شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله في 7 أكتوبر 2026، مقاتلًا تابعًا للسلطات الحوثية يطلق النار من رشاش أثناء تقدم ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، في محافظة تعز، بحسب وسائل الإعلام الحوثية. (عبر وكالة فرانس برس)
دراسة
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر أكتوبر 10, 2026 - 10:23
I. الملخص التنفيذي أدّى انهيار هدنة عام 2022 إلى تحوّل الصراع اليمني إلى حرب تقليدية عالية الحدة. وتهدف «عملية فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المتحالفة معها بدعم من الرياض، إلى كسر التهديد الحوثي المزدوج، إذ تشكل الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خطراً على الممر البحري لباب المندب والبحر الأحمر، وعلى المنشآت النفطية داخل اليمن نفسه، ولا سيما في مأرب، وفي المملكة العربية السعودية. بات هذا الصراع يتمحور حول ثلاث ديناميات رئيسية: تأمين الجناح الغربي (الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر)، وخنق المراكز الحضرية (تعز)، والتدويل المباشر للصراع عبر تفعيل تحالفات عسكرية مع أطراف ثالثة (تركيا وباكستان). II. تحليل المسرح العسكري الساحلي والمشهد الطبوغرافي تستند استراتيجية التحالف إلى نهج منهجي لاستعادة السيطرة على الممرات المائية الدولية وإحكام تأمينها. ويتمثل ذلك في تأمين مضيق باب المندب ومدينة المخا المينائية. وقد أمّنت القوات المشتركة الموالية للحكومة، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، بالفعل مطار ذباب العسكري جنوب المخا، بما يتيح إمكانية فتح خط إمداد جوي، كما أمّنت مدينة المخا نفسها. الهدف المباشر هو حرمان الحوثيين من قواعد لإطلاق المسيّرات البحرية السطحية، أو ما يُعرف عسكرياً بالأجهزة المتفجرة البحرية المرتجلة (IMED)، ومن الألغام البحرية. وقد استُخدمت هذه الأجهزة سابقاً بصورة مدمرة في أوكرانيا وأغرقت سفناً بارزة في البحرية الروسية، كما استخدمها الأميركيون في إيران ضد الموانئ الإيرانية التي تؤوي الزوارق السريعة التابعة للجمهورية الإسلامية. يتخذ المشهد الطبوغرافي الشكل الآتي: محافظة تعز ساحلية وجبلية. تقع في جنوب غرب اليمن، وتضم مدينتي ذباب، التي يرتبط اسمها بباب المندب، والمخا. وتضم المحافظة قمماً عديدة، يشرف بعضها على السهل الساحلي الممتد من باب المندب إلى الحديدة، وهو ميناء بحري مهم لا يزال بيد الحوثيين، مروراً بذباب والمخا. وتكتسب المرتفعات المسيطرة في هذه المحافظة، ولا سيما مرتفعات حيفان وكهبوب، أهمية اليوم لأنها لا تشرف فقط على السهل الساحلي الغربي لليمن، بل أيضاً على خطوط إمداد القوات الحكومية الممتدة من عدن إلى باب المندب. عزّزت القوات الحكومية مواقعها في جبال المنظرة والعشاري وذيبان في قطاع حيفان، على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1500 متر وعلى مسافة 50 إلى 60 كيلومتراً من الساحل، كما سيطرت خصوصاً على سلسلة جبل كهبوب الاستراتيجية، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من الساحل. وهذا يعني أن نشر مدفعية بعيدة المدى أو صواريخ تقليدية على هذا الجبل يجعل الساحل الشرقي ضمن مدى النيران، ما يصعّب على الحوثيين شن هجمات مضادة. فضلاً عن ذلك، فإن السيطرة على هذه القمم وعلى جبل زَلات، منذ 22 سبتمبر، تحرم الحوثيين من السيطرة النارية البصرية على الطريق الساحلي. كما تؤمّن الجناح الشرقي للمحور اللوجستي للتحالف، وهو شرط لا غنى عنه لمواصلة العمليات على المحور الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشمال باتجاه الحديدة. أحد مقاتلي الحوثيين في مرتفعات تعز. يمكن وضع كل ما سبق في إطار التحضير لتشكيل قتالي هجومي ضد الحديدة. وهذا مطلب جيوسياسي تتقاطع بشأنه مصالح متعددة، ولا سيما مصالح أميركية وأوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية. إن وجود ساحل شرقي للبحر الأحمر يضم ميناءً خاضعاً لسيطرة الحوثيين يشكّل ورقة بيد طهران ينبغي انتزاعها. وستكون العملية في الحديدة مكلفة، إذ يعزز الحوثيون دفاعاتهم جنوب المدينة وفي سهل تهامة المحيط بها، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى إصدار تحذير بإجلاء المدنيين. تنفذ القوات الموالية للحكومة مناورة كماشة انطلاقاً من عقد طرق، ولا سيما في حيس والخوخة. وقد قصفت البحرية السعودية بالفعل ميناء المدينة لتدمير مخزونات الألغام والطائرات المسيّرة البحرية. ومن المرجح أن تحظى القوات الموالية بدعم من الطيران السعودي، الأقوى في المنطقة، ولا سيما من الدعم الاستخباراتي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التي توفر معلومات استخباراتية تكتيكية في الوقت الفعلي. يجري إذن التحضير للهجوم على ميناء الحديدة. فأي تأخير في عملية الحديدة أو إلغاؤها سيمنح الحوثيين الوقت لإقامة منظومة دفاعية قتالية متينة، ويتيح لهم فرصة ضرب أهداف رخوة في عدن والسعودية، ولا سيما المطارات والمنشآت النفطية ومحطات تحلية مياه البحر. III. تأمين الداخل والمأزق الاستراتيجي: تعز ومأرب إذا تقدمت قوات التحالف على الساحل، فمن المؤكد أن الجبهات الداخلية ستتعرض لضغط هائل. تدافع عن مدينة تعز ما بين 15,000 و20,000 جندي من الجيش اليمني النظامي (الألوية 22 و17 و35)، تدعمهم مقاومة محلية وتعزيزات خارجية (درع الوطن والعمالقة). ويتمركزون بقوة في مرتفعات حضرية حول المدينة، ويبدون مقاومة شرسة للحوثيين. تمتلك هذه القوات مدفعية خفيفة وأنظمة حديثة مضادة للطائرات المسيّرة، كما أن قدرتها الدفاعية