شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
لماذا يُشكّل فتح صفحة جديدة بين لبنان وسوريا ضرورة قصوى؟

كثيرة هي الموروثات بين لبنان وسوريا، وكثيرة هي الفرص أيضاً. الماضي بين البلدين ثقيل جداً من الاستقلال تحت عباءة الانتداب في العام 1920 إلى الاستقلال الفعلي سنة 1943، إلى المراحل الأخيرة، تتزاحم الملفات التي تجعل العلاقات الشائكة بين البلدين حالة شبه دائمة. ولكن آن الأوان لهذا الأمر أن ينتهي، وأن تُفتح صفحة جديدة عنوانها الأساسي الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخليّة. لا تزال ماثلة في أذهان اللبنانيين تجربة الوصاية المرة التي عاشوها منذ الدخول السوري إلى لبنان سنة 1976 إلى الانسحاب العسكري في 26 نيسان/ أبريل 2005 على وقع ردود الفعل الدولية التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير من العام ذاته. وإذ يتطلب تحليل أسباب الدخول السوري مقالات أخرى، فإن المرحلة التي شهدت ذروة الوصاية كانت بعد الانخراط السوري في عملية تحرير الكويت (1990) وقد نالت سيطرتها على لبنان كنوع من "المكافأة". ويذكر اللبنانيون طبعاً كيف تحولت الإدارة السوريّة للبنان كنوعٍ من الإدارة المباشرة من خلال مركز المخابرات السورية في عنجر و"البوريفاج" وسواها من المواقع التي كان رموز النظام السابق يتعمدون إذلال المسؤولين اللبنانيين فيها ويصدرون أوامرهم لهم بكثير من الفوقيّة وعدم الاكتراث للحد الأدنى من الكرامة الوطنيّة. وغنيٌ عن الذكر طبعاً الاغتيالات السياسيّة التي نفذّت في لبنان واستهدفت قادة الرأي والفكر ورجال السياسة من كمال جنبلاط إلى رفيق الحريري وكل من بينهما، والترهيب والاعتقالات ومصادرة الرأي والحريات بحيث كادت سلطة الوصاية أن تحوّل لبنان إلى نظام مشابه للنظام السوري مع انتخابات صوريّة لا تقدّم ولا تؤخر بل هدفها الوحيد إتمام المشهد السياسي. المهم أن هذه الصفحة قد طويت، ولكن الأهم هو البحث الجدي في كيفيّة بناء علاقات مستقبليّة متينة قائمة على الثقة والاحترام والمصالح المشتركة، وفي كيفيّة تلافي إنزلاق أي من البلدين للاضرار بالآخر أو السطو عليه كما حدث في المرحلة المنصرمة. ومن الضروري أن تخرج بعض الأوساط الرسميّة وغير الرسميّة اللبنانيّة من دائرة التردد أو عدم الاكتراث لتطوير هذه العلاقات في الاتجاه الصحيح بما يخدم مصلحة البلدين. لقد شكلت خطوة إلغاء المجلس الأعلى اللبناني- السوري خطوة صحيحة على درب إعادة العلاقات إلى وضعها الطبيعي أي علاقات قائمة بين دولتين مستقلتين تماماً تربطهما مصالح عديدة مشتركة تنظم وفق المسارات الديبلوماسيّة المعتادة أي من خلال السفارات، وممكن رفعها إلى مستوى لجان مشتركة أو وزارية تعالج مسائل قطاعيّة محددة بذاتها. ولكن، مع كل ما ورد أعلاه من ضرورة إعادة "الاستقامة" إلى العلاقات بين لبنان وسوريا، لا مفر من الخروج من بعض العقد التي تعيق التقدم في العديد من المجالات، دون أن يعني ذلك العودة إلى الصيغ القديمة لا سيما في مجال السياسة الخارجية. فإذا كان من غير المقبول قطعاً العودة إلى صيغة "وحدة المسار والمصير" التي سيطرت على السياسة الخارجية اللبنانية في حقبة التسعينات وأدّت عملياً إلى إفراغ القدرة اللبنانية على صياغة سياسة مستقلة خارج الفلك السوري؛ فإن ذلك لا يعني انقطاع التنسيق خصوصاً في المجال الإقليمي والنزاع القائم مع إسرائيل. لبنان وسوريا يعانيان سوياً من التوسع العسكري الإسرائيلي، فالأول نال قسطه من الدمار والاحتلال في حربين متتاليتين، والثانية شهدت أيضاً إحتلالاً لمساحات جديدة، وكلاهما يعانيان من انتهاك يومي لسيادتهما الوطنية. وإذا كانت فكرة المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل ليست مطروحة لبنانياً أو سورياً، إلا أن تنسيق المواقف السياسيّة والديبلوماسيّة مفيد جداً لكلا البلدين. أما في المجال الأمني، فالتنسيق أكثر من ضروي لتفكيك ما تبقى من شبكات إتجار بالمخدرات والكبتاغون والاتجار بالبشر والتهريب وهو ما يجب أن يتم بحزم من الجانبين لأنه يلحق ضرراً كبيراً بكل منهما. وفيما يخص مجالات التكامل الاقتصادي والكهربائي والتجاري، فهي عديدة وعديدة جداً وتتطلب إهتماماً خاصاً من السلطات الرسميّة في كلا البلدين. إن طي صفحة الماضي لا يكفي بل المطلوب التفكير الجدي بالمستقبل خصوصاً أن المنطقة تشهد تغيّرات غير مسبوقة على مختلف المستويات، والتهديدات الإسرائيليّة بلغت أيضاً مراحل متقدمة مما يجعل هذا "التناغم" اللبناني- السوري بالحد الأدنى ضرورة ملحة.

إن لم تكن سوريا، فعلى الارجح تركيا... والعكس صحيح!

