شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله في 7 أكتوبر 2026، مقاتلًا تابعًا للسلطات الحوثية يطلق النار من رشاش أثناء تقدم ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، في محافظة تعز، بحسب وسائل الإعلام الحوثية. (عبر وكالة فرانس برس)
دراسة
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر أكتوبر 10, 2026 - 10:23
I. الملخص التنفيذي أدّى انهيار هدنة عام 2022 إلى تحوّل الصراع اليمني إلى حرب تقليدية عالية الحدة. وتهدف «عملية فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المتحالفة معها بدعم من الرياض، إلى كسر التهديد الحوثي المزدوج، إذ تشكل الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خطراً على الممر البحري لباب المندب والبحر الأحمر، وعلى المنشآت النفطية داخل اليمن نفسه، ولا سيما في مأرب، وفي المملكة العربية السعودية. بات هذا الصراع يتمحور حول ثلاث ديناميات رئيسية: تأمين الجناح الغربي (الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر)، وخنق المراكز الحضرية (تعز)، والتدويل المباشر للصراع عبر تفعيل تحالفات عسكرية مع أطراف ثالثة (تركيا وباكستان). II. تحليل المسرح العسكري الساحلي والمشهد الطبوغرافي تستند استراتيجية التحالف إلى نهج منهجي لاستعادة السيطرة على الممرات المائية الدولية وإحكام تأمينها. ويتمثل ذلك في تأمين مضيق باب المندب ومدينة المخا المينائية. وقد أمّنت القوات المشتركة الموالية للحكومة، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، بالفعل مطار ذباب العسكري جنوب المخا، بما يتيح إمكانية فتح خط إمداد جوي، كما أمّنت مدينة المخا نفسها. الهدف المباشر هو حرمان الحوثيين من قواعد لإطلاق المسيّرات البحرية السطحية، أو ما يُعرف عسكرياً بالأجهزة المتفجرة البحرية المرتجلة (IMED)، ومن الألغام البحرية. وقد استُخدمت هذه الأجهزة سابقاً بصورة مدمرة في أوكرانيا وأغرقت سفناً بارزة في البحرية الروسية، كما استخدمها الأميركيون في إيران ضد الموانئ الإيرانية التي تؤوي الزوارق السريعة التابعة للجمهورية الإسلامية. يتخذ المشهد الطبوغرافي الشكل الآتي: محافظة تعز ساحلية وجبلية. تقع في جنوب غرب اليمن، وتضم مدينتي ذباب، التي يرتبط اسمها بباب المندب، والمخا. وتضم المحافظة قمماً عديدة، يشرف بعضها على السهل الساحلي الممتد من باب المندب إلى الحديدة، وهو ميناء بحري مهم لا يزال بيد الحوثيين، مروراً بذباب والمخا. وتكتسب المرتفعات المسيطرة في هذه المحافظة، ولا سيما مرتفعات حيفان وكهبوب، أهمية اليوم لأنها لا تشرف فقط على السهل الساحلي الغربي لليمن، بل أيضاً على خطوط إمداد القوات الحكومية الممتدة من عدن إلى باب المندب. عزّزت القوات الحكومية مواقعها في جبال المنظرة والعشاري وذيبان في قطاع حيفان، على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1500 متر وعلى مسافة 50 إلى 60 كيلومتراً من الساحل، كما سيطرت خصوصاً على سلسلة جبل كهبوب الاستراتيجية، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من الساحل. وهذا يعني أن نشر مدفعية بعيدة المدى أو صواريخ تقليدية على هذا الجبل يجعل الساحل الشرقي ضمن مدى النيران، ما يصعّب على الحوثيين شن هجمات مضادة. فضلاً عن ذلك، فإن السيطرة على هذه القمم وعلى جبل زَلات، منذ 22 سبتمبر، تحرم الحوثيين من السيطرة النارية البصرية على الطريق الساحلي. كما تؤمّن الجناح الشرقي للمحور اللوجستي للتحالف، وهو شرط لا غنى عنه لمواصلة العمليات على المحور الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشمال باتجاه الحديدة. أحد مقاتلي الحوثيين في مرتفعات تعز. يمكن وضع كل ما سبق في إطار التحضير لتشكيل قتالي هجومي ضد الحديدة. وهذا مطلب جيوسياسي تتقاطع بشأنه مصالح متعددة، ولا سيما مصالح أميركية وأوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية. إن وجود ساحل شرقي للبحر الأحمر يضم ميناءً خاضعاً لسيطرة الحوثيين يشكّل ورقة بيد طهران ينبغي انتزاعها. وستكون العملية في الحديدة مكلفة، إذ يعزز الحوثيون دفاعاتهم جنوب المدينة وفي سهل تهامة المحيط بها، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى إصدار تحذير بإجلاء المدنيين. تنفذ القوات الموالية للحكومة مناورة كماشة انطلاقاً من عقد طرق، ولا سيما في حيس والخوخة. وقد قصفت البحرية السعودية بالفعل ميناء المدينة لتدمير مخزونات الألغام والطائرات المسيّرة البحرية. ومن المرجح أن تحظى القوات الموالية بدعم من الطيران السعودي، الأقوى في المنطقة، ولا سيما من الدعم الاستخباراتي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التي توفر معلومات استخباراتية تكتيكية في الوقت الفعلي. يجري إذن التحضير للهجوم على ميناء الحديدة. فأي تأخير في عملية الحديدة أو إلغاؤها سيمنح الحوثيين الوقت لإقامة منظومة دفاعية قتالية متينة، ويتيح لهم فرصة ضرب أهداف رخوة في عدن والسعودية، ولا سيما المطارات والمنشآت النفطية ومحطات تحلية مياه البحر. III. تأمين الداخل والمأزق الاستراتيجي: تعز ومأرب إذا تقدمت قوات التحالف على الساحل، فمن المؤكد أن الجبهات الداخلية ستتعرض لضغط هائل. تدافع عن مدينة تعز ما بين 15,000 و20,000 جندي من الجيش اليمني النظامي (الألوية 22 و17 و35)، تدعمهم مقاومة محلية وتعزيزات خارجية (درع الوطن والعمالقة). ويتمركزون بقوة