في القتال الحضري ممتازة. وتتعرض المدينة منذ بضعة أيام لحصار عملياتي كامل. وقد قطعت القوات الحوثية طريق هيجة العبد، وهو ممر جبلي يربطها بعدن، ما أدى إلى قطع شريان الإمداد بالكامل. يتلقى الحوثيون الذين يحاصرون المدينة إمدادات متواصلة من الشمال عبر محور صنعاء–ذمار–إب، الذي يتعرض باستمرار لضربات جوية سعودية ويمنية. وفي مواجهة هذا الوضع، يستخدم الحوثيون شبكات ثانوية من الوديان تتيح لهم الالتفاف على الحظر الجوي الذي يفرضه التحالف. وتحاول الحكومة فك الطوق عبر معارك عنيفة عند المعابر الجبلية التي لا يزال المتمردون يسيطرون عليها. تكتسب مأرب، الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة في شمال شرقي اليمن، أهمية استراتيجية كبرى، إذ تضم المنطقة بنى تحتية نفطية وغازية تمثل الموارد الرئيسية للحكومة اليمنية. ويستهدف هجوم حكومي مزدوج في هذا القطاع جبهات رغوان (شمال جبهة مأرب) والمناطق الجنوبية لحماية هذه المنشآت، التي تعد أهدافاً رخوة ذات أولوية للهجمات الحوثية المضادة. الخسائر فادحة لدى الطرفين، ومن بينها جنرال موالٍ للحكومة. وإلى جانب ذلك، فتحت الحكومة محوراً هجومياً مباشراً نحو العاصمة صنعاء، وتتقدم شمالاً في حرض (حجة/صعدة) باتجاه معقل الحوثيين في حيدان. ومع ذلك، ينبغي توقع جمودٍ في المعارك وحرب استنزاف، لأن ميزان القوى البرية لا يزال يميل لمصلحة الحوثيين. وتتمثل قوة القوات الحكومية في التفوق الجوي والتكنولوجي بفضل السعوديين والأميركيين، بينما يتمتع الحوثيون، الذين يملكون أفضلية عددية، بقدرات كبيرة غير متماثلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي لا يترددون في استخدامها ضد أهداف مدنية. IV. إعادة تشكيل التحالفات والامتداد الإقليمي يمثل تدويل الصراع منعطفًا جيوسياسيًا كبيرًا. ففي إطار ميثاق مكة، كانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل قدرات عسكرية داعمة على الأراضي السعودية. ويؤمّن هذا الانتشار الدفاع عن المجال الجوي والاستطلاع والتنسيق التكنولوجي، بما يتيح للقوات السعودية التفرغ للعمليات الهجومية في اليمن. أما أنقرة فتنتظر الضوء الأخضر من برلمانها للقيام بذلك، ولا يزال نوع القوات التي ستُنشر غير معروف، إلا أنها ستشمل بالتأكيد تقنيات متقدمة. سحبت الإمارات العربية المتحدة رعايتها المباشرة في اليمن. وتعيد أبوظبي توجيه استراتيجيتها نحو السيطرة على البنى التحتية للموانئ في القرن الأفريقي، ولا سيما في صوماليلاند وإثيوبيا، وكذلك نحو قوات الدعم السريع في السودان... ومع ذلك، يحرص الأسطول الإماراتي على إبقاء ممر البحر الأحمر مفتوحًا رغم تناقضاته مع السعودية في القرن الأفريقي. ولذلك قد يمتد الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية. وتواصل إريتريا والسعودية دعمهما للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع ذلك، تراقب الرياض عن كثب مساعي إثيوبيا، المدعومة من الإمارات، للوصول إلى البحر الأحمر، لما قد تسببه من زعزعة استقرار حليفها الإريتري. خامسًا: الآفاق وتقييم المخاطر ينذر الصراع اليمني بأن يصبح بؤرة مواجهة متعددة الأطراف للسيطرة على الأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية. وبما أن تحقيق نصر سريع لأي من الطرفين أمر مستبعد، فإن السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف عنيفة ومدمرة خلال الأشهر المقبلة.
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
العالم الجديد
صورة المؤلف
بقلم خيرالله خيرالله - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 06:32
صورة للأخبار
(تصوير أحمد الربيعي/وكالة فرانس برس)
في الذكرى السنوية الثالثة لـ“طوفان الأقصى” ومأساة غزّة التي تسببت بها “حماس”، يبدو مشروعًا التساؤل: أين العرب؟ بل أين إيران؟ وإسرائيل إلى أين؟ بات هذا السؤال، إلى إشعار آخر، من النوع الذي تستحيل الإجابة عنه. يعود ذلك إلى أنّ المشاكل التي يعاني منها العالم العربي، أو على الأصح العوالم العربيّة، لا تبدو قابلة للحلّ في المدى المنظور، لا لشيء سوى لأنّ مفتاح الحلّ موجود في معظم الأحيان في طهران، وليس في هذه العاصمة العربيّة أو تلك أو لدى جامعة الدول العربيّة، طبعًا. تعاني جامعة الدول العربيّة من أزمة بنيوية. تعكس هذه الأزمة حال الترهّل العربي. أظنّ أنّ كلمة “ترهّل” كلمة لطيفة. يكفي، من أجل التأكّد من استحالة إعطاء جواب عن سؤال العرب: إلى أين العرب؟ التفكير في ما آل إليه العراق الذي تحكمه إيران عبر ميليشياتها المذهبيّة. المفارقة أنّ العراق، الذي نجحت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في نقل تجربة “الحرس الثوري” إليه، بات في وضع محيّر. كيف يمكن لنظام حرّرته الدبابة الأميركيّة من نظام صدّام حسين الاحتفال بخروج آخر جندي أميركي من العراق، وأن يتحدّث رئيس الوزراء علي الزيدي عن استعادة البلد لسيادته؟ المفارقة أنّ من يحتفل هذه الأيّام باستعادة العراق لسيادته يرفض الاعتراف بأنّ الأميركي رحل فيما الإيراني بقي. الإيراني حاضر في العراق أكثر من أيّ وقت… من دون أن يمنع ذلك السؤال: أين إيران وإيران إلى أين؟ الأخطر من ذلك كلّه أنّ سقوط العراق في العام 2003، عندما سلّمت إدارة جورج بوش الابن البلد إلى إيران، أدّى إلى خلل على صعيد التوازن الإقليمي لا تزال المنطقة تعاني منه إلى يومنا هذا. يأتي التركيز على العراق نظرًا إلى أنّ سقوطه في يد إيران كان سقوطًا للنظام الإقليمي كلّه. هذا النظام الذي قام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. قد يكون مفيدًا التذكير بأنّ سايكس–بيكو كان في 1916 ووعد بلفور في 1917. لم يستوعب العرب يومًا ما سايكس–بيكو، ولم يفهموا معنى وعد بلفور والمترتّب عليه. لم يكن الاجتياح الأميركي لبلد عضو في جامعة الدول العربية، فيه قوميات عدّة، مجرّد سقوط لنظام عراقي متخلّف، لا يمكن التأسّف على سقوطه. لا مجال لأيّ أسف في ضوء ما ارتكبه صدّام حسين من أخطاء قاتلة، إن في حقّ العراقيين أو حقّ دول المنطقة، في مقدّمها الكويت. على الرغم من ذلك كلّه، كان سقوط النظام العراقي سقوطًا لبلد ولحدود فاصلة بين العرب والفرس. تعاني المنطقة كلّها من هذا الخلل الذي جعل طهران تسيطر على بغداد بدلًا من أن يكون العراق بكلّ مدنه درعًا في وجه المشروع التوسّعي الإيراني… وهو مشروع استطاع أن تكون له انطلاقة جديدة، في الإقليم كلّه، انطلاقًا من العراق. ليس “أين العرب؟” مجرّد سؤال، بمقدار ما أنّه سؤال يجرّ إلى أسئلة لا أجوبة عنها. على سبيل المثال، وليس الحصر، من يُخرج إيران من العراق على غرار إخراجها من سوريا؟ هل يمكن إعادة الحياة إلى بلد مثل اليمن، بلد تشظّى كليًا بعدما استطاعت إيران، بفضل الحوثيين، السيطرة على جزء منه وتحويله إلى مصدر خطر على السعودية وعلى الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي على قناة السويس؟ ما مصير لبنان حيث سلاح “حزب الله” الذي لا يزال يتحكّم بالبلد؟ هذا السلاح المذهبي، سلاح إيراني، لم يكن من هدف له في يوم من الأيّام غير إخضاع اللبنانيين، وفي مرحلة معيّنة السوريين. كان اللبنانيون وما زالوا هدفًا لإيران و“حزب الله”. لم تكن إسرائيل سوى ذريعة للاحتفاظ بهذا السلاح. ما لم يكشفه الاحتلال الإيراني للعراق كشفه “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات. أدّى يحيى السنوار، الذي لعب دورًا محوريًا في شنّ “طوفان الأقصى”، بصفته قياديًا في “حماس”، دورًا في تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. انتقل الصراع إلى داخل إيران نفسها. غيّر “طوفان الأقصى” طبيعة إسرائيل التي لم تعد تؤمن سوى بالرغبة في التوسّع من أجل المحافظة على أمنها. على الرغم من أنّ إسرائيل أظهرت أنّها تمتلك قدرات عسكريّة واستخباراتيّة غير طبيعيّة، يبقى في النهاية سؤال من نوع آخر لا إجابة عنه على غرار السؤال المتعلّق بالعرب. هذا السؤال هو: إسرائيل إلى أين؟… وأيّ مستقبل لها من دون مشروع سياسي قابل للحياة بصفة كونها جزءًا من المنطقة ودولة من دولها عليها العيش بسلام وأمان مع محيطها ومع الفلسطينيين، كشعب موجود على أرض فلسطين… أي موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
!...البابا ليون الرابع عشر: إنّ بلاد الأرز قد تبنّتكم

صاحب القداسة، لقد تفضّلتم باختيار هذا البلد في المشرق ليكون أوّل محطّة لكم بعد انتخابكم على رأس الكنيسة الكاثوليكية، فلكم منّا كل الشكر والتقدير. إنّ مروركم بيننا أشبه بظلّ غيمةٍ بيضاء تعبر سماءً داكنة، ملبّدة منذ زمن طويل، لتسمح لأشعة النور بأن تتسلّل إلى هذا الفضاء الجغرافي الذي وصفته كتب التاريخ بأنّه أرض اللبن والعسل، أرض الضيافة والألفة، أرض الأرز الأبدي، المهيب، القويّ والراسخ. أرض اللقاء والتفاعل بين الثقافات والمجتمعات المتنوّعة؛ وأرض الحياة والحبّ والسلام الذي يتعرّض باستمرار للاعتداء والانتهاك. ولكن، وللحظة قصيرة، جاءت زيارتكم لـ “تفتح قوسًا” وتنير فجأة حياة شعبٍ بأكمله، منهكٍ ومهدود من ثقل المآسي التي تلاحقه منذ عقود، والناجمة أساسًا عن حروب الآخرين على أرضه. بموقفكم الهادئ والحازم، بلطفكم وتحفّظكم، بنظرتكم الوادعة المفعمة بالحكمة، بكلماتكم البسيطة ونبراتكم القوية العميقة، تمكّنتم سريعًا من الدخول إلى قلوب الجميع: الكبار والصغار، الشباب والشيوخ، المرضى والأصحّاء، الشرفاء والفاسدين، الوطنيين وهادمي الجمهورية—باختصار، إلى قلب هذا الشعب اللبناني الذي ما زال يعيش حتى اليوم في غرف الطوارئ بين الحياة والموت، وسط حالة من الفوضى المرهقة، والقلق الدائم، وانعدام الأمان، وعدم الاستقرار الخانق. تحدّثتم عن السلام والوئام، وطمأنتم القلوب، وذكّرتم الجميع بضرورة الوعي بهذه التضامن الإنساني الذي يُغني ويُقوّي الإيمان والعلاقات بين مواطني البلد الواحد—مجتمع النور، والتكافل، ودعم الأكثر عوزًا جسديًا وماديًا. وقد شهدتم عاليًا وواضحًا، من دون أن تجرحوا أو تهاجموا يومًا شعبًا مُنهكًا ومُتألّمًا. صاحب القداسة، أنتم الذين نفختم جرعة من الأوكسجين في صدور مواطنين تائهين، اسمحوا لهم بأن يستندوا إلى نصائحكم وصلواتكم، وأن يطلبوا منكم الاستمرار، حتى بعد مغادرتكم وطننا الصغير، في التشفّع لدى السيدة العذراء، كي يستتبّ السلام بيننا، وتُفتح طرق التعافي أمام هذا البلد، ولعلّه قريبًا يتمكّن من بلوغ “حياده الدائم”، الضامن الوحيد لاستقراره، وسيادته، واستقلاله، وازدهاره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

بيت إبراهيم في أبوظبي: صرح للسلام والتسامح