بعد أن حظي العماد جوزاف عون ببركة واشنطن، ها هو في أواخر تموز يُستقبل في أنقرة استقبال الرؤساء، حيث أُحيط بكل ما يليق بمنصبه من مظاهر التكريم. فالسجاد الأحمر وطلقات المدفع، وحرس الشرف الرئاسي وهو يؤدي التحية العسكرية (Süngü tak)، ليست تفاصيل عابرة في نظر عسكري محترف كرئيس الجمهورية اللبنانية. ومن البديهي أنه لن يكون من أولئك الذين يفتعلون الخلاف مع وفد تجاري تركي، كما فعل الرئيس إلياس الهراوي في مستهل ولايته. ومن يذكر اليوم تلك المشادة التي وقعت بين "أبو الياس" والوفد التركي، الذي جاء لبنان متحمساً لتطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية مع طرابلس، لكنه ارتكب، خطأً حين ذكّر بالروابط التاريخية التي جمعت المدينة الشمالية بتركيا؟ لاأحد يعلم ما الذي أثار حفيظة رأس الدولة آنذاك، فأعلن بغضب أن لبنان دولة ذات سيادة – يا للمفارقة! – ولن يسمح بعودة النفوذ العثماني إلى ربوعه، ولا بإقامة علاقة مميزة بين أنقرة ومنطقة لبنانية على حساب الدولة المركزية. وقد أثارت تلك الحادثة سخرية بعض الأوساط التي استهجنت موقف رئيس الجمهورية، في وقت لم تكن فيه غرف التجارة تسعى إلا إلى إحياء علاقات التبادل والازدهار بينها. طرابلس الشام ولبنان الكبير طُويت صفحة ذلك الحادث منذ زمن بعيد، غير أن بعض التساؤلات عادت إلى الواجهة مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس في الثاني من تموز الماضي. فقد أوحى الحماس الشعبي الذي استُقبل به بأن المدينة قد تتطلع إلى مصير غير لبناني! وللتذكير، فإنها حملت عبر التاريخ اسم طرابلس الشام، كما أنها عارضت الانتداب الفرنسي، ولم تتقبل بسهولة ضمها إلى دولة لبنان الكبير. ومع ذلك، ينبغي ألا نتسرع في استخلاص الاستنتاجات، فالجماهير معروفة بردود فعلها العاطفية، وكانت طرابلس قد عانت طويلاً من الاحتلال البعثي، بحيث كان من الطبيعي أن تعبر، عند أول فرصة، عن ضيقها وإحساسها بالتحرر. الخريطة الكاملة لسناجق ولايتي بيروت وسوريا عام 1909. كانت ولاية بيروت تضم سناجق نابلس وعكا و«بلاد بشارة» (التي تقابل حاليًا جنوب لبنان، أو جبل عامل)، إضافة إلى مدينة بيروت وسنجقي طرابلس الشام واللاذقية. وكانت تسمية «طرابلس الشام» تُستخدم لتجنّب الخلط بينها وبين مدينة عثمانية أخرى هي طرابلس الغرب، أي مدينة طرابلس الحالية في ليبيا، التي احتفظت بهذا الاسم. (ويكيميديا كومنز) وفي خضم الاحتفاء بالشيباني، ذهب أحد أبناء طرابلس إلى القول:"لو دخلت القوات التركية اليوم شوارع مدينتنا، لاستُقبلت وسط أفراح عارمة." ولو صحّ ما يقوله هذا المراقب، لكانت المباني قد ازدانت بالأعلام الحمراء التي تحمل الهلال والنجمة، أعلام الإنكشارية في الدولة العثمانية. وفي هذه العبارة شيء من الحقيقة، وإن كان من باب الشعور والانفعال أكثر منه من باب السياسة: فالمدينة عانت، في عهد حافظ الأسد وابنه بشار، من إخضاع قاسٍ لسكانها، ومن هيمنة طائفية على مفاصلها الاقتصادية الحيوية. ولكن، هل يعني ذلك أن تركيا ستتدخل في لبنان باسم ما يُسمى بالعثمانية الجديدة، أو استعادة حكم السلطنة، أو بدافع مشروع الإخوان المسلمين؟ إمبريالية عثمانية جديدة أم مجرد تمدد اقتصادي؟ مهما تكن أهداف أنقرة، فإنها لن تتجسد إلا ضمن رؤية إقليمية شاملة تشمل الفضاء السوري–اللبناني–الأردني بأسره. وقد يثير ذلك المخاوف والهواجس في لبنان كما في غيره. ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن حزب العدالة والتنمية، بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، وإن كان يستحضر أحياناً أمجاد الدولة العثمانية، فإنه يفعل ذلك في الغالب لأغراض انتخابية وسياسية داخلية. ولا يخطر ببال النخب التركية الجدية إعادة بناء إمبراطورية كانت تمتد على ثلاث قارات، خصوصاً بعدما قدّمت مغامرة فلاديمير بوتين في أوكرانيا درساً بليغاً لكل دعاة التوسع العسكري. على الأقل، هذا ما نأمل! ويقال أيضاً إن الحضور التركي يتركز أساساً في إطار القوة الناعمة، إذ أصبحت قصة النجاح الاقتصادي التركي نموذجاً يحتذى به لدى كثير من رجال الأعمال في الشرق الأوسط. وهذا احتمال وارد، خاصة بعد أن فقدت النزعة القومية العربية، بما حملته من عداء للأتراك، كثيراً من قدرتها على التعبئة، ولم يعد التركي يُحمّل مسؤولية أربعة قرون من التراجع العربي. لكن تركيا لا تستطيع أن تكتفي بالنجاحات الاقتصادية وحدها. فهي ليست سنغافورة ولا دبي، ولا يمكنها أن تحصر دورها في أن تكون مركزاً مالياً، ولا سيما أنها باتت قوة إقليمية ذات نفوذ، وصارت صناعتها العسكرية تحتل موقعاً متقدماً في سوق السلاح العالمية. سوريا... البوابة الرئيسية للنفوذ التركي أليست أنقرة، عملياً، الراعي الأول لنظام أحمد الشرع؟ ويجيب البعض بأن تركيا، مهما قدمت من دعم عسكري وسياسي واقتصادي، فلن تتمكن من تحويل النظام السوري إلى مجرد وكيل proxy مطيع لها. كما أن السياسة "الأموية" تبدو ماضية في تنويع وتعميق علاقاتها مع دول الخليج. ثم إن الخيلاء التركية كفيلةٌ، في نهاية المطاف، بكبح اندفاعة أي مسؤول سوري يبدي استعداداً مفرطاً للخدمة والتعاون. خريطة تعود إلى عام 1913، تظهر ولايتي سوريا وبيروت. وفي الوسط، باللون الأخضر، متصرفية جبل لبنان. (ويكيميديا كومنز) ومع ذلك، فإن النفوذ التركي في لبنان، في الظروف الراهنة، لا يمكن تصوره إلا من خلال محور أردوغان–الشرع، ولا سيما أن أنقرة تخشى أن تمنح الولايات المتحدة إسرائيل حصة وازنة من "كعكة" الشرق الأوسط، هذه المنطقة الوسطى التي ما زالت تبحث عن توازنها المفقود. إنها مهمة شاقة تنتظر الرئيس التركي في بلاد الشام. فعليه أولاً أن يواجه النفوذ الإيراني بأبعاده العقائدية والعسكرية والمالية والمذهبية، إذ ستسعى طهران على الأرجح إلى استعادة موطئ قدمها في سوريا، وإعادة فرض نفوذها في لبنان. لكن إذا خرجت دولة الملالي نهائياً من المشهد، فسيجد أردوغان نفسه أمام فراغ سيتوجب عليه ملأه. وليس هذا فحسب، فكلما اندفعت تركيا جنوباً، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع إسرائيل، وهي الدولة التي تتدهور العلاقات معها يوماً بعد يوم، والتي لاتقل صعوبة كشريك عنها كخصم 1 . وخلاصة القول، إذا كان الرئيس أردوغان قد عزز موقع العماد جوزاف عون 2 ، فإنه في الوقت نفسه يواصل ترسيخ أركان نظام أحمد الشرع. فعندما تدق الساعة التركية، ستكون سوريا المكمّل الاستراتيجي لأنقرة، وذراعها العسكرية، وربما أيضاً وكيلها الإقليمي. 1 أعلن رجب طيب أردوغان في حزيران الماضي أن أمن بلاده "لا يبدأ في ولاية هاتاي، بل في حلب ودمشق وبيروت"، مؤكداً أن تركيا لن تتسامح مع أوهام "أرض الميعاد". كما اعتبر أن "الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان بلغت مستوى بات يهدد تركيا نفسها". 2 خلال المحادثات التي جرت في أنقرة، وعد أردوغان الرئيس جوزاف عون بإرسال قوات تركية في إطار تحالف عسكري أوسع، لتحل محل قوات اليونيفيل التي تنتهي مهمّتها في نهاية العام.

