شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
العالم الجديد
صورة المؤلف
بقلم خيرالله خيرالله - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 06:32
صورة للأخبار
(تصوير أحمد الربيعي/وكالة فرانس برس)
في الذكرى السنوية الثالثة لـ“طوفان الأقصى” ومأساة غزّة التي تسببت بها “حماس”، يبدو مشروعًا التساؤل: أين العرب؟ بل أين إيران؟ وإسرائيل إلى أين؟ بات هذا السؤال، إلى إشعار آخر، من النوع الذي تستحيل الإجابة عنه. يعود ذلك إلى أنّ المشاكل التي يعاني منها العالم العربي، أو على الأصح العوالم العربيّة، لا تبدو قابلة للحلّ في المدى المنظور، لا لشيء سوى لأنّ مفتاح الحلّ موجود في معظم الأحيان في طهران، وليس في هذه العاصمة العربيّة أو تلك أو لدى جامعة الدول العربيّة، طبعًا. تعاني جامعة الدول العربيّة من أزمة بنيوية. تعكس هذه الأزمة حال الترهّل العربي. أظنّ أنّ كلمة “ترهّل” كلمة لطيفة. يكفي، من أجل التأكّد من استحالة إعطاء جواب عن سؤال العرب: إلى أين العرب؟ التفكير في ما آل إليه العراق الذي تحكمه إيران عبر ميليشياتها المذهبيّة. المفارقة أنّ العراق، الذي نجحت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في نقل تجربة “الحرس الثوري” إليه، بات في وضع محيّر. كيف يمكن لنظام حرّرته الدبابة الأميركيّة من نظام صدّام حسين الاحتفال بخروج آخر جندي أميركي من العراق، وأن يتحدّث رئيس الوزراء علي الزيدي عن استعادة البلد لسيادته؟ المفارقة أنّ من يحتفل هذه الأيّام باستعادة العراق لسيادته يرفض الاعتراف بأنّ الأميركي رحل فيما الإيراني بقي. الإيراني حاضر في العراق أكثر من أيّ وقت… من دون أن يمنع ذلك السؤال: أين إيران وإيران إلى أين؟ الأخطر من ذلك كلّه أنّ سقوط العراق في العام 2003، عندما سلّمت إدارة جورج بوش الابن البلد إلى إيران، أدّى إلى خلل على صعيد التوازن الإقليمي لا تزال المنطقة تعاني منه إلى يومنا هذا. يأتي التركيز على العراق نظرًا إلى أنّ سقوطه في يد إيران كان سقوطًا للنظام الإقليمي كلّه. هذا النظام الذي قام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. قد يكون مفيدًا التذكير بأنّ سايكس–بيكو كان في 1916 ووعد بلفور في 1917. لم يستوعب العرب يومًا ما سايكس–بيكو، ولم يفهموا معنى وعد بلفور والمترتّب عليه. لم يكن الاجتياح الأميركي لبلد عضو في جامعة الدول العربية، فيه قوميات عدّة، مجرّد سقوط لنظام عراقي متخلّف، لا يمكن التأسّف على سقوطه. لا مجال لأيّ أسف في ضوء ما ارتكبه صدّام حسين من أخطاء قاتلة، إن في حقّ العراقيين أو حقّ دول المنطقة، في مقدّمها الكويت. على الرغم من ذلك كلّه، كان سقوط النظام العراقي سقوطًا لبلد ولحدود فاصلة بين العرب والفرس. تعاني المنطقة كلّها من هذا الخلل الذي جعل طهران تسيطر على بغداد بدلًا من أن يكون العراق بكلّ مدنه درعًا في وجه المشروع التوسّعي الإيراني… وهو مشروع استطاع أن تكون له انطلاقة جديدة، في الإقليم كلّه، انطلاقًا من العراق. ليس “أين العرب؟” مجرّد سؤال، بمقدار ما أنّه سؤال يجرّ إلى أسئلة لا أجوبة عنها. على سبيل المثال، وليس الحصر، من يُخرج إيران من العراق على غرار إخراجها من سوريا؟ هل يمكن إعادة الحياة إلى بلد مثل اليمن، بلد تشظّى كليًا بعدما استطاعت إيران، بفضل الحوثيين، السيطرة على جزء منه وتحويله إلى مصدر خطر على السعودية وعلى الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي على قناة السويس؟ ما مصير لبنان حيث سلاح “حزب الله” الذي لا يزال يتحكّم بالبلد؟ هذا السلاح المذهبي، سلاح إيراني، لم يكن من هدف له في يوم من الأيّام غير إخضاع اللبنانيين، وفي مرحلة معيّنة السوريين. كان اللبنانيون وما زالوا هدفًا لإيران و“حزب الله”. لم تكن إسرائيل سوى ذريعة للاحتفاظ بهذا السلاح. ما لم يكشفه الاحتلال الإيراني للعراق كشفه “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات. أدّى يحيى السنوار، الذي لعب دورًا محوريًا في شنّ “طوفان الأقصى”، بصفته قياديًا في “حماس”، دورًا في تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. انتقل الصراع إلى داخل إيران نفسها. غيّر “طوفان الأقصى” طبيعة إسرائيل التي لم تعد تؤمن سوى بالرغبة في التوسّع من أجل المحافظة على أمنها. على الرغم من أنّ إسرائيل أظهرت أنّها تمتلك قدرات عسكريّة واستخباراتيّة غير طبيعيّة، يبقى في النهاية سؤال من نوع آخر لا إجابة عنه على غرار السؤال المتعلّق بالعرب. هذا السؤال هو: إسرائيل إلى أين؟… وأيّ مستقبل لها من دون مشروع سياسي قابل للحياة بصفة كونها جزءًا من المنطقة ودولة من دولها عليها العيش بسلام وأمان مع محيطها ومع الفلسطينيين، كشعب موجود على أرض فلسطين… أي موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة؟
