شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
مركز المطران فيليب شبيعا للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة: منارةٌ فوق الوادي المقدس

مشروعٌ جبليّ بامتياز، غير أن إرساء حجر الأساس يوم السبت في 8 آب/أغسطس لمركز يُعنى بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في بشرّي (التي يبلغ عدد سكانها 24 ألف نسمة)، لا يقلّ أهمية عن كونه "مشروعاً كبيراً" في نظر القيّمين عليه. مشروعٌ أبصر النور بإمكانات ضئيلة، لكن بإدراكٍ عميق لضرورته الملحة. المركزُ هو الإنجازُ الأبرز لـ "مؤسسة المطران فيليب شبيعا"، المسمّاة على اسم كاهنٍ أدار المدرسة الرسمية في بشرّي على مدى أربعين عاماً، قبل أن يُرسم مطراناً في مرحلة متأخرة من حياته. كاهنٌ على رأس مدرسة رسمية... حالةٌ فريدة في لبنان، فرضتها العزلة الجغرافية لبشرّي عن بيروت، ورسّخها زهدُ الأب فيليب الذي رفض قاطعاً تقاضي أي أجرٍ لقاء عمله كمدير. وفي أحلك سنين الحرب والاحتلال السوري، حوّل المدرسة إلى ما يشبه ديره الخاص، فكان ينام ويأكل في أروقتها. وليس مستغرباً، والحال هذه، أن ترفعه أجيالٌ من أبناء البلدة إلى مرتبة القديسين، وهم الذين يدينون له بتعليمهم وتقدمهم الاجتماعي. فالبلدة بأسرها لا تزال تنبض بذكرى هذا الرجل الذي عرف كيف يكون حازماً، لكن طيبته وابتسامته كانتا كفيلتين بمسح أثر تجهّم الوجه الذي يضطر مدير المدرسة لإبدائه أحياناً. صِغَرُ حجم المشروع لا يقلل من سخائه؛ فالمسيح نفسه يعلّمنا ذلك في قصّة "فَلْسِ الأرملة". وكان البابا لاون الرابع عشر قد أشاد بكل ما يجمع النيات الطيبة ويسهم في وحدة المجتمع، حتى ولو كان صغيراً. كما تحدث الأب هينري دي لوباك عن "قديسين مجهولين" لن تكرمهم الكنيسة، لكن وجودهم "يسهم في منع عالمنا من أن يكون جهنماً". و"لبنان الكبير" نفسه، الذي استُحضرت ولادته مؤخراً لمناسبة إعلان تطويب البطريرك الحويك، هو أحد أصغر بلدان العالم. يُغني هذا المشروع "معقلاً مارونياً" يقع في قلب الجزء الشمالي من جبل لبنان. بلدةٌ صغيرة معروفة بغابة أرزها القديمة، وبكونها مسقط رأس الشاعر جبران خليل جبران؛ بلدةٌ اختارتها أيضاً راهبات الأم تيريزا ليزرعن فيها بعض بذور القداسة. يُموَّل المشروع من الحكومة الألمانية ومؤسسة "Kindermissionswerk"، ولم يتردد البطريرك الماروني بشارة الراعي، رغم تقدمه في السن، في الحضور ليرشّ بالماء المقدس أرض المركز وجدرانه قيد الإنشاء، ويدفن في إحدى قاعاته ذخيرةً ثمينة للقديس شربل، الذي تُطلّ النوافذ على مسقط رأسه بقاعكفرا، إضافة إلى أجزاء التعليم المسيحي الأربعة التي كتبها الأب فيليب لتلاميذه، وهي الثروة الوحيدة التي تركها. "هذه الأرض مقدسة". وأنا أسير في طريق ترابية تعبر بستان أشجار مثمرة، أبطأتُ خطاي لأمشي إلى جانب السيدة التي قالت هذه العبارة. كنا نتوجه في صف واحد نحو مساحة عشبية مفتوحة رُتّبت فيها الكراسي بعناية لإلقاء الكلمات. وتضيف السيدة: "وهذه النسمة هي أيضاً نسمة الأب فيليب". وفي كلمته، تحدث البطريرك الراعي عن الأب فيليب، الذي جمعته به صداقة، بروحية القديس. وقد تناول سيرته بأسلوب يُعيد إلى الأذهان حقبةً سبقت إنشاء مجمع دعاوى القديسين، يوم كان "حسّ المؤمنين" وحده كافياً لإعلان قداسة متوفّى. كما تحدث البطريرك بحنان عن الأطفال المصابين بمتلازمة داون، واصفاً إياهم بـ "كلمات الله" الصغار، الذين يحملون في أجسادهم، طوال حياتهم، آلام الفادي الخلاصية. وسيتمكن المركز من استقبال نحو خمسين طفلاً. ويسعى جوزف شبيعا، ابن شقيق الأب فيليب ورئيس المؤسسة، إلى إنجازه بفضل التبرعات التي يجمعها من هنا وهناك. وتأمل مؤسسة فيليب شبيعا أن يشكّل المركز منارةً لجميع قرى المحيط المطلة على وادي قاديشا المقدس الساحر. ومع غياب الشمس، تتشح قمم الجبال المحيطة ببشرّي بألوان الأرجواني والبنفسجي والوردي. وفي كلمتها، أعربت القائمة بأعمال السفارة الألمانية، ياسمين رايا، بلطف عن أملها في العودة إلى المكان فور بدء المبنى باستقبال الأطفال الذين أُنشئ من أجلهم. وكانت تلك طريقة أنيقة لتأكيد استمرار دعم بلادها للمؤسسين حتى إتمام الأعمال وما بعد ذلك.