تحالف عسكري سني في مواجهة إيران

منذ بداية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تدفع الممالك النفطية في الخليج ثمناً باهظاً: ففي ظل تعذّر الوصول إلى تل أبيب أو واشنطن، لم تتردد الجمهورية الإسلامية في استهداف جيرانها العرب، بحجة استضافتهم قواعد أميركية، رغم أن معظمها أُخلي إلى حد كبير. والنتيجة أن السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وقطر، التي تُعتبر مع ذلك حليفة لإيران، فضلاً عن عُمان والأردن، أصبحت جميعها أهدافاً للهجمات. وفي الآونة الأخيرة، فعّلت طهران وكلاءها في العراق واليمن، أي الميليشيات الشيعية العراقية والحوثيين اليمنيين، الذين استهدفوا المنشآت النفطية السعودية. من جهة أخرى، تتهدد اقتصادات الدول العربية مخاطر إضافية، مع إغلاق مضيق هرمز، المنفذ البحري الوحيد للخليج الفارسي، وكذلك مضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر. ولا تخلو هذه الحرب المستترة، مرة أخرى، من التذكير بفتور الحليف الأميركي الكبير تجاه «حلفائه» العرب... وبالتالي، فإن الإعلان الصادر عن حلفاء واشنطن الثلاثة يوجه رسالة إلى طهران، ولكنه يوجه أيضاً رسالة إلى الولايات المتحدة التي بات يُنظر إليها، بحسب خبراء، على أنها شريك يتراجع الاعتماد عليه يوماً بعد يوم. نموذج حلف شمال الأطلسي انطلاقاً من هذا الواقع، يمكن فهم الدوافع التي حملت السعودية وباكستان وتركيا على إبرام ميثاق دفاعي، الجمعة في مكة، يربط الدول الثلاث. وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن «الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عمل عدواني، وينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعتبر هجوماً عليها جميعاً»، فيما رأت تركيا فيه «مساهمة مهمة في الحفاظ على السلام» في المنطقة. وتشترك الدول الإسلامية السنية الثلاث في مشاركتها في الجهود الرامية إلى تسوية النزاع بين إيران والولايات المتحدة، الذي أشعل المنطقة وهز الاقتصاد العالمي. قوة نووية وثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وترتبط السعودية وباكستان أصلاً باتفاق للدفاع المشترك أُبرم في سبتمبر (أيلول) 2025، وهو ثمرة تقليد طويل من التعاون العسكري بين البلدين. وكان الإعلان عن هذا الاتفاق قد أثار تساؤلات عديدة، نظراً إلى امتلاك إسلام آباد القنبلة النووية. ونفت الرياض، الجمعة، وجود أي صلة بين الاتفاق و«طموحات نووية»، مؤكدة، على غرار أنقرة، أن هذا الميثاق لا يستهدف أي دولة في المنطقة. من جهتها، أكدت تركيا أن الاتفاق مع إسلام آباد والرياض «لا يتعارض» مع التزامات أنقرة تجاه حلف شمال الأطلسي. كما كررت أنقرة أن هذا التفاهم الثلاثي، «لا يستهدف أي دولة ثالثة أو أي تكتل»، وأن هدفه يقتصر على «تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية والتدريب العسكري وتبادل التكنولوجيا والاستقرار الإقليمي». وتمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في منظمة حلف شمال الأطلسي من حيث عدد الجنود، كما تؤمّن الجناح الشرقي للحلف، وقد استضافت مطلع يوليو (تموز) قمة لقادته، شارك فيها خصوصاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب. قطب أمني مقابل الاستثمارات بحسب محلل نقلت عنه وكالة فرانس برس، يعزز هذا الإعلان طموحات السعودية إلى أن تصبح راعية للأمن الإقليمي وإلى تنويع شراكاتها في مجال الدفاع. وهو أمن تعرض في الآونة الأخيرة لتهديد جدي بسبب التنافس مع الإمارات العربية المتحدة، وهو تنافس كاد يتحول إلى نزاع مفتوح في اليمن، قبل اندلاع الحرب في إيران بوقت طويل. أما بالنسبة إلى تركيا، العضو أيضاً في حلف شمال الأطلسي، وباكستان، فالمسألة تتعلق بتعزيز نفوذهما وجذب الاستثمارات السعودية. ويرى عمر كريم، المتخصص في الشؤون السعودية في جامعة برمنغهام، في تصريح لوكالة فرانس برس، أن هذا التقارب «موجّه بوضوح ضد إيران». رهان المضائق ويرى كريم أن التحالف «يهدف إلى الرد على النهج الاستراتيجي الجديد» لطهران، «الذي يسعى إلى الهيمنة على منطقة الخليج بأكملها والسيطرة على حركة الملاحة البحرية في الممرات المائية الاستراتيجية، سواء في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب». وبالنسبة إلى السعودية، أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، يُعد إبقاء هذه الممرات البحرية مفتوحة مسألة أساسية. وكان البحر الأحمر ومضيق باب المندب قد تحولا إلى ممرين بديلين، في وقت تعيد فيه إيران إغلاق مضيق هرمز منذ استئناف المواجهات مع الولايات المتحدة في يوليو (تموز). لكن الحوثيين اليمنيين، المدعومين من إيران، فرضوا في الآونة الأخيرة حصاراً على السفن السعودية، كما يهددون حركة الملاحة في باب المندب، على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية. وإلى جانب الجبهة البحرية، تعرضت السعودية للاستهداف داخل أراضيها من قبل الحوثيين، الذين استهدفوا خلال الأسابيع الأخيرة منشآت نفطية. كما اتهم التحالف الذي تقوده الرياض، والمتحالف مع الحكومة اليمنية منذ عام 2015، المتمردين، الجمعة، بتنفيذ عمليات قصف في منطقة نجران الحدودية، أسفرت عن إصابة 11 مدنياً، في هجوم غير مسبوق داخل المملكة منذ الهدنة التي أُبرمت بين الطرفين عام 2022.

