شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
هرمز: إيران تريد فرض شروطها على ترامب

لا يزال نظام الملالي الإيراني، وتحديداً التيار المتشدد الذي يمثله الحرس الثوري الإسلامي، يسعى إلى إدارة أزمة مضيق هرمز بشروطه الخاصة، مع إقصاء الولايات المتحدة من المفاوضات الجارية، بل وإنكار أي دور لواشنطن في الحل الذي يتشكّل. وسعياً لتحقيق هذا الهدف، أجرى صانعو القرار في طهران مفاوضات مشروع التسوية حصراً مع سلطنة عُمان، حرصاً منهم على التأكيد بأنه لا حوار يجري مع الأمريكيين. والأدهى من ذلك أن النظام الإيراني، في تصعيد متواصل لغطرسته واستهزائه الصريح بالرئيس الأمريكي، أعلن صباح يوم الأربعاء أن «الاتفاق مع عُمان جرى تأجيله بسبب التهديدات الأمريكية». يتعامل طهران مع الإدارة الأمريكية بوصفه «المنتصر»، الذي لا يكتفي بفرض قواعد اللعبة، بل يُعامل «عدوّه» بأسلوب مهين ومقصود، مستثمراً تردد الرئيس دونالد ترامب وتذبذبه دليلاً على الضعف يسعى إلى توظيفه لصالحه. في هذا السياق، ينقل موقع الجنوبية ، الناطق باسم تيار المعارضة الشيعية اللبنانية المناهضة لحزب الله، معلومات مستقاة من الصحافة الإيرانية تؤكد مجدداً وجود شرخ داخل النظام الإيراني، وتكشف بصورة أساسية عن إقصاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من المفاوضات الجارية. وفي هذا الإطار، أفاد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية يوم الأربعاء بأنه «لا زيارة مقررة لوزير الخارجية أو رئيس البرلمان (كبار المفاوضين الإيرانيين) إلى باكستان أو قطر» (الوسيطين الرئيسيين بين الولايات المتحدة وإيران). في الوقت ذاته، نقلت الجنوبية أيضاً أن مسؤولاً رفيعاً في التيار المتشدد داخل النظام صرّح بأنه إذا أقدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مجدداً على تقديم استقالته، فستُقبل على الفور. إن هذا المناخ الإيراني المحيط بمفاوضات إدارة مضيق هرمز، وإصرار طهران على إبعاد الولايات المتحدة عن أي حل، يُلقي بظلال كثيفة من الشك على متانة الاتفاق الذي يجريه النظام مع عُمان ومدى مصداقيته. وقد حرص مصدر إيراني مخوّل على التأكيد مساء الأربعاء على أن الاتفاق الإيراني العُماني «لا يعني أن مضيق هرمز سيصبح آمناً»، ولا «يعني الفتح الكامل للمضيق»! على الصعيد العملي، أفاد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي مساءً بأن الاتفاق المبرم مع عُمان يتضمن «نموذجاً مختلفاً في الإدارة عما هو معمول به منذ ستين عاماً». وأوضح المتحدث أن السلطنة، بناءً على طلب طهران، مستعدة لتغيير «ممرات دخول السفن التجارية وخروجها». يبقى السؤال مطروحاً في هذا السياق: هل سيقبل الرئيس ترامب قواعد اللعبة التي رسمها الجناح المتشدد في النظام؟ لا سيما أن حليف الحرس الثوري في اليمن، ميليشيا الحوثيين، تواصل تصعيدها في البحر الأحمر ضد المملكة العربية السعودية. وأعلن المتحدث باسم الحوثيين مساءً أن الميليشيا استهدفت «ناقلة نفط سعودية في خليج عدن بصاروخ باليستي». وكانت مصادر بريطانية قد أفادت في وقت سابق من اليوم بوقوع هجوم قبالة السواحل اليمنية استهدف سفينة تجارية. وجاءت هذه الهجمات في حين كان الرئيس ترامب قد صرّح بعد الظهر بأنه سيحمّل إيران مسؤولية أي هجوم يشنّه الحوثيون على السفن السعودية. على أي حال، شدد وزير الخارجية عراقجي في سياق المحادثات مع عُمان على أن أي اتفاق مع السلطنة بشأن مضيق هرمز يجب أن يحظى بموافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. غير أن الرئيس الإيراني صرّح في وقت متأخر من المساء بأن «التواصل مع المرشد الأعلى بالغ الصعوبة في المرحلة الراهنة»... الملف اللبناني في هذا السياق البالغ التعقيد والمثقل بتداعيات لا يمكن التنبؤ بها، انعقد يوم الأربعاء الجلسةُ الثانية من الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في أجواء أكثر إيجابية مقارنةً بالجلسة السابقة. هذا ما أعلنته في نهاية اليوم مصادر مقربة من قصر بعبدا، مشيرةً إلى أن المباحثات أسفرت عن تشكيل ثلاث لجان معنية بالملفات السياسية والعسكرية وترسيم الحدود الدولية بين البلدين. وكانت أبرز التقدمات قد سُجِّلت على هذا الصعيد الأخير بالذات. وأوضحت مصادر بعبدا أن الوفد اللبناني قدّم دراسة مفصّلة وموثّقة حول هذا الموضوع، فيما أشاد الممثل الأمريكي بالموقف الذي حدده الجانب اللبناني في هذا الشأن. أما الموضوع الآخر الذي تناولته مباحثات الوفدين اللبناني والإسرائيلي، فهو تحديد الطرف الثالث الذي سيتولى التحقق من خلوّ المناطق التجريبية التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي وتسلّمها الجيش اللبناني من أي وجود مسلح لحزب الله. ويُعارض الكيان الإسرائيلي أن تضطلع فرنسا بهذا الدور. في المقابل، لفت المراقبون إلى أن وزير الخارجية الإيطالي أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني، وبالتوازي مع ذلك عقد