اهمال أميركي مقلق إزاء اعتداءات التيار المتشدّد الإيراني

أبدت إدارة ترامب خلال الأسبوع الماضي سلبيةً مثيرةً للقلق وغير معهودة، إزاء اعتداءات الجناح المتشدد في النظام الإيراني وأذرعه (وما يبديه من غطرسة)، سواءً في مضيق هرمز أو على الجبهة التي فتحتها ميليشيا الحوثيين اليمنية الموالية لإيران ضد المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق جاء هذا الأسبوع إبرامُ ميثاق الدفاع المشترك الذي جمع المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، والذي يُنظر إليه بوصفه نوعاً من حلف ناتو سني في مواجهة إيران. لعل أبرز ما طبع الأسبوع الماضي في منطقة الشرق الأوسط صورةٌ بعينها: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وهم يوقعون يوم الجمعة في مكة المكرمة - ذات الرمزية العالية - ميثاقَ الدفاع المشترك. يصعب ألا يُرى في هذا الميثاق تحالفاً للقوى السنية في مواجهة نظام الملالي، الذي أنهكته الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة، غير أنه لا يزال يمتلك قدرةً على الإيذاء لا يستهان بها، تجلّت في هجماته على جيرانه العرب، فضلاً عن السلوك العدواني لأذرعه. جاء التوقيع على هذا الميثاق الدفاعي الثلاثي متزامناً مع تصعيد الجبهة اليمنية ضد المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، ومع الحصار الذي تسعى ميليشيا الحوثيين الموالية لإيران إلى فرضه على الموانئ السعودية. باتت هذه التحالف الجديد أولويةً للدول الموقِّعة أيضاً، لأن الحليف الأمريكي يبدو راغباً في إيجاد مخرج لا يكون مُخزياً بشكل مُفرط، يتيح له الانسحاب الكامل من الصراع مع إيران وصون مصالحه الخاصة. إن تأكد هذا الانسحاب الأمريكي الذي يلوح في الأفق فعلياً على أرض الواقع - وهذا ما لا يزال بحاجة إلى إثبات في المرحلة الراهنة - فذلك يعني أن إدارة ترامب تكون قد رفعت الراية البيضاء عملياً أمام النظام الإيراني، وأن جناحه المتشدد سيحظى بكل الحرية لاستعادة عافيته وإعادة بناء منظومته العسكرية وبنيته التحتية، الاقتصادية منها، وقبل كل شيء النووية والصاروخية الباليستية. أبعاد ميثاق الدفاع بالعودة إلى الميثاق الدفاعي الثلاثي، فهو يحمل رسائل في اتجاهات متعددة. سارعت أنقرة إلى التأكيد على أن هذا التحالف ليس موجهاً ضد أحد، كما شدد الرياض على أنه لا صلة له بأي طموح نووي - ذلك أن باكستان دولة نووية، وأن وزير الطاقة الأمريكي كان قد أعلن مؤخراً عن اتفاق وشيك مع المملكة في مجال الطاقة النووية المدنية، وهو ما اشترطه الرئيس الأمريكي بتحقيق السلام مع إسرائيل. ينبغي رصد مسار هذا التحالف التاريخي عن كثب في الأسابيع والأشهر القادمة، لا سيما أن الموقّعين يتحدثون عن «الردع»: بأي وسائل، وفي مواجهة من؟ أكد الموقّعون الثلاثة أيضاً أن الانضمام إلى الميثاق مفتوح أمام دول أخرى. وقد أفادت وكالة فرانس برس بأن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أعلن يوم السبت أن مصر قد تنضم قريباً إلى هذا التحالف الجديد. لا أفق لإعادة فتح مضيق هرمز جاء التوقيع على الميثاق يوم الجمعة في ختام أسبوع من الهدنة، أو بالأحرى من الخمول الأمريكي على الصعيد العسكري. ولم يحُل ذلك دون مواصلة نظام الملالي وحليفه اليمني الحوثيين اعتداءاتهم. مدمرة صاروخية تُجري دورياتها في منطقة عمليات الأسطول الأمريكي الخامس في الخليج. (سنتكوم) وقد شنّ الحرس الثوري الإيراني (الباسداران) هجوماً في نهاية الأسبوع على ناقلة نفط تابعة للإمارات العربية المتحدة في مضيق هرمز، وفي غضون الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، شنّ الحوثيون أولاً هجوماً على منشأة تكرير تابعة لأرامكو في المملكة العربية السعودية، ثم أطلقوا يوم السبت صواريخ وطائرات مسيّرة عدة مرات باتجاه منطقة ميناء المخا اليمني، مستهدفين المنشآت الميناوية والبنى التحتية المدنية على حدٍّ سواء، من مساكن ومستشفيات وغيرها. وأسفر هذا القصف، وفق حصيلة أولية، عن سقوط سبعة قتلى وخمسة وثلاثين جريحاً. وفي وقت متأخر من مساء السبت، استأنف الحوثيون قصفهم العنيف على منطقة ميناء المخا. وتجدر الإشارة إلى