أزمة مالية ذات جذور سياسية عميقة
بقلم
أنطوان منسى
نُشر

تُعزى الأزمة اللبنانية، التي برزت رسمياً في خريف عام 2019، في معظمها إلى عوامل تقنية بحتة: الهندسات المالية لمصرف لبنان، وأرباح البنوك، وسعر صرف الليرة مقابل الدولار، وأسعار الفائدة، وتحويلات رؤوس الأموال، والعجز التجاري والاستهلاك. وإن كانت هذه العوامل تستوجب الدراسة فعلاً، إلا أنها وحدها لا تكفي لتفسير الانهيار تفسيراً كاملاً. أما الأسباب السياسية والأمنية والإدارية — من نهب للقطاع العام، وتوظيفات عشوائية في مؤسسات الدولة، وإنفاق بلا موازنات منتظمة، ومحسوبيات، وتسييس للقضاء، وتهريب، واقتصاد موازٍ، وتورط في صراعات إقليمية — فقد طُمست إلى حدٍّ بعيد. وحكومة حسان دياب ليست المسؤول الوحيد عن أزمة كانت تتراكم منذ عقود، غير أن ثمة قرارات اتُّخذت أو تبنّتها في عهده أسهمت في تسريع الانهيار. أولاً، لم يُقرَّ أي قانون فوري ومتسق لضبط حركة رؤوس الأموال، وهو ما أفضى إلى قيود تعسفية، وفاقم من التفاوت بين المودعين، وأتاح تسرّب جزء من السيولة. ولو صدر قانون استثنائي يقوم على المبدأ ذاته الذي طُبِّق إبان حرب عام 1967، أو أزمة بنك إنترا، أو بعد تدمير الطائرات المدنية في مطار بيروت خلال غارة 28 ديسمبر 1968، لكان بالإمكان الحدّ من الأضرار. ثانياً، قرّرت حكومة دياب في مارس 2020 التوقف عن سداد سندات اليوروبوند، برفض دفع ما قيمته 1.2 مليار دولار. في حين كانت احتياطيات مصرف لبنان آنذاك تُقدَّر بنحو 29 مليار دولار. كان بوسع لبنان الوفاء بالالتزامات الآنية في الوقت الذي يتفاوض فيه على إعادة هيكلة منظّمة مع الدائنين وصندوق النقد الدولي. فالتوقف غير المُعدّ له عن السداد أجهز على مصداقية الدولة، وأغلق أبواب الأسواق المالية، وزاد من عزلة لبنان المالية. ثالثاً، لجأت حكومة تلك المرحلة إلى دعم أكثر من 300 سلعة بدلاً من دعم الأسر مباشرة. وقد أفضى هذا النظام إلى تشجيع الاكتناز والاحتكار، وفوق كل ذلك التهريب نحو سوريا. ويُقدَّر ما أُنفق عليه بما بين 12 و14 مليار دولار. وهذا الإنفاق غير المبرر يناقض الحجة القائلة بضرورة الحفاظ على الاحتياطيات مسوّغاً لرفض دفع 1.2 مليار دولار في مارس 2020. رابعاً، كانت الخطة التي أُعدّت بالتعاون مع شركة لازار تنطوي على خطر تحميل المودعين والقطاع المصرفي القائم الجزء الأكبر من الخسائر، بهدف استبدال البنوك الحالية بخمسة مصارف جديدة. وظلّ الوعد برد الودائع مجرد كلام لم يُرفق بأي إجابة واضحة عن مصادر التمويل، والأصول التي سيُستعان بها، والجدول الزمني للتنفيذ. لقد أسهمت هذه الخيارات مجتمعةً في تسريع استنزاف الاحتياطيات، وتأجيج أزمة السيولة، ونشر اقتصاد الكاش، وتهميش لبنان دولياً. والتذكير بها لا يعني تبرئة مصرف لبنان أو البنوك أو الحكومات السابقة، إذ يجب تحديد المسؤوليات كاملةً وفق الصلاحيات الفعلية والالتزامات القانونية، دون أن يُجعل قطاع بعينه كبش فداء. لا يقوم النهوض بالبلاد إلا على استعادة هيبة الدولة، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، واستقلالية القضاء، وإقرار قانون عادل ومموَّل لردّ الودائع، وإعادة هيكلة مصرفية شفافة، والتفاوض على الدين، وإصلاح الإدارة العامة. يجب أن يراعي توزيع الخسائر الطبيعة القانونية لكل التزام على حدة. فمطالبات الدولة، وحقوق مصرف لبنان، والتزامات البنوك، وحقوق المودعين مترابطة لكنها ليست متماثلة، والخلط بينها يعني بطبيعة الحال تحميل المواطنين العاديين الثمن. يجب إيلاء الأولوية لصغار المودعين، مع تحديد المبالغ والجداول الزمنية ومصادر التمويل بوضوح تام. ويمكن للأصول العامة أن تُسهم في عملية التعافي من خلال عائداتها المستقبلية، شريطة أن تظل محمية ومُدرجة في سجلات وخاضعة لإدارة شفافة. ولا يجوز التفريط بها أو إسنادها إلى هيئات تفلت من الرقابة الديمقراطية. وعلى المنوال ذاته، يتعين على المساهمين تحمّل نصيبهم من المسؤولية في حدود ما يقضي به القانون، فيما يجب أن تخضع التحويلات غير المشروعة والإثراء غير المبرر لتحقيقات قضائية جدية. إن إعادة الهيكلة قبل تحديد الموارد المتاحة تعني وضع العربة أمام الحصان. فالأزمة وإن بدت في مظاهرها مالية، إلا أن جذورها سياسية بامتياز، ولن يكون لأي حل مستدام أن ينجح إذا أغفل هذه الحقيقة. وفي نهاية المطاف، سيرتبط استعادة الثقة باستعادة لبنان لعلاقاته مع شركائه العرب والدوليين، والتزامه بمعايير المالية العالمية، وإعادة توجيه سياسته الاقتصادية لتصبّ حصراً في خدمة المصلحة الوطنية.

من روما إلى هرمز، المفاوضات تتقدم لكن الشكوك لا تزال قائمة

إنه يوم المفاوضات بامتياز. ففي روما، اختتم الاجتماع الثالث والأخير من الجولة السابعة من المحادثات المباشرة بين بيروت وتل أبيب على نبرة إيجابية نسبياً، غير أنها لم تُفضِ بعد إلى أي نتيجة حاسمة. وفي منطقة الخليج، يُشار إلى أن طهران ومسقط باتتا على وشك الإعلان عن اتفاق مبدئي بشأن الملاحة في مضيق هرمز. وفي الحالتين، لا يبدو الحلُّ النهائي وشيكاً في المدى المنظور، لا سيما أن الإشكالية الجوهرية، المتمثلة في الدور الزعزعي الذي تضطلع به إيران في المنطقة، وفي مقدمته نفوذ الميليشيات الموالية لها، لا يزال قائماً، وهو ما أشار إليه بحق وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته لأنقرة يوم الخميس. وتُعزز التطورات الأخيرة في اليمن هذه الأطروحة أيضاً؛ إذ أعلنت ميليشيا الحوثيين يوم الخميس عن شنّها هجمات ضد القوات الحكومية، رداً - بحسب زعيمها - على التعزيزات العسكرية الأخيرة للقوات اليمنية المدعومة من المملكة العربية السعودية. وقد أسفرت هذه الهجمات عن سقوط ما لا يقل عن 38 قتيلاً، وهو الحصيلة الأكثر دموية منذ وقف إطلاق النار عام 2022، الذي أنهى أكثر من سبع سنوات من الحرب المدمرة في هذا البلد الواقع في شبه الجزيرة العربية. وأعلن أسعد الشيباني، في أعقاب محادثاته مع نظيره التركي هاكان فيدان، أن دمشق وأنقرة متفقتان على «دعم الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار في العراق ولبنان»، انطلاقاً من مبدأ أن «استعادة احتكار السلاح في هذين البلدين من شأنها أن تُسهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة برمتها». وشدد في الوقت ذاته على أهمية «تعزيز التنسيق الأمني مع الدول المجاورة، وضبط الحدود لمواجهة التهديدات التي تشكّلها الجماعات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة». وفي حين ينخرط العراق بالكامل في مسار - وإن كان بالغ التعقيد - لنزع سلاح الميليشيات، التي يُشار إلى أنها أعادت مؤخراً انتشار قواتها على الأرض في ظل مخاوف من تصعيد أمني جديد في البلاد، يبدو أن لبنان قد خفّف الاهتمام بهذا الملف. وتبقى الأولوية بالنسبة لبيروت لبنانَ الجنوبي، وسائر الإشكاليات المرتبطة بالتداعيات الكارثية للحرب التي أوقع فيها حزب الله البلادَ. ووفقاً للمعلومات التي نقلتها وسائل الإعلام اللبنانية بشأن الجولة الأخيرة من المحادثات المباشرة، التي امتدت على ثلاثة أيام وتوزعت على ثلاثة اجتماعات سياسية وقانونية وعسكرية، فقد أصرّ الوفد اللبناني على مواصلة الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجزء الجنوبي من البلاد، استناداً إلى الاتفاق الثنائي المبرم في يونيو ووقف العمليات العسكرية. ولم يُتوصَّل إلى أي اتفاق نهائي بشأن ملف «المناطق التجريبية»، التي تقتصر حالياً على ثلاث مناطق، فيما تسعى بيروت إلى توسيعها لتشمل قطاعات جديدة، من بينها زوطر الشرقية. وكالة المركزية ، التي تستند إلى مصادر في قصر بعبدا الرئاسي، تُوضح أن الوفد الإسرائيلي طلب عرضاً تفصيلياً للقطاعات المقترحة لدراسة خصائصها الجغرافية. ويتعين تسليم الوثيقة اللبنانية إلى السلطة السياسية في إسرائيل، وفقاً لـ المركزية ، التي تنقل عن المصادر ذاتها أنه جرى في المقابل التوصل إلى اتفاق بشأن المرجعيات والإجراءات التي ينبغي أن تُنظّم آليات التنسيق بين الأطراف الثلاثة (اللبنانية والإسرائيلية والأمريكية) خلال مرحلة تطبيق ما تبقى من الآلية. كما أنجز الوفدان ملف «الطرف الضامن»، أي الجهة المنوط بها التحقق ميدانياً من أن التدابير المتخذة تسير وفق أحكام الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي المبرم في يونيو. واتفق الطرفان على قائمة «مضيّقة» من المرشحين، يُختار من بينهم الكيان المؤهل لتولي هذا الدور. كما اتفقتا على رفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي بهدف استصدار قرار جديد يُشكّل إطاراً قانونياً للمرحلة التي ستعقب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). أما ملف الأسرى الذي جرى تناوله بإسهاب، فيبدو أكثر تعقيداً إذ يتعلق بعملية تبادل، وفق المصادر ذاتها. فلبنان يمتلك قائمة محددة بالأسماء سلّمها إلى الوفد الإسرائيلي، الذي بادله بدوره قائمة بأسماء إسرائيليين ويهود لبنانيين في عداد المفقودين. غير أن بيروت لا تملك أي معطيات بشأن هذه القائمة. على أي حال، تُوصف محادثات روما بأنها «إيجابية» وفقاً لما أفادت به بعبدا، بل إن خطوات جارية حالياً لإشراك اللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذه العملية. ومن المرتقب أن تستأنف المفاوضات في الأول من سبتمبر، وإن ظلّ هذا الموعد مبدئياً في انتظار تأكيده بحسب مسار الاتصالات الدبلوماسية وتقدّم الملفات قيد الدراسة. بفضل تدخّل أمريكي، لم تُلقِ التصعيدات العسكرية في جنوب لبنان بظلالها على مفاوضات روما، إذ شنّت إسرائيل غارات عنيفة متتالية على منصوري وبرج الشمالي في قضاء صور. وقد أمكن احتواء موجة التصعيد هذه التي أعقبت مقتل جنديَّين إسرائيليَّين في مبنى مفخّخ في مجدل زون، وذلك في إطار آلية المتابعة المُعتمدة منذ السابع والعشرين من نوفمبر الماضي، إثر "حرب الإسناد" المشؤومة التي شنّها حزب الله دعماً لحماس ضد إسرائيل. وعلى هامش المفاوضات، أقرّ رئيس الجمهورية جوزيف عون أمام الصحفيين المعتمدين في بعبدا بأن «الطريق ستكون طويلة» قبل التوصل إلى اتفاق يُجنّب لبنان الدمار، مؤكداً في الوقت ذاته أن الدولة «مصممة على المضي فيه». اتفاق إيراني عُماني؟ على الصعيد الإقليمي، يبدو أن إيران وسلطنة عُمان باتتا على أعتاب الإعلان عن اتفاق يتعلق بإدارة الملاحة في مضيق هرمز. وبحسب قناة الحدث الفضائية، يقضي الاتفاق المزمع، الذي يكون واشنطن على علم به، بإلزام السفن بسلوك ممر يحاذي السواحل الإيرانية ذهاباً والسواحل العُمانية إياباً، مقابل رسوم خدمات محددة. وأشار المتحدث باسم الدبلوماسية الإيرانية إسماعيل بقائي، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية إيرنا، إلى أن المناقشات باتت في مراحلها الأخيرة. بيد أنه أوضح أن أي إعادة فتح للمضيق الذي أحكمت طهران قبضتها عليه، ستتوقف على تصرفات واشنطن التي تفرض حصاراً على الموانئ الإيرانية. غير أن هذه الإعادة قد تكون مثار جدل إذا تأكدت المعلومات التي أوردتها وكالة فارس الإيرانية، إذ تُفيد بأن مشروع قانون قيد الدراسة حالياً في البرلمان الإيراني يرمي إلى حظر مرور السفن الرافعة للعلم الإسرائيلي أو الأمريكي، فضلاً عن تلك التابعة للدول التي تستضيف القواعد الأمريكية. وإن صحّ ذلك، فسيكون مؤشراً إضافياً على حدة الخلافات الداخلية الإيرانية، التي يرى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أنها تقف وراء تعثّر المحادثات الثنائية التي تسير على ما يبدو بصورة غير مباشرة عبر الوسيطين القطري والباكستاني. وفي هذا السياق، وجّه الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني انتقادات حادة لـ«أقلية تسعى إلى زجّ البلاد في أتون حرب»، في حين تتحدث معلومات تناقلتها وسائل إعلام متعددة عن تعيينات ومساعي إعادة هيكلة تهدف إلى تعزيز سلطة التيار المتشدد في إيران.

النبيّ والفيلسوف (1/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا . وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي تمت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، والتي حملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة مقالة موسعة ومنقحة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الأولى من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. ما الخيط الذي يربط، للوهلة الأولى، بين هرمية المعرفة عند ابن سينا وحميد الدين الكرماني، وتعقيدات الطائفية في لبنان، وديناميات القومية الدينية في جنوب آسيا وغربها، والدور الذي تؤديه الأخرويات في صراعات الشرق الأوسط؟ قد تبدو هذه القضايا متباعدة، لكنها ليست سوى تجليات مختلفة لتذبذب أوسع، وربما مستمر، داخل الحقل اللاهوتي السياسي. وتظهر هذه الدينامية اللاهوتية السياسية أولاً في صورة استقطاب، سواء على مستوى هرمية المعرفة، أو في التوتر القائم بين قول الحقيقة وما يمكن تسميته “القول القويم”، عندما نتجه إلى تقاليد الفلسفة المهلْننة في الإسلام وإلى الأفلاطونية المحدثة كما أعادت الدعوة الفاطمية صياغتها. ثم تتخذ هذه الدينامية شكلاً آخر في السياق اللبناني، حيث تتجلى في صعوبة، وربما في عجز، عن صون التعددية على أساس المعاملة بالمثل، أو عن إرساء أي هرمية مشتركة داخل نموذج سياسي مأزوم ومترنح. ويكتسب اللاهوتي السياسي بُعداً آخر عند الانتقال إلى مسألة القومية. فهنا تتكشف الدينامية عبر متاهات العلمنة: إذ تُنقل الرابطة الجماعية أولاً إلى صيغة الأمة، قبل أن تخضع لحركة ثانية من التكثيف، من خلال عمليات إعادة التقديس، والأسطرة، والأخْرَوة، لما كان قد أُضفيت عليه صفة العلمنة في البداية. وما يتبدى أمامنا، والحال هذه، ليس انتقالاً خطياً بسيطاً من المقدس إلى العلماني، بل حركة ارتدادية يصبح فيها العلماني ذاته موضع عودة المقدس في صورة مزاحة. ويتجلى هذا المسار بوضوح خاص في حالة القومية الدينية. كما يمكن تلمس ديناميات مشابهة في مفارقات النموذج اللبناني للدولة الطائفية، وفي تطور الطائفية عندما تُقرأ من منظور يمكن وصفه بما بعد العثماني. لقد دأب البروفيسور جيوفاني جورجيني على وصل تاريخ الفلسفة السياسية بإشكاليات العصر الراهن. ويتجلى ذلك بوضوح في معالجته لمسألة الطغيان، بالمعنى الذي بلوره ليو شتراوس، بوصفه، في آنٍ معاً، حكم الاعتباط ومشكلة فلسفية نموذجية تتصل بالعلاقة بين المعرفة والسلطة وسعي الإنسان إلى الخير، وكذلك في اهتمامه بمفهوم الفرونيسيس ( Phronēsis ) باعتباره الحصافة، أو الحكمة العملية. فهذه الحصافة، لكي لا تستسلم للاعتباط، لا بد أن تمنح الأولوية للفعل، إذ إن الفعل لا يحتمل التأجيل إلى ما لا نهاية. وقد شكّل اقتراح جورجيني قراءة كتاب الأمير لمكيافيللي في ضوء الفرونيسيس عند أرسطو وشيشرون، أي بوصفه بحثاً في حكمة الحصافة باعتبارها نمط الحكم الملائم للوقائع السياسية المتغيرة، منطلقاً بالغ الإيحاء لتأملاتي الخاصة. وتكفل هذه المقاربة ألا تُفهم الفضيلة ( virtù ) المكيافيلية بوصفها مجرد تشويه لمفهوم الحصافة الكلاسيكي، بل باعتبارها إعادة تصور معقدة له، تدرك بعمق مقتضيات الفاعلية السياسية، وإن كانت أقل التزاماً بكثير بالمثل الكلاسيكي للوفاق ( concordia ). وأنا أتأمل هذه المسائل، وجدت نفسي أعود إلى سؤال يبدو، خلافاً لما يوحي به لأول وهلة، أقل بساطة مما نظن: إلى أي حد تؤدي الفرونيسيس دور شكلٍ خفي من أشكال مقاومة الطغيان؟ وعند أي عتبة دقيقة يتحول التزامها بـ«الممكن» إلى ستار بالغ الإحكام يخفي وراءه السلبية السياسية؟ وفي العالم الإسلامي الحضاري ( Islamicate )، لا يمكن فصل هذا السؤال عن هاجس آخر، يصعب التعبير عنه في كثير من الأحيان، يتعلق بما وراء العالم، أو بالأحرى بالأبعاد الميتافيزيقية والكونية لحكم الاعتباط. ولعل السعي إلى الالتفاف على الميل إلى الاعتباط، على المستويين الكوني والميتافيزيقي معاً، مع الحرص في الوقت نفسه على ألا تُخنق الروح، هو، فيما أعتقد، جوهر التوتر الذي يكشف عنه الكاتبان اللذان تتمحور حولهما هذه الدراسة. I - الحصافة الميتافيزيقية: مغامرات الفرونيسيس في المجال الحضاري الإسلامي تتناول هذه الدراسة الجدلية بين النبي والفيلسوف في الفلسفة الإسلامية المهلْننة (الفلسفة / falsafa ) من خلال مقارنة بين أبي علي الحسين بن سينا (ت. 1037م) ومعاصره، المفكر الإسماعيلي حميد الدين الكرماني (ت. نحو 1020م). وهي، في معرض ذلك، تتناول أيضاً، وإن بصورة غير مباشرة، إشكاليتي الطغيان والفرونيسيس ضمن المشهد الفكري للقرن الحادي عشر. وترتبط الفرونيسيس، أو الحصافة، عند ابن سينا بالعقل العملي، وهو الملكة المعنية بالفعل، والمداولة الأخلاقية، وتنظيم شؤون الحياة اليومية. ومع أن ابن سينا يتحرك ضمن الإطار الأرسطي للفضائل العقلية، فإنه يوسّع نطاق هذا المفهوم توسعاً دقيقاً، من خلال ربط الحصافة بكمال النفس وتوجيهها نحو نوع من الاتزان الأخلاقي. وهكذا تغدو الفرونيسيس، في الفلسفة الإسلامية المهلْننة، جزءاً من رحلة النفس ذات البعد الكوني. أرسطو وبنية الفرونيسيس غير أن بنا أن نعود، للحظة، إلى أرسطو. في كتاب “الأخلاق النيقوماخية”، يضع أرسطو الفرونيسيس (φρόνησις) ضمن بنية أشمل من الفضائل العقلية والأخلاقية، تتكامل جميعها لتمكين الفرونيموس ( phronimos )، أي الإنسان المتحلي بالحصافة، من أن يحيا حياة صالحة ويمارس فعلاً صالحاً، بما يفضي إلى بلوغ الأودايمونيا ( eudaimonia )، أي الازدهار الإنساني أو الحياة الفاضلة. أما الفضائل الأخلاقية ( aretai ēthikai )، فتتعلق بالخلق والانفعال والعادة. وهي ليست فطرية، بل تُكتسب بالممارسة والاعتياد، لا بالتعليم النظري. وتمثل كل واحدة منها وسطاً ( mesotēs ) بين طرفين متقابلين، هما الإفراط والتفريط، بحسب مقتضيات كل حالة. فالشجاعة تقع بين التهور والجبن، والعفة بين الانغماس في اللذات وبلادة الحس، والكرم بين التبذير والبخل، والعدالة في إعطاء كل ذي حق حقه، أما عظمة النفس فتقوم على تقدير سليم للذات، بعيداً عن الغرور كما عن امتهان النفس. وإلى جانب هذه الفضائل الأخلاقية، يميز أرسطو الفضائل العقلية ( aretai dianoētikai )، التي تخص الجانب العاقل من النفس، وتُكتسب بالتعليم والتعلم والتأمل. وتشمل الإبستيميه ( epistēmē )، أي المعرفة البرهانية بالحقائق الضرورية والكلية؛ والتخنيه ( technē )، أي القدرة على الصنع أو الإبداع؛ والسوفيا ( sophia )، أي الحكمة النظرية التي تجمع بين الإبستيميه وإدراك المبادئ الأولى؛ والنوس ( nous )، أي الحدس المباشر لتلك المبادئ الأولى نفسها. وضمن هذه المنظومة تحتل الفرونيسيس، أي الحصافة أو الحكمة العملية، مكانة متميزة لا يمكن اختزالها في غيرها. ولا تمثل الفرونيسيس عند أرسطو معرفةً تأملية بالحقائق الأزلية، ولا مهارة تقنية موجهة نحو الإنتاج، بل هي القدرة على حسن المداولة في شأن الفعل ضمن شروط التغير والخصوصية. إنها، بهذا المعنى، عقل الممارسة ( praxis )؛ أي عقلانية تطبيقية تحدد ما ينبغي فعله هنا والآن في سبيل الحياة الفاضلة. والأهم من ذلك أن الفضائل الأخلاقية، كالشجاعة أو العدالة، تظل ناقصة في بنيتها من دون الفرونيسيس. فإذا كانت الفضيلة تمثل هيئة راسخة في الخلق، فإن الفرونيسيس هي التي تمنح القدرة على التمييز الملائم لكل موقف، بما يسمح بتجسيد تلك الهيئة على الوجه الصحيح. فقد يدرك الإنسان معنى الشجاعة أو العدالة إدراكاً مجرداً، لكنه، من دون الفرونيسيس، يعجز عن معرفة الكيفية التي ينبغي أن تتحققا بها في وضع واقعي معقد لا يقبل الاختزال. ومن ثم تكشف الحصافة أن المعرفة الأخلاقية عند أرسطو ليست معرفة نظرية خالصة، بل هي معرفة لا تنفصل عن الحكم، والمداولة، والفعل في سياق التجربة المعيشة. من الفرونيسيس إلى الحكمة في هذا السياق، تبدو المقولة التي طرحها مؤخراً أحد الفلاسفة المغاربة ذوي التوجه الإسلامي، والتي تأسف فيها لأن التقليد الفلسفي المهلْنن في العربية ظل “أسيراً” لإطار الفضائل الأرسطية الأربع، ومن ثم أخفق في بلورة أخلاق إسلامية أصيلة قائمة على التقوى، بما هي في التقليد الإسلامي وعيٌ دائم بالله، ويقظةٌ لحضوره، وانضباطٌ أخلاقي يروم اجتناب الخطأ والوفاء بالواجبات الدينية والأخلاقية، مقولةً تنطوي على اختزال مفهومي واضح. وتفترض هذه القراءة وجود تعارض حاد بين أخلاق الفضيلة “اليونانية” المزعومة والأفق الأخلاقي “الإسلامي”، وكأن تلقي أرسطو في الثقافة الفلسفية العربية كان شكلاً من أشكال الانغلاق المفهومي، لا فضاءً للترجمة الخلاقة وإعادة البناء الفكري. كما أنها تغفل ليس فقط تقليد الفلسفة ( falsafa ) نفسه، بل أيضاً الثقافة الأوسع لـالأدب ( adab )، وكلاهما استوعب بصورة فاعلة معجماً أخلاقياً مستمداً من أصول متعددة: يونانية-هلنستية، وفارسية-ساسانية، وقرآنية-نبوية. ولم تتخلَّ هذه التقاليد عن مرجعياتها الإسلامية، بل كثيراً ما نسجت تركيباً أخلاقياً متعدد الطبقات، ووضعت فيه الوحي، والحكمة الموروثة، والتفكير الفلسفي، في علاقة دينامية متواصلة. ومن ثم فإن خيبة الأمل التي يعبر عنها هذا المفكر المعاصر، ومفادها أن الفلاسفة ( falāsifa ) في العصور الوسطى لم ينجحوا في إنتاج أخلاق “إسلامية” خالصة، تعيد فتح سوء فهم أعمق وأكثر رسوخاً يتعلق بطبيعة الفلسفة ذاتها. كما تثير سؤالاً أوسع: ما الذي يجعل خطاباً أخلاقياً ما “إسلامياً”؟ وهل تُلتمس الأصالة في نقاء العقيدة، أم في المسارات التاريخية المتعددة التي تشكلت عبرها العقلانية الأخلاقية فعلياً في تاريخ الفكر الإسلامي؟ وبالنسبة إلى أرسطو، فإن الفرونيسيس هي الحصافة، أي القدرة على حسن المداولة في شأن الفعل، وهي تختلف عن السوفيا ( sophia ) التي تدل على الحكمة النظرية. ومع الترجمة اليونانية للكتاب المقدس العبري، أي الترجمة السبعينية، أصبحت كلمة السوفيا ترجمةً للكلمة العبرية حوخماه ( ḥokhmah ). غير أن حوخماه تشير أساساً إلى المهارة العملية والدراية التطبيقية، بينما أخذت السوفيا تكتسب، شيئاً فشيئاً، معنى المعرفة النظرية، بل ومعنى الحقيقة القصوى ذاتها. وفي السياقات الهلنستية والغنوصية اللاحقة، اكتسبت سوفيا بعداً ميتافيزيقياً ورمزياً، فشُخِّصت أحياناً بوصفها فيضاً إلهياً أو “أيوناً” أنثوياً، وفي بعض الروايات الغنوصية “تهبط” من العالم الروحي إلى العالم المادي قبل أن تستعيد مكانتها من جديد. أما الحكمة ( ḥikma ) في العربية، وهي كلمة ترتبط في بنيتها اللفظية ارتباطاً وثيقاً بالعبرية حوخماه، فتشتق من الجذر ح-ك-م، الذي يدل في أصله على المنع والضبط والإحكام. ومن هذا الجذر تتولد معانٍ تتصل بالسلطة القانونية والسياسية، مثل الحكم، والحاكم، والحكيم. وهكذا يجمع هذا الحقل الدلالي بين الحكمة، وإصدار الحكم، وممارسة السلطة، والتمييز الرشيد. وفي القرآن الكريم، تُعرض الحكمة بوصفها عطيةً إلهية مُنحت لشخصيات مثل