ضابط إيطالي رفيع في بيروت اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش اللبناني، مما أثار تكهنات بشأن اختيار إيطاليا طرفاً ثالثاً يُناط به التحقق من التطبيق الصارم لبنود الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل. وعلى أي حال، رُفعت جلسة بعد ظهر الأربعاء قبل موعدها المحدد، بطلب من الوفد الأمريكي، «بسبب مستجدات ميدانية»، وفق ما أفاد مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية في مطلع المساء. دعم بكركي للمفاوضات مع إسرائيل ونشير ختاماً لهذا الملف الدبلوماسي إلى أنه في أعقاب اجتماعه الشهري المنعقد في بكركي - على غرار ما اعتاد عليه في كل أربعاء أول من الشهر - أصدر مجمع الأساقفة الموارنة بياناً أعلن فيه الأساقفة دعمهم الكامل للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، بهدف انتزاع «انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان وعودة السكان إلى قراهم (...)». واللافت في الأمر أن بيان بكركي يُصرّح صراحةً بأن مسار التفاوض مع إسرائيل الذي تسلكه السلطة اللبنانية يجب أن يمضي «بعيداً عن المحاولات الرامية إلى ربط هذه المسيرة بأجندات خارجية»، في إشارة شبه مكشوفة إلى مساعي النظام الإيراني للإمساك بورقة جنوب لبنان. على الصعيد الميداني في جنوب لبنان، شهد يوم الأربعاء السادس من أغسطس 2026 خسائر فادحة في الأرواح. وبدأ اليوم بانفجار عبوة ناسفة بدائية الصنع في بلدة مجدل زون بقضاء صور، أودى الانفجار بحياة اثنين وأوقع 7 جرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، أحدهم في حالة خطرة. وعلى إثر هذا الانفجار، أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً اتهم فيه بعبارات حادة حزبَ الله بانتهاك وقف إطلاق النار في لبنان، مُعلناً أن غارات انتقامية ستُشنّ على الجنوب. وبالفعل، نُفِّذ هجوم بطائرة مسيّرة استهدف بلدة تبنين، ما أسفر عن مقتل شخص واحد وإصابة 12 آخرين. وفي الوقت ذاته، أعلنت قوات الدولة العبرية أنها دمّرت منشأة تحت الأرض تابعة لحزب الله في قرية صريبين (قضاء بنت جبيل)، حيث جرت مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.

البحر الأحمر ومخاطر الذهاب إلى حرب إقليمية أوسع

تعزّز توترات الخليج العالمية المتزايدة مخاوف حول تأزم جديد في الملاحة في البحر الأحمر، ما سيفرض قيوداُ ومخاطر على تجارة عالمية بحرية غالية الكلفة، وأزمة امدادات أخرى على مسافات ليست بعيدة عن مناطق النزاع في مضيق هرمز، وما يرتبط بها من المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إذا ما طال الصراع. والسيناريو بات يتكرر بالوتيرة نفسها حتى أصبح قابلاً للتوقع. يرفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف تهديداته إلى الحد الأقصى. تتحدث واشنطن عن ضربة واسعة، والوزير ماركو روبيو عن بدائل عن مضيق هرمز، وتبدأ الأسواق بتسعير احتمال اندلاع حرب إقليمية. يقفز سعر النفط، وتتراجع أسواق الأسهم، وتعيش المنطقة المجهول . أما السياسيون، فينظر كل منهم إلى الأزمة من زاويته الخاصة. بعضهم يفكر في حسابات الانتخابات المقبلة، وآخرون في موازين القوة والنفوذ، فيما تتحرك جماعات الضغط والشركات الكبرى وفق منطق المصالح والأرباح، مستفيدة أحياناً من تقلبات الأسواق التي تخلقها الأزمات نفسها. لم تعد الأسواق تنظر إلى هذا المسار بوصفه استثناءً، بل باتت تتعامل معه باعتباره نمطاً متكرراً. فمع كل تصعيد ترتفع أسعار النفط خوفاً على إمدادات الطاقة، وما إن تظهر مؤشرات التهدئة حتى تعود الأسعار إلى الانخفاض. والأمر نفسه ينسحب على أسواق المال التي تهتز مع كل تهديد ثم تستعيد جزءاً من خسائرها مع كل حديث عن اتفاق. مع ذلك ، الخشية من تعطل إضافي لملاحة السفن في مضيق هرمز مع تراجع خطير في نشاط ملاحة الحاويات عبر خليج عدن وباب المندب وقناة السويس. أكثر من خمسين دولة دولة متضررة للآن ، تعاني دول أفريقية مثل نيجيريا من تفشي الفقر والجوع عند الأطفال بآثار الحرب المستمرة ، ويسجل تراجع في انتاج سيارات تيسلا في مصانع ألمانيا نتيجة قرار أكثر من 18 شركة شحن دولية تغيير الطريق البحرية نحو رأس الرجاء الصالح ، ما يعني تأخر وصول المواد الصناعية الأولية ، كما تعليق عملاقة الشحن اليابانية ( أن واي كي ) الملاحة عبر البحر الأحمر. هذا التحول لشركات النقل البحري يرفع كلفة الشحن أربعة أضعاف بسبب طول المسافة على الساحل الأفريقي، ويسببّ الاضطراب في سلاسل الإمداد، وتأخر وصول المكوّنات الصناعية والتكنولوجية من الصين وتايوان ودول أخرى في شرق آسيا. خلال الأشهر الماضية ، غيرت الكثير من الناقلات طريقها التقليدي في خليج عدن وقناة السويس في الإتجاهين ، وكانت تمر عبرها نحو عشرون الف سفيتة شحن سنويا من اجمالي اسطول الشحن العالمي، الذي يتألف من 105 آلاف سفينة ذات حمولة ، بلغت في عام 2024 نحو 15 مليار طن من السلع والمواد المختلفة عبر البحار. وتمثل العودة الى شبح التضخم، أكبر التحديات التي تواجه حكومات العالم بعد التكيّف نسبياً مع آثار إغلاق مضيق هرمز، ما يعزز العودة إلى ما قبل جائحة كورونا. أوروبا قلقة من ارتفاع أسعار النفط ومن توسع محتمل في حروب الشرق الأوسط . ولا تزال اقتصاديات الإتحاد الأوروبي تعاني من أثار تكلفة الحرب الروسية في أوكرانيا. أي تغيير في اللعبة الأميركية سيقود الى واقع اقتصادي جديد في أوروبا مع فروقات النمو وتنافسية اقتصادية غير متوازية. الأوروبيون مصدمون، وعليهم أن يقرروا سريعا .