في مرتفعات حضرية حول المدينة، ويبدون مقاومة شرسة للحوثيين. تمتلك هذه القوات مدفعية خفيفة وأنظمة حديثة مضادة للطائرات المسيّرة، كما أن قدرتها الدفاعية في القتال الحضري ممتازة. وتتعرض المدينة منذ بضعة أيام لحصار عملياتي كامل. وقد قطعت القوات الحوثية طريق هيجة العبد، وهو ممر جبلي يربطها بعدن، ما أدى إلى قطع شريان الإمداد بالكامل. يتلقى الحوثيون الذين يحاصرون المدينة إمدادات متواصلة من الشمال عبر محور صنعاء–ذمار–إب، الذي يتعرض باستمرار لضربات جوية سعودية ويمنية. وفي مواجهة هذا الوضع، يستخدم الحوثيون شبكات ثانوية من الوديان تتيح لهم الالتفاف على الحظر الجوي الذي يفرضه التحالف. وتحاول الحكومة فك الطوق عبر معارك عنيفة عند المعابر الجبلية التي لا يزال المتمردون يسيطرون عليها. تكتسب مأرب، الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة في شمال شرقي اليمن، أهمية استراتيجية كبرى، إذ تضم المنطقة بنى تحتية نفطية وغازية تمثل الموارد الرئيسية للحكومة اليمنية. ويستهدف هجوم حكومي مزدوج في هذا القطاع جبهات رغوان (شمال جبهة مأرب) والمناطق الجنوبية لحماية هذه المنشآت، التي تعد أهدافاً رخوة ذات أولوية للهجمات الحوثية المضادة. الخسائر فادحة لدى الطرفين، ومن بينها جنرال موالٍ للحكومة. وإلى جانب ذلك، فتحت الحكومة محوراً هجومياً مباشراً نحو العاصمة صنعاء، وتتقدم شمالاً في حرض (حجة/صعدة) باتجاه معقل الحوثيين في حيدان. ومع ذلك، ينبغي توقع جمودٍ في المعارك وحرب استنزاف، لأن ميزان القوى البرية لا يزال يميل لمصلحة الحوثيين. وتتمثل قوة القوات الحكومية في التفوق الجوي والتكنولوجي بفضل السعوديين والأميركيين، بينما يتمتع الحوثيون، الذين يملكون أفضلية عددية، بقدرات كبيرة غير متماثلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي لا يترددون في استخدامها ضد أهداف مدنية. IV. إعادة تشكيل التحالفات والامتداد الإقليمي يمثل تدويل الصراع منعطفًا جيوسياسيًا كبيرًا. ففي إطار ميثاق مكة، كانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل قدرات عسكرية داعمة على الأراضي السعودية. ويؤمّن هذا الانتشار الدفاع عن المجال الجوي والاستطلاع والتنسيق التكنولوجي، بما يتيح للقوات السعودية التفرغ للعمليات الهجومية في اليمن. أما أنقرة فتنتظر الضوء الأخضر من برلمانها للقيام بذلك، ولا يزال نوع القوات التي ستُنشر غير معروف، إلا أنها ستشمل بالتأكيد تقنيات متقدمة. سحبت الإمارات العربية المتحدة رعايتها المباشرة في اليمن. وتعيد أبوظبي توجيه استراتيجيتها نحو السيطرة على البنى التحتية للموانئ في القرن الأفريقي، ولا سيما في صوماليلاند وإثيوبيا، وكذلك نحو قوات الدعم السريع في السودان... ومع ذلك، يحرص الأسطول الإماراتي على إبقاء ممر البحر الأحمر مفتوحًا رغم تناقضاته مع السعودية في القرن الأفريقي. ولذلك قد يمتد الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية. وتواصل إريتريا والسعودية دعمهما للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع ذلك، تراقب الرياض عن كثب مساعي إثيوبيا، المدعومة من الإمارات، للوصول إلى البحر الأحمر، لما قد تسببه من زعزعة استقرار حليفها الإريتري. خامسًا: الآفاق وتقييم المخاطر ينذر الصراع اليمني بأن يصبح بؤرة مواجهة متعددة الأطراف للسيطرة على الأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية. وبما أن تحقيق نصر سريع لأي من الطرفين أمر مستبعد، فإن السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف عنيفة ومدمرة خلال الأشهر المقبلة.
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
العالم الجديد
صورة المؤلف
بقلم خيرالله خيرالله - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 06:32
صورة للأخبار
(تصوير أحمد الربيعي/وكالة فرانس برس)
في الذكرى السنوية الثالثة لـ“طوفان الأقصى” ومأساة غزّة التي تسببت بها “حماس”، يبدو مشروعًا التساؤل: أين العرب؟ بل أين إيران؟ وإسرائيل إلى أين؟ بات هذا السؤال، إلى إشعار آخر، من النوع الذي تستحيل الإجابة عنه. يعود ذلك إلى أنّ المشاكل التي يعاني منها العالم العربي، أو على الأصح العوالم العربيّة، لا تبدو قابلة للحلّ في المدى المنظور، لا لشيء سوى لأنّ مفتاح الحلّ موجود في معظم الأحيان في طهران، وليس في هذه العاصمة العربيّة أو تلك أو لدى جامعة الدول العربيّة، طبعًا. تعاني جامعة الدول العربيّة من أزمة بنيوية. تعكس هذه الأزمة حال الترهّل العربي. أظنّ أنّ كلمة “ترهّل” كلمة لطيفة. يكفي، من أجل التأكّد من استحالة إعطاء جواب عن سؤال العرب: إلى أين العرب؟ التفكير في ما آل إليه العراق الذي تحكمه إيران عبر ميليشياتها المذهبيّة. المفارقة أنّ العراق، الذي نجحت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في نقل تجربة “الحرس الثوري” إليه، بات في وضع محيّر. كيف يمكن لنظام حرّرته الدبابة الأميركيّة من نظام صدّام حسين الاحتفال بخروج آخر جندي أميركي من العراق، وأن يتحدّث رئيس الوزراء علي الزيدي عن استعادة البلد لسيادته؟ المفارقة أنّ من يحتفل هذه الأيّام باستعادة العراق لسيادته يرفض الاعتراف بأنّ الأميركي رحل فيما الإيراني بقي. الإيراني حاضر في العراق أكثر من أيّ وقت… من دون أن يمنع ذلك السؤال: أين إيران وإيران إلى أين؟ الأخطر من ذلك كلّه أنّ سقوط العراق في العام 2003، عندما سلّمت إدارة جورج بوش الابن البلد إلى إيران، أدّى إلى خلل على صعيد التوازن الإقليمي لا تزال المنطقة تعاني منه إلى يومنا هذا. يأتي التركيز على العراق نظرًا إلى أنّ سقوطه في يد إيران كان سقوطًا للنظام الإقليمي كلّه. هذا النظام الذي قام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. قد يكون مفيدًا التذكير بأنّ سايكس–بيكو كان في 1916 ووعد بلفور في 1917. لم يستوعب العرب يومًا ما سايكس–بيكو، ولم يفهموا معنى وعد بلفور والمترتّب عليه. لم يكن الاجتياح الأميركي لبلد عضو في جامعة الدول العربية، فيه قوميات عدّة، مجرّد سقوط لنظام عراقي متخلّف، لا يمكن التأسّف على سقوطه. لا مجال لأيّ أسف في ضوء ما ارتكبه صدّام حسين من أخطاء قاتلة، إن في حقّ العراقيين أو حقّ دول المنطقة، في مقدّمها الكويت. على الرغم من ذلك كلّه، كان سقوط النظام العراقي سقوطًا لبلد ولحدود فاصلة بين العرب والفرس. تعاني المنطقة كلّها من هذا الخلل الذي جعل طهران تسيطر على بغداد بدلًا من أن يكون العراق بكلّ مدنه درعًا في وجه المشروع التوسّعي الإيراني… وهو مشروع استطاع أن تكون له انطلاقة جديدة، في الإقليم كلّه، انطلاقًا من العراق. ليس “أين العرب؟” مجرّد سؤال، بمقدار ما أنّه سؤال يجرّ إلى أسئلة لا أجوبة عنها. على سبيل المثال، وليس الحصر، من يُخرج إيران من العراق على غرار إخراجها من سوريا؟ هل يمكن إعادة الحياة إلى بلد مثل اليمن، بلد تشظّى كليًا بعدما استطاعت إيران، بفضل الحوثيين، السيطرة على جزء منه وتحويله إلى مصدر خطر على السعودية وعلى الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي على قناة السويس؟ ما مصير لبنان حيث سلاح “حزب الله” الذي لا يزال يتحكّم بالبلد؟ هذا السلاح المذهبي، سلاح إيراني، لم يكن من هدف له في يوم من الأيّام غير إخضاع اللبنانيين، وفي مرحلة معيّنة السوريين. كان اللبنانيون وما زالوا هدفًا لإيران و“حزب الله”. لم تكن إسرائيل سوى ذريعة للاحتفاظ بهذا السلاح. ما لم يكشفه الاحتلال الإيراني للعراق كشفه “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات. أدّى يحيى السنوار، الذي لعب دورًا محوريًا في شنّ “طوفان الأقصى”، بصفته قياديًا في “حماس”، دورًا في تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. انتقل الصراع إلى داخل إيران نفسها. غيّر “طوفان الأقصى” طبيعة إسرائيل التي لم تعد تؤمن سوى بالرغبة في التوسّع من أجل المحافظة على أمنها. على الرغم من أنّ إسرائيل أظهرت أنّها تمتلك قدرات عسكريّة واستخباراتيّة غير طبيعيّة، يبقى في النهاية سؤال من نوع آخر لا إجابة عنه على غرار السؤال المتعلّق بالعرب. هذا السؤال هو: إسرائيل إلى أين؟… وأيّ مستقبل لها من دون مشروع سياسي قابل للحياة بصفة كونها جزءًا من المنطقة ودولة من دولها عليها العيش بسلام وأمان مع محيطها ومع الفلسطينيين، كشعب موجود على أرض فلسطين… أي موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
بشار ما زال يَحُوم في دمشق
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

منذ عامٍ تماماً، انهار بشار الأسد، جارفاً معه نصف قرن من الطغيان العائلي، المتنكّر في ثوب “العلمانية” الحداثوية وفي دور السدّ المزعوم في وجه الفوضى. وداعاً بلا أسف. وداعاً لنظام جعل السوريين مادةً أولية لهندسة الرعب، باسم عروبة زائفة ملحقة بـ”تحالف الأقليات”، سُلّمت تباعاً إلى إيران وروسيا، وكانت في المحصلة مريحة إلى حدّ كبير لإسرائيل. وداعاً لسلطة حوّلت الطائفة العلوية إلى درعٍ بشري ورأسمالٍ سياسي، ولم تصمد إلا بزجّ “الله نفسه” في أقبية صيدنايا. وداعاً أيضاً لتلك الخرافة المريحة التي ادّعت أن الهمجية هي الثمن الواجب دفعه لتفادي ما هو أسوأ: الفوضى، الإسلاموية، حرب الجميع ضد الجميع. سوريا دفعت الثمن الأغلى لتثبت أن الأسوأ كان هو. فتح السجون، وكشف “سراديب” النظام، جاء كصدمة كهربائية متأخرة. كثيرون ممّن راهنوا حتى اللحظة الأخيرة على الإنكار أو على التلطيف الانتهازي، واجهوا أخيراً طبيعة هذا النظام الوحشية—إلا إذا كانوا مصابين بالعمى الأخلاقي، وهو داء عابر للعصور والثقافات للأسف. اكتشفت سوريا أنها لم تعش تحت دكتاتورية فحسب، بل داخل كونٍ اعتقالي مكتمل، حيث لم يكن الخوف أداةً استثنائية، بل لغة السلطة ذاتها. عائلات المفقودين تلقّت، إلى جانب أدلة الرعب، التأكيد المريع لما كانت تعرفه سلفاً: قتلَاهم لم يكونوا “أضراراً جانبية”، بل وقود النظام. لن ينوح أحد على الأسد. ولا حتى حلفاؤه الذين تخلّوا عنه قبل سقوطه. ولا حتى جيشه الذي لم يفعل شيئاً لحمايته. الأسد ينتمي إلى المقبرة الجماعية للتاريخ—بل إلى مكبّ نفاياته إن صح التعبير. ` في هذا الفراغ، برز اسم آخر: أحمد الشرع. قائد الحرب السابق، الجولاني السابق الذي أعيدت صياغته ليلائم العواصم، أصبح في وقت قياسي وجه سوريا ما بعد الأسد. استبدل البزّة العسكرية بالبدلة، وقاموس الفتوى بلغة “إعادة الإعمار” و”الميثاق الوطني”، قصّر لحيته وربط ربطة عنق—لكن دون أن يتمكّن من محو ذاكرة ما كان عليه بالكامل، مهما حاول. بالنسبة للمجتمع الدولي، سمح تحوّل الجولاني إلى الشرع بخفّة يد: لم يعودوا يتعاملون مع منبوذٍ إبادوي، بل مع رئيس “قابل للترويج”. السؤال لم يعد ما الذي يمثّله للسوريين، بل ما الذي يتيحه للآخرين لتسويته. وفي اللحظة نفسها، أعيد فتح سوريا على العالم بعد نصف قرن من الانغلاق في خدمة عائلة مافيوية متلفّعة برداء الطائفة العلوية وعروبة شكلية. من هذه الناحية، لا بأس. رفع العقوبات تدريجياً، عودة الاستثمارات، انفتاح دمشق على الليبرالية—كل ذلك خطوة هائلة. في بلدٍ منهك، مدمّر بالحرب والفساد وافتراسات الميليشيات والرعاة الأجانب، فإن مجرد عودة الرساميل، وفتح الخطوط الجوية، ولمح الرافعات في الأفق، يشكّل ثورة صامتة. لكنها ثورة اقتصادية معلّقة، على المدى البعيد، بسؤال سياسي: من المستفيد من هذا الانفتاح وتحت أي شروط؟ الأمل أن يكون—ولو لمرة—الشعب السوري. لكن في الصورة ظلٌّ حزين. بل أكثر: قاتم. فالانفتاح على العالم لم يُرافقه انتقال ديمقراطي حقيقي. لا الدستور الجديد، المفصّل لضمان ديمومة السلطة الجديدة، ولا المعالجة الدموية للأقليات العلوية والدرزية والكردية على الأرض، يعكسان قطيعة واضحة مع منطق الماضي. تغيّر القناع وتطوّر الخطاب، لكن الانعكاسات القديمة باقية. لم يتمكّن الشرع—وهذا أقل ما يُقال—من معالجة مسألتي وحدة الأراضي السورية والتعدّدية إلا عبر العودة إلى الانعكاس القديم: القوّة الغاشمة. لم تُفكّك الأجهزة الأمنية فعلياً، العدالة الانتقالية بقيت شعاراً، والخطوط الحمراء غير المعلنة ما زالت تطوّق بإحكام الكلام السياسي وحرية التنظيم. والميليشيات تنشط بلا عقاب حيث يُفترض ترميم السيادة. الشبيحة بدّلوا فقط مواقعهم. صحيح أن الانتقال صعب. لم يرث الشرع دولة، بل أنقاضاً: مناطق نفوذ أجنبي، جيوب مستقلة بحكم الأمر الواقع، فسيفساء ميليشيات لم تُلقِ جميعها السلاح، اقتصاد ظلّ متضخّم، مجتمع مرهق ومصدوم. حاز شرعيته الدولية، على الأرجح، مقابل التزامٍ معلن جزئياً باتفاقيات أبراهام—ما لم يكن الأسد قادراً على تقديمه علناً لكنه كان يمارسه سراً. الرسالة الضمنية واضحة: نُعترف بك شرط أن تدخل المنظومة الإقليمية كما هي، بما تحمله من مساومات ونفاق وخطوط حمراء. استُبدلت إيران وروسيا بمظلّة سنّية سعودية-تركية، برعاية المجتمع الدولي، وخصوصاً واشنطن. أهي بشرى أم لا؟ المستقبل وحده يجيب. لكن في كل الأحوال، لن يأسف أحد على بقايا الإجرام التي خلّفها خامنئي وبوتين على الأرض السورية—مع الدعاء ألا يعيد التاريخ نفسه في السياق الجيوسياسي الجديد. إسرائيل، من جهتها، تتحسّب لنظام سنّي قوي قد يُعيد يوماً إحياء القضية الفلسطينية: في هذه القراءة، العدو أولاً هو السنّي. أما الأقليات الأخرى، فيُهمَّشون حين يلزم، ويُستثمرون حين يلزم. ميكيافيلية فجة. فتأخذ تل أبيب المبادرة بفرض منطقة عازلة أمرٍ واقع في سوريا، واستغلال جزء من الأقلية الدرزية، وضمان ألا يصبح الكيان السوري الجديد قطب مقاومة منظّم—ودفع النظام الجديد إلى التنازل وعقد السلام. لكن كل ذلك لا يبرّئ النظام من المجازر المرتكبة بحق مدنيين أبرياء على أساسٍ طائفي، ولا يبرّر التصفيات الإثنو-طائفية على الساحل. لا يُغسل نصف قرن من الجرائم بإنتاج دفعة جديدة من الشهداء. اختبار حاسم ينتظر الشرع: أن يطوي نهائياً الصفحة الدموية لنظام الأسد عبر احترام—على الرغم من التحديات الهائلة والفخاخ من كل صوب—الحريات، والديمقراطية، والتعدّدية، وحقوق الإنسان، وكرامة الإنسان وغايته، وحق الحياة. أن يقطع مع منطق “العدو الداخلي” الدائم؛ أن يفهم أن الأمن لا يُبنى ضد المجتمع بل معه؛ وأن يقبل بأن الطوائف العلوية والدرزية والكردية ليست كبش فداء ولا جسماً غريباً يُعاقَب، بل جزءاً لا يتجزأ من العقد الوطني. حتى الآن، لا بد من الإقرار بأن الشرع، بعد عام، لم يتمكّن من محو الأسد الذي فيه… ولا الجولاني. وهنا تكمن المأساة. يستحضر المرء تلقائياً تحذير حنّة آرندت من أعمق فخّ في الخروج من الطغيان: يُسقط الطاغية، لكن البنية الذهنية التي صنعها لا تُسقط بضربة واحدة. الشمولية ليست جهاز دولة فحسب. نحن أمام ما يسميه المحلّل النفسي شوقي أزوري “متلازمة بينوشيه”، أي تَماهِي المجتمع مع الممارسات البدائية للنظام على امتداد نصف قرن. ما بعد دولة الهمجية هو الانحدار إلى الهمجية نفسها، رغم الزخم الثوري الذي سحقه النظام مع رموز الدينامية المدنية. نجح الأسد في ترسيخ نمط كامل لرؤية العالم، وتربية كاملة على الخوف، على شاكلة “الأخ الأكبر” عند أورويل. لقّن، عاماً بعد عام، فكرة أن الآخر تهديد، وأن الاختلاف شبهة، وأن النظام لا يُحفظ إلا بالقوة. امتصّ المجتمع هذه القوالب كطبيعة ثانية، إلى حدّ أن سقوط السيّد لا يكفي لمحوها. سوريا، بعد عام على بشار، ما زالت تحمل الندوب. الريبة تجري كمنعكسٍ عضلي قديم؛ إغراء “العدو الداخلي” يبقى أقصر الطرق الذهنية؛ هاجس الأمن يتقدّم على المخاطرة السياسية؛ ومفهوم التعدّدية الحقيقية ما زال يرعب مجتمعاً دُرِّب خمسين عاماً على اعتبار الاختلاف ثغرة. الطاغية رحل، لكن الطغيان لم يغادر بعد: يسكن الإيماءات، والصمت، والعادات، ومنعكسات البقاء. ذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر الشرع—إذا كان قادراً ومقتنعاً: لا إدارة ما بعد الأسد فقط، بل شفاء الداخل المجتمعي الملوّث بعقود من الرعب، وإعادة تعليم شعب أن الحرية ليست خطراً وأن الدولة ليست مفترساً. كانت آرندت ستصوغها بشكل آخر، لكن الفكرة واحدة: لا يُغادر النظام الشمولي فعلاً إلا حين يتوقّف الخوف عن كونه اللغة الأم للسياسة. ما دامت تلك القواعد النحوية قائمة، يخاطر البلد لا بالعودة إلى النظام القديم، بل بإعادة إنتاجه باسم آخر. لا يُفكَّك معسكر اعتقال لبناء آخر.