قراءة تحليلية
صورة المؤلف
بقلم تيلدا أبو رزق - نُشر أكتوبر 8, 2026 - 22:37
صورة للأخبار
تتجه الأضواء إلى الملفات الاجتماعية والاقتصادية والمالية في لبنان، حيث أعلن مصرف لبنان، الخميس، فتح حساب خاص لتجميع الأموال الناتجة عن «اختلاسات أو معاملات غير قانونية» والتي قد تُسترد نتيجة «قرارات قضائية أو تسويات ودية أو أي إجراءات أخرى تُتخذ في الخارج». ووفقاً للمصرف، تهدف هذه الخطوة إلى إعادة الأموال المستحقة قانوناً للمودعين. في الوقت نفسه، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، في رسالة وجّهها إلى اللبنانيين، عن سلسلة مشاريع قيد التنفيذ أو قيد الدرس في قطاعات تمس حياتهم اليومية مباشرة، وهي الكهرباء والنقل والإسكان وإصلاح المالية العامة، من خلال أمور عدة بينها تحصيل المتأخرات المستحقة للدولة. ويهدف هذا الخطاب أساساً إلى الطمأنة، وكذلك إلى الدفاع عن مشروع موازنة 2027 الذي تعرّض لانتقادات حادة من حزب القوات اللبنانية. ويُفسَّر توقيت هذه الإطلالة بتطورين طبعا المشهد اللبناني أخيراً: تصاعد الاستياء الشعبي في الأسابيع الأخيرة إزاء الارتفاع الهائل في فواتير المولدات الخاصة، وقرار وزير الطاقة جو صدي تعليق مشاركته في اجتماعات مجلس الوزراء، متهماً إياه بعدم الاستجابة لطلباته الرامية إلى تحسين توزيع التيار الكهربائي من دون زيادة الأعباء الملقاة على عاتق دافعي الضرائب. ومن أبرز مطالبه تسديد المبالغ المستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان من الوزارات والمؤسسات العامة، والتي تُقدَّر بنحو 300 مليون دولار. فمن شأن الإفراج عن هذا المبلغ أن يتيح للمؤسسة تمويل شراء الوقود وزيادة ساعات التغذية بالكهرباء، ما سينعكس حتماً على فواتير المولدات الخاصة. غير أن فتح الحساب الخاص في مصرف لبنان لإعادة الودائع يندرج ضمن السياسة التي ينفذها الحاكم الجديد كريم سعيد منذ تعيينه على رأس المؤسسة، فإن عرض نواف سلام يواجه صعوبة في الإقناع في غياب خطة إنعاش اقتصادي مفصلة تتيح للبنانيين متابعة مراحل تنفيذها. لا أحد يشكك في رغبة الحكومة في معالجة المشكلات القابلة للحل ضمن الإرث الثقيل الذي خلّفه أسلافها، ولا سيما في قطاع الكهرباء الذي يتحمل وحده عجزاً يقارب 40 مليار دولار. وبقدر ما تسمح به إمكاناتها، أطلق فريق نواف سلام عدداً من ورش الإصلاح وحاول معالجة الأكثر إلحاحاً، في ظروف بالغة الصعوبة طبعتها حرب فُرضت على البلاد. ومع ذلك، يبقى خطاب السيد سلام أقرب إلى إعلان نيات ومشاريع مستقبلية، شأنه شأن البيان الوزاري الذي نال على أساسه ثقة البرلمان. وكان من الواضح أنه أراد تبديد الشائعات التي تحدثت عن توترات داخل الحكومة. وحرصاً منه على تماسك فريقه، سعى رئيس الحكومة عبر هذه الإطلالة إلى توجيه ثلاث رسائل: إلى الوزير صدي، أكد أن الحكومة «تعمل على حل مستدام لمشكلة الكهرباء»، من دون تقديم تفاصيل أو التعهد بتلبية مطالبه. أما لدافعي الضرائب، فأبلغهم أن فريقه يدرك الأعباء التي تخنقهم وأنه مصمم على استرداد الأموال المستحقة للدولة. وللجهات الدولية المانحة، بدا وكأنه يريد طمأنتها إلى أن الدولة لن تقدم على نفقات جديدة من دون توافر الموارد اللازمة لتمويلها. كيف؟ هنا يكمن كل الغموض. فالملف الاقتصادي لا يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياسة، والدولة أخفقت حتى الآن في الوفاء بالتزاماتها. ويجب التذكير بأن المجتمع الدولي، ولا سيما الجهات المانحة، كان واضحًا جدًا في نقطة واحدة: لن يحصل لبنان على مساعدة كبيرة لدعم جهود التعافي إلا إذا استعادت السلطات زمام إدارة البلاد بجدية، من خلال نزع سلاح حزب الله الذي أصبح دولة داخل الدولة، والشروع في إصلاحات جوهرية. في هذين المجالين، اتخذت السلطة خطوات أولى، لكنها توقفت في منتصف الطريق. فنزع سلاح حزب الله، رغم أنه كان موضع قرار حكومي ووعدًا ورد في خطاب تنصيب الرئيس، بقي مجرد أمنية بعيدة المنال. أما الإصلاحات، فقد نُفذت إجراءات مهمة استنادًا إلى أجندة اتسعت منذ عام 2025، ولا سيما عبر إنشاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء. لكن حجم العمل لا يزال هائلًا، ويبقى جزئيًا رهن قرار سياسي. بعبارة أخرى، صحيح أن لكل وزارة أجندة تندرج ضمن استكمال الالتزامات التي تم التعهد بها في إطار البيان الوزاري، لكن الحكومة لم تقدم بعد للبنانيين خطة وطنية حقيقية للتعافي الاقتصادي، قائمة على أرقام ومرفقة بجدول زمني دقيق. وينطبق ذلك خصوصًا على قطاع الكهرباء، حيث يسود انطباع عام بأن الحكومة لا تزال تتقدم من دون رؤية واضحة.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