لا يستطيعون الصمود أمام تحدٍ اقتصادي آخر من التضخم والبطالة والحرائق ، ويبحث الاتحاد الأوروبي عن موردين بديلين للطاقة في مسافات بعيدة . في المقابل ، وعلى مدى أشهر الحرب الأميركية على إيران لم يتأثر كثيراً الاقتصاد الأميركي القائم على الطلب الداخلي. فيما تعززت التجارة الأميركية مع دول الشمال ومع دول آسيان جنوب شرق آىسيا بنحو 1200 مليار دولار، ووجهت طريق التجارة البحرية نحو المحيط الهادي، فيما ارتفعت تجارة الصين الى 800 مليار دولار. واحدة من المغامرت التي قام بها البشر ليصبح البحر المتوسط بكل تجارته وثرواته بحيرة للتبادل بين قدامى الفينقيين واليونانيين والمصريين وشمال افريقيا وجنوب أوروبا والهند ( كريستوف كولومبس وفاسكو دي غاما). ودشنت فيه روما طرق التجارة الحربية القديمة ، إلى اختزاله المسافات بين "طريق الحرير" الآتية من الصين الى أوروبا( رحلة ماركو باولو) ، ورحلة الأدميرال ماجيلان حول العالم، التي أسست طرق بحرية جديدة للتجارة الدولية. والبحر لا يعمل في خدمة هدف واحد. يعمل في التجارة البحرية أكثر من مليون شخص يقيمون فوق البواخر وعل الأرصفة ، وما يمتد الى صناعة السفن والصيد واليخوت السياحية ، ويخدم خطط تطوير قطاعات التنمية وتحريك قطاعات اقتصادية كثيرة ، واستهلاك مواد محلية مثل مصانع الحديد والألمينيوم والكابلات وورش انتاج الألياف الزجاجية . لذلك، أي تمدد في حروب المضائق من باب المندب الى بحر الصين واليابان، في وقت يسجل الاقتصاد العالمي أضعف نمو3%، سيكون له مضاعفات أخرى سياسية واقتصادية ، فيما تبقى نتائجه الاقتصادية والنفسية حاضرة في حياة ملايين الناس. تقدر أوساط مالية اجمالي البضائع السنوية العابرة للبحر الأحمر بما لا يقل عن 3 تريليون دولار، تمثل نحو 13% من التجارة العالمية، (5 تريليونات دولار بحلول عام 2050). لكن على رغم أهمية الجسر العالمي، لا يزال تفتقر طريق البحر الأحمر إلى الخدمات البحرية، أحواض البناء ،تقديم خدمات الصيانة، الصناعة البحرية، المسؤولية عن التدفق الحرّ للتجارة ، الغرف الدولية للشحن(80% من المنتجات الغذائية في العالم مثل زيت النخيل والحبوب )، والخشيّة من نيّة لإعادة ترتيب خطوط النقل والإمداد في المنطقة على حساب مصر ودول في أفريقيا، وتعتبر مصر الخاسر الأكبر بسبب محاولات التلاعب بإيرادات قناة السويس نحو 11 مليارات دولار ( 15% من التجارة العالمية ، 30% من الحاويات، 8% من النفط الخام ) .لقد أنجزت اسرائيل أكبر مرصد عسكري، وأهم منصة استراتيجية في أرتيريا، وهي ترى الى منطقة تيران( جبل طارق) ، وحربها مع إيران تزيد في توترات تتطور إلى عنف دولي واقليمي مسلح، والعنف المرتبط بالهويات والقرصنة ، وبما قد يلحق الضرر بالأمن القومي العربي، حيث لا يوجد تصور عربي واحد متكامل للآن لتأمين الممر والأمن العربي المشترك ، ومن شأن ذلك تقويض دور دول المنطقة وأنظمتها الحالية واستقلالها السياسي وإضعاف حيويتها. وهكذا، قد تنخفض أسعار النفط بعد إعلان ترامب تأجيل أي ضربة عسكرية، وقد تنتعش البورصات مع الحديث عن اتفاق وشيك، لكن ذلك لا يعني أن السلام قد تحقق، ولا أن أسباب التوتر قد زالت. فالشرق الأوسط لا يعيش حرباً مفتوحة ولا سلاماً مستقراً، بل يقيم في منطقة رمادية بين الاثنين؛ حرب باردة تتبدل فيها أدوات المواجهة، فيما تبقى نتائجها الاقتصادية والنفسية حاضرة في حياة ملايين الناس أي تصعيد يؤثر على الجميع ، وله عواقب وخيمة على النمو العالمي وعلى مستويات التضخم( جي بي مورغان )، وعلى كلفة أسعار البنزين، الأجهزة الالكترونية ،ارتفاع كلفة التأمين ، انشاء مسارات بحرية كممرات بحرية خضراء ( مؤتمر غلاسكو) .المحطات المينائية ، تحرير القطاع في المغرب وأفريقيا ، البناء قدماً مع التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والأنترنت،التوسع في مجال الأوفيشور/المحاكيات والأكاديميات البحرية . هذه الدورة المتكررة للأزمات، لا تعني أن المنطقة تتجه نحو السلام، بل إنها تكشف عن واقع مختلف: لا حرب شاملة ولا استقرار حقيقياً، بل إدارة دائمة للأزمات. فالتصعيد أصبح ورقة تفاوض، والتهديد تحول إلى أداة سياسية، فيما باتت المفاوضات وسيلة لتأجيل المواجهة أكثر من كونها طريقاً لحل جذري. لكن وسط هذا الاشتباك السياسي والاستراتيجي، يبقى طرف واحد يدفع الثمن الحقيقي، فهل تدرك الدول العربية أهمية وضع استراتيجيات لحماية "بحيرتها النفطية "، الشريط الساحلي الأساسي في رسم خريطة التجارة العالمية ؟