لا يكفي نزع سلاح حزب الله، بل يجب تدجينه

حتى تحت القصف، وحتى عندما ستطاردهم جماعات الثأر السورية أو العدالة الدولية، لن يقبل المنتسبون إلى حزب الله بالاندماج في البوتقة الوطنية. ولن يتصرفوا كما قد تتصرف حركة أمل، اللبنانية في عيوبها وخطابها وتسوياتها. والسبب واضح: فالتاريخ الحديث قدّم سابقة تثير الريبة. فلا أحد نسي ما حدث للقوات اللبنانية بعدما قبلت باتفاق الطائف وسلّمت سلاحها: دفعت الثمن غالياً، إذ سُجن قائدها وتعرّض كوادرها للاضطهاد والاغتيال. مع ذلك، لم يتخلّوا عن قناعاتهم، ولم يتراجع عددهم بشكل كبير. وقد أشيد بقدرتهم على الصمود، تلك القدرة التي نُسبت إلى ما تلقّوه من تعبئة فكرية، وهي تعبئة لم تمنعهم من العودة والاندماج في الحياة المدنية العلمانية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن فعلاً أن تنسجم عقيدة ولاية الفقيه وطابعها الديني مع دولة قانون تقوم أساساً على الحريات الفردية وعلى مبدأ العلمانية؟ السذاجة و عدم البصيرة في هذا الوقت، يواصل «ذوو النوايا الحسنة» ترداد شعار: «سلّموا سلاحكم، وعودوا إلى كنف الدولة، فلكم فيها موقعكم الطبيعي». لكن حزب الله، قبل أن يصبح ميليشيا بحجم جيش، هو نتاج حركة دينية–سياسية عمرها قرون. فمحاولة تحويله إلى حزب سياسي عادي هو إنكار لطبيعته. وحزب الله ليس مستعداً لحلّ نفسه. وحتى لو قرر تسليم سلاحه، فإن الحزب المدعوم من إيران ليس في وارد التخلي عن لبنان الذي وقع في أسره. فقد نجح الإيرانيون في اختراق إدارتنا إلى درجة باتت فيها شبكاتهم الموازية تمتلك سلطة قرار حقيقية، وليس مجرد قدرة على التعطيل. فالدولة العميقة التي استثمر فيها الحزب تمثل «سلطة غير مرئية، لا يمكن رصدها داخل مؤسسات الجمهورية الشرعية، لكنها تؤثر في القرارات السياسية الكبرى وفي سير المجتمع». والموفدون الأميركيون الذين يتناوبون على متابعة الوضع اللبناني يكررون هذه الحقيقة، في حين يرفض الحكم اللبناني الاعتراف بها ويفضّل البقاء في حالة إنكار مريحة. النموذج الألماني في نزع النازية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عمل الحلفاء الغربيون على اجتثاث النازية في المناطق التي احتلوها من إلمانيا. فأجروا التحقيقات في قطاعات التعليم، والحقوق، والمال، والإعلام وغيرها.إلا أنّ العملية كانت ديمقراطية، فجاءت نتائجها محدودة. أما في الجانب السوفياتي، فكانت المقاربة مختلفة تماماً: تطهير واسع، إعدامات سريعة، و«تذاكر ذهاب فقط» إلى الغولاغ. كيف يمكن «نزع حزب الله» من الدولة؟ نعود إلى لبنان، العالق في المأزق. فالبلاد لا تستطيع الإصلاح فيما تبقي على الوضع القائم. فما الفائدة من الإبقاء على موظفين يدينون بالولاء للخارج وينتمون إلى أجهزة طهران؟ لإنقاذ لبنان، المطلوب أكثر بكثير. من مجرد نزع سلاح حزب الملالي

سوريا: بين التحديات والفرص (٤/٢)
بقلم
سيرجيو صفدي
نُشر

في مقالتنا السابقة، استعرضنا مختلف الأصول الاقتصادية لسوريا. فبفضل أراضيها الخصبة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، تتمتع البلاد بإمكانات اقتصادية كبيرة لا تزال غير مستغلّة. كما أنه، ومنذ سقوط نظام بشار الأسد وتسلم أحمد الشرع السلطة، ورفع العقوبات الأميركية والأوروبية عنها، وعقد القمة السورية – السعودية في تموز 2025، بدأت ملامح ديناميكيات جديدة تتبلور لإعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا في محيطها العربي وفي التجارة العالمية. لكن الصورة ليست مشرقة بالكامل في سوريا ما بعد الأسد، فما زالت هناك تحديات كثيرة امام إعادة بناء الدولة ونظامها الاقتصادي. الامن يشكل الامن اول التحديات أمام السلطات الجديدة. فبعد أكثر من 13 عاماً من حربٍ أهلية شاركت فيها فصائل متعددة وجنسيات مختلفة ، ما زالت البلاد تعاني حالة من عدم الاستقرار. من ابرز التهديدات، الأمن في المناطق الساحلية و في السويداء، والهجمات الإرهابية ضد المجتمع المسيحي. وكذلك الاشتباكات المتكررة على الحدود اللبنانية مع مجموعات موالية لحزب الله، والغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا. الحكومة تعمل تدريجياً على ترسيخ نفوذها وتحاول استعادة النظام والأمن على مستوى البلاد. إلا أن الطريق ما يزال طويلاً، فإذا لم تواصل الحكومة جهودها لتحسين الوضع الامني، فسيتردد كثير من المستثمرين قبل الالتزام بوعودهم. كل شيء بحاجة لإعادة بناء يُقدّر صندوق النقد الدولي أن ما يقارب 50% من الوحدات السكنية في سوريا قد دُمّر أو هو بحاجة ماسة للترميم. كما أن نحو نصف السكان في الوقت الحالي هم من النازحين خارج البلاد. ومع بدء عودة النازحين، من المؤكد أن الطلب على المساكن سيتصاعد. من ناحية أخرى، جزء كبير من البنية التحتية والخدمات العامة في البلاد قد دُمّر، بما في ذلك المصانع، المستشفيات، محطات ضخ المياه، محطات الطاقة، آبار ومصافي النفط ... وهي جميعها ضرورية لعملية إعادة الإعمار. من المتوقع أن تسدد الاستثمارات الخليجية هذا النقص في البنية التحتية وتساعد البلاد على النهوض مجدداً، لكن ذلك سيستغرق سنوات طويلة قبل أن تدخل هذه الطاقات الإنتاجية الجديدة حيّز التشغيل. في هذه الأثناء، و بحسب البنك الدولي من المتوقع أن تخلق مشاريع إعادة الإعمار نحو 200 ألف وظيفة ، وأن تجذب مليارات الدولارات إلى البلاد، مما يعزز احتياطات مصرف سوريا المركزي من العملات الأجنبية. التحديات الاقتصادية الهيكلية الكبرى بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب الأهلية، أصبح الاقتصاد السوري في حالة انهيار. انخفض الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار عام 2010 إلى ما لا يزيد على 20 مليار دولار في عام 2022. وفي عام 