دل تورو: تطهيرُ الإنسانِ من وحشه
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

هل صحيح فعلاً أن المخرج السينمائي يستكشف في جوهره موضوعاً واحداً فقط – أو عالماً واحداً فقط – عبر مجمل أعماله، بمعنى أن كل شيء ينتهي به الحال إلى تشكيل كل متماسك، كما كان يلمّح جان لوك غودار؟ يبدو أن غيليرمو ديل تورو يتطابق تماماً مع هذه النظرية. المخرج المكسيكي، الذي أطلق للتو (على نتفليكس) نسخته الخاصة من أحد الشخصيات الأكثر استغلالاً في السينما – كائن فرانكنشتاين من تأليف ماري شيلي – يبدو أنه مدفوع بحدس أساسي، شبه هاجس، بل حتى نبوي، يمكن العثور عليه بالفعل في كل أفلامه وهو ما يمنحه تماسكاً نادراً. عند ديل تورو، الوحش لا يكون أبداً وحشاً. الاختلاف المشوّه، اللحم المنقوش بالندوب، التشريح غير الطبيعي، لا تعني أبداً عنده الوحشية الحقيقية. بل على العكس تماماً: عند المخرج المكسيكي، الوحش هو الشخصية الأكثر إنسانية من بين الجميع، تلك التي تحمل وزن المعاناة والوحدة والرفض والإذلال، وأيضاً الحب. صحيح أنه بعيد كل البعد عن أن يكون الأول الذي يغامر في هذا المجال. لكن، في عالم يزداد تجريداً من الإنسانية، مساعيه أكثر صراخاً بالحقيقة. الوحش الحقيقي؟ إنه الإنسان، عندما ينبذ إنسانيته الخاصة، عندما يسمح لنفسه أن يسيطر عليه الرغبة في الهيمنة، النرجسية، العلم البارد، الحرب أو الخوف من الموت والرغبة في التعويض عن الخالق. في هذا الصدد، يبدو العمل الكامل لديل تورو كاتهام طويل ضد صانعي الوحوش: الأنظمة والجيوش والمختبرات والعلماء والآباء الطغاة والأخلاقيون المتجمّدون الذين يدّعون أنهم بجانب الخير أو العقل أو الحداثة العلمية – لكنهم في النهاية لا ينتجون إلا الدمار. لا توجد وحوش، يقول لنا ديل تورو. لا يوجد سوى جلادين يعتقدون أنهم مكلفون برسالة ضخمة، لكنهم في الواقع مجرد شخصيات هلوسة تبحث عن إصلاح جرحهم النرجسي. في متاهة بان (2006)، وهو بلا شك أحد أجمل الأفلام في القرن الحادي والعشرين، الوحش المفترض – حورية الغابة المقلقة، نصف ظل نصف نور، رسولة من عالم بدائي – لا تكون في الواقع سوى استجابة روحية البربرية الفرانكية. الوحش الحقيقي هو الكابتن فيدال، النموذج الأولي للفاشي البارد والآلي والخالي من الشك والمهووس بالسلالة وأسطورة الأب. ترد الكابتن فيدال بقسوة منهجية على براءة أوفيليا وخيالها الخلاصي. يصبح الوحش الأسطوري ملاذاً وشخصية منظمة وآخر حصن ضد الدمار الأخلاقي. ما يحاول ديل تورو قوله هنا أساسي: الوحش ليس الرعب، بل هو الترياق للرعب؛ آخر ملاذ للبراءة لتجنب واستحضار الرعب. المقدس المنقذ حيث لا تزال الروح تستطيع التنفس. نفس المنطق يخترق شكل الماء (2017)، هذا العمل الرائع حيث مخلوق مائي، سجين في مختبر عسكري، يتعرض للتعذيب باسم العلم، يثبت أنه قادر على الحب بحب أنقى وأكمل وأكثر مطلقية من البشر الذين يشرحونه. هنا أيضاً، الوحش الحقيقي ليس ما يعرض في الحوض: إنه العالم بلا تعاطف، أمريكا البارانويا في الحرب الباردة، الحالة الطبيعية المهووسة بالمظهر والامتثال والسيطرة. هذا الفيلم هو في الأساس بيان من ديل تورو، حسب رأيه أن الإنسانية لا تكمن في الإنسان، بل في القدرة على الحب. الحب هو المحرك الوحيد للبقاء، كما قال ليونارد كوهين في أغنيته عن المستقبل الوحشي الذي توقعه في أوائل التسعينيات، مع نهاية الاستقطاب الثنائي. لكن الحب، في كثير من الأحيان، الإنسان عاجز عنه. هذا ما يجعله وحشاً. الوحش، من جهته، في ديناميكية معاكسة، يقبل أصعب درس تعليمي، وأيضاً الأجمل – تعلم الحب. يتم حمل هذا الموضوع إلى درجة الاحتراق في فرانكنشتاين ، مشروع ديل تورو الحلم منذ ثلاثين سنة، والذي وجد أخيراً شكله. هذا سرد الأصل للعديد من الوحوش: المخلوق الذي لم يطلب أبداً أن يأتي إلى العالم، الذي ولد من نزوة خالق نرجسي، من أب تاه في غرور القوة، من رجل يريد سرقة سر الحياة من الله دون تحمل المسؤولية الأخلاقية. فرانكنشتاين هو المدان المطلق: ذلك الذي لا