شيخ نعيم...  حصرية السلاح تبدأ من تلة علي الطاهر

قبل كل شيء، يجدر بك، يا شيخ نعيم، أن تدرك أن اللبنانيين جميعًا يدفعون اليوم ثمن رعوناتكم السياسية، وتبعيتكم العمياء لإيران، وقراراتكم الأحادية التي زجّت لبنان في حروب لم يقرّرها شعبه ولا دولته. فمن أوصل البلاد إلى هذا الواقع الأليم، ومن أعاد الاحتلال الإسرائيلي إلى أجزاء من الجنوب، ليس من يسعى اليوم إلى إنقاذ لبنان، بل من خضع للأوامر الإيرانية وأعلن الحرب منفردًا، خارج مؤسسات الدولة وقرارها. إن من باع الجنوب للمواجهة المفتوحة، وعرّض اللبنانيين للدمار والتهجير، هو من قرر جرّ لبنان إلى حرب خدمةً للمشروع الإيراني، وليس من يعمل اليوم على إخراج البلاد من أزمتها واستعادة مؤسساتها. أما من يحاول إنقاذ ما تبقى من الوطن، فهو رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء، اللذان يسعيان إلى استعادة القرار السيادي للدولة وإخراج لبنان من دوامة الحروب. ويكفي مثالًا على ذلك طرح رئيس الجمهورية تسلّم الجيش اللبناني منشأة تلة علي الطاهر، وهو الطرح الذي قوبل بالرفض من جانبكم، رغم قبوله من الجانب الإسرائيلي. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن أهمية التلة، فهذه مسألة محسومة، بل عن سبب رفضكم تسليمها إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية. • هل لأنها تشكل أعلى نقطة إشراف على أجزاء واسعة من الجنوب، ومن يسيطر عليها يمتلك أفضلية حاسمة في المراقبة وإدارة النيران؟ • أم لأن بما تحتويه من بنى عسكرية وتحصينات وأنفاق يمثل استثمارًا عسكريًا بُني على مدى سنوات طويلة، بحيث إن تسليمها يعني خسارة أحد أهم عناصر القوة الميدانية؟ • أم أن السبب الحقيقي يكمن في أن تسليمها إلى الجيش اللبناني يعني، عمليًا، الإقرار بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وانتقال القرار العسكري إلى السلطة الشرعية؟ مهما تكن الإجابة، تبقى المفارقة صادمة. فإذا كان الخيار محصورًا بين أن تُسلَّم التلة إلى الجيش اللبناني أو أن تُدمَّر على يد إسرائيل، فكيف يصبح الخيار الإسرائيلي أقل سوءًا من الأول؟ وكيف يمكن تفضيل تدمير العدو لموقع لبناني على انتقاله إلى عهدة المؤسسة العسكرية اللبنانية؟ لا ينبغي أن يغيب عن بالك، يا شيخ نعيم، أنكم تترأسون ميليشيا مسلحة خارج إطار الشرعية اللبنانية، وهو واقع لا تغيّره الخطابات ولا حملات التخوين. إن حصرية السلاح بيد الدولة ليست شعارًا سياسيًا، بل هي مبدأ سيادي ودستوري لا رجعة عنه، وسيُنفَّذ مهما طال الزمن. وأخيرًا، فإن المفاوضات المباشرة التي تقررها الدولة اللبنانية، انطلاقًا من سيادتها ومصلحتها الوطنية، ليست تنازلًا، بل أداة من أدوات استعادة الحقوق، وهي الطريق الأقل كلفة لتحرير الأرض، واستعادة الأسرى، وإعادة إعمار ما دمّرته الحروب التي فُرضت على لبنان خدمةً لمشاريع لا تمت إلى المصلحة الوطنية بصلة.

وقاحة إيرانيّة لتبرير هزيمة لبنانيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

في الذكرى السادسة لكارثة تفجير مرفأ بيروت، حيث كان مرجحا أنّ "حزب الله" يحمي بالتفاهم مع آخرين تخزين نيترات الأمونيوم، لا يزال لبنان يقاوم عدوّه الداخلي. إنّّه عدّو يجسده سلاح "حزب الله" الذي استخدم داخل البلد وخارجه، خصوصا في سوريا، منذ ما قبل "حرب اسناد غزّة" التي أدت إلى نكبة شيعية هي في الواقع الحال نكبة على الصعيد الوطني اللبناني. يؤكّد ذلك الكلام الأخير للأمين العام للحزب نعيم قاسم الذي اتهم السلطة اللبنانية بأنّها "كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً للبنان" مضيفا أنّ "الرئيس (جوزاف عون) أصبح طرفاً ومفرّقاً وهذا لا ينسجم مع دوره". ليس هذا الكلام الصادر عن نعيم قاسم سوى جزء من الحرب الإيرانية المستمرّة على الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها. من حسن الحظّ، أنّ الوقاحة لا يمكن أن تستخدم غطاء للتغطية على الهزيمة، وهي هزيمة لبنانية تسبب بها "حزب الله". بات على لبنان، بسبب الهزيمة التي تسبّب بها "حزب الله"، أي إيران، القتال على جبهتين في ظروف لا يحسد عليها. هناك جبهة حرب إيران على الدولة اللبنانية وجبهة حرب التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي بغية عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم. كانت في روما مفاوضات صعبة مع إسرائيل بهدف التخلّص من الاحتلال. يتمثّل كلّ ما يفعله "الحزب"، ومن خلفه "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران، في دعم الموقف الإسرائيلي لا اكثر. كيف يردّ المفاوض اللبناني على الإسرائيلي عندما يشكو الأخير من أن سلاح "حزب الله" استخدم من أجل تهديد سكان مستوطنات الجليل؟ من هذا المنطلق، كان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في غاية الوضوح والصراحة عندما ردّ على الأمين العام للحزب قائلا له، من دون تسميته: "يطلّ علينا اليوم من يتّهم السلطة السياسية بأنها كانت عونًا لإسرائيل بدل ان تكون عونا لسيادة لبنان، ثم يدعو إلى الحوار والوحدة وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة. الحقيقة أن العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب "اسناد" عبثية، ومنحها الذرائع للاعتداء على بلدنا ودوس سيادته وتدمير مدنه وقراه وقتل أبنائه وتهجيرهم بمئات الالاف. مَن تفرّد بقرار الحرب ويحاول الاستمرار بمصادرة قرار الدولة، وربط لبنان بحسابات ومحاور خارجية، متجاهلاً مصالح بيئته واللبنانيين عموما، لا يملك أن يوزّع شهادات في الوطنية، ناهيكم في السيادة. لا سيادة للبنان الا بقرار واحد مستقل في دولة لها جيش واحد، تبسط سلطتها على كامل اراضيها بقواها الذاتية حصرا. أمّا الحوار والوحدة، فلا يُبنيان الا بشجاعة الاعتراف بالحقائق على مرارتها، وبتحمل المسؤولية عن الخيارات المتهورة التي لايزال يدفع اللبنانيون اثمانها الباهظة". إنّ كل الكلام الصادر عن نعيم قاسم مردود عليه. يقول للسلطة اللبنانية: "اهتمّوا بالسيادة الوطنية وتقوية الجيش اللبناني وبانسحاب العدو الإسرائيلي وبإعادة الإعمار وتحقيق المرفأ". يضيف: " لم تجلب المفاوضات المباشرة للبنان إلّا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية". ذهب إلى حد القول أنّ "كل ما حصل من اعتداء على لبنان هو بإشراف أميركي وإدارة أميركية وموافقة أميركية" داعيا السلطة في لبنان إلى "إيقاف التنازلات المجانية والحوار مع المقاومة وترميم الوضع الداخلي والاهتمام بالسيادة". لم ينس الإشادة بإيران كونها "عملت على أن يكون لبنان في البند الأول من المذكرة (مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة) واشترطت إيقاف العدوان والانسحاب الإسرائيلي". ينتهي الأمين العام للحزب بالقول أن "مسار مذكرة التفاهم هو الذي سيحقق الانسحاب الإسرائيلي ولولا صمود المقاومة لما تحقق شيء" وإننا "حريصون على الوحدة الداخلية، والوحدة العظيمة بين "حزب الله" و"أمل" شكّلت سدّاً منيعاً أمام العدوان الإسرائيلي – الأميركي وأمام اللاعبين الصغار، ونحن معاً كشعب ومقاومة ومستقبل وحياة". أقلّ ما يمكن قوله عن مطالعة نعيم قاسم، التي تتحدى كلّ منطق، أنّّه يعتقد أن اللبنانيين لا يمتلكون ذاكرة، بما في ذلك الذاكرة المرتبطة بإغتيال رفيق الحريري ورفاقه ومجموعة من أشرف اللبنانيين وصولا إلى لقمان سليم. يعتقد أيضا أنّ اللبنانيين لا يعرفون من فتح جبهة جنوب لبنان من دون أي إحترام للسيادة اللبنانية في المعايير الدنيا للإحترام. يبدو جليّا أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" يعتبر اللبنانيين قطيع غنم عاجز عن القيام بأي مراجعة ذات طابع نقدي لمواقفه. على الدولة اللبنانية تحمّل نتائج ما ارتكبه الحزب من جرائم في حق البلد، بما في ذلك عودة الاحتلال الإسرائيلي. لا تفسير للكلام الصادر عن نعيم قاسم سوى استخفافه بعقول الناس من جهة والسيطرة الإيرانيّة الكاملة على "حزب الله" من جهة أخرى. يظلّ السؤال المطروح في كلّ وقت كيف للبنان الخروج من أزمته، هل عليه انتظار التغيير الكبير في إيران؟ الجواب بكلّ بساطة أنّّه قادر على ذلك في حال أدرك أن الذل يكمن في الإستعانة بالإحتلال لتبرير وجود سلاح غير شرعي في البلد... وأنّ الذل في رفض الإعتراف بأنّ لا مجال للتخلص من الاحتلال من دون مفاوضات مباشرة مع من يحتل الأرض. يوجد ثمن لا مفّر من دفعه. من يرفض دفع الثمن يسعى إلى المتاجرة بالجنوب وأهله إلى ما لا نهاية... في انتظار يوم القيامة في "الجمهوريّة الإسلاميّة". أي اليوم الذي تعود فيه إيران دولة طبيعية لا أكثر، أي دولة تتفادى استخدام الوقاحة لتبرير الهزيمة.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (14)

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم أعمق للوضع الراهن على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات العاطفية والأيديولوجية والرومانسية التي تتجاوز الحقائق، تاركةً للقارئ استخلاص النتائج المناسبة. كانت الأجزاء الثلاثة عشر السابقة إعادةَ قراءة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف وحتى التطبيق المنقوص للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006. منذ انتهاء حرب الثلاثة والثلاثين يوماً عام 2006 مع إسرائيل، عكف حزب الله على إعادة بناء نفسه من حيث التسليح وإعادة الهيكلة وإعادة الانتشار. بمعنى آخر، تلقّى ضربةً موجعة خلال تلك الحرب، غير أنه أدهش إسرائيل بقدراته العسكرية، ثم تحوّل خلال العامين التاليين إلى قوة مسلحة حقيقية ذات ثقل إقليمي، وذلك بفضل أربعة عوامل: خبرته الميدانية المكتسبة، والدعم الإيراني، والجسر البري السوري (في عهد نظام الأسد) الرابط بين طهران وبيروت، والتسوية التي أبرمها أمينه العام حسن نصر الله مع الرئيس اللبناني آنذاك إميل لحود. وهكذا، أُعيد