2018، خفّضت الأمم المتحدة تصنيف سوريا من دولة نامية (مثل الهند أو المكسيك أو إندونيسيا) إلى دولة منخفضة الدخل (مثل أفغانستان أو بوركينا فاسو أو أنغولا). ووفقاً للأمم المتحدة، يعيش قرابة 90% من السكان حالياً تحت خط الفقر، بأقل من دولارين يومياً. كما فقدت الليرة السورية نحو 99% من قيمتها. في عام 2010 كان الدولار الأميركي يعادل 47 ليرة، ليصل في خريف 2024 إلى نحو 22 ألف ليرة. ومنذ سقوط الأسد، تعزز سعر الصرف ليقترب من 11 ألف ليرة للدولار الواحد، لكن البنك المركزي لا يملك سوى 200 مليون دولار من الاحتياطيات الأجنبية، مما يجعله عرضةً لازمة نقدية جديدة. في المقابل، يُقال إن البنك المركزي يحتفظ بنحو 26 طناً من الذهب بقيمة تقترب من 3 مليارات دولار (على أساس 3,700 دولار للأونصة). يمكن أن يُستخدم هذا الذهب كضمانة للحصول على تسهيلات مصرفية وقروض حيوية للبلاد. أخيراً، تدين الحكومة السورية بنحو 23 مليار دولار لمختلف الدائنين، وهو ما يمثل حوالي 115% من الناتج المحلي الإجمالي، أغلبه لإيران (17 مليار دولار) وروسيا (1.2 مليار دولار). يستنزف سداد هذا الدين قرابة 30% من ميزانية الدولة، المبلغ الذي كان من الممكن استعماله لإعادة الإعمار أو الخدمات العامة. تدرس الحكومة الحالية رفض سداد ديونها لإيران وروسيا، اذ تصف هذه الديون بأنها "ديون بغيضة"، أي تلك التي نشأت من دون موافقة أو استفادة للشعب بل على العكس جزءاً كبيراً من هذه الديون استخدمه نظام الأسد لشراء الأسلحة والوقود لمحاربة الشعب نفسه. إلا أنه لا يوجد في القانون الدولي سابقة واضحة للتعامل مع مثل هذه الديون وسيؤدي التخلف عن سداد جزء أو كامل هذه الديون إلى تقويض مبدأ "استمرارية الدولة" الذي ينص على أن الحكومات الجديدة ترث أصول والتزامات أسلافها وهي ملزِمة لها. الحاجة إلى مؤسسات قوية إن إصلاح المؤسسات العامة، ومحاربة الفساد، وتحسين الحوكمة والشفافية، أمور أساسية لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين. فبدون سيادة قانون موثوقة، تتعرض كل المبادرات الاقتصادية للانهيار. إن تعزيز المؤسسات القضائية والإدارية والاقتصادية هو شرط اساسي لوضع سوريا على مسار النمو المستدام. كما ان خصخصة الاقتصاد لا تقل أهمية عن باقي الإصلاحات المطلوبة، إذ كان نظام بشار الأسد يسيطر على معظم وسائل الإنتاج ويمسك مباشرة بزمام الاقتصاد. فمن الضروري خصخصة القطاعات الرئيسية وفتح المجال لمزيد من المنافسة، بما يحفّز على المبادرات الفردية. إعادة الاندماج الاجتماعي وإدارة عودة النازحين لقد نزح ملايين السوريين داخل البلاد أو لجأوا إلى الخارج. وتمثل عودتهم تحدياً اجتماعياً واقتصادياً يتطلب دعماً وبرامج اندماج. فمن دون هذه الإجراءات، ستتعرض سوريا الى خطر التفكك الاجتماعي، والى التوترات المجتمعية، والى استمرار الهشاشة في الوضع لفترة طويلة. كل ذلك من شأنه أن يعيق بشكل خطير زخم إعادة الإعمار والتنمية في البلاد. إن التحديات التي تواجه سوريا كثيرة ومعقدة، لكنها ليست مستعصية. قضايا الأمن، وإعادة بناء البنية التحتية، والاستقرار الاقتصادي، والاندماج الاجتماعي، وإصلاح المؤسسات، كلها امور يجب أن تُعالَج بطريقة منسّقة لبناء بيئة مستقرة وجاذبة. فمن خلال تجاوز هذه العقبات، يمكن لسوريا أن تهيّئ الظروف لسلام دائم وتستفيد أخيراً من إمكاناتها الاقتصادية الهائلة لصالح شعبها والمنطقة بأسرها.

دول الخليج العربي ونهضتها الثقافية

تُظهر نظرة سريعة على المشهد الثقافي والفني المتنامي في دول الخليج الموارد الهائلة المُخصصة لمجموعة واسعة من المشاريع، التي غالبًا ما تكون فخمة ورائدة، وتهدف إلى تعزيز الفن والثقافة، على أسس قد تختلف من دولة لأخرى. ويتجلى حماس مماثل في جميع المجالات، مما يعكس رغبة مشتركة في الانفتاح والتبادل مع عالم الثقافة والفن. لا شك أن جميع هذه المشاريع تُسهم في تعزيز نوع من "الدبلوماسية الثقافية" - إن صح التعبير - وتعزيز التأثير الثقافي لهذه الدول على الصعيد الدولي. ومع ذلك، من الخطأ اختزال الإنجازات التي تحققت بالفعل وتلك المُخطط لها إلى مجرد عملية تسويقية. فإلى جانب الحجم الهائل للمشاريع الجارية، هناك دوافع أخرى أكثر أهمية. في المجتمعات التي تشهد تحولات عميقة، يُعدّ الفن والثقافة محركين للتحول الاجتماعي والسياسي. لكنها في الوقت نفسه وسيلة لحماية ونقل معارف البلاد وتقاليدها وإرثها الثقافي. كما أنها تُسهم بشكل كبير في تعزيز الفخر الوطني وترسيخ الشعور بالانتماء. ويدرك قادة دول الخليج هذا الأمر تمامًا. ويتجلى حرصهم على الحفاظ على هذه الهوية الثقافية وتعزيزها جليًا في جميع المشاريع المنفذة أو قيد التطوير. وبعيدًا عن القضايا التي يمكن وصفها، على نطاق أوسع، بالجيوسياسية، يُعد الفن، في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، حارسًا للذاكرة. كما أنه يسمح بتغيير سلس وعميق في المجتمع. إنه الخيط الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. ولتحقيق هذه الغاية، يشجع القادة المشاريع الفنية والثقافية الطليعية، مع التركيز في الوقت نفسه على الحفاظ على التراث الثقافي والتقاليد والخبرات المتوارثة وتعزيزها. في سلسلة من المقالات المخصصة لهذا الموضوع، تناولت "ليفانت تايم" المشاريع الرئيسية التي تعكس بوضوح رغبةً في تحويل دول الخليج إلى مركز ثقافي وفني عالمي، ومكانًا للتبادل بين مختلف الفاعلين الثقافيين في مجالات متنوعة كالرسم والموسيقى والرقص والسينما والأدب. هذه المشاريع طموحة ومتعددة، لكن المخاطر كبيرة بنفس القدر. في ظل السياق الحالي السائد في هذا الجزء من العالم وعلى الصعيد الدولي، هل ستنجح هذه المجتمعات سريعة التغير في إيجاد توازن مناسب بين التراث العربي الإسلامي من جهة، وواقع القرن الحادي والعشرين من جهة أخرى؟ هل ستتمكن من دخول عالم الغد ببراعة وبدء عصر نهضة فنية وثقافية، على غرار عصر النهضة الإيطالية مثلاً؟ هل ستنجح في تحولها دون أن تفقد هويتها وروحها على طول الطريق؟ هذه بعض الأسئلة التي ستحاول "ليفانت تايم" الإجابة عليها في سلسلة مقالاتها المخصصة للمشاريع الثقافية والفنية الكبرى في مختلف دول الخليج. المقال التالي: دار الأوبرا السلطانية في مسقط