مكان له ولا هوية ولا لغة. ذلك الذي رغبته الوحيدة هي الحب وأن يكون محبوباً. أنا وحيد، يقول في رواية ماري شيلي. فرانكنشتاين ليس غير هذا الوحش الموجود في كل واحد منا، الذي يبحث عن الحب، ليتمكن أخيراً من الوصول بشكل كامل إلى الاختلاف والارتباط والإنسانية. لكن، مع ذلك، العالم يكتفي بتسميته وحشاً، بغض النظر عن الحقائق وأحلامه وإرادته وقلبه. إنه محكوم بالرفض، دون استئناف. لكن ديل تورو ينقلب هنا على التقليد السينمائي بأكمله. كان جيمس وايل العظيم قد أعطى الوحش بالفعل بعداً مأساوياً، شبه مسيحي، في الأفلام الأولى حول هذه الشخصية التي أُحضرت إلى الشاشة الكبيرة – فرانكنشتاين (1931)، ثم عروس فرانكنشتاين (1935) الرائعة، قبل أن تصبح الشخصية عنصراً أساسياً في أفلام الرعب من شركة هامر؛ تمت محاكاتها بذكاء من قبل ميل بروكس ( يونغ فرانكنشتاين ، 1974) أو تم تمثيلها بشكل سيء من قبل كينيث برانا في 1994، مع خطأ فادح في الاختيار – دي نيرو في الدور الرئيسي! لكن ديل تورو يبتكر: يقدم منظور الوحش وذاتيته وصرخته المكبوتة. يعطيه صوتاً أخيراً. المخلوق يصبح مرآة – مرآة يرفض الإنسان أن ينظر إليها. لأنه سيرى فيها الحقيقة – أن الوحش، هو هو. هذا اللحن الأساسي موجود في كل مكان عند ديل تورو. في هيلبوي (2004)، حيث المسار الحتمي لطفل الشيطان هو قيادة العالم إلى دماره، لكنه يختار التمرد ضد قدره البيولوجي – وفتح حريته. في زقاق الكوابيس (2021)، حيث الوحش ليس وحش المعرض، بل الرجل الذي ينجرف في وهم القوة المطلقة ويشوه نفسه نفسياً حتى يصبح ما كان يعتقد أنه يهيمن عليه: الوحش. في حافة المحيط (2013)، المخلوقات الضخمة القادمة من الشقوق السحيقة ليست هي التي تكون وحشية، بل الغرور التكنولوجي لعالم يعتقد أنه يمكنه السيطرة على كل شيء. حتى بينوكيو (2022)، عند ديل تورو، لا يهرب من هذا القانون. كما في الذكاء الاصطناعي لستيفن سبيلبرغ، طفل الخشب أكثر إنسانية من البالغين من حوله. الأب، من ناحية أخرى، أسير حزنه – مجروح لكنه متسلط – والمجتمع الفاشي يستخدم الطفل كلحم مدفع. يبقى عمود الشيطان (2001)، فيلم طيفي ومحطم القلب، حيث شبح طفل تم اغتياله يأتي ليطارد ملجأ للأيتام أثناء الحرب الأهلية الإسبانية. الشبح ليس طيفاً من الرعب، بل حارس الذاكرة، صوت العدالة ضد الوحشية: البراءة المقتولة حرفياً. الشبح هنا شاهد. إنه لا يشكل تهديداً. وسواس ديل تورو واضح: الوحش هو عرض من أعراض العنف الإنساني. وإذا جاء إلى العالم، فلأن طاغية أو عالماً أو جندياً أو أباً – قد خلقه. من المستحيل عدم قراءة هذا العمل في ضوء التحليل النفسي، في الواقع ما يصوره ديل تورو ليس سوى الابن المرفوض، الابن المضحى به، الطفل المستحيل، المحكوم بسوء الفهم الدائم. نفكر بالطبع في لاكان وقمع اسم الأب. إنها شخصية الطفل بلا مكان، المسحوق بالقانون الأبوي القاتل، ذلك الذي لا يعرف الحب بل فقط الأداء أو الانضباط أو الإرث. من الصعب أيضاً عدم التفكير في كهف أفلاطون. يجرؤ المخلوق على الخروج من الظلال للبحث عن الإنسانية، لكن أولئك الذين ينظرون إليه يقتلونه. ديل تورو في السينما الخيالية، لكنه مرتبط عميقاً بعصره وبالواقع. يخبرنا، بصوره الرائعة، الرعب الذي نعيش فيه يومياً – كما لو أنه لا يسلمنا أقل من تأمل مأساوي في عصرنا. أكثر من أي وقت مضى، العالم مليء بمصنعي ومهربي الوحوش: الشعبويون والفاشيون ومهندسو الخوف والعلماء بلا أخلاق والغنوصيون من جميع الأنواع والدعايتيون الذين يحولون الشعوب إلى آلات كراهية. الوحش، الآن، حتى لا يحتاج إلى أن ينشأ في المختبر: يتم تصنيعه من خلال الخطاب والتلاعب والشبكات الاجتماعية والهويات المغلقة والاستياء والخيال التطهري. حتى بشكل مصطنع، الآن، وكالعادة مع موافقتنا وتشريعنا ومشاركتنا. من الغريب أن الموضوع نفسه يبدو أنه يتطور في الموسم الأخير من مسلسل أشياء غريبة … جيليرمو ديل تورو هو، بهذا المعنى، أكثر بكثير من كونه مخرجاً، وهو مفكر سياسي ونبي مظلم، مشابه لما كان يعلنه كوهين بالفعل في المستقبل عام 1990، وهو أن الإنسانية في خطر. لكن ليس بسبب الوحوش، بل بسبب أولئك الذين يعيشون من احتياج صنع الوحوش بالكراهية والعنف والإذلال والاستبعاد. ديل تورو يهمس لنا حقيقة عاجلة: حان الوقت لمشاهدة الوحوش في العيون. أي أن نجري على أنفسنا فحص الضمير، قبل فوات الأوان، لخوض أهم معركة في داخلنا: آخر فرصة لنا لنظل بشراً. حتى لا ننتهي جميعاً، مثل الصغيرة أوفيليا من متاهة بان .