في عام 2019، شكلت زيارة قداسة البابا فرنسيس الرسمية إلى أبوظبي حدثًا تاريخيًا، إذ كانت المرة الأولى التي يزور فيها حبر أعظم هذه المنطقة من العالم. البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر للأزهر الدكتور أحمد الطيب صنعا التاريخ خلال هذه الزيارة، حيث وقّعا معاً "وثيقة الأخوة الإنسانية"، وهي نص تاريخي يدعو إلى التسامح والسلام العالمي والمصالحة بين جميع الأديان. لإحياء ذكرى هذه الزيارة التاريخية، وتماشيًا مع روح ميثاق الأخوة الإنسانية، اتخذت حكومة الإمارات العربية المتحدة قرارًا ببناء "بيت إبراهيم" على جزيرة السعديات، وهو صرح معماري تبلغ مساحته نحو 6000 متر مربع مكرّس للديانات الإبراهيمية الثلاث. وقد افتُتح بيت إبراهيم في عام 2023، ويضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا يهوديًا، بالإضافة إلى مساحات مخصصة للحوار والتبادل الفكري عبر منتدى متخصص. أصبح هذا المشروع ممكنًا لأن القيم التي تروّج لها وثيقة الأخوة الإنسانية هي نفسها القيم التي تتبناها دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتعايش أكثر من 200 جنسية في وئام وسلام. وانطلاقًا من إيمانها الراسخ بأن هذا التعايش السلمي ممكناً من خلال الحوار والمعرفة المتبادلة والممارسة السلمية للعبادة، أرادت حكومة الامارات العربية المتحدة أن توفر للمؤمنين (ولغير المؤمنين) من جميع أنحاء العالم فرصة المشاركة في حوار بين الأديان، سواء من خلال منتديات للنقاش او دورات تدريبية متخصصة، أو حتى زيارة أماكن العبادة الثلاثة والتعرف الى مختلف الشعائر الدينية او ممارسة هذه الشعائر بكل طمأنينة وحرية. ويُذكر أن البرنامج التعليمي الشامل الذي يقدمه بيت إبراهيم قد تم تطويره بالشراكة مع أرقى المؤسسات التعليمية والجامعات في العالم. إن قيم التسامح هذه التي يجسدها بيت إبراهيم ليست وليدة اللحظة، بل هي متجذرة في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة العريق. فمنذ القرون الأولى للإسلام، وتحديدًا في القرنين السابع والثامن الميلاديين، نجد آثارًا لأديرة وكنائس في جزر صير بني ياس في أبوظبي وجزيرة سينية في أم القيوين، مما يثبت وجود مجتمع مسيحي نشط في المنطقة. كما نجد آثارًا تدل على وجود جالية يهودية، منها اكتشاف قبراً منقوشاً عليه بالعبرية: "هنا يرقد داود بن موسى". أما من الناحية المعمارية، فإن بيت إبراهيم من تصميم المهندس المعماري البريطاني الغانيSir David Adjaye Omobeالحائز على الميدالية الذهبية من المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين. وله في رصيده العديد من المشاريع العالمية البارزة، منها مركز جائزة نوبل في أوسلو، و Smithsonian National Museum of African American History and Culture في العاصمة واشنطن، ومؤسسة عايشتيFondation Aïshtiفي بيروت. يشتهر السير ديفيد بأسلوبه الانتقائي المميز واستخدامه لمواد مبتكرة، ومهارته في استعمال الشفافية والإضاءة في مشاريعه، فضلاً عن إبداعه في تصميم صروح رمزية يروي كل منها قصة فريدة تجمع بين البُعد الفردي والجماعي للصرح. ولكي ينجح في تجسيد رسالة بيت إبراهيم والقيم السامية التي يحملها، بدأ أولاً بتحديد المواد المشتركة المستخدمة تقليديًا في أماكن العبادة للديانات الثلاثة، وهي الحجر الجيري والخشب والبرونز. وقد استخدم هذه المواد في بناء دور العبادة الثلاث، مع التأكيد على الخصوصية الدينية والروحية لكل منها. كما أصرّ على أن تكون المباني الثلاثة متساوية في الجمال والفخامة والحجم، وذلك لإزالة أي ايحاء لوجود تراتبية بين الديانات الثلاث. مسجد أحمد الطيب اطلق هذا الاسم على المسجد تكريمًا لفضيلة الإمام الأكبر لجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي وقّع مع البابا فرنسيس على وثيقة الأخوة الإنسانية في عام 2019. اتجاه المسجد نحو القبلة في مكة المكرمة، ويحتوي على عناصر معمارية نموذجية من الفن الإسلامي، كالأقواس السبعة الخارجية التي ترمز لأهمية الرقم سبعة في الإسلام وهو الرقم الذي يشير إلى الكمال الروحي والسمو الإلهي، فضلاً عن القباب التسع التي تلتقي في الداخل لتشكّل سقف المسجد. كما تزيّن المسجد مشربيّات منحوتة يدويًا بدقة متناهية وفق التقاليد الحرفية العربية الأصيلة، تسمح لضوء النهار بالنفاذ إلى داخل المسجد وفي الوقت عينه تحافظ على خصوصية المصلين. هذا بالإضافة إلى الألواح الزخرفية المصنوعة من الفيبر والتي استخدمها للفصل بين الرجال والنساء. كنيسة القديس فرنسيس كما يوحي اسمها، الكنيسة مكرّسة للقديس فرنسيس الأسيزي، قديس القرن الثالث عشر المعروف بمحبته للفقراء والذي يُعتبر الشفيع الروحي للبابا فرنسيس. اتجاه الكنيسة نحو الشرق، صوب شروق الشمس، اذ يرمز النور إلى الله في المسيحية. وتزيّنها "غابة" من الأعمدة وجهتها أيضًا الشرق. انعكاس الضوء على هذه الأعمدة يعزز الإحساس بالارتقاء الروحي ، ويرمز في آن واحد إلى تجسّد السيد المسيح (النور المنحدر من السماء) وإلى قيامته المجيدة (النور الصاعد الى السماء). وقد استُخدم في بناء سقف الكنيسة المقبب أكثر من 13 ألف متراً من الخشب. أما الالواح الخشبية المجموعة على شكل حزَم فوق المذبح، فهي مستوحاة من أشعة الشمس، وتذكّر بتصميم مذبح كاتدرائية القديس بطرس في روما. كنيس موسى بن ميمون اما اتجاه الكنيس فهو نحو القدس الشريف، وقد سُمي كذلك تكريمًا للفيلسوف واللاهوتي اليهودي الكبير في القرن الثاني عشر، الحاخام موسى بن ميمون. صُمم الكنيس كمَلاذ روحي للصلاة. واجهته على شكل شبكة مفرّغة مستوحاة من سعف النخيل التي يستخدمها المؤمنون لبناء "السوكا" (soucca ou cabane) خلال عيد سوكوتSukkot احتفالاً بذكرى منفى بني إسرائيل في صحراء سيناء ونهاية استعبادهم في مصر. وتسمح هذه الواجهة على شكل شبك بالحماية من أشعة الشمس نهارًا، وبرؤية النجوم ليلاً. أما في الداخل، فيزيّن الكنيس هيكلاً برونزياً على شكل شوبا (chuppa ou dais nuptial) اي المظلة التي يقف تحتها العروسان خلال الاحتفال بمراسم الزواج التقليدية لدى اليهود. اخيراً لا يسعنا سوى القول انه في عالمٍ تفتقر فيه البشرية إلى التسامح والسلام، مثل هذه المبادرة الرائدة تستحق كل الإشادة والتقدير والاحترام.