المشرق: فلنجرئ ونأمل بالسلام
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

طُرح السؤال التالي على أحد برامج الذكاء الاصطناعي: هل شهدت بلاد المشرق فترة سلام حقيقية منذ نشأتها؟ الإجابة قاتمة. لقد شهدت المنطقة فترات من الهدوء، لكنها لم تنعم بسلام دائم. الفترة الوحيدة التي يمكن وصفها بالاستقرار هي فترة السلام الروماني (باكس رومانا)، من القرن الأول إلى القرن الثالث. سلام فُرض بحد السيف، سلامٌ عسكريٌّ بالقوة. سلامٌ بثمن دماء، حتى الذكاء الاصطناعي يعجز عن تقدير ثمنه. كانت الصراعات المختلفة مدفوعةً في المقام الأول بدوافع دينية، مرتبطة باعتبارات سياسية أو إقليمية أخرى. ومن المفارقات أن المفهوم الوحيد القادر على توفير السلام الحقيقي اليوم هو اسم السلف المشترك الوحيد للأديان التوحيدية الثلاث التي تعاقبت، والتي سُفكت من أجلها دماءٌ كثيرة، ولا تزال تُسفك: إبراهيم، إبراهيم. باسم يهوه، أو الله، يتقاتل الناس. ومع ذلك، يتوق الكثيرون إلى سلام دائم، لكن هذا السلام له ثمن: التسامح. كم جيلاً سيستغرق الأمر حتى يُمنح هذا التسامح أخيرًا، ويصبح السلام الحقيقي ممكنًا بين شعوبٍ تتقاتل فيما بينها منذ قرون، على نفس الأرض وفوقها؟ ومع ذلك، في الديانات الإبراهيمية الثلاث، تُردد نفس الوصية وتُردد: "أغفر تمامًا لكل من آذاني أو أساء إليّ". "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن لمن أساء إلينا". "جزاء الشر شرٌّ مساوٍ. ومن يغفر ويُعيد السلام، فأجره على الله". هذه الأبيات الثلاثة تنتمي إلى الديانات الثلاث، حسب ترتيب ظهورها. الجرائم التي ارتكبها كل طرف ضد الآخر شنيعة. ومحاولة العودة إلى العصر الحجري لتحديد الشعوب التي احتلت أي أرض هي محاولة عقيمة ولا طائل منها. على سبيل المثال، امتد الفينيقيون حتى جبل طارق. هل نطالب إذن بالدول التي استعمرها أجدادنا؟ بالتأكيد لا، خاصةً وأننا نكافح بالفعل لإدارة مساحة 10,452 كيلومترًا مربعًا من بلدنا الصغير. من الصعب نسيان الجروح التي لا تزال مفتوحة والأنقاض المشتعلة للحروب الأخيرة. ولكن هل حُكم على الأجيال القادمة بتحمل عبء أخطائنا؟ في مرحلة ما، يجب أن نعالج الماضي ونفكر في المستقبل: مستقبل أطفالنا، وأطفالهم، ومن سيأتون بعدنا. ألفي عام من التاريخ والصراع مقابل بضع مئات من أعوام السلام: المعادلة تتحدث عن نفسها. نحن لا نختار عائلتنا، ولا البلد الذي نولد فيه. ولكن يمكننا التأثير على مجرى الأحداث. كل ما يتطلبه الأمر هو التخلي عن كبريائنا والتسامح. ولعل التسامح هو أصعب خطوة على الإطلاق. كتب الفيلسوف المعاصر جوناثان لوكوود هوي: "سامح الآخرين، ليس لأنهم يستحقون التسامح، بل لأنك تستحق السلام". لقد غرق جيلنا في سكون الحرب طوال حياته، ولم ينل سوى قسط من الراحة لمدة خمسة عشر عامًا تقريبًا. ولعل لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي كان مسرحًا لحروب الآخرين: حروب الكتل، وحروب الدعم، والحروب بالوكالة. حتى حربه الأهلية لم تكن حربًا أهلية في جوهرها. لقد حان الوقت لتجنيب بلادنا حروبها، وخاصة حروب الآخرين. لعلّ من السذاجة أن نأمل في سلام دائم، وأن نعتقد أننا قادرون على إثبات خطأ مقولة "بوبي": "أردت، وتمنيت أن يسود السلام... لكن كل شيء استمر، لا، لم يتغير شيء." في الوقت الحاضر، يبدو أن كل شيء يتجه نحو تسوية للصراع، نحو أمل السلام؛ ولعلّه من السذاجة التشبث بهذا الأمل. كما كتب فيرجيل غيورغيو في "الساعة الخامسة والعشرون"، فإن الجحيم يفقد كل أمل. نحن بالفعل نعاني من جحيم مادي كل يوم؛ فلا حاجة لإضافة جحيم أخلاقي إليه. لذلك، فلنجرؤ على صنع السلام...

أوروبا في مواجهة شياطينها
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

لا — لا يمكن التعامل مع الحرب التي أطلقتها روسيا ضد أوكرانيا بوصفها اضطرابًا هامشيًا، ولا باعتبارها نزاعًا بسيطًا على الأرض، مهما حاول البوتينيون، على اختلاف أطيافهم، تسويق ذلك. إن العدوان الروسي يكشف شرخًا أعمق: صدامًا بين رؤيتين للعالم. من جهة، الحرية وسيادة القانون؛ ومن جهة أخرى، الحنين إلى نظامٍ إمبراطوري يُبعث من جديد تحت لافتة «عصرٍ ذهبي» مُؤسطر، مشيَّد على الهيمنة والرعب. إن ما يتكشف اليوم فوق التراب الأوكراني هو محاولة متعمدة لإحياء المنطق الإمبراطوري الروسي وفرضه بوصفه النموذج السياسي لهذا القرن. فمعركة دونباس ليست مناوشة محلية. إنها اختبار لأوروبا بأسرها — لشجاعتها، لذاكرتها، ولمستقبلها ذاته. لا أقل من ذلك. إن نظام فلاديمير بوتين لا يسعى إلى ضم أرض وحسب؛ بل يطمح إلى إعادة تشييد بنيةٍ إمبراطوريةٍ واضحة المرجعيات: بطرس الأكبر، كاترين الثانية، وفكرة «الفضاء الحضاري» المُقدَّس بأسطورة «العالم الروسي»، حيث لا يُنظر إلى الشعوب كذوات سياسية، بل كمادةٍ إثنية قابلة للامتصاص، أو لإعادة التشكيل، أو للمحو. وكل إمبراطورية تقوم على نفي القانون. فلا سيادة شعبية، ولا تعددية، ولا حرية فردية. الحرية غريبة عن بنائها — مفهوم دخيل لا مكان له فيها. ولذا، فهذه الحرب موجّهة إلى جوهر الفكرة التي تمثّلها أوروبا. فأوروبا ليست، في حقيقتها، مساحة جغرافية؛ بل هي، في تصور مؤسسيها، طريقة للوجود في