي عرفها التاريخ، ومنها صعود الفاشية في زمنه. ومن هذا المنطلق كتب في مستهل نصه عبارته الشهيرة: “اللامبالاة هي الطفيلية، وهي الجبن؛ إنها ليست حياة.” ثم يختم بالتأكيد أنه، ما دام حيًا، فهو منحاز. ورغم أنني لا أذهب إلى حد القول إنني “أكره” اللامبالين، لأنني أتحفظ دائمًا على الأحكام النهائية على الناس، فإن تأمل غرامشي يمسني بعمق، لأنه يجعلني أدرك أن في إصراري على ألا أبقى غير مبالٍ بجنون نتنياهو وبعرّابي التكنولوجيا تكمن إرادة للبقاء حيًا. إرادة لرفض استعمار العقول بذلك التنميط الذي يسعى إلى وضع جميع الصور على المستوى نفسه. 3. شبح بازوليني: اليراعات وإذا كان الشبح الثالث الذي يطاردني هو شبح بيير باولو بازوليني، فليس فقط لأنه احتفى بغرامشي في كتابه “رماد غرامشي”، بل، قبل كل شيء، لأنه كرّس جزءًا كبيرًا من مشروعه الفكري والفني للتنديد باستعمار العقول عبر التنميط الذي فرضه مجتمع الاستهلاك، والذي كان لا يزال في بداياته خلال حياته. وهو نقد رافق مجمل أعماله، وبلغ ذروته في مقاله الشهير “مقال اليراعات”، الذي نُشر عام 1975، قبل اغتياله بفترة وجيزة. في ذلك المقال، يرصد بازوليني الاختفاء التدريجي لليراعات من الريف الإيطالي بعدما فتك بها التلوث الصناعي، قبل أن يحولها إلى استعارة لإنسانية أصيلة آخذة في التلاشي، لتحل محلها الأضواء الاصطناعية للتلفزيون والاستهلاك ومجتمع الفرجة، وهي الأضواء نفسها التي تتوهج اليوم، في هيئة أخرى، عبر شاشات هواتفنا الذكية. وإذا كان بازوليني قد أظهر كل ذلك التعاطف مع المهمشين والخاسرين في هذا المجتمع، فلأنه كان يرى فيهم ذلك الضوء الهش نفسه، ضوء اليراعات الذي وضعه دانتي في قلب الظلمات، في مقابل النور العظيم للفردوس. وهذه الطريقة التي أضفى بها شاعرية على المهزومين، حتى جعل منهم وجوهًا للمقاومة، تمسني على نحو خاص، لأنني، أمام المحن المتكررة التي عرفناها نحن اللبنانيين، لا أستطيع إلا أن أرانا مثل يراعات تائهة في العتمة. غير أن بازوليني كان يعلن، بنبرة يغلب عليها التشاؤم، الاختفاء الوشيك لتلك اليراعات. ولذلك لا أملك إلا أن أتساءل: كيف لنا، ونحن نشبهها إلى هذا الحد، أن نجد بعدُ القوة على البقاء، في مواجهة خطر المحو الذي يفرضه الاجتياح الإسرائيلي، كما تفرضه أيضًا هذه المرحلة الجديدة من مجتمع الفرجة، الذي يحاول أن يبيعنا، في قالب ترفيهي، عالمًا ستتولى فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي قريبًا التحكم بالأسلحة؟ 4. شبح نيتشه: المتعافي من دون إنكار أن فكر نيتشه يمكن أن تستولي عليه، بحق إلى حدٍّ ما، تيارات اليمين المتطرف، فإنني أستحضر شبحه لأن السؤال المحوري الذي يخترق مجمل أعماله يمكن، بلغة هذا النص، أن يُصاغ على النحو الآتي: كيف يمكن الاستمرار في قول نعم للحياة، حين يبدو أن كل شيء يقود إلى الهزيمة؟ وإذا كان هذا السؤال يحتل مكانةً مركزية في فلسفته، فلسبب يتصل أولًا بسيرته الشخصية. فقد عانى نيتشه المرض طويلًا، وأرهقته نوبات الصداع النصفي المبرحة واضطرابات حادة في البصر، كانت تتركه أحيانًا على شفا العمى. غير أن مرضه لم يبق مجرد واقعة من سيرته، بل طبع أعماله في شكلها كما في مضمونها. فقد فرضت عليه حالته الصحية أسلوب الكتابة الشذرية، كما أن الإشارات إلى المرض تتكرر في كتب مثل “إنساني، مفرط في إنسانيته” و“هذا هو الإنسان”، حيث يكتب: “لقد كان المرض هو الذي أعادني إلى صوابي.” وتعود هذه الفكرة، أي جعل المرض نقطة انطلاق لتحول