تفعيل ممرات الإمداد اللوجستي القادمة من سوريا، مما أفضى إلى قفزة نوعية وكمية في ترسانة الميليشيا الموالية لإيران. تشير بعض التقديرات إلى أن قدراتها الصاروخية تضاعفت عشر مرات، إذ ارتفع عدد صواريخها من نحو 15,000 صاروخ عام 2006 إلى ما يزيد على 150,000 قذيفة عام 2018، شاملةً ليس الصواريخ التقليدية فحسب، بل أيضاً صواريخ جديدة بمديات أطول لم تكن تمتلكها من قبل، في مقدمتها الصواريخ الدقيقة، ولا سيما فاتح-110 المُصنَّعة محلياً بتحويل الطرازات القديمة من صواريخ زلزال، وذلك بإضافة أنظمة توجيه أثناء الطيران وتحويل زعانفها الثابتة إلى زعانف متحركة، فضلاً عن اقتناء صواريخ مضادة للسفن دقيقة وبعيدة المدى، كصواريخ سيلك وورم الصينية ونسخها الإيرانية، وحتى صواريخ ياخونت الروسية التي يبلغ مداها 300 كيلومتر. وانضافت إلى هذه الترسانة طائرات مسيّرة انتحارية، وأخرى حاملة للصواريخ، وطائرات استطلاع وما إلى ذلك، إضافةً إلى صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من نوع مانباد. أما على صعيد إعادة الانتشار، فقد نقلت الميليشيا الشيعية بنيتها العسكرية إلى داخل النسيج العمراني وفي أحضان التجمعات السكنية. باتت المدن والقرى الشيعية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت قلاعاً معقدة حقيقية تمزج بين الطابع العسكري والعمراني، مموّهةً بعناية فائقة، حيث يختلط المدنيون بالمقاتلين في نسيج يصعب فكّه، مما يجعل الخط الفاصل بين المقاتل وغير المقاتل خطاً يستحيل رسمه. علاوة على ذلك، كثّف حزب الله لجوءه إلى منظمات مدنية واجهة لتأمين دوريات مراقبة مدنية، أبرزها منظمة «خضر بلا حدود» المسجّلة بوصفها منظمة غير حكومية تُعنى بحماية البيئة والتشجير. وقد أدّت مراكز تقدّم هذه المنظمة ومشاتلها الواقعة على امتداد الخط الأزرق دوراً طويلاً في إخفاء البنى التحتية العسكرية ومستودعات الذخيرة والأنفاق القتالية لحزب الله. وزيادةً على ذلك، وتحت ذريعة حماية ممتلكات خاصة أو مناطق تشجير، اعتاد أعضاؤها على إعاقة وصول مفتشي قوة اليونيفيل طوال العقدين اللذين أعقبا حرب 2006. وأخيراً، حرص مسلحو حزب الله على التواجد بلباس مدني عند مداخل المواقع المموّهة والأنفاق. القيود التي تعاني منها اليونيفيل لم تكن اليونيفيل في نسختها الجديدة المعزّزة بموجب القرار 1701 تُقدّم منذ البداية أي حل لمسألة نزع سلاح حزب الله. فهي ليست قوة ضاربة، إذ تعمل وفق الفصل السادس لا الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. رفض المساهمون الأوروبيون، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، أن يحلّ جنود القبعات الزرق محلّ الدولة في تنفيذ عمليات نزع السلاح بالقوة. فضلاً عن ذلك، لم يتح الانتداء الأممي إجراء عمليات تفتيش منهجية. أفضى هذا الوضع إلى تعايش اليونيفيل مع حزب الله، لا بمعزل عن اتصالات غير مباشرة بين الطرفين عبر أجهزة الاستخبارات اللبنانية، ومن خلال الرؤساء البلديين والمنظمات غير الحكومية المنتسبة إلى حزب الله، ولا سيما بعد اندلاع الحرب في سوريا وتكاثر المقاتلين الإسلاميين على جانبَي الحدود اللبنانية السورية. في هذا السياق، تعرّضت اليونيفيل خلال عام 2011 لثلاثة هجمات على الأقل أسفرت عن إصابة 16 عنصراً من الكتيبتين الإيطالية والفرنسية، ونُسبت إلى مسلحين مرتبطين بتنظيم القاعدة، لا سيما كتائب عبدالله عزام الفلسطينية المنبثقة من مخيمات الفلسطينيين في جنوب لبنان. التداعيات السياسية لحرب عام 2006 على الصعيد السياسي، تجلّى الضغط الذي مارسه حزب الله وحركة أمل وحليفهما التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون، بعد ثلاثة أشهر فحسب من انتهاء حرب الـ33 يوماً، في شكل حصار مؤسسي هدف إلى إضعاف السلطة التنفيذية إضعافاً دائماً. في نوفمبر 2006، استقال خمسة وزراء شيعة ينتمون إلى حزب الله وحركة أمل، إضافةً إلى الوزير المسيحي يعقوب الصراف المقرّب من الرئيس إميل لحود، محتجّين على غياب "الثلث المعطّل" (1) لصالحهم في مجلس الوزراء، ومعلنين عدم شرعية الحكومة. أدى ذلك إلى إضعاف شرعية رئيس الوزراء فؤاد السنيورة وأجبره على الحكم من موقع ضعف. ومنذ ديسمبر 2006، أسهم إقامة اعتصام حاشد في وسط بيروت يحاصر السرايا الحكومية، وقرار نبيه بري بعدم انعقاد البرلمان، في شلّ الحياة التشريعية وعرقلة الاستحقاق الرئاسي المقرّر في سبتمبر-أكتوبر 2007، مما زاد في تعميق الاختناق السياسي. في الوقت ذاته، حوّل عجز الحكومة عن تفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، التي وصفتها بالمخالفة للقانون، محاولةَ استعادة السيادة إلى ذريعة للنزاع. وقد أشعل القرار الحكومي القاضي بتجريد هذه الشبكة من شرعيتها في 5 مايو 2008 ردّ فعل عسكرياً من حزب الله في 7 مايو 2008. انقلاب السابع من مايو في السابع والثامن من مايو 2008، سيطر حزب الله على مناطق واسعة من بيروت الغربية، وهاجم مكاتب تيار