لاون الرابع عشر يجعل من الوحدة المسيحية فعل ايمان

شكّلت مدينة إزنيك (نيقية القديمة) محطةً بارزة في زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى تركيا، حيث اجتمع كبار رجال الدين الأرثوذكس والبروتستانت في صلاة مهيبة عند أنقاض كاتدرائية غارقة تعود إلى القرن الرابع الميلادي. القداس الذي أُقيم على ضفاف بحيرة إزنيك خُصِّص للاحتفال بالذكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية المسكوني، أحد أهم الأحداث التأسيسية في تاريخ الإيمان المسيحي منذ عام 325 ميلاديًا، والذي اعترفت به الإمبراطورية الرومانية بعد ذلك باثني عشر عامًا. خلال المراسم، تلا الأساقفة فعل الإيمان النيقاوي – النص الذي لا يزال ملايين المسيحيين حول العالم يستخدمونه في صلواتهم – وسط أجواء رمزية أثارت مشاعر الوحدة والانتماء. وفي كلمته، شدّد البابا ليو الرابع عشر على "السعي إلى الأخوّة"، مضيفًا بالإنجليزية: "جميعنا مدعوون إلى تجاوز فضيحة الانقسامات التي لا تزال قائمة، وتعزيز الرغبة في الوحدة." الاحتفال، الذي تخلّلته صلوات بعدة لغات وتراتيل بيزنطية وأخرى إنجيلية دون مصاحبة موسيقية، ترأسه البطريرك برثلماوس الأول، بطريرك القسطنطينية، أبرز شخصيات العالم الأرثوذكسي. لا لاستخدام الدين "لتبريرالعنف" وشهدت المناسبة حضور ممثلين عن كنائس قبطية ويونانية وأرمنية وسريانية وأنجليكانية، دعاهم البطريرك إلى "اتّباع طريق الوحدة المسيحية" رغم الانقسامات التاريخية. كما دعا البابا إلى "رفض استخدام الدين لتبرير الحرب والعنف"، مشددًا على نبذ جميع أشكال الأصولية والتعصب، دون أن يذكر زعماء دينيين بالاسم. كنيسة غارقة تروي بدايات الإيمان تُعتبر كنيسة إزنيك الغارقة، التي تقع على عمق مترين تحت الماء وعلى بُعد خمسين مترًا من الشاطئ، من أبرز الاكتشافات الأثرية المسيحية في تركيا. كان عالم الآثار مصطفى شاهين، رئيس قسم الآثار في جامعة أولوداغ بمدينة بورصة، قد اكتشفها عام 2014 عبر صور جوية. ويقول: "أدركتُ فورًا أننا أمام كنيسة مجهولة، مغمورة منذ قرون". الكنيسة الحالية، المعروفة باسم كنيسة الآباء القديسين، شُيّدت عام 380 ميلاديًا في الموقع نفسه الذي استُشهِد فيه شاب في السادسة عشرة من عمره يُدعى نيوفيتوس عام 303 ميلاديًا، بعد أن جُلِد ورُجم وقُطع رأسه لرفضه عبادة الأصنام، وفق ما يوضحه المتحف الصغير المقام إلى جوار الموقع. كنيسة الشهداء الكنيسة الأولى التي بُنيت تكريمًا لنيوفيطوس كانت قد احتضنت مجمع نيقية المسكوني عام 325، قبل أن يُدمّرها زلزال عنيف عام 358. وعلى أنقاضها، شُيّدت كنيسة الآباء القديسين تكريمًا للأساقفة الـ318 الذين صاغوا قانون الإيمان النيقاوي بعد نقاشات استمرت شهرين. خلال أعمال التنقيب الأخيرة، عُثر على رفات مئات الشهداء، بينهم 11 طفلًا دُفنوا في قبور صغيرة من البلاط. يقول البروفيسور شاهين: "اكتشفنا نحو 300 قبر، ونبشنا حتى الآن 27 منها فقط. ووجدنا آثار تعذيب واضحة – عظام وأطراف مكسورة وجماجم مثقوبة – ما يدل على أن المدفونين هنا أُعدموا بسبب إيمانهم." العظام التي استُخرجت خضعت لتحليل دقيق من قِبل علماء الأنثروبولوجيا قبل أن تُعاد إلى مثواها الأخير في ما يُعرف اليوم بـ مقبرة الشهداء. يرى شاهين أن تركيا تحتل مكانة محورية على خريطة المسيحية، إذ تضم عددًا كبيرًا من المواقع المقدسة المحفوظة التي تعود إلى القرون الأولى. ويقول: "ظهرت المسيحية حول القدس، لكن لولا الأناضول لما استمرت وانتشرت كما نعرفها اليوم." ويُشير إلى أن رسائل الرسول بولس، المدرجة في العهد الجديد، كُتبت خلال رحلاته عبر مدن الأناضول القديمة، مؤكدًا أن "أرض تركيا هي ذاكرة المسيحية الأولى".

المشرق في خضم الاضطرابات: سلام صعب المنال (١/٣)

بلغ المشرق بلا شك نقطة تحول حاسمة في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، مع الهجوم الدموي الذي شنّه حماس على الأراضي الإسرائيلية من قطاع غزة. أدت ظروف وتداعيات هذه الهجمة السريعة والدامية إلى ما يشبه الزلزال، وقد ظهر أثره بوضوح على غزة وإسرائيل، كما امتد إلى مراكز أخرى في المشرق، لا سيما لبنان وسوريا، وعلى نحو موسع، إلى إ يران واليمن. أعادت التداعيات الكارثية للهجوم الذي شنّه حماس على غزة وسكانها إلى الواجهة كامل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. كان البعض يأمل أن يشكّل منعطف ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ مدخلاً لحل الصراع القديم في الشرق الأوسط، الذي يعصف بالمنطقة منذ أكثر من سبعة عقود. إلا أن الواقع الحالي يشير إلى بعد هذا الهدف، على الأقل في الظاهر . ومن المؤسف أن السلطة الفلسطينية لم تتمكن ‏بعد من استعادة المبادرة وبدء حوار سريع وواعد مع الإسرائيليين. في الجانب المقابل، من المشروع التساؤل عما إذا كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مستعدًا لاستشراف وقبول نهاية هذه الصراعات الإقليمية المتكررة، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة بداية مشاكله القضائية. ليس من المؤكد أن لديه الإرادة الحقيقية للقيام بذلك. بعد النصر العسكري، هل يتصور هزيمته في ميدان التواصل؟ يبدو أن الإجابة لا. صحيح أنه طالما أعلن الفلسطينيون صراحة أن هدفهم هو زوال الدولة العبرية، سيواصل بنيامين نتنياهو وحلفاؤه تحقيق أهدافهم القاتلة. فلا نخدع أنفسنا: هناك من جهة شعب يعاني ويموت – ولكن من انتخب حماس؟ – ومن جهة أخرى أمة ودولة أعداؤها لا يريدون مجرد هزيمة بلا شروط، كما حدث مع ألمانيا عام ١٩٤٥، بل الزوال التام. لم يعد الأمر يتعلق بالانتقام من ‏أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ التي لا تُحتمل. الأمر أصبح مسألة بقاء. ومع ذلك، لا تزال هناك بارقة أمل تظهر في الأفق. أصوات بارزة تُسمع داخل إسرائيل نفسها للمطالبة بوقف المجزرة في غزة، مدركة أن إسرائيل، التي وُلدت من لا إنسانية، لا يمكن أن تستمر في هذا النهج ، وأن الرأي العام العالمي قد يتغير في أي لحظة، وقد يتخلى عن الدولة العبرية. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن للرأي العام أن يغير مساره بسرعة وبشكل لا رجعة فيه. يظهر التاريخ المعاصر مدى استحالة الاستمرار في قتال يفتقر إلى الدعم المعنوي من الشعب ومن جميع الحلفاء في تلك المرحلة . والأمثلة في هذا السياق بالغة الدلالة: ففرنسا في الهند الصينية لم تحظِ بدعم كامل من الشعب الفرنسي وبعض الدول الرئيسية، ‏ولاحقًا، في الجزائر لم تحظِ بالدعم الكامل من شعبها ومن العديد من الدول الأخرى؛ كما اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التخلي عن السلطة في جنوب فيتنام، ولاحقًا انسحبت من أفغانستان بطريقة مذلّة لها وللبلدان التي دعمتها منذ البداية، ‏ ‏على مدى عشر سنوات. وقد انسحبت بعد أن تركت وراءها العديد من القتلى. يجب على بنيامين نتنياهو أن يدرك أن الظروف مؤاتية لإعادة النظر في منهجيته بشكل جذري. لا شيء أسوأ من عدم ‏الحوار أو عدم الرغبة في الحوار مع أعدائه. وربما يكون ذلك أسوأ له ولإسرائيل من مواجهة عدالة بلاده. ومع ذلك، سيواجهها، وإذا استمر على هذا ‏النهج، لن يكون قادرًا على الادعاء بأنه يتمتع بمكانة رجل دولة أنقذ بلاده. ألمانيا حتى أبريل ١٩٤٥، واليابان حتى يوليو ١٩٤٥، ودول أخرى في ظروف مختلفة، رفضت التفاوض مع أعدائها. وحتى اليوم، لا تحاول العديد من الدول التفاوض مع خصومها، مما يؤدي إلى مقتل المدنيين يوميًا، ويزيد من حدة الضغائن والكراهية. بالمقابل، تظهر الأزمة الشهيرة المعروفة بأزمة صواريخ كوبا أن الحوار يمكن أن يمنع مواجهات غير ضرورية وكارثية. وبالطبع، حدثت في بعض الحالات مفاوضات وتنازلات، ولكن أليس ذلك ثمنًا زهيدًا مقابل السلام؟ على إسرائيل أن تتصرف كدولة طبيعية، حتى لو شعرت أنها محاصرة ومهددة. فدولة إسرائيل ‏التي تحترم جيرانها ستحظى بدعم كبير في الشرق الأدنى والشرق الأوسط، وكذلك في العالم الغربي وما وراءه، لا تواجه خطر الانقراض على يد حماس، التي إن لم تكن على وشك الموت، فه ي على الأقل ضعيفة جدًا. ومن الواضح أن اعتماد مثل هذا النهج يجب ‏أن يكون دون سذاجة، مع الحرص الشديد على منع استفاقة " الهيدرا" مرة أخرى. المقال التالي: المشرق في خضم الاضطرابات: آفاق لبنانية وسورية

بعد عمادة الوطن – الرسالة... مناولة السلام

أول رحلة رسولية للبابا لاون الرابع عشر خارج إيطاليا ستكون إلى لبنان، الوطن – الرسالة، كما عمّده سلفه القديس يوحنا بولس الثاني. و"طوبى لفاعلي السلام" شعار الزيارة الذي ينسلّ كشعاع النور إلى روزنامة لبنان المثخنة بالحروب. كلمات ثلاثة تفرض إيقاعها المفصلي على مسلسل الأحداث والتاريخ، كما على برنامج الزيارة الحافلة باللقاءات الرسمية والمسكونية، بالإضافة إلى القداس الإلهي في الواجهة البحرية لبيروت. فهل يحتاج لبنان لمناولة السلام؟ لبنان مجتمع مركّب، غني بتنوعه ومتعدّد الطوائف. وعليه، فإن العقد الاجتماعي المتآلف مع الصيغة اللبنانية والضامن لوحدتها يقوم على اعتماد مبدأ الحياد المنصوص عنه في القانون الدولي العام، كخيار ضروري يمنع الاستقطابات الحادة التي تقسم المجتمع. والحياد بصفته الايجابية ليس انغلاقًا على الذات بل يتطلّب النشاط في القضايا الإقليمية والدولية دون الاصطفافات التي تؤدي إلى الانحياز. فتُبنى على سبيل المثال سياسات اقتصادية مستقلة. وتتعزز الدبلوماسية المعروفة بالوقائية. وبالنتيجة، يتم الفصل بين المكونات الطائفية اللبنانية والمحاور الإقليمية والدولية. إن حالة حزب الله مناقضة لتركيبة المجتمع اللبناني وخصوصيته. فحزب الله قام على احتكار المقاومة بوصفها مقاومة إسلامية، وربَطَها بإيران وبتصدير الثورة، وانتزع الشيعة من مجتمعهم ووطنهم وجعلهم ملحقين بالنفوذ العابر للحدود لولاية الفقيه. ودفع حزب الله الشيعة واللبنانيين إلى الحرب الدائمة بلا أي أفق ولا هدف. المقاومة للمقاومة! والسلاح لحماية السلاح! فانسحبت إسرائيل عام 2000 وبقي سلاح حزب الله زينة الاستتباع