الذات، في كتاب “هكذا تكلم زرادشت”، ولا سيما في الفصل الشهير “المتعافي”. ففيه ينهار زرادشت، وقد سحقه تصور العود الأبدي وفكرة أن كل ما كان سيعود من جديد، فيمكث مريضًا سبعة أيام، قبل أن ينهض وقد تبدل، قادرًا على أن يقول نعم للوجود. وإذا كانت صورة المتعافي تخاطبني بهذا العمق، فلأنني، إلى جانب صورة اليراعات، لطالما رأيت لبنان بلدًا من الموتى الأحياء. أو، بتعبير أدق، بلدًا نعبر فيه من الحياة إلى الموت، ثم من الموت إلى الحياة، في لحظة واحدة. ومن هنا تلك الصورة التي التصقت بنا، صورة بلد يستطيع أن يستأنف الاحتفال بعد وقت قصير من الكوارث. يسمي البعض ذلك “الصمود اللبناني”. أما أنا، فكلما خرجت من ظلمات تاريخنا الكبير إلى ما يشبه الحياة العادية، وجدت نفسي أقرب إلى صورة المتعافي منها إلى فكرة الصمود. ولعل هذا ما يفسر تعلقي بعبارة نيتشه الشهيرة: “لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأ.” فالموسيقى، أكثر من مرة، وبالنسبة إلى جيلي أيضًا، كانت ما أتاح لي أن أحول الغضب إلى إقرار بالحياة. 5. شبح كورت كوبين: موسيقى الغضب ورغم أن حياة كورت كوبين قد تبدو نقيضًا لصورة المتعافي عند نيتشه، إذ أنهى حياته منتحرًا عام 1994، فإنني أستحضر شبحه أولًا لأن رسالته الأخيرة يمكن أن تُقرأ، على نحو مفارق، بوصفها بيانًا ضد المحو. ففيها يستعيد العبارة الشهيرة من أغنية لنيل يونغ: “It’s better to burn out than to fade away.” غير أنني أستحضر شبحه أيضًا، بل قبل كل شيء، لأن الغضب الذي كانت تعبر عنه موسيقاه، في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية التي أُعلن انتهاؤها رسميًا عام 1990، أصبح نشيد غضبي الشخصي، كما أصبح نشيد غضب جيل كامل من الشباب اللبناني. وبطبيعة الحال، لم يكن غضب كورت كوبين وليد نهاية حرب. بل كان ثمرة ما يمكن، استعادةً لأحد الموضوعات المركزية عند نيتشه، اعتباره أحدث تجليات العدمية، تلك التي نشأت مع انتصار الولايات المتحدة على الكتلة السوفياتية. انتصار بدا وكأنه وضع حدًا لكل أشكال اليوتوبيا، وفرض على العالم قيمة واحدة، تجسدها خير تجسيد صورة غلاف ألبوم “Nevermind” الشهيرة: السعي المحموم وراء الدولار. ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلاف السياقين، تبنّى جيلي أغنيات مثل “Smells Like Teen Spirit”، لأنها أدت دورًا تطهيريًا، وحولت طفولتنا التي عشناها تحت القصف إلى طاقة قادرة على إعادتنا إلى الحركة. وهي طاقة نحتاج إليها من جديد اليوم. وقد كانت هي نفسها التي دفعتني، مع عدد من شباب بيروت، إلى تأسيس فرق موسيقية مستوحاة من Nirvana. والطريف أن حفلاتنا، التي كان ينظمها تجمع يحمل اسم “Generation X”، كانت تُقام في قبو كنيسة في وسط بيروت، لا تزال جدرانها تحمل آثار الحرب التي انتهت لتوها. كيف استطاع موسيقيو الروك في ذلك التجمع إقناع كاهن الكنيسة بأن يضع ذلك القبو في تصرفهم، حتى يتمكن جيل كامل من الشباب من أن يصرخ فيه بغضبه؟ لعلني أخصص يومًا مشروعًا كاملًا لتلك المرحلة، لأعرف الجواب، ولأستعيد ذلك الإقليم الذي كان يُدعى الزمن. لأن الزمن، نعم، يمكن أن يكون إقليمًا. 6. شبح فريدريك الثاني هوهنشتاوفن: بلاط باليرمو وما أود استحضاره من خلال هذا الشبح الأخير ليس الهزيمة ولا المقاومة بقدر ما هو يوتوبيا. يوتوبيا للبنان تتجسد في مكان، هو بلاط باليرمو في القرن الثالث عشر، في عهد الإمبراطور فريدريك الثاني هوهنشتاوفن. لقد لُقّب بـ “Stupor Mundi”، أي “دهشة العالم”، كما وُصف أيضًا بـ “المسيح الدجال” بعدما حرمه بابا عصره كنسيًا مرتين. وفي سياق هذا النص، لا أستطيع إلا أن أرى مفارقة لافتة في أن حاكمًا بلغ هذا الحد من الشغف بالمعرفة وبالحوار بين الثقافات قد نُعت بمثل هذا اللقب، في حين أن بيتر ثيل، أحد أبرز المنادين بمستقبل تهيمن عليه التكنولوجيا، يصف اليوم بـ “المسيح الدجال” كل شخص أو مؤسسة تؤخر مجيء تلك الحضارة. أما بلاط باليرمو، فإنني أراه يوتوبيا جديرة بأن يستلهمها لبنان، لأنه، وعلى غرار سعة معارف فريدريك الثاني، كان يجسد حضارة تقوم على التبادل لا على المحو، حيث تعايشت الفلسفة العربية والفكر الغربي والثقافة اليونانية في فضاء واحد. وإذا كان للبنان أن يخرج من المحنة التي يعيشها اليوم، فلا يسعني إلا أن أتمنى أن تتمكن جماعاته المتعددة من التبادل والتحاور والعيش في انسجام، كما كان الحال في بلاط باليرمو. أما أنا، فثمة أقاليم أخرى لا تزال تطاردني. أقاليم أكثر شخصية. لكن ذلك سيكون موضوع الفصل المقبل.

عودة الجبهة اليمنية؟ إيران والولايات المتحدة على شفير تصعيد جديد

في هذا الاثنين 13 تموز، تتركز الأنباء الإقليمية على اليمن حيث باتت الهدنة الهشة المتفق عليها في نيسان 2022 عرضة لانتكاسة خطيرة، إثر خطوة إيرانية مباغتة أعادت إشعال الجبهة اليمنية. ويندرج هذا الاستعراض العسكري الإيراني في سياق التصعيد المستمر بين طهران وواشنطن، التي قررت إعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وفي تفاصيل الوقائع الميدانية، استهدفت الحكومة اليمنية مدرجات مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة الحوثيين بضربات جوية، بهدف منع هبوط طائرة إيرانية كانت تُقلّ وفداً من هذه الجماعة الشيعية الموالية لطهران. وكان الوفد في طريق عودته من العاصمة الإيرانية بعد مشاركته في مراسم تشييع المرشد الأعلى علي خامنئي. ورغم التحذيرات المتكررة من السلطات اليمنية، التي طالبت الوفد بالعودة على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (اليمنية)، أصرّ الحوثيون على الرجوع بطائرة إيرانية، على الرغم من إغلاق المجال الجوي اليمني أمام الطيران الإيراني. وواصلت الطائرة رحلتها متجاهلةً احتجاجات الحكومة، لتهبط في نهاية المطاف في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر، الخاضعة أيضاً لسيطرة الحوثيين، غربي البلاد. سرعان ما تصاعدت حدة التوتر؛ إذ بررت وزارة الدفاع اليمنية الضربات بإصرار الحوثيين على العودة على متن طائرة إيرانية. واعتبرت صنعاء أن هذه الرحلة لا تشكل انتهاكاً للمجال الجوي اليمني فحسب، بل تعكس بالدرجة الأولى "تدخلاً جديداً من الجمهورية الإسلامية". في المقابل، توعد الحوثيون برد فوري، منددين صراحة بما وصفوه بـ"الضربات السعودية"، وهو ما يلوح بشبح استئناف العمليات القتالية مع الرياض للمرة الأولى منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022. مضيقا هرمز وباب المندب في سياق التوتر الإقليمي المتصاعد تدريجياً منذ فترة، لا يمكن تفسير قضية صنعاء إلا بوصفها حلقة جديدة في صراع ليّ الذراع المحتدم بين طهران وواشنطن، والذي يتمحور أساساً حول مضيق هرمز. وقد جاء هذا التطور غداة ليلة جديدة شهدت ضربات أميركية عنيفة ضد أهداف عسكرية ولوجستية إيرانية، تلتها هجمات إيرانية مضادة استهدفت مواقع أميركية في الكويت، والأردن، والبحرين، وقطر، وحتى في سلطنة عُمان التي بقيت حتى ذلك الحين بمنأى عن استهداف طهران، إذ كانت الأخيرة تأمل في التوصل إلى اتفاق تعاون مع السلطنة لإدارة مضيق هرمز. ويبدو أن طهران، التي تقود شبكة من الجماعات الحليفة التي لا يقل أحدها سوءاً عن الآخر، قد اختارت هذه المرة الحوثيين ليدخلوا على خط المواجهة. ومن خلال هذه الخطوة، تتيح إيران لحليفها الرئيسي في المنطقة، "حزب الله" الذي أُضعف وبُترت قيادته على يد إسرائيل خلال حربين كارثيتين، سُمّيتا بحربَي إسناد حماس ثم إسناد نظام الملالي، فرصة لالتقاط الأنفاس. كما تتفادى طهران في الوقت عينه دخول لاعب إقليمي آخر على خط الصراع، وهو إسرائيل، التي بقيت أراضيها بمنأى عن الضربات الإيرانية رغم أنها تضم قواعد أميركية؛ إذ إن أي تنشيط للجبهة اللبنانية كان ربما سيمنح تل أبيب الذريعة التي تبحث عنها لاستئناف هجماتها ضد إيران. وعلى أي حال، فإن السؤال الجوهري يكمن في معرفة ما إذا كانت قضية صنعاء مجرد تحذير موجه إلى واشنطن، التي تخوض معها طهران مواجهة مفتوحة، أم أنها مؤشر يؤسس لمرحلة جديدة في هذا الصراع. وبناءً على ذلك، سيُقاس حجم خطورة هذا الحدث في ضوء التطورات الميدانية اللاحقة. ذلك أن الرهانات الجيواستراتيجية المرتبطة بزج الحوثيين في الصراع الحالي متعددة؛ وأبرزها يتعلق بمضيق باب المندب، لا سيما وأن الحوثيين، الذين يسيطرون على ميناء الحديدة المطل على هذا الممر الاستراتيجي، يملكون القدرة على إغلاق المنفذ إلى البحر الأحمر وقناة السويس، مما قد يؤدي إلى شل حركة التجارة الدولية بشكل ملموس. وبذلك، فإن طهران، التي أعلنت مجدداً اليوم الاثنين إغلاق مضيق هرمز، قد نقلت الصراع إلى رقعة جغرافية أخرى لا تقل أهمية استراتيجية، على نحو يهدد حركة التجارة الدولية بشكل جدي. وهي تسعى، من خلال هذه اللعبة الملتوية التي تمارسها، إلى أن تثبت للأميركيين أنها لا تزال تمسك بأوراق ضغط عديدة لن تتوانى عن استخدامها لانتزاع تنازلات في إطار مفاوضاتها مع واشنطن. هذه المفاوضات لم تنقطع بعد، بل تظل معلقة فحسب؛ إذ أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الاثنين، استمرار الاتصالات الدبلوماسية مع قطر وباكستان وسلطنة عُمان "لمنع تصاعد التوترات". وبحسب بقائي، كانت طهران على اتصال "خلال الأيام القليلة الماضية" مع قطر وعُمان، على الرغم من استهدافهما بالضربات الإيرانية، وكذلك مع باكستان. وتُظهر أحداث ليلة الأحد-الاثنين، وتطورات نهار الاثنين، أن هذه الجهود لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق نتائج حاسمة. فهل تصل الأمور إلى حد القطيعة التامة؟ وحدها التطورات المقبلة كفيلة بالإجابة عن ذلك. كما حذر إسماعيل بقائي من أن طهران لن تعتبر نفسها ملزمة ببروتوكول الاتفاق المبرم في حزيران الماضي مع الأميركيين إذا لم يلتزم هؤلاء بتعهداتهم. وهي طريقة للرد على دونالد ترامب الذي كان قد نعى وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي. ضربات حوثية تستهدف جنوب السعودية وإذا كانت لغة التهديدات المتبادلة أمراً مألوفاً في غمار مفاوضات حساسة ترهن مصير المنطقة بأسرها، فإن التطورات الميدانية تكتسي أبعاداً تفوق ذلك أهمية، بل خطورة. فلم يتأخر الحوثيون في ترجمة تهديداتهم المباشرة للمملكة العربية السعودية، التي اتهموها بضرب مطار صنعاء؛ إذ أطلقوا في مستهل المساء صواريخ باليستية استهدفت مطار أبها، الواقع جنوب غربي المملكة على مقربة من الحدود اليمنية. وبحسب وسائل الإعلام التابعة للجماعة الموالية لإيران، فإن ستة صواريخ على الأقل