نوسترا أيتات، حجر الزاوية في الحوار بين الأديان – الجذور (1)

يحتفل الفاتيكان والعالم الكاثوليكي، بما في ذلك لبنان، بالذكرى الستّين لإصدار البابا بولس السادس لوثيقة نوسترا أيتات حول علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالأديان غير المسيحية. وفي لبنان، عُقدت ندوة في بكركي في 8 تشرين الثاني لإحياء المناسبة. غالبًا ما وُصفت الوثيقة بأنها نبوية ، وهذا في محلّه. فقد كُتبت في مرحلة كان العالم يشهد فيها، رغم تقارب الشعوب بفضل وسائل النقل والاتصال الحديثة، ازديادًا في استخدام الدين كوسيلة للعنف في القارات الخمس. وبلغت ثقافة الكراهية الدينية والعرقية ذروتها في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، مع الهولوكوست وإبادة ملايين اليهود على يد النازيين. "أشعّة من الحقيقة" ترتكز نوسترا أيتات على مبدأ أساسي: أن في كل دين "شعاعًا من الحقيقة". وتقول الوثيقة: «إن الكنيسة الكاثوليكية لا ترفض ما هو صادق ومقدّس في هذه الديانات… وتدعو أبناءها، بحكمة ومحبة، إلى الحوار والتعاون مع أتباع الديانات الأخرى، لتعزيز القيم الروحية والأخلاقية والثقافية الموجودة لديهم.» الأصول والتطوّر ترتبط جذور نوسترا أيتات ارتباطًا وثيقًا بالهولوكوست، إحدى أكثر مآسي الحرب العالمية الثانية ألمًا. ففي عام 1947، اجتمع مفكرون يهود ومسيحيون في سيليسبيرغ بسويسرا بدعوة من "مجلس المسيحيين واليهود" البريطاني، لمناقشة أسباب العداء المسيحي لليهود واللاسامية العرقية والسياسية. كان من بينهم المؤرّخ اليهودي الفرنسي جول إيزاك، الذي فقد زوجته وابنته في الترحيل. وكان قد أنهى عام 1946 كتابه يسوع وإسرائيل ، الذي درس فيه جذور العداء الديني لليهود وطالب بحوار يهودي–مسيحي. وفي عام 1960، التقى إيزاك بالبابا يوحنا الثالث والعشرين وقدّم له ملفًا يطالب بتعديل التعليم المسيحي حول اليهود، الذين كانت بعض الطقوس لا تزال تصفهم بـ"شعب قاتل الإله". فكلف البابا الكاردينال أوغستين بيا بإعداد نص حول اليهود ضمن تحضيرات المجمع الفاتيكاني الثاني. كان المشروع الأول يقتصر على علاقة المسيحية باليهودية ( مرسوم عن اليهود ). لكن أساقفة ملكيين وموارنة أعربوا عن تخوّفهم من سوء فهم الوثيقة في البلدان ذات الغالبية المسلمة. من بينهم البطريرك مكسيموس الرابع صايغ والمطران جورج حكيم. وقد شددوا على أن العلاقات بين الأديان في لبنان وسوريا ومصر تدور أساسًا بين المسلمين والمسيحيين، وأن حصر الوثيقة باليهودية سيبدو غريبًا وربما ذا طابع سياسي داعم لدولة إسرائيل الناشئة عام 1948. وقال البطريرك مكسيموس الرابع: «نحن نعيش في قلب العالم الإسلامي. وليس من الحكمة أن تتحدث الوثيقة فقط عن الشعب اليهودي من دون ذكر المسلمين، إخوتنا أبناء إبراهيم… نطلب أن يشار أيضًا إلى الإسلام.» وبالفعل، تم توسيع النص ليشمل الأديان غير المسيحية، وخاصة الإسلام. ورغم قصرها، أصبحت نوسترا أيتات حجر الزاوية للحوار الديني المعاصر. كما رفضت بوضوح فكرة المسؤولية الجماعية لليهود عن موت المسيح، مؤكدة أن ما جرى في الآلام «لا يمكن تحميله لجميع اليهود آنذاك ولا ليهود اليوم». إشارة تختصر التاريخ اختصر البابا يوحنا بولس الثاني تاريخًا طويلًا من التوتر بين الكنيسة واليهودية خلال زيارته jubilaire للأراضي المقدسة عام 2000. ففي حائط المبكى، وضع ورقة صلاة بين الحجارة كما يفعل المصلّون اليهود. وقبل أيام، كان قد زار ياد فاشيم، حيث أدان معاداة السامية وكرّم ضحايا الهولوكوست. وجاء في صلاته: «يا إله آبائنا… نشعر بحزن عميق على ما تعرض له أبناؤك من آلام عبر التاريخ، ونطلب مغفرتك، ونتعهد بعيش أخوّة حقيقية مع شعب العهد.» ليس اعتذارًا دبلوماسيًا أقرّ البابا بآلام اليهود منذ تدمير الهيكل عام 70، طالبًا المغفرة أمام الله. وبوصفهم بـ"شعب العهد"، أكد أن عهد الله مع إسرائيل غير منقوض، وهو عهد يتجاوز الزمن. وقد اعتبر الحاخامية الإسرائيلية والجاليات اليهودية هذه الخطوة نقطة تحوّل في العلاقات اليهودية–المسيحية. وهكذا رفضت الكنيسة "لاهوت الاستبدال" القائل إن وعود الله لإسرائيل انتقلت إلى الكنيسة، وأكدت أن الرابط الروحي الدائم بين اليهود والمسيحيين يقوم على الأمانة المشتركة لإرادة إله إبراهيم. المقال القادم: الحوار مع الإسلام.