للنفوذ الإيراني وأجندته. فحارب في سوريا واليمن، وهدّد الأمن القومي العربي في السعودية والكويت ومصر. ما جعل لبنان في عزلة قاتلة. ثم عاد واستجلب الاحتلال بعد تحرير والدمار بعد إعمار إلى الجنوب والبقاع وبيروت وضاحيتها... التغيرات القاصمة في المشهد الجيوسياسي الذي أعقب عملية "طوفان الأقصى" وأسفر عن تقليم أدوار الأذرع العسكرية للنظام الإسلامي في إيران، وتقهقر نفوذه، وإضعاف مشروعه، وانكفاء ولاية الفقيه المتمدّدة حتى المتوسط على الساحل السوري مع سقوط نظام بشار الأسد، والهزيمة العسكرية التي حلّت بحزب الله في لبنان بعد انخراطه في المواجهات تحت عنوان "مشاغلة إسرائيل" ثم "إسناد غزّة" في إطار المشروع الإيراني المعروف بـ "وحدة الساحات"... كلّ ذلك ساهم بالوصول إلى لحظة الحقيقة. والحقيقة هي أن مصائب حزب الله عند المجتمع اللبناني ككلّ، فوائد للدولة تستعيد من خلالها ما ضاع وفات. واستعادة الدولة أدوارها في الدفاع والأمن والاقتصاد والمجتمع، لها متمّمات وشروط، تحت مظلّة مشروع الحياد للبنان والسلام مع كلّ جيرانه. فتأتي زيارة الحبر الأعظم في هذا الوقت بالذات، لطرح فعل السلام النابع من القيم المسيحية بأرقى تجلّياتها الإنسانية السمحاء، لكلّ إنسان ولكل الإنسان، على مشارف مرحلة جديدة وفي لحظة إقليمية ودولية مؤاتية من أجل لبنان الوطن – الرسالة. إن السلام المنشود ليس خطرًا على الهوية الوطنية اللبنانية ولا على الأمن القومي للبنان، وإقرار السلام يخفّف من خروقات حكم القانون والقاعدة الحقوقية... ففي مجتمع متعدد الأديان كلبنان، الهوية الجامعة لعناصر وحدة الشعب هي بالضرورة هوية مركبة حيث لا ثقافة نهائية ولا ثقافة طاغية، بل تثاقف مستمرّ وإرادة العيش معًا. مجرّد توافر هذه الإرادة، يعني إمكانية بروز هذه الهوية. والعيش معًا لا يعني فرض جماعة نمط عيشها على الجماعات الأخرى ولا يعني تنشئة موجهة للأفراد. والسلام يطرح نشوء ديبلوماسية الأمن القومي. والأمن القومي يحصّن المؤسسات الأمنية الشرعية من جيش وقوى أمن وشرطة. فلا تستوي الميليشيا ونظام الأمن الموازي مع الدولة وحقها الحصري في احتكار السلاح. ولا تقتصر استراتيجية الأمن القومي على دور السلاح ووظيفته، إذ ليس بالسلاح وحده نحمي لبنان. فلبنان الوطن – الرسالة ليس اسبرطة! وطوائفه، بما فيها الطائفة الشيعية، ليست طائفة عسكر ومقاتلين وشهداء! السلام القائم على اعتبارات الأمن القومي يعني وجوب تنمية الإقتصاد الوطني أيضًا كجزء من منظومة الأمن المتكامل لضمان الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي وعناصر وحدة المجتمع عبر تحقيق الإنماء المتوازن. ويقوم النظام السياسي بتعزيز مفهوم المواطنة بدلاً من تعطيل النظام أو الانقلاب عليه نتيجة غلبة طائفية. وتطرح ديبلوماسية الأمن القومي، تعزيز علاقات لبنان الدولية كلّها وليس فقط مع جيرانه، وترميم ما انقطع منها مع محيطه والعالم عبر سياسة تحمي المصلحة الوطنية العليا للبنان. وكيف يعزّز السلام بشكل تلقائي آليات حكم القانون وتمكين القضاء؟ في زمن السلام المنشود، لا حاجة لاستمرار نقل السلاح وتخزينه، والتبرير للتعبئة العقائدية وللاقتصاد الموازي الذي يستقطب العقوبات. إن حياة لبنان الوطن – الرسالة معقودة على مشروع حياد لبنان وتبنّي خيار السلام. فأهلاً بقدس الحبر الأعظم وطوبى لفاعلي السلام وليقرّ المجلس النيابي مبدأ حياد لبنان في مقدّمة الدستور وليتمّ العمل الحثيث على إعلانه دوليًّا ولينخرط لبنان في مفاوضات السلام مع إسرائيل تحقيقًا للمصلحة الوطنية للبنان ولأمنه و... لرسالته التي يكتسب معنى وجوده منها.

لاون الرابع عشر والاستثناء اللبناني

لكم شكّل الكاثوليك الشرقيّون مصدر قلق، بل وإزعاج، للسلطة الرومانية! فلو أنّهم غابوا عن مشهد المشرق العربي، لكانت العلاقات الدبلوماسية بين روما والدول الإسلامية أكثر دماثة. لكن الأمور لم تكن يومًا سهلة بالنسبة لدبلوماسية الفاتيكان في الحوض المتوسّط التي شكّل لها المجتمع الماروني صداعًا مزمنًا. فمنذ وقت مبكر، أثبت الموارنة وجودهم السياسي ككيان مستقلّ يرتكز إلى كتلة جبلية منفتحة على البحر، وسرعان ما طالبوا باحترام خصوصياتهم. وهذا ما ميّزهم عن سائر الطوائف المسيحية في سوريا والعراق، تلك التي ارتضت قاعدة الأكثرية ولم تنتج سوى أفراد مسالمين ومواطنين يُشهد لهم بالانضباط. لن نسجد للبعل مصدر قلق وإزعاج، نعم، لكنّه أيضًا مصدر فخر. فلنستمع إلى ما كتبه البابا بيوس إلى البطريرك الماروني موسى سعادة العكّاري في الرابع من ايلول 1562.. “نهنّئك أنت وأمّتك من صميم القلب، ونشكر الرحمة الإلهية التي أبقت في هذه الأصقاع البعيدة آلاف الرجال الذين لم يحنوا الركبة للبعل”. وما ورد في تلك الرسالة البابوية قبل نحو خمسة قرون لا يزال مطابقاً لحالة اليوم. لم يركع بطريرك الموارنة، لا هو و لا قطيعه، يومًا أمام بعل دمشق، أكان حافظ الأب أم بشارالإبن غير أنّ هذه المقاومة كلّفت هؤلاء الكاثوليك الشرقيين غاليًا إذ تحمّلوا سنوات طويلة من بطش الجيش السوري المحتلّ وأجهزة مخابراته. ويبقى السؤال: إلى متى يستطيع المسيحيون اللبنانيون، على اختلاف طوائفهم، الحفاظ على مشروعهم المنادي بالإستقلال الوطني وباللّيبرالية الثقافية وبالحريات الفردية، وهم الذين التحقوا بــ «مدرسة الغرب» قبل كثير من مواطنيهم المسلمين. تقلّص الوجود إذا كان البابا لاون الرابع عشر يزور تركيا ولبنان بصفته راعيًا للشعب المسيحي، فحريٌّ به أن يتذكّر أنّ 20% من سكّان آسيا الصغرى وبلاد الشام كانوا من النصارى عشية الحرب العالمية الأولى. أما اليوم فلم يبقَ في الجمهورية التركية سوى مئة ألف مسيحي، أي أقل من 0.5% من السكان. أما في سوريا، فقد تراجع عدد «قوم عيسى» من ملاوني نسمة قبل الحرب الأهلية، إلى نحو 500 ألف و ما دون. أمّا في العراق، فلا يتجاوز عددهم 300 ألف بعدما كانوا ملاونا ونيّف قبل الغزو الأميركي! ناهيك عن لبنان، حيث توقّف التعداد منذ إعلان الرئيس الحريري. من أين يأتي الخلاص؟ يا مسيحيي الشرق، أنتم تعيشون حالة حصار في صقاع لم تعد سوى الحديقة الخلفية للديار المسيحية. فمن يكون المنقذ ؟ ومن أين قد تأتي النجدة، بعدما تراجعتم في تركيا، وتآكل وجودكم في سوريا والعراق؟ في عام 1994، طرح جان-بيار فالون سؤالًا جوهريًا: هل سيبقى مسيحيون في الشرق في الألفية الثالثة؟ ثم تابع قائلًا: “من دون قاعدة لبنان، حيث كانوا يسيرون ورؤوسهم مرفوعة، لن يكون أمامهم سوى التكيّف مع القيم السائدة، والتخلي عن هويتهم المسيحية للبقاء على قيد الحياة.” أن يستمّر المسيحيون مرفوعي الرأس يعني أن يحافظوا على كرامة الإنسان وأن يكونوا أحراراً من كل تبعية دينية أو سياسية. ومهما قال بعض دبلوماسيي الفاتيكان، المفتونين بالحوار بين الأديان وبالقيود الذهنية، فرفض السجود لا يكون فقط بوجه «بعل دمشق» ، بل أيضاً بوجه «بعل طهران» وكل بعل ينصّب نفسه طاغية بالقهر والقمع على العباد.

البابا في لبنان: بلا سلام.. لن يبقى "لبنان الرسالة"

يحمل البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان عنواناً لافتاً لزيارته المرتقبة: "طوبى لصانعي السلام". وهو عنوان ذو بُعد ديني جامع تتقاطع عنده الديانات التوحيدية، لكنه في جوهره رسالة سياسية صريحة من الفاتيكان إلى بلد استنزفته الحروب والصراعات لعقود طويلة، وحان الوقت لأن ينتقل من أنفاق العنف إلى فضاء السلام. أولاً: دعم الوجود المسيحي وترسيخ دوره الوطني تأتي هذه الرسالة من متابعة دقيقة للكرسي الرسولي لما عاشه ويعيشه لبنان، ولا سيما المسيحيون فيه. فالفاتيكان ينظر إلى لبنان باعتباره المختبر الأكثر حساسية في الشرق للتعايش بين الإسلام والمسيحية، ولإمكان أن يكون نموذجاً لما وصفه يوحنا بولس الثاني قبل ثلاثة عقود بـ"لبنان الرسالة". وفي هذا السياق، تحمل الزيارة دعماً واضحاً للوجود المسيحي في لبنان، وتثبيتاً للدور المرجعي الذي تلعبه الفاتيكان في احتضان هذا المكوّن وإسناده دولياً. فالمسيحيون في لبنان ليسوا أقلية معزولة، بل جزء من منظومة روحية وسياسية تمتدّ من الشرق إلى الغرب، وهذه الزيارة تعيد التأكيد على أن دورهم غير قابل للتهميش في الدولة اللبنانية. لكن الرسالة البابوية لا تقف عند حدود الطمأنة، بل تتضمّن دعوة داخلية: الخروج من العصبية الطائفية إلى المشروع الوطني. فالمسيحيون، كما تُفهم الرسالة، ليسوا "جماعة" بل حاملين لرسالة إنسانية جامعة داخل هذا الوطن. ثانياً: رسالة إلى إيران… وإلى العالم النداء البابوي للسلام ليس مجرّد دعوة أخلاقية، بل موقف سياسي مُعلن. فالفاتيكان يوجّه عبر بيروت رسالة واضحة لإيران: لا يمكن للبنان أن يستمرّ إذا بقي ساحة صراعات وحروب وعمليات تصفية حسابات إقليمية ودولية. وجملة "طوبى لصانعي السلام" هنا ليست تعبيراً لاهوتياً فقط، بل رفضٌ مُقنّع لمنطق السلاح والعنف، وتأكيد أن الحلول الدبلوماسية والسياسية هي الطريق الوحيد لإنقاذ لبنان من دوامة الانهيارات. ثالثاً: "لبنان الرسالة" بين الأمس واليوم عام 1997، حمل يوحنا بولس الثاني إلى لبنان وثيقة تاريخية بعنوان "لبنان الرسالة"، وكانت موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اللبناني، لترسيخ فكرة العيش المشترك والدور الريادي للدولة. أما اليوم، فتأتي رسالة البابا لاوون الرابع عشر لتشكّل امتداداً خارجياً لتلك الوثيقة. فلا يمكن للبنان أن يكون "رسالة" ما لم يستعِد سلامه، وينأى بنفسه عن صراعات الإقليم، ويستعيد علاقاته الطبيعية مع محيطه والعالم، وحتى مع خصومه. فالسلام ليس خياراً أخلاقياً فقط، بل شرط وجود للبنان الدولة: دولة قادرة على بناء اقتصاد، وترتيب أولوياتها، وفرض سيادتها على أرضها. السلام هو السبيل إلى "الرسالة" زيارة البابا ليست حدثاً بروتوكولياً، بل تدخل سياسي رفيع المستوى يعيد تذكير اللبنانيين بأن دولتهم يمكن أن تنهض فقط إذا خرجت من محاور الحرب، واستعادت حيادها، وقرّرت أن تكون عنصر سلام لا ساحة صراع. فلبنان الرسالة لا يولد إلا من لبنان السلام.

/