أن الهجمات التي شُنّت خلال هذا الأسبوع على ناقلة النفط الإماراتية، ومصفاة أرامكو السعودية، ومواقع السلطة اليمنية الحليفة للمملكة العربية السعودية، لم تستدعِ أي ردّ فعل أمريكي. أما المفاوضات التي كان من المقرر استئنافها يوم الاثنين، كما أعلن الرئيس دونالد ترامب، في مقابل إلغاء عملية عسكرية أمريكية ضد إيران، فلم تجرِ قطّ، إذ رفض الإيرانيون أي تواصل مع الإدارة الأمريكية! الشروط الإيرانية المقدَّمة لواشنطن وفيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز بصورة افتراضية، أكد الحرس الثوري الإيراني في نهاية الأسبوع أن ذلك لا يرتبط باتفاق مع عُمان، بل يستلزم قبول الولايات المتحدة لشروطه، مُحيلاً بذلك الكرة إلى ملعب واشنطن التي ترفض فرض أي رسوم على المرور البحري. وتضمّنت الشروط الإيرانية المُعلنة يوم الجمعة: وقف جميع «التهديدات والإهانات الموجَّهة لإيران» (!)، وإنهاء جميع الحروب على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وانسحاب جميع القوات الأمريكية من محيط إيران، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء هذه الحرب، وإلغاء جميع العقوبات، وتحرير الأصول الإيرانية المجمَّدة. شابتان إيرانيتان تتناولان المثلجات أمام المصوّر خلال مهرجان عرض للأزياء، في مشهد لافت في طهران حيث يستمتع السكان بأجواء وقف إطلاق النار. (مرتضى نيكوبازل/NurPhoto عبر AFP) ويُعزى استمرار هذا الخطاب التصعيدي دون أي تغيير، على الأرجح، إلى أن التهديدات الأمريكية بقيت حبراً على ورق طوال الأسبوع، على الرغم من الهجمات الإيرانية المباشرة أو عبر الوكلاء على السفن في المضيق، التي بلغت ستة هجمات على الأقل، دون أي ردّ من الجانب العسكري الأمريكي. وفي هذا السياق، أفادت القناة 13 الإسرائيلية بأن قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي يزور إسرائيل منذ نهاية الأسبوع، نقل إلى الحكومة الإسرائيلية رسالةً مفادها أن واشنطن تأمل في أن تُوقف الدولة العبرية عملياتها العسكرية في إيران ولبنان وغزة. وأكد المسؤولون الإسرائيليون في ردّهم أن إسرائيل لن تتردد في مهاجمة النظام الإيراني مباشرةً إذا استأنف بناء ترسانته النووية والباليستية. وختاماً لهذا الملف الإقليمي، تجدر الإشارة إلى أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عاد إلى الواجهة ثلاث مرات يوم السبت؛ إذ عقد اجتماعاً مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وعيّن محمد باقر ذو القدر مستشاراً سياسياً، قبل أن يُعيّن محسن رضائي، المخضرم في حرب العراق والرئيس الأسبق للحرس الثوري، ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي. المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في طريق مسدود كذلك شهد هذا الأسبوع تطورات لافتة على الجبهة اللبنانية؛ إذ جرى على مدى ثلاثة أيام، من الثلاثاء إلى الخميس، الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، للمرة الثانية في روما (في مقر السفارة الأمريكية) لا في واشنطن. لم تكن المرحلة السابعة لتبدأ في ظروف جيدة أصلاً، في ضوء التصريحات الإسرائيلية، ولا سيما تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي توحي بغياب أي نية حقيقية للانسحاب من لبنان. وإن كان السبب غير المُعلن يكمن في تشدد الخطاب استعداداً للانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر، ورغبة نتنياهو في التحلل من كل ما من شأنه إغضاب الرأي العام وحلفائه من التيار المتشدد، فإن السبب الرسمي المُعلن هو الخشية من أن يستعيد حزب الله قدراته العسكرية في المناطق المُخلاة. كل ما تسرّب من محادثات روما يشير إلى غياب أي تقدم ملموس، وانعدام أي إجراءات عملية جديدة، في حين كان الهدف الرئيسي للوفد اللبناني تحديد مناطق نموذجية جديدة للانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني (وفقاً للاتفاق الإطاري الموقع في يونيو). لدرجة أن الجولة المقبلة من المحادثات، المقررة مطلع سبتمبر، باتت في مهب الريح. وكان يمكن القول إن كل شيء ضاع (أو كاد)، لولا معلومة نشرتها وكالة رويترز يوم الجمعة، نقلاً عن «مسؤول لبناني» لم تكشف عن هويته. وبحسب هذا المسؤول، فإن لبنان وإسرائيل «اتفقا على قائمة مختصرة بالدول القادرة على إرسال قوات للتحقق من نزع سلاح حزب الله». ولم يُفصح عن أسماء الدول الواردة في القائمة، غير أن الوكالة أشارت إلى أن القرار النهائي يعود إلى الولايات المتحدة. في غضون ذلك، شهد جنوب لبنان تصعيداً حقيقياً خلال الأيام الأخيرة. ويواصل حزب الله التظاهر بالالتزام بوقف إطلاق النار، إلا أنه يبدو أنه استأنف عملياته بصورة غير رسمية. ويشهد على ذلك انفجار وقع في بلدة الطيبة أسفر هذا الأسبوع عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين. وهذا هو الانفجار الثاني في غضون أيام قليلة. ولم تتأخر الاستجابة الإسرائيلية؛ إذ أصدر الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ أسابيع، أمراً بإخلاء بلدة لبنانية جنوبية، هي بلدة المنصوري في منطقة صور، التي تعرضت منذ ذلك الحين لقصف شبه متواصل. والهجمات الإسرائيلية التي لم تتوقف فعلياً في أي وقت، تتصاعد حدتها يوماً بعد يوم، ولا سيما في محيط ما يُقدَّم على أنه مجمع عسكري كبير لحزب الله على تلة علي الطاهر. والأكثر إثارة للقلق أن التوغلات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية تستأنف نشاطها. وأبرزها هذا الأسبوع التوغل المتصاعد في منطقة قرية زوطر الشرقية، على مقربة من إحدى المناطق النموذجية التي أُخليت في يوليو وانتشر فيها الجيش اللبناني، وهي زوطر الغربية. ونتيجة ذلك، باتت القوتان على مسافة خطيرة إحداهما من الأخرى في الأيام الأخيرة، في وقت أُصيب فيه جندي لبناني بنيران إسرائيلية في المنصوري بينما كان يحاول إعادة فتح طريق.

تصنيع الخوف وحالة الاستثناء واستباحة الانسان في لبنان

منذ حادثة بوسطة عين الرمانة عام 1975، التي شكّلت الشرارة الرمزية للحرب، دخل اللبناني في دورة متواصلة من الخوف المُنظَّم، لا الخوف العارض؛ ضمن ما يسمّيه بعض المفكرين "اقتصاد الخوف" أو "سياسات الخوف"، حيث يصبح الخوف مادة تُصنع وتُدار، وليس فقط شعوراً عفوياً. والخوف هنا يؤدي ثلاث وظائف خطيرة: شلّ الفعل الجماعي، فحين يعيش المجتمع تحت تهديد دائم (حرب، فتنة، انهيار، عدو خارجي أو داخلي)، يصبح همه الأول النجاة الفردية، لا الفعل الجماعي. وهكذا تتفكك إمكانية المقاومة المنظمة لأي شكل من أشكال الهيمنة أو الاحتلال. كما أنه يعيد إنتاج الولاءات الضيقة، لأن الخوف يدفع الناس إلى الاحتماء بالجماعات الأولية: الطائفة، الزعيم، الحزب. فيتحول الخوف إلى آلية لإعادة إنتاج النظام نفسه الذي يُفترض أنه سبب الأزمة. وهكذا في ظل الخوف، يصبح كل شيء مبرراً: السلاح خارج الدولة، تعطيل القانون، القمع، الفساد، وحتى التبعية للخارج لأن "الظرف استثنائي". ندخل هنا حالة من "الاستثنائية" لا تنتهي. وتاريخنا يؤكد تكرار محطات صناعة الخوف: الحرب الأهلية: الخوف من الآخر الطائفي الاحتلالات المتعددة: الخوف من العدو الخارجي مرحلة ما بعد 2005: الخوف من الاغتيال والفوضى ما بعد 2019: الخوف من الانهيار الاقتصادي الحروب الإقليمية وحروب الإسناد: خوف وقلق مستمرين على الوجود نفسه المشكلة إذن ليست في وجود مخاطر حقيقية - وهي موجودة - بل في تحويل هذه المخاطر إلى بنية دائمة لإدارة المجتمع. وليست أيضاً في أن الشعب خضع للخوف، بل أن هذا الخوف كان في كثير من الأحيان مُفبركاً أو مُضخَّماً أو مُستثمَراً بحيث يمنع أي لحظة تحرر حقيقية. النتيجة النهائية هي ما يمكن تسميته: مجتمع يعيش في حالة طوارئ نفسية دائمة. إذا كان الخوف يُنتَج بوصفه أداة لضبط المجال السياسي، فإن أثره الأعمق يتجلى في إعادة تعريف الإنسان ذاته داخل هذا المجال، وهو ما تلتقطه بدقة أطروحات جورجيو أغامبين حول "الحياة العارية" (bare life). ففي السياق اللبناني، لا يقتصر الأمر على تعميم مناخ الخوف، بل يتعداه إلى تحويل المواطن إلى كائن بيولوجي منزوع الحماية، يعيش في منطقة رمادية بين القانون واللا- قانون، حيث تُعلَّق الحقوق باسم الضرورة الأمنية أو الطائفية. وبهذا المعنى، يتقاطع "اقتصاد الخوف" مع ما يسميه ميشال فوكو "السلطة على الحياة "(biopouvoir)، التي لا تكتفي بالتحكم بالأجساد، بل تُعيد إنتاجها ضمن منظومات الضبط والمراقبة (فوكو: السجن، المستشفى، المدرسة، الثكنة....). غير أن الحالة اللبنانية تُظهر انزياحاً إضافياً: فبدل أن تُدار الحياة من أجل تحسينها، كما في النماذج الكلاسيكية للسلطة الحيوية، يُدار الخوف من أجل إبقاء الحياة في حدها الأدنى، أي في مستوى "النجاة" لا "العيش". وهكذا، يصبح الفرد اللبناني أقرب إلى "جسد عارٍ" بالمعنى الأغامبيني، مُعرَّضاً باستمرار لقرارات سلطوية استثنائية، ومحروماً من أفق الاستقرار القانوني والسياسي. إن هذا التلاقي بين إنتاج الخوف وتجريد الإنسان من صفته السياسية يفضي إلى بنية حكم غير مرئية، حيث يُستبدل العقد الاجتماعي بمنطق الطوارئ الدائمة، وتتحكم إدارة "سياسة الإهمال" بدل إدارة السلطة. أكثر من ذلك، انها إدارة التدهور (الاقتصاد، الصحة، التربية، الهجرة وتفجير المرفأ..). إذا كانت "حالة الاستثناء" قد شكّلت المدخل النظري لفهم تحوّل السيادة في السياق اللبناني، فإنها لا تمثل مجرد لحظة قانونية طارئة، بل أسّست لبنية حكم دائمة تُعاد داخلها صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار "صناعة الخوف" امتداداً عملياً لحالة الاستثناء، إذ لا يُحافَظ على تعليق القواعد القانونية والمؤسساتية إلا عبر إنتاج مناخ دائم من التهديد. وفي هذا السياق، لا يعود المواطن فاعلاً سياسياً، بل يصبح موضوعاً لسياسات الطوارئ، محكوماً بمنطق النجاة الفردية، ومفصولاً عن أي أفق تعاقدي جامع. وهكذا، فإن تفكيك هذا النظام لا يمر فقط عبر إعادة تفعيل القانون، بل عبر استعادة المعنى السياسي للحياة نفسها، أي إعادة إدماج الفرد في فضاء المواطنة بما يتجاوز منطق الاستثناء والخوف. وبذلك، يصبح الخوف أداة حوكمة غير مرئية، تُعيد تشكيل الذهنيات الجمعية، وتُرسّخ ما يمكن تسميته بـ"الطوارئ النفسية الدائمة"، حيث يُعاد إنتاج القلق كشرط بنيوي للاستقرار الهش. ولا يقتصر هذا المسار على وجود مخاطر موضوعية، بل يتغذى من قابلية اجتماعية قائمة على الانقسامات العميقة وغياب سردية وطنية جامعة، ما يجعل من تفكيك اقتصاد الخوف مهمة لا تقتصر على كشف آلياته، بل تتطلب إعادة بناء الثقة والمؤسسات وإنتاج معنى جماعي بديل. دور الحزب وفي هذا السياق، لا يمكن فهم آليات الهيمنة دون الإشارة الى دور حزب الله والسياسة التي فرضها، مع منظومة الحكم، في لبنان، بدعم من النظام السوري وإيران (لا سيما في مرحلة سيطرتهم السابقة المطلقة ، والتي تشهد تراجعاً ملحوظاً اليوم خصوصاً بعد سقوط الأسد). وهنا، يبرز تمايزٌ فلسفيٌ وقانونيٌ حاسم؛ إذ يجب التفريق بدقة بين "حالة الطوارئ" المنبثقة عن القانون والتي تضبطها الدساتير بحدود وشروط واضحة، وبين "حالة الاستثناء ما قبل القانونية" التي فرضها هذا المحور كأمر واقع ممتد بلا حدود ولا ضوابط. في هذه الحالة الثانية، أُسقِطَت القوانين والحدود واستُبيحَت الحقوق، ليتغير دور الدستور والمؤسسات اللبنانية بالكامل؛ فبدل أن تكون درعاً لحماية المجتمع، تحوّلت بفعل الهيمنة إلى مجرد غطاءٍ رسمي وشرعي لسوء استخدام السلطة وتثبيت الاستبداد. فالسيادة الموازية التي مارسها الحزب لم تقف عند حدود الضبط القانوني للأفراد، بل نفذت بشكل خفي إلى "الحياة العارية"، جاعلةً إياها بلا قيمة، ومُعرّضةً إياها لعنف القرارات السيادية التعسفية. وبناءً عليه، غَدَت هذه "الحياة العارية" المأخوذة من منظار "الاستثناء"، وقوداً حيوياً يُغذّي سيرورة السلطة السيادية للحزب، والتي تُحافظ على بقائها من خلال الإنتاج المستمر لـ"جسد بيوبوليتيكي" مقموع ومُدجّن يتم فرض السيطرة المطلقة عليه، تحت لافتة القانون والسيادة المزيفة لـمَنْع أي اعتراض. ويتجلى هذا التطبيق الميداني بوضوح في اغتيال المفكر والناشط السياسي لقمان سليم داخل المربع الأمني للحزب، وفي أحداث 7 أيار 2008 عندما استُخدم السلاح في الداخل لفرض معادلات سياسية بقوة الأمر الواقع، فضلاً عن تعطيل التحقيق القضائي في تفجير مرفأ بيروت وتهديد القضاة جهاراً؛ مما كرس مبدأ الإفلات التام من العقاب وصَفَّر سيادة القضاء اللبناني. أُخضع الإنسان في لبنان، عبر هذا الخوف