رسالة إلى سائر بلاد المشرق
بقلم
ريكاردو كريستيانو
نُشر

عاد البابا ليون إلى اللبنانيين ما هو لهم: الاعتراف بصمودهم الكبير. لكن إذا قرأنا كلماته حول المشكلة العالمية الخطيرة التي أشار إليها من خلال نظرة لبنانية — دعونا نقول نظرة لبنانية بحتة، مع أنه خاطب العالم بأسره — فسندرك أن هذا الصمود يحتاج إلى تفكير معمّق. فقد قال: «يبدو أن نوعًا من التشاؤم والشعور بالعجز قد ترسّخ، ولم يعد الناس قادرين على التساؤل عمّا يمكنهم فعله لتغيير مجرى التاريخ. القرارات الكبرى تبدو بيد قلّة قليلة، وغالبًا على حساب الخير العام، وكأن ذلك قدر لا مفرّ منه». وخلال الأسابيع الماضية في بيروت، شعرت بأن هذا الصمود — وهو فردي أكثر منه جماعي — يعكس انعدام الثقة بالسياسة. هناك جوّ من الإحباط يدفع نحو الانسحاب أو التكيّف. وهذا يدفع الزوار الأجانب إلى التساؤل عن جدوى التمسك بإطار سياسي ما زال يشير، إلى حدّ كبير، إلى زمن الحرب الأهلية. برأيي، لكي يستعيد لبنان الرسالة التي تحدّث عنها يوحنا بولس الثاني عام 1997، لا بدّ من مصالحة بين الطبقة السياسية والشعور العام لدى الناس. وهنا أيضًا، أقرأ كلمات البابا بعيون لبنانية: «لا يمكن أن تكون هناك مصالحة دائمة من دون هدف مشترك، أو من دون انفتاح على مستقبل ينتصر فيه الخير على المآسي التي عشناها أو تسببنا بها. ثقافة المصالحة لا تنشأ فقط من إرادة وشجاعة البعض؛ إنها تحتاج أيضًا إلى سلطات ومؤسسات تعترف بأن الخير العام يتقدّم على المصالح الخاصة. فالخير العام أكبر من مجموع المصالح الفردية، لأنه يقرّب أهداف الجميع ويوجّهها بحيث يربح كل فرد أكثر مما قد يربحه وحده. إن السلام ليس توازنًا هشًا بين من يعيشون تحت سقف واحد من دون أن يعيشوا معًا. السلام هو القدرة على العيش المشترك، في شركة، كشعب متصالح. مصالحة لا تتيح فقط العيش معًا، بل تعلّمنا أيضًا العمل سويًا من أجل مستقبل مشترك.» إذا كان هذا، ولو جزئيًا، هو معنى كلامه، فيمكن التفكير بأن زيارته إلى بيروت لم تكن مخصّصة لبيروت وحدها، بل لكل المشرق — القديم أو الجديد — الممتد من المتوسط إلى بلاد الرافدين، والذي تعرّض لامتحانات قاسية وعنيفة. هذه أراضٍ معروفة، لكنها مثقلة بتاريخ مؤلم مليء بالعنف والإنكار والوصايات والاغتيالات. لكن بصفته أسقف روما، الملمّ بالتجربة الأوروبية، يعلم ليون جيدًا أن دولًا أوروبية، بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد قرون من الصراعات، اكتشفت أنها جيران، ثم رفاق درب، ثم أصدقاء، وأسهمت في تأسيس الاتحاد الأوروبي. فلماذا لا يحاول لبنان وسوريا والعراق خوض تجربة مماثلة؟ هذه هي، في النهاية، المناطق التي تقع تحت سلطة بطاركة أنطاكية المختلفين. والتاريخ قادر على فتح صفحة جديدة، إذا شاء — وأحيانًا يشاء. بالطبع، التحديات هائلة: ثقل الماضي، الجراح غير الملتئمة، الاعتراف الناقص، وعدم الثقة المنطقي. لكن لو تبنّت كنائس أنطاكية، وكثير منها قائم في بيروت، هذا العمق الاستراتيجي، لخفّفت من عبء الحنين، وضيق الآفاق، والانغلاق، ولأصبحت الكنائس «المنطلقة» التي تحدّث عنها البابا فرنسيس، أو الكنيسة «الرسولية» التي يتحدث عنها ليون. مخاوف التراجع تنبع أيضًا من زاوية النظر. فمن ينظر فقط إلى جبله أو واديه، سيشعر حتمًا بالانكماش. أما من يوسّع أفقه، ومن يتخيّل غابات وسهولاً وهو يسير في حديقته الخاصة، فسيبدأ أولًا برفض الانكماش داخل نفسه. وهنا يمكن لبيروت أن ترى نفسها مجددًا قاطرةً لقطار مؤلف من عربات مختلفة، لكل منها هويتها وتاريخها، لكنها متصلة بخطاف واحد: الحاجة إلى الارتباط بالفضاء المتوسطي، وبالتبادل، وبالأفكار كما البضائع. في شوارع الجميزة والأشرفية، شعرت بوجود مسيحي واضح، يتعرّف إليه الأوروبي بسهولة. لكن هذا الوجود يحتاج إلى التنفّس، وإلى أن ينتمي إلى خطاب أوسع. ومدينتكم تتيح ذلك، وتجعله مفهومًا لهذا البابا الذي، مثل فرنسيس، يؤمن بـ«توتر الأقطاب». فالأقطاب لا تلغي بعضها، بل تكمل بعضها وتحتاج بعضها. قطبا بيروت هما الجبل القريب، بما يحمل من تقاليد يجب الحفاظ عليها، والبحر، بما يقدّم من آفاق للتبادل واللقاء والأفكار الجديدة الضرورية للتغيير والنمو معًا. وهذا هو، في نظر كثيرين، «طريق القطار» الذي يمكنكم مساعدتنا على رؤيته من جديد. ريكاردو كريستيانو هو متخصص في شؤون الفاتيكان في الإذاعة الإيطالية «راي»؛ ومؤلف لعدة أعمال حول الحوار بين الأديان و البابا فرنسيس

البابا فرنسيس و مبدا "البيئة المتكاملة"