استهدفت منشآت المطار. وفي المقابل، أكدت وزارة الدفاع السعودية وقوع الهجوم، معلنةً اعتراض تلك الصواريخ. وتندرج هذه الضربات في السياق ذاته للهجمات الإيرانية ضد دول الخليج، والتي شُنت رداً على الضربات الأميركية. ومن خلال حليفها اليمني، يبدو أن طهران تسعى إلى جر الرياض إلى أتون صراع نأت بنفسها عنه منذ البداية. ويبقى الهدف هنا هو نفسه المرصود من وراء استهداف دول الخليج: دفع الممالك العربية إلى إعادة النظر في تحالفها مع الولايات المتحدة. وهو مسعى لم تحاول الجمهورية الإسلامية يوماً إخفاءه، لكنها عجزت عن تحقيقه. "رسم خدمة بنسبة 20%" من جانبها، تتبع واشنطن استراتيجية مستوحاة إلى حد بعيد من قواعد اللعبة الإيرانية؛ إذ يرد الأميركيون على الاستفزازات الإيرانية باستفزازات مضادة. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلا مواربة عبر منصة "تروث سوشيال" (Truth Social)، إعادة فرض الحصار البحري الذي أسهم سابقاً في خنق اقتصاد نظام الملالي بشكل ملموس، فضلاً عن فرض سيطرة أميركية على مضيق هرمز. ومثلما ترغب طهران في فرض رسوم خدمات، صرّح ترامب بأنه يريد تحصيل "رسم خدمة يعادل 20% من قيمة الشحنات" التي تعبر الممر المائي، على الرغم من خضوعه للقانون الدولي الذي يُفترض أن يضمن حرية الملاحة دون عوائق. وقد جاء الرد الإيراني سريعاً بالتأكيد على أن طهران "لن تسمح تحت أي ظرف من الظروف" لواشنطن بالتدخل في إدارة المضيق، الذي تسعى لإخضاعه لسيطرتها الصارمة. كما أعلن الرئيس ترامب أنه سيوجه مساء الخميس خطاباً إلى الأمة. وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن ترامب قد أبلغ الكونغرس باستئناف الأعمال العدائية مع إيران. وأوضح في رسالته إلى الكونغرس أن القوات الأميركية نفذت عمليات عسكرية دفاعية في السابع من تموز، وفقاً لما نقلته الصحيفة ذاتها. وسواء فُرض الحصار أم لا، تتشبث طهران بنفوذها الإقليمي عبر حلفائها. ويرى محللون متعددون أن الحوثيين يمتلكون العديد من "أوراق الضغط" المربكة، وهي التي كانت وراء الرد الحازم من جانب صنعاء؛ إذ إنه من خلال استهداف السلطات اليمنية لمطار العاصمة لمنع هبوط طائرة إيرانية، فإنها توجّه رسالة سياسية مباشرة إلى طهران مفادها: يُحظر عليكِ استخدام المنشآت اليمنية في ظل الظروف الراهنة. ذلك أن قضية الطائرة الإيرانية تحمل في طياتها رسالة أخرى، التقطها الأميركيون سريعاً، وقد تكون السبب وراء قرار دونالد ترامب إعادة فرض الحصار البحري. فقد أرادت طهران أن تظهر أنها لا تزال تحتفظ بحرية الحركة والمبادرة بالرغم من الضربات المتواصلة، وأن حلفاءها لا يزالون قادرين على تقويض خطط خصومها. وتُظهر الرحلة الإيرانية أن الجمهورية الإسلامية تملك القدرة، في حال فُرض الحصار، على الاستفادة من ممر جوي يربطها بحلفائها اليمنيين. وسيتيح لها هذا الممر نقل العتاد والأفراد اللازمين (من الحرس الثوري) في حال قررت إغلاق مضيق باب المندب وإعادة تنشيط الجبهة اليمنية. ومع ذلك، لا يزال من المبكر الحديث عن إعادة تنشيط فعلية لهذه الجبهة. ضغوط غربية وعلى الجبهة الدبلوماسية، يتواصل تصاعد الضغوط الغربية على إيران؛ إذ أعلنت لندن حظر الحرس الثوري على أراضيها، في حين استبعد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أي رفع للعقوبات الأوروبية طالما واصلت طهران برنامجها النووي، وتطوير ترسانتها البالستية، وأنشطتها الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.