العالم: تصور مخصوص لكرامة الإنسان، للشرعية، للجدل، ولمساواة الحقوق. إنّها ابنة الأنوار، وابنة الرفض الحاسم للرعب. نشأت من رحم التعاون، لتعيد بناء ما دمّرته ثقافة الإقصاء والفناء — ثقافة الحربين العالميتين. ولا وجود لها إلا في فضاء يكون فيه الفرد سيدًا في مواجهة الدولة. أما المشروع الإمبراطوري الروسي فهُو نقيض ذلك تمامًا: استبداد يتذرّع بـ«حيّز حيوي»، هو نفسه المنطق الذي نهضت أوروبا من رماده بعد هاوية أوشفيتز وبوخنفالد. ولهذا غدت كييف حدودًا لا تفصل بين دولتين، بل بين نموذجين حضاريين. فإذا سقطت أوكرانيا، فلن ينهار بلد فحسب؛ بل ستتهاوى معها إمكانية قيام عالمٍ تحكمه الشرعية الدولية — تمامًا كما يحدث أيضًا في ما يرتكبه نتنياهو في غزة والضفة الغربية. وكما يكتب نيكولا تانزر في حربنا: إن الغزو الروسي يُشكّل «هجومًا شاملًا على النظام الشرعي». ليست هذه أزمة إقليمية؛ بل هجوم مباشر على الديمقراطية الليبرالية ذاتها. والكرملين يدرك ذلك: فإذا سُحقت أوكرانيا، أثبت أنّ القانون مجرد واجهة، وأن الحقيقة لا تصنعها إلا القوة. وستكون النتائج كونية: ارتداد العالم إلى منطق الإمبراطوريات — المحميات، الدول التابعة، الحدود المتغيرة، والشعوب المكمّمة. عودة إلى أوروبا ما قبل وستفاليا. ومع ذلك، فثمة ما هو أشد خطورة: التآكل الموازي للركن الغربي الذي شكّل، منذ 1945، العمود الفقري للعالم الحر. فالولايات المتحدة — التي كانت يومًا مهندسة وضامنة لنظام دولي، مهما بدا ناقصًا أو ساخرًا، لكنه كان مُنظِّمًا — تنسحب اليوم من خشبة التاريخ. وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أكدت هذا التحول الزلزالي: عالم يُختزل في معاملات، ومردودية فورية، وفراغ أخلاقي مطبق. ترامب، كما عهدناه، كان ليُفاوض هتلر في ميونيخ باسم «البراغماتية المحاسبية»، وليوبّخ وارسو على «نكران الجميل» تجاه الرايخ الثالث، وليشير على تشرشل بـ«صنع السلام» عبر إعادة رسم بعض الحدود. ولربما صفق لكيسلينغ على «براغماتيته». الجبن متنكرًا في ثياب الواقعية — لا شيء أقدم من ذلك؛ لكنه نادرًا ما ظهر بهذه الصفاقة، وبهذا القدر من الصراحة والاستهتار. ما حدث بين ترامب وزيلينسكي في شباط الماضي لم يكن زلة دبلوماسية؛ بل كان قطيعة تاريخية، بل أقرب إلى تخَلٍّ أخلاقي — حتى لو حاولت واشنطن، لاحقًا، جمع شظايا خطئها الاستراتيجي. الرسالة التي وصلت إلى بوتين كانت لا لبس فيها: تقدّم، فالطريق سالك. سوديتنلاند ثانية، بنسخة القرن الحادي والعشرين. هذا الانسحاب الاستراتيجي الأميركي منح روسيا نافذة خطرة: فإذا تقهقرت واشنطن، تسنّى لموسكو تصعيد هجومها، وهي واثقة بأن أوكرانيا ستنهار تحت وطأة اللامبالاة الغربية. وما يلوح ليس هزيمة دولة، بل تآكل الفكرة الغربية نفسها — لصالح تحالفٍ من الإمبراطوريات: موسكو، بكين، طهران، وزبائنها وأذرعها السياسية في أوروبا والولايات المتحدة. لكان جورج شتاينر قد ارتجف رعبًا: فها هو آخر باب من أبواب «قلعة اللحية الزرقاء» يُحطّم أمام أعين عالم يكاد ينزف آخر ما فيه — كما في فلسطين. نهاية الثقافة. وقد تنبّأ بذلك عام 1971 حين كتب: «إنني أعتبر أي نظرية في الثقافة، وأي تحليل للظرف الراهن، سطحيًا إن لم يضع في صلبه آليات الرعب التي قادت، في أوروبا وروسيا، من بدء الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الثانية، إلى موت سبعين مليون إنسان جوعًا أو ذبحًا منهجيًا». إن كلمة «سطحي» باتت واهنة. و«دنيء» أقرب كثيرًا إلى الحقيقة اليوم. لقد كشف الانسحاب الأميركي عمّا سمّاه كيسنجر يومًا «إغراء الانفصال». فالWest يرزح تحت إرهاق وجودي: لم يعد يؤمن بحكايته الخاصة. لم يعد يجرؤ على الدفاع عمّا يزعم أنّه يُمثّله. لم يبتكر ترامب شيئًا: إنما هو تضخّم عرضيّ لحضارةٍ تشكك في ذاتها، في بوصلة قيمها، في بنيانها الأخلاقي الذي شُيّد كي لا يعود هتلر آخر إلى الواجهة — حضارة انزلقت إلى نَفْيٍ مفيستوفيلي. وحين تنسحب الحضارة، يتقدم البرابرة. اسأل رومولوس أوغوستولوس وأودواكر… أوروبا اليوم وحيدة، وليس ذلك محض صدفة. فقد رأى ديغول منذ الستينيات أن «القوة العظمى لا أصدقاء لها، بل مصالح». والارتهان خطأ قاتل. واليوم، غدت التضامنات الأطلسية رهينة نزوات رجل يتأرجح بين الإعجاب ببوتين وازدراء حلفائه. وأوروبا تتردّد، وترتجف، وتحسب — تمامًا كما فعلت في زمن تشامبرلين، رغم بصيرة قلّة من قادتها. فماذا يبقى إذن؟ خيار واحد: أن تستيقظ… أو أن تهلك؛ أن تختار الوجود بوصفها قوة سياسية ذات سيادة، أو أن تعود إلى مرتبة المحمية؛ أن تدرك أنّ الحرية تُدافع كما دافع عنها تشرشل — لا كما اختار بيتان–أوربان، وسالفيني، وأشباههم. إن أوكرانيا تجسّد اليوم ما نسيته أوروبا بعد قرابة قرن من السلام: أن الحرية ضرورة حيوية، لا زينة خطابية. وأن رجالًا ونساءً يموتون لكي تبقى فكرة القانون حيّة. حضارة لا تعترف بهذا… حضارة ميتة سلفًا. لقد فقدت ذاكرتها، ومعها فقدت سبب وجودها — روحها. إن حربنا — وهي حرب كل واحد منا، كواجب أخلاقي — هي الحفاظ على الحدّ الرمزي والسياسي الذي يفصل عالم القانون عن عالم الإمبراطورية. فإذا انهار هذا الحد، انهارت معه الإنسانية السياسية. ولن يبقى شيء يميّز أوروبا عن مجرد مساحة جغرافية. إن أوكرانيا، في جوهر معناها، هي الـ ليمِس الذي يحمي أوروبا من الظلمة. فإذا انكسر القفل، اختفت معه رؤية للعالم بأسرها. يجب أن نقول «لا» لبوتين ولنسخه الممتدة في أوروبا — ما داموا يسعون إلى تحويل العالم إلى أحواش هوياتية خاضعة لقلب الإمبراطورية وسلطانها. فبهذا الرفض الجماعي للطغيان وحده قامت الحضارات — رغم عيوبها — أكثر تقدمًا، وأكثر إنسانية. إنه، ببساطة بالغة، ثمن تطوّرنا جميعًا.