بمناسبة زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، ومع اختتام مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين لتغير المناخ في مدينة بيليم في البرازيل، دون نتائج تُذكر، من المفيد التذكير بمفهوم البيئة المتكاملة ونص رسالة البابا فرنسيس "كُن مُسَبَّحًا" (Laudato Si’)، الصادرة عام ٢٠١٥، والتي تُحدّد معالم بيئة إنسانية وشاملة تدعو إليها الكنيسة.. يُشير مصطلح البيئة المتكاملة إلى رؤية شاملة ومتعددة التخصصات للبيئة، تُقدّم رؤية كاملة للبشرية والعالم. ومن خلال نشر هذا المفهوم، تهدف الكنيسة الكاثوليكية إلى التأكيد على "أنّ التغيير البيئي الجوهري لا يقتصر على القضايا البيئية البحتة"، وأنّ "الديناميكية الروحية للبيئة المتكاملة تتغذى من الرجاء المسيحي، وتُدمج الحياة الروحية، وتحديات احترام كرامة جميع الكائنات الحية وكل شخص، ومقتضيات الأخوة والعدالة الاجتماعية"، وفقًا لموقع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا. يذكر الموقع الإلكتروني أيضًا أن الكنيسة الكاثوليكية تعتبر نفسها مسؤولة عن رعاية الخليقة. "ننسى أننا تراب" وعلى الرغم من أن مفهوم البيئة المتكاملة قد نوقش منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه اكتسب زخمًا خاصًا عقب نشر فرنسيس عام ٢٠١٥ الرسالة البابوية العامة »Laudato si’ » ، التي سُميت بهذا الاسم لأنها مشتقة من نشيد رنّمه القديس فرنسيس الأسيزي: "مُسَبَّحٌ لَكَ يا ربي". في هذا النص ، يتأمل البابا فرنسيس الراحل في حماية الطبيعة، التي تكمن في صميم الشعور الديني والإيمان بالخالق. "نشأنا معتقدين أننا أصحاب (الكوكب) وسادته، ومُخوّلون باستغلاله... ننسى أننا تراب (راجع تكوين ٢: ٧). أجسادنا مكونة من عناصر الكوكب، وهواؤه يُنعشنا، وماؤه يُحيينا ويُجددنا"، هذا ما جاء في مقدمة هذا النص. في مقاربته، يبدأ البابا فرنسيس بتقييم حالة البيئة في جميع أنحاء العالم، تحت عنوان "ما يحدث في بيتنا". إنه اتهامٌ دامغٌ للطبيعة بسبب التغيرات السريعة في الحضارة الإنسانية. وهكذا، يتناول النص القضايا الرئيسية التي تواجه البيئة اليوم، بما في ذلك التلوث وتغير المناخ، ومسألة المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، وأخيرًا، تدهور نوعية الحياة والانحطاط الاجتماعي. كتب البابا فرنسيس: "لأننا إذا أخذنا في الاعتبار أن البشر هم أيضًا مخلوقات هذا العالم، ولهم الحق في العيش والسعادة... لا يسعنا إلا أن نأخذ في الاعتبار آثار التدهور البيئي، ونموذج التنمية الحالي، وثقافة الإسراف على حياة الناس"، مشددًا على التفاوت العالمي الذي يميز هذا الوضع وضعف الاستجابة لمثل هذه الكارثة. الحوار بين العلم والدين في رسالته "كن مسبحًا"، يُخصص البابا فرنسيس فصلًا كاملاً لإظهار كيف يُلقي الإيمان ضوءًا جديدًا على ما يكشفه العلم عن أزمة المناخ هذه. إدراكًا منه أن الكثيرين يعتبرون الأمرين متناقضين، يدعو البابا فرنسيس إلى "حوار مكثف ومثمر" بينهما. ويوضح أنه لبناء بيئة إصلاحية، "لا يمكن إهمال أي فرع من فروع العلم أو أي شكل من أشكال الحكمة، ولا حتى الحكمة الدينية". وامتدادًا لهذا النهج الفكري، يُشدد البابا فرنسيس على ما يُسميه "الجذور البشرية للأزمة البيئية"، وفقًا لاستنتاجات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (Giec)، وهي أعلى هيئة علمية تابعة للأمم المتحدة تُعنى بالمناخ، والتي حددت مسؤولية الأنشطة البشرية عن تغير المناخ. وأشار بذلك إلى التكنولوجيا وما تُضفيه من شعور القوة عند البشر، بالإضافة إلى عواقب العولمة ونموذجها الموحد الذي يُطبق بالقوة على الجميع. لا يُمكن خوض معركة البيئة في قضايا منفصلة. لتعريف البيئة المتكاملة، يُقدم البابا فرنسيس ملاحظة حاسمة: أزمة القرن الحادي والعشرين ليست أزمة مزدوجة - بيئية من جهة، واجتماعية من جهة أخرى - بل هي أزمة واحدة عالمية ومترابطة بعمق. هذا هو المبدأ الأساسي لعلم البيئة المتكاملة، الذي يدعونا إلى النظر إلى العالم كنظامٍ مُنسجمٍ من العلاقات، حيث تُشكل الخيارات الاقتصادية والسياسية والثقافية كلاً من المناظر الطبيعية ومصائر البشر. ويُصرّ على الترابط بين الأنواع، حيث يُشكّل البشر جزءًا لا يتجزأ من النظم البيئية. ومن هذا المنظور، لم يعد من الممكن مكافحة تدهور الحياة من خلال قضايا مُنفصلة، ​​لأن التلوث والفقر والإقصاء واستغلال الموارد... كلها فصولٌ من أزمةٍ واحدة. ويجادل البابا فرنسيس بأن الاستجابات يجب أن تكون شاملة، تدمج الديناميكيات الطبيعية والهياكل الاجتماعية. ويضيف البابا فرنسيس أن علم البيئة يجب أن يكون "ثقافيًا" أيضًا، مؤكدًا على أهمية التراث والذاكرة الجماعية. ويرى أن علم البيئة الثقافية يقوم على مبدأ واحد: يجب أن تتفاعل الاستجابات للتحديات البيئية مع الثقافات المحلية، وتأخذها في الاعتبار، وتتجاوز نموذج التنمية الواحد. ويؤكد المؤلف أن اختفاء ثقافة ما قد يكون أشد خطورة من اختفاء نوع حيواني. في استكشافه لعلم البيئة المتكاملة، لم ينس البابا الراحل الحياة اليومية. بل جعل علم البيئة أقرب إلى الوجود البشري، إلى الأفعال والعلاقات. لم تعد القضية عالمية أو مؤسسية فحسب: بل تؤثر على الأحياء السكنية، والمساكن، والأماكن العامة - كل ما يُشكل جودة الحياة الملموسة. أي عالم سنترك لهم؟ يضع البابا فرنسيس علم البيئة المتكاملة في صميم مفهوم "الصالح العام"، الذي يُعرّف بأنه مجموعة من الشروط التي تسمح لكل فرد وكل مجموعة بتحقيق كامل إمكاناتهم. من هنا تأتي ثلاثة ركائز: كرامة الإنسان، وحيوية الهيئات الوسيطة، ولا سيما الأسرة، والسلام الاجتماعي القائم على عدالة توزيعية كفيلة بمنع العنف والإقصاء. ومن هذا المنظور، تُذكّر الدولة بدورها: حماية هذا الصالح العام وتعزيزه، وهو الأساس الذي لا غنى عنه لمجتمع متوازن. لكن الكاتب يضع هذا المبدأ في سياق واقع العالم الحالي، المثقل بتنامي عدم المساواة و التفرقة. وأخيرًا، تأخذ البيئة المتكاملة في الاعتبار حقوق الأجيال القادمة، ويطرح النص سؤالًا جوهريًا: أي عالم نريد أن نترك لهم؟ هذا تحدٍّ، بالنظر إلى الأزمة الأخلاقية والثقافية في مواجهة ما يعتبره البابا فرنسيس تنامي الفردية، وضعف الروابط الأسرية والاجتماعية، وعدم القدرة على التفكير فيما يتجاوز المصلحة الذاتية المباشرة. ومن بين المبادئ التوجيهية التي حددها البابا فرنسيس، الحوار حول البيئة في السياسة الدولية، وتجديد السياسات الوطنية والمحلية للحد من التفاوتات الاجتماعية في البلدان، وتعزيز الشفافية في صنع القرار، والحوار بين الأديان والعلوم.

تجمع الشيعة اللبنانيين إلى البابا: من أجل احتكار الدولة للسلاح

وجّه «تجمّع الشيعة اللبنانيين» رسالة إلى البابا ليون الرابع عشر أكد فيها أن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية «يشكّل الأساس الجوهري لبناء دولة قوية وعادلة». ولدى تأكيده دعمه للسلام «وفق المبادرات العربية والشرعية الدولية»، شدّد التجمع على التزامه بـ«العمل حصرياً تحت سلطة الدولة والقانون، ودعم كل ما يعزّز حضورها». يضمّ «تجمّع الشيعة اللبنانيين» أكاديميين، وصحافيين، وكوادر عليا، ومواطنين شيعة معروفين بموقفهم السيادي المعارض، بطبيعته، للمشروع السياسي لحزب الله. ننشر فيما يلي نصّ الرسالة التي وجّهها التجمع إلى الحبر الأعظم قداسة الحبر الأعظم، البابا لاون الرابع عشر، تحيّة إجلال وتقدير، يتشرّف لقاء اللبنانيين الشيعة بأن يوجّه إلى قداستكم هذه الرسالة بمناسبة زيارتكم المباركة إلى لبنان، الزيارة التي نعدّها محطة أساسية تعكس حرصكم الدائم على دعم ثقافة السلام، وتعزيز الحوار بين أبناء العائلة الإنسانية الواحدة، والوقوف إلى جانب الدول التي تمرّ بظروف دقيقة كتلك التي يعيشها وطننا. إننا، في هذا اللقاء، نرى في لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، ونؤمن بأن قوّته تتجسّد في دولته ومؤسساتها الشرعية، وفي ترسيخ العيش المشترك، والالتزام بالشرعية الدولية. ومن هذا المنطلق، نودّ أن نضع بين يدي قداستكم بيانًا لمواقفنا الثابتة: 1. نحن نؤيد تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، بما يحفظ سيادته، ويعزّز استقراره، ويعيد الانتظام إلى مؤسساته. 2. نؤمن بأن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية هي الركيزة الأساس لبناء دولة قوية وعادلة، قادرة على حماية جميع مواطنيها دون استثناء. 3. نلتزم بالعمل تحت سقف الدولة والقانون، وبكل ما يعزّز حضورها وهيبتها ومرجعيتها الجامعة. 4. نؤيد مسار السلام وفق المبادرات العربية والشرعية الدولية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السلام العادل والشامل هو الطريق الوحيد إلى مستقبل مستقر لشعوب المنطقة، وذلك تأكيدًا لشعار زيارتكم: «طوبى لصانعي السلام». قداستكم، إن أبناء الطائفة الشيعية في لبنان يعتزّون بدورهم الوطني التاريخي، ويؤكدون رغبتهم الصادقة في أن يكونوا جزءًا فاعلًا في مشروع الدولة، وفي بناء مجتمع يقوم على العدالة والمساواة والاحترام المتبادل بين جميع المواطنين. وإننا نرى في زيارتكم دعمًا روحيًا ومعنويًا لمسار التعافي الوطني، وتشجيعًا للحوار الذي يمثّل جوهر الشراكة اللبنانية. نثمّن عاليًا اهتمامكم بلبنان، ونسأل الله أن يمنحكم الصحة والقوة لمتابعة رسالتكم السامية في تعزيز كرامة الإنسان وترسيخ ثقافة السلام في عالمٍ تعصف به الأزمات. وتفضلوا، قداسة الحبر الأعظم، بقبول فائق الاحترام والتقدير. عن لقاء اللبنانيين الشيعة جاد الأخوي