المستقبل، وحاصر رئيس الوزراء فؤاد السنيورة مجدداً بالقوة المسلحة في السرايا الحكومية، مُثبتاً أن أي محاولة لإضعاف الميليشيا الموالية لإيران عسكرياً ستفضي إلى انهيار النظام العام. أمام شبح الحرب الشاملة وانهيار الدولة، تراجع السنيورة بموافقة الوزراء أنفسهم الذين طالبوا بتفكيك شبكة حزب الله السرية، فألغى المراسيم المتعلقة بها، وقبل تحت تأثير الوساطة القطرية اتفاق الدوحة المبرم في 21 مايو 2008. اتفاق الدوحة إثر انقلاب السابع من مايو 2008، استدعت قطر، التي انتصبت وسيطاً في النزاعات العربية والشرق أوسطية معلنةً قوتها الناعمة، الزعماء اللبنانيين إلى الدوحة. أثمرت جهود الأمير عن اتفاق فرض تشكيل حكومة وحدة وطنية تمنح حزب الله "الثلث المعطّل" (1)، أي حق النقض (الفيتو) في مجلس الوزراء. كذلك نصّ الاتفاق ذاته على تحريم استخدام السلاح لحسم الخلافات الداخلية، وهو البند الذي تكرّر في جميع الاتفاقيات اللبنانية-اللبنانية منذ عام 1975 حتى بات مجرد "طقس شكلي". غير أن وضع سلاح الحزب الموالي لإيران جرى تحصينه بذريعة "مواجهة إسرائيل"، فأصبحت هذه المسألة بذلك من المحرّمات التي لا تُقرب. في نهاية المطاف، لم يكن هذا «التسوية» مجرد خيار تكتيكي بسيط، بل كان نتيجة تشابك معقد من الضرورات العسكرية والسياسية، في مقدمتها الحاجة إلى فك الانسداد الدستوري، وتحقيق الاستقرار الأمني، والحفاظ على وحدة وطنية (في مظهرها لا في جوهرها)، إذ كانت هذه الوحدة غائبة فعلياً على أرض الواقع. وهكذا، وجدت أولى الحكومات السيادية في مرحلة ما بعد الوصاية السورية نفسها مضطرة للإذعان للوقائع والأمر الواقع المفروض على الأرض. ونتيجةً لذلك، واصل حزب الله رفع راية «المقاومة» لغرض واحد لا غير: تخويف خصومه والإبقاء على سيطرته على مفاصل القرار السياسي في لبنان بأقل تكلفة ممكنة. (1) يعود مفهوم «الثلث المعطّل» (أو الثلث الضامن) داخل الحكومة اللبنانية إلى تفسير مثير للجدل للدستور اللبناني المعدَّل عام 1990 بموجب اتفاق الطائف. فهذا المصطلح لا يرد حرفياً في نص الدستور، غير أنه يرتكز على ركيزتين دستوريتين أساسيتين: أولاهما المادة 65 التي تشترط لاتخاذ القرارات المتعلقة بـ14 موضوعاً «أساسياً»، كقانون الانتخاب وتعديل الدستور، الحصول على أغلبية الثلثين من أعضاء مجلس الوزراء، مما يمنح أي تكتل يضم ثلث الوزراء زائداً واحداً حق النقض (الفيتو) تلقائياً. وثانيتهما المادة 69 التي تنص على الاستقالة التلقائية للحكومة بأسرها إذا تجاوزت استقالات الوزراء ثلث عددهم. وقد جرى تكريس هذه الآلية المؤسسية، التي صُمِّمت في الأصل لضمان ميثاق العيش المشترك، وتحويلها إلى شرط لا غنى عنه في تشكيل الحكومات، وذلك خلال اتفاق الدوحة في مايو 2008، حين تحوّل هذا الحصص الحسابي إلى شرط سياسي راسخ، مما أعطى حزب الله حق الفيتو في جميع الحكومات المتعاقبة منذ عام 2008 حتى عام 2025.

مفاوضات مع إسرائيل؛ وقرار ظني مرتقب في قضية 4 آب: الدولة تستعيد زمام المبادرة

انطلقت الثلاثاء في العاصمة الإيطالية روما، وتحديداً في مقر السفارة الأميركية، الجولة السابعة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وتُطرح هذه المحادثات بوصفها شاقة، وستستمر على مدى ثلاثة أيام، يسعى خلالها الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى التوافق على الآلية التنفيذية المقررة لانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، يقابله انتشار للجيش اللبناني. وتولي بيروت هذه المسألة أولوية قصوى، في وقت تضع فيه الدولة العبرية على رأس أولوياتها الآلية التي ستعتمدها الدولة اللبنانية لنزع سلاح "حزب الله". في غضون ذلك، عاد الحزب الموالي لإيران إلى التصعيد يوم الثلاثاء، موجهاً انتقادات حادة إلى السلطات اللبنانية، ومستهدفاً على وجه الخصوص رئيس الجمهورية جوزاف عون. فبعد صمت ناهز الشهر، خرج الأمين العام للحزب نعيم قاسم ليتهم رئيس الجمهورية بـ"الانحياز" وخدمة مصلحة إسرائيل. وهاجم سياسة الرئيس واصفاً إياها بأنها "تقوم (على حد تعبيره) على تقديم تنازُلات مجانية لإسرائيل، وتخدم مصالح تلك الدولة على حساب المصالح اللبنانية". وكان هذا الخطاب يستحق بكل سهولة أن يحمل عنوان: «المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية بمنظار طهران»، التي وجّه إليها نعيم قاسم التحيّة، بالمناسبة. ففي رأيه، لا يمكن لإنقاذ لبنان أن يمرّ إلا عبر مذكرّة التفاهم الإيرانية - الأميركية، وهو ما يعني عملياً، في نظر الحزب، وجوب بقاء لبنان تحت سطوة نظام الملالي. وهو احتمال يظلّ مرفوضاً كلياً بالنسبة إلى السلطات اللبنانية، المنخرطة على العكس من ذلك حتى النهاية في مسارٍ يرمي إلى تحرير لبنان من أي وصاية وإعادة الاعتبار إلى الدولة. وقد عبّر رئيس الحكومة نواف سلام عن هذه الثابتة اللبنانية، برده الحاد على الناطق باسم إيران في لبنان، واضعاً إياه عند حدّه، حيث شدّد في منشور عبر حسابه على منصة "إكس" على أن " من تفرّد بقرار الحرب ويحاول الاستمرار بمصادرةً قرار الدولة، وربط لبنان بحسابات ومحاور خارجية (ينتمي إليها)، لا يملك أن يوزّع شهادات في الوطنية". وبالنسبة إلى رئيس مجلس الوزراء، فإن كان ثمة من قدّم عوناً لإسرائيل، فهو بالتأكيد "حزب الله". وذكّر سلام في هذا الصدد بحروب "الاسناد العبثية" التي "تفرّد" هذا الفصيل بإدخال البلاد فيها، متجاهلاً المصلحة الوطنية، مانحاً بذلك لإسرائيل "الذرائع للاعتداء على لبنان، ودوس سيادته وتدمير مدنه وقراه، وقتل أبنائه وتهجيرهم". صفحة جديدة مع سوريا غير أن خطاب نعيم قاسم تميّز بالإعلان عن رغبة لدى "حزب الله" في فتح صفحة جديدة مع نظام أحمد الشرع في سوريا، وهو النظام الذي كان فصيله قد قاتله، إلى جانب قوات بشار الأسد، خلال حرب عام 2011. ولا يمكن تفسير هذه الرغبة في الانفتاح التكتيكي إلا بضعف وعزلة "حزب الله"، الذي يبدو مستعداً لأي شيء من أجل بقائه. إذ أظهر الميدان، لسوء حظه، يوم الثلاثاء أن التنظيم الموالي لإيران يأمل في الإبقاء على ممر إمداده مع إيران عبر سوريا. ففي الوقت الذي كان فيه نعيم قاسم يشيد بفتح صفحة جديدة بين تنظيمه ودمشق، كانت قيادة الجيش اللبناني تعلن ضبط صواريخ من نوع "غراد" في القطاع الحدودي من جهة عرسال في البقاع، كانت موجهة إلى الحزب ومهرّبة من سوريا. وتُعدّ هذه عملية ضبط جديدة لسلاح كان مجهّزاً للنقل إلى التنظيم الموالي لإيران، بالتوازي مع اكتشاف أنفاق ومعابر حدوديّة غير شرعية، تصبّ كلها في الغاية نفسها: تهريب السلاح والمخدرات. إحياء ذكرى 4 آب سوء حظ آخر لاحق الحزب؛ إذ تزامنت عملية الضبط هذه مع الذكرى السنوية السادسة للانفجار الهائل الذي هزّ مرفأ بيروت في 4 آب 2020، حيث كانت تُخزَّن مئات الأطنان من مادة نترات الأمونيوم. وبإعلانها، في 28 تموز 2026، عن اكتشاف زهاء 4.000 طن من المادة المتفجرة ذاتها بالقرب من قرية حولا جنوب لبنان، عززت قوة "اليونيفيل" الشكوك التي تغذت على مدى سنوات بشأن وجود صلات بين الحزب وقضية التخزين المشبوهة لـ 2.700 طن من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت (الذي كان يسيطر عليه الحزب آنذاك)، والتي لم ينفجر منها سوى بضع مئات الأطنان في 4 آب 2020. ومن شأن القرار الظني، الذي يُفترض أن يصدره المحقق العدلي طارق البيطار بحلول كانون الأول المقبل، وفق ما أعلنه نقيب المحامين عماد مارتينوس، أن يسلط الضوء على هذه القضية التي سعى العديد من المسؤولين، في عهد الرئيس السابق ميشال عون، إلى طمسها بشتى الوسائل. وعلى عكس ذلك، حثّ خلفُه، جوزاف عون، المحقق العدلي على الإسراع في نشر القرار الظني الذي أُحيل على المحامي العام لدى محكمة التمييز، محمد صعب. ويُتوقع أن يضع الأخير مطالعته القانونية، بعد معاينة المستند، وتحليل التهم، وإبداء رأيه الخطي بشأن المسار الإجرائي الواجب اتباعه، قبل إعادة الملف إلى طارق البيطار. ومُنذ وصول جوزاف عون إلى سدة الرئاسة وتكليف نواف سلام ترؤس الحكومة، تسلك قضية انفجار 4 آب مساراً قضائياً طبيعياً. فهل تشكل هذه المرحلة نهايةً لنهج الإفلات من العقاب في لبنان؟ كثرٌ هم الذين يأملون ذلك. وعلى أي حال، يعكس سلوك السلطات جديةً في المتابعة. أُعلن الحداد الوطني في البلاد ونُكّست الأعلام، لا سيما في القصر الجمهوري، فيما شارك وزراء في التجمعات التي أُقيمت تخليداً لذكرى الضحايا. وخلال التجمع الذي أُقيم في أواخر بعد ظهر اليوم بالقرب من المرفأ، في الساعة ذاتها التي وقع فيها الانفجار، أعلن أهالي الضحايا أنهم مستمرون في تحركهم حتى جلاء الحقيقة كاملة في هذه القضية ومحاسبة المسؤولين. اتفاق حول مضيق هرمز؟ على الصعيد الإقليمي، ساد انطباعٌ بالتكرار يوم الاثنين، مع الإعلان عن اتفاق وشيك بشأن مضيق هرمز، في وقت لم يحترم فيه النظام الإيراني جميع الاتفاقات السابقة المبرمة والموقعة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي هذا الإطار، أفاد الوسيطان القطري والباكستاني عن "جهود جارية" لاستئناف الحوار بين واشنطن وطهران، بينما أعلنت الولايات المتحدة عن اتفاق مرتقب لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يشكّل محور تجدّد الأعمال العدائية خلال الأسابيع الأخيرة. وقد يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ "الثلاثاء أو الأربعاء"، بحسب وزير الخزانة سكوت بيسنت، على أن يؤكد ذلك وزير الخارجية ماركو روبيو في وقت لاحق. ووفقاً لقطر، تُجرى هذه الجهود من دون التخطيط لمحادثات مباشرة بين الطرفين. ومهما يكن من أمر، فإن التوتر لا يزال قائماً في المنطقة حيث استهدف الحوثيون اليمنيون مطار نجران في السعودية. وفي الليلة الممتدة بين الاثنين والثلاثاء، تعرّضت سفينة شحن كانت تحاول عبور مضيق هرمز لضربة بقذيفة أدت إلى اندلاع حريق فيها، فيما يُعتبر أحد أفراد الطاقم في عداد المفقودين، بحسب شركة "فانغارد" البريطانية للأمن البحري.