داود عليه السلام: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ولقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ويرى معظم علماء الإسلام الكلاسيكيين أن لقمان لم يكن نبياً، بل كان رجلاً صالحاً أوتي حكمة استثنائية، ولذلك حظي بمكانة رفيعة في التراث الإسلامي. وفي الأدبيات الوسيطة المتأخرة، يُصوَّر لقمان كثيراً بوصفه صاحب حكايات أخلاقية، الأمر الذي جعله يُقارن بإيسوب. كما تصفه بعض الروايات قاضياً أو مستشاراً في عهد داود، الذي يصرح القرآن بنبوته. ولا يربط التراث الإسلامي بين لقمان الحكيم والنبي التوراتي ناثان، وإن كانت بعض الأخبار المتأخرة تشير إلى صلة نسب بينهما، بل تذهب أحياناً إلى اعتبار لقمان والد ناثان. الامتداد الميتافيزيقي للحكمة على الرغم من عدم وجود صلة اشتقاقية بينهما، فإن الحكمة ( ḥikma )، في حقلها الدلالي الأصلي، أقرب إلى الفرونيسيس منها إلى السوفيا. بل إنها، على وجه الدقة، احتلت في بداياتها موقعاً وسطاً بينهما، فغدت وسيطاً بين الحكمة العملية والحكمة النظرية. وهي، شأنها شأن الفرونيسيس، تنطوي على معنى سلامة الحكم وحسن التقدير؛ أي القدرة على تطبيق المعرفة على الوقائع الملموسة والمتغيرة في سبيل غاية فاضلة. ففي الحالتين، لا تقتصر الحكمة على إدراك الحقيقة، بل تتمثل أيضاً في القدرة المكتسبة على تجسيدها من خلال التمييز، والخلق، والذكاء العملي. غير أن الحكمة شهدت، خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، توسعاً مفاهيمياً بالغ الأهمية، إذ غدت المقابل العربي المفضل للمصطلح اليوناني فيلوسوفيا ( philosophia ). وعلى الرغم من أن لفظ الفلسفة ( falsafa ) كان الأكثر شيوعاً للدلالة على العلوم اليونانية المترجمة، فإن الفلاسفة المسلمين الأوائل آثروا، في كثير من الأحيان، استعمال الحكمة لما يحمله هذا اللفظ من صدى قرآني. ويظهر ذلك منذ الكندي، ثم يتجسد مؤسسياً في عهد المأمون مع إنشاء بيت الحكمة في بغداد، الذي غدا مركزاً إمبراطورياً لترجمة ما عُرف بـ”العلوم العقلية” (ʿ ulūm ʿ aqliyya )، وتصنيفها، وتطويرها، في مقابل “العلوم النقلية” (ʿ ulūm naqliyya ). وبفضل مشروعيتها القرآنية، بقيت الحكمة، بوصفها مصطلحاً ومفهوماً، بمنأى نسبياً عن الشبهات التي أحاطت كثيراً بـالفلسفة أو بـالمنطق ( manṭiq )، اللذين وُصفا أحياناً بأنهما وافدان غريبان، شديدا الارتهان للمصادر اليونانية، بل وربطهما بعضهم بـالزندقة ( zandaqa ). وقد احتلت تهمة الزندقة موقعاً محورياً في السجالات الفكرية في الإسلام الوسيط، إذ استخدمها بعض علماء الدين للطعن في التصورات الميتافيزيقية لدى الفلاسفة ( falāsifa )، ولا سيما تلك المتأثرة بالأفلاطونية المحدثة والأرسطية. ومع أن المصطلح ارتبط في أصله بالثنوية المانوية والهرطقة، فإنه اتسع تدريجياً ليصبح تهمة فضفاضة تُوجَّه إلى كل فكر يُنظر إليه بوصفه مهدداً للتوحيد الأرثوذكسي. ولم يُتَّهَم الفارابي أو ابن سينا، في العادة، بالثنوية الحرفية، بل بإدخال بنى مفهومية أجنبية، مثل نظرية الفيض أو القول بأزلية العالم، وهي أفكار رأى بعض المتكلمين أنها تنطوي على خطر عقدي أو أنها مفرطة في طابعها الهلْنني. وبوجه عام، تمحورت هذه الانتقادات حول ثلاثة محاور رئيسية. فقد اتُّهم الفلاسفة بالقول بأزلية العالم، في تعارض مع عقيدة الخلق من العدم ( creatio ex nihilo ). كما اتُّهموا بتبني تصور فيضي للوجود لا يترك مجالاً يُذكر للإطار التقليدي القائم على الخلق والوحي والخلاص. وأخيراً، نُسب إليهم تقويض الإيمان بالبعث الجسدي، إما بتأثرهم بالنزعة الأفلاطونية المحدثة التي تميل إلى القول بالنفس الكلية الواحدة بدلاً من تعدد النفوس الفردية، أو باستبدالهم التمييز الأخروي بين الجنة والعقاب بصورة من النعيم العقلي المقصور على العقل المطهر. ويكشف ذلك عن مفارقة لافتة: فمع أن الحكمة كانت تميل في أصلها إلى معنى الحكمة العملية، فإن اعتمادها ترجمةً لـفيلوسوفيا، مقترناً بجذورها القرآنية، أتاح لها أن تتسع لتغدو مفهوماً أشمل وأكثر نزوعاً إلى التأمل الميتافيزيقي. وقد اتجه الفلاسفة، في الغالب، إلى مساواة الفلسفة بـالحكمة، والعكس بالعكس، مع تحويل الحكمة تدريجياً من مفهوم يجمع بين الحكمة العملية (الفرونيسيس) والحكمة النظرية (السوفيا) إلى تعبير عن اللوغوس ( logos ) الأسمى؛ أي المبدأ الجامع الذي يحتضن، في آنٍ واحد، البنية العقلانية والواقع الميتافيزيقي. ومن ثم، لم تعد الحكمة تشير إلى مجرد التمييز الأخلاقي، بل أصبحت تدل على نمط من الحكمة الكلية، بل الكونية. ويتجلى هذا التحول بوضوح منذ ابن سينا، وبالتوازي داخل الفلسفة الإسماعيلية، ولا سيما في مؤلفات حميد الدين الكرماني، مثل “راحة العقل” ( Rāḥat al- ʿ Aql ). ثم يبلغ هذا المسار مرحلة جديدة مع المدرسة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي في “حكمة الإشراق” ( Ḥikmat al-Ishrāq )، قبل أن يواصل تطوره في مدرسة أصفهان مع مير داماد وملا صدرا. وفي هذه التطورات اللاحقة، لم تعد الحكمة تعني مجرد التوازن بين العملي والنظري، بل غدت شكلاً من أشكال الثيوصوفيا (الحكمة الإلهية)، حيث تتحد الممارسة العقلية والتحقق الروحي اتحاداً لا انفصام فيه. وهكذا لم تعد الحكمة مجرد القدرة على المعرفة أو على العمل القويم، بل أصبحت أيضاً مساراً يتحول فيه الإنسان نفسه بفعل الحقيقة. ملاحظة : تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.