المُهندَس، إلى "الحياة العارية". فالمعارض السياسي مستباح للتصفية الجسدية أو التخوين وإهدار الدم معنوياً، والمواطن في البيئة الحاضنة مستباح عبر زجّه في حروب إقليمية عابرة للحدود - كالتدخل العسكري في سوريا أو فتح جبهات الاستنزاف منفرداً - دون إذن أو غطاء من دولته، ليكون مجرد وقود بيولوجي لمشروع عابر للأوطان. ولم تقف هذه الاستباحة عند حدود الأفراد، بل طالت بنية الدولة اللبنانية نفسها والدول المحيطة؛ إذ جرى انتهاك سيادتها عبر شرعنة معابر التهريب غير الشرعية، ومصادرة قرار السلم والحرب، وتحويل الحدود والقرار السيادي المخطوف إلى ساحات مفتوحة لتمرير أجندات عسكرية وأمنية تقع بالكامل خارج أطر القانون الدولي والتعاقد السياسي، مما جعل الدولة والناس معاً يعيشون تحت رحمة سيادة استثنائية تتغذى على تغييب القانون واستدامة الرعب. وفي المحصلة، يفتح التراجع المشهود والمستمر لهذا المحور الإقليمي والمحلي ثغرةً في جدار "حالة الاستثناء" الدائمة، ويوفر فرصة تاريخية وغير مسبوقة لتحرير الإنسان اللبناني من وضعية "الإنسان المستباح" وإعادته إلى كنف القانون. إلا أن هذا التراجع العسكري والسياسي للميليشيا والمشروع الإيراني لا يعني تلقائياً استعادة فورية لسيادة الدولة؛ إذ تواجه هذه الاستعادة جداراً صلباً من المنظومة السياسية يتمثل في بنية "الدولة العميقة" في لبنان. هذه "الدولة العميقة"، التي تتغذى على شبكات المصالح الطائفية، والمحاصصة الفئوية، والفساد المؤسساتي الممنهج، تشكل الامتداد البيروقراطي والمالي الخفي الذي سمح أصلاً بنشوء السيطرة الميليشياوية واستدامتها. إنها البنية التي ترفض اليوم التخلي عن مكتسباتها، وتمنع بقوة تفعيل آليات المحاسبة القضائية، والإصلاح الهيكلي، وبناء المؤسسات الشرعية الحقيقية. بناءً على ذلك، فإن مستقبل الدولة اللبنانية واستعادة سيادتها المطلقة لن يتحققا بمجرد انحسار السلاح الموازي أو انكسار رعاته الإقليميين، بل يرتبطان شرطياً بمعركة أعمق وأعقد: تفكيك المنظومة الزبائنية للدولة العميقة. إن مواجهة استباحة الإنسان والوطن تستوجب الانتقال من مربع "الرعب والإنقاذ العسكري"، إلى مربع "المواطنة والقانون وتطهير الإدارة"؛ فدون إسقاط هذه البنية التحتية للاستبداد المقنّع، ستبقى السيادة مجرد شعار مؤجل، ويبقى مستقبل لبنان معلقاً بين فكّي سلاح يضعف، ودولة عميقة تأبى أن تولد من جديد.

طهران تضع ست شروط أمام واشنطن لفتح مضيق هرمز

يسود هدوءٌ هشٌّ ومقلق منذ ما يقارب 48 ساعة على منطقة المشرق والخليج بأسرها، في أعقاب الهجمات التي شنّتها ميليشيا الحوثيين اليمنية الموالية لإيران مطلع الأسبوع على مواقع سعودية عند الحدود اليمنية السعودية، فضلاً عن استهداف المناطق التي تسيطر عليها القوات اليمنية الموالية للحكومة المعترف بها دولياً. وكانت هذه الوحدات الموالية مقررةً شنّ هجمات واسعة على مواقع الحوثيين في الفترة الممتدة بين ليلة الجمعة وفجر السبت. أما التطور الأمني الأبرز الذي شهده يوم السبت الثامن من أغسطس، فكان الهجوم الذي نفّذه الحرس الثوري الإيراني على ناقلة نفط إماراتية في منطقة مضيق هرمز. وقد أدانت الإمارات هذا الهجوم بشدة، واصفةً إياه بأنه عمل من أعمال «القرصنة الإيرانية». وفي وقت لاحق من اليوم ذاته، أصدرت كلٌّ من المملكة العربية السعودية وقطر والأردن إدانات حادة للعدوان الإيراني. وحمّلت المملكة العربية السعودية إيران المسؤولية الكاملة عن «استمرار الاعتداءات الدنيئة والهجمات على السفن»، فيما شدّد قطر على «ضرورة وضع حدٍّ للاعتداءات الإيرانية غير المبررة». الحرس الثوري يرفع نبرة التهديد إلى جانب هذا التطور الأمني، تميّز يوم السبت بثلاثة مواقف بالغة الأهمية تلخّص وحدها المشهد الراهن المتعلق بأزمة مضيق هرمز. ففي منتصف النهار، صرّح المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني صراحةً بأن استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز مرهونةٌ بإذعان الولايات المتحدة للشروط الإيرانية. وفي المساء، أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي -وهو الجهة العليا المنوط بها اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى في الوقت الراهن- بياناً حدّد فيه صراحةً ستة شروط تضعها إيران أمام الولايات المتحدة مقابل إعادة فتح مضيق هرمز: وقف جميع التهديدات والإهانات الموجّهة لإيران، والوقف الدائم لكل الحروب في إيران ولبنان والعراق واليمن وفلسطين، ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية وانسحاب جميع القوات الأمريكية من المناطق المجاورة لإيران، ودفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن تبادل إطلاق النار، ورفع جميع العقوبات، والإفراج غير المشروط عن جميع الأصول المجمّدة. تصريحات الرئيس الكاشفة في هذا السياق، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يوم السبت بصراحة تامة أن «قرار الحرب والسلام بيد الحرس الثوري الإسلامي»، مؤكداً أن «قرار وقف الحرب أو مواصلتها في يد القيادة العسكرية الإيرانية». وتنطوي هذه التصريحات على تهميش دور المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، بل وتلاشيه، وهو المنوط به من حيث المبدأ اتخاذ مثل هذه القرارات ذات الطابع الاستراتيجي. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس بزشكيان كان قد أفاد في منتصف الأسبوع بأن التواصل مع المرشد مجتبى خامنئي بات بالغ الصعوبة. وفي مؤشر دالٍّ على عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها إيران، أشار الرئيس الإيراني في تصريحاته يوم السبت إلى أنه «لم يعد بمقدورنا إدخال البضائع إلى البلاد بيسر كما كان سابقاً، وعلينا اللجوء إلى مسارات بديلة لبلوغ هذه الغاية». وعلى أي حال، كانت الأوساط السياسية تترقب مساء السبت ردّ الفعل الذي سيصدر عن الرئيس دونالد ترامب إزاء الشروط التي وضعها الحرس الثوري للقبول بإعادة فتح مضيق هرمز.

النبي والفيلسوف (2/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في نيسان/أبريل 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا، بدعوة من أستاذ الفلسفة جيوفاني جورجيني. وتُقدَّم المحاضرة الأولى، التي حملت عنوان النبي والفيلسوف : تراتبية المعرفة بين “ الفلسفة ” عند ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند حميد الدين الكرماني، هنا في صيغة مقالة منقّحة وموسّعة، تُنشر ضمن سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة الإسلامية من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. وعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، تشكّل بفعل ميتافيزيقا فيضية، وتراتبية للوجود، وتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن تقليد “الفلسفة” المشّائية، والكرماني ضمن اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين السياقين الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما مقاربتين متباينتين للسياسي، ويلقيان الضوء على طرائق مختلفة لفهم موقع الفلسفة في علاقتها بالسلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. وهذه المقالة هي الجزء الثاني من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. II - “الفلسفة” بوصفها شكلاً من أشكال “الدين الفلسفي” لا يمكن فصل نشوء “الفلسفة” ( falsafa ) عن تاريخ معقّد من الترجمة والنِّسب الخاطئ والتلاقي المفهومي. وتكمن إحدى لحظاتها الحاسمة في نسبة نصوص إلى أرسطو لم يكن هو مؤلفها، وأشهرها ما يُعرف بـأثولوجيا أرسطو. فهذا العمل هو في الواقع اقتباس عربي لمادة أفلوطينية تعود في نهاية المطاف إلى تاسوعات أفلوطين، ويُرجَّح أنها انتقلت عبر تدخلات بورفيريوس وإعادة صياغته لها. ونتيجة لذلك، اعتقد الفلاسفة الأوائل أن أرسطو نفسه كان يتبنّى مذهباً في الفيض. ولم تكن هذه النسبة الخاطئة مجرد مصادفة تاريخية، بل كانت حدثاً ذا عواقب فلسفية عميقة؛ إذ أوجدت، إن جاز القول، قابلية كامنة للتلقي يسّرت التوليف بين هذه التقاليد المتمايزة. وأتاحت للفلاسفة أن يجمعوا الأطر الأرسطية والأفلاطونية ضمن أفق ميتافيزيقي موحّد. وأصبح الفيض الجسر المفهومي الأساسي: فقد أتاح التوفيق بين أزلية العالم ومذهب قوي في التعالي الإلهي، وفي الوقت نفسه الارتقاء بالإلهي إلى ما يتجاوز “المحرّك الذي لا يتحرّك” الأرسطي. أثولوجيا أرسطو وأرسطو الأفلاطوني المحدث يمكن إرجاع ذلك إلى أرسطو نفسه. ففي حين يعرّف الله في الفيزياء بوصفه ضرورة وظيفية لكون ميكانيكي، أي المحرّك الأول الذي لا يتحرّك أو “الإله الحركي”، فإنه يضفي على هذا التعريف مزيداً من الدقة في الميتافيزيقا، أو “الفلسفة الأولى”، فيقدّم تعريفاً أكثر نوسية، بل وحتى سيكولوجية. فهو يعرّف الله هنا بوصفه noēsis noēseōs ، أي “الفكر الذي يفكّر في ذاته”. وبما أن الله هو أكمل الموجودات، فلا بد أن يكون فعله أكمل الأفعال، أي التأمل، وأن يكون موضوع تأمله أكمل الموضوعات: ذاته. وعلى خلاف “دفعة” فيزيائية، يحرّك الله العالم بوصفه “موضوع الرغبة” ( erōmenon )؛ وتتحرك السماوات في دائرة أبدية لأنها “تحاكي” كمال العقل الإلهي. وإضافة إلى ذلك، فإن التمييز في مؤلفاته الكوسمولوجية بين المجال “تحت القمري” (الأرضي) والمجال “فوق القمري” (السماوي) يُدخل ألوهية أكثر “مادية”، حيث يرتبط الإلهي غالباً بالطبيعة الأبدية للأجرام السماوية نفسها. وأخيراً، يعرّف أرسطو في الأخلاق حياة الله بوصفها حالة من السعادة القصوى قوامها theōria خالصة. هنا وجد الإسكندر الأفروديسي والفلاسفة الأساس الذي يبرّر مفهوم “العقل الفعّال”. وكانت المعادلة بسيطة: إذا كان العقل البشري قادراً على ممارسة التأمل، فهو يشارك في الطبيعة الإلهية. وهكذا نُسبت أثولوجيا أرسطو الشهيرة إلى صاحبها المزعوم، أرسطو، خطأً؛ ومع ذلك، كانت هناك أصلاً “ثيولوجيا متناثرة” لأرسطو في مؤلفاته الأصيلة، تتجلى فيزيائياً في الفيزياء، وميتافيزيقياً في الميتافيزيقا، وأخلاقياً في الأخلاق. وقد أتاحت هذه “الباب المفتوح” الانتقال من أرسطو تحليلي صرف و“بارد” إلى أرسطو نوسي-صوفي. وشكّلت التوترات الداخلية في المتن الأرسطي بذلك منفذاً إبداعياً أتاح “تلوثاً” فلسفياً جمع بين المنطق المشّائي والميتافيزيقا الأفلاطونية والهرمسية. واستفاد الإسكندر من الثغرات في الأخلاق وفي النفس ( De Anima ) لأرسطو لمعالجة مسألة كيفية تفاعل إله “يفكّر في ذاته” مع العقول البشرية. ومن خلال التركيز على العقل الفعّال، ذهب الإسكندر إلى أن العقل البشري، أي العقل بالقوة، “يُفعَّل” بواسطة عقل واحد، خارجي وإلهي. وقدّم الإسكندر للفلاسفة اللاحقين الآلية “العلمانية” أو “الطبيعية” التي تفسّر كيفية عمل النبوّة والبصيرة الفلسفية، مؤسِّساً إياهما في بنية العقل بدلاً من التصوف المحض. وبينما كان الإسكندر ينظر في العقل، كان أفلوطين وتلميذه بورفيريوس ينظران في الأنطولوجيا، أي طبيعة الوجود. وقد رأيا أن إله أرسطو في الميتافيزيقا، أي الفكر الذي يفكّر في ذاته، يقع في مرتبة “أدنى مما ينبغي”، لأن “التفكير” يفترض انقساماً بين المفكّر والفكر. ولذلك ذهبا إلى ضرورة وجود ما هو أعلى: الواحد. ويُنسب إلى بورفيريوس على نطاق واسع السعي إلى التوفيق بين أفلاطون وأرسطو. فقد أخذ الأفكار الأفلوطينية عن الفيض و“غلّفها” بلغة أرسطية. ومهّد ذلك الطريق أمام أثولوجيا أرسطو. ومن خلال قراءة أفلوطين بعدسة بورفيريوسية، اعتقد الفلاسفة أنهم يقرأون أرسطو “الحقيقي، الأعمق”، الذي حلّ أخيراً معضلة كيفية صدور الكثرة عن الواحد. بالنسبة إلى أفلوطين وبورفيريوس، استلزم ذلك الانتقال نحو الفيضية. فقد “أنقذا” أرسطو من حدوده الميكانيكية الخاصة، بإخضاع “الفكر الذي يفكّر في ذاته” لوحدة الواحد الأسمى. وعند هذه النقطة، قد يميل المرء إلى النظر إلى الأفلاطونية المحدثة، في مجملها، لا بوصفها نسقاً مستقلاً، بل شكلاً من أشكال “الأرسطية الصوفية”. وفي هذا الضوء، يصبح المشروع الأفلاطوني المحدث بمثابة الأرسطية المحدثة القصوى، إذ يزوّد “المحرّك” النوسي بـ“وقود” صوفي. ويكتسب بورفيريوس الصوري، تلميذ أفلوطين، أهمية خاصة هنا؛ إذ يُنسب إليه الاضطلاع بالمهمة الضخمة المتمثلة في التوفيق بين أفلاطون وأرسطو. ويقف، إلى جانب الإسكندر الأفروديسي، بوصفهما السلفين التوأمين لـ“الفلسفة”، وقد أرسيا الأفق الفكري الذي سيشغله لاحقاً الفارابي وابن سينا. كما وجدت الهرمسية موطئ قدم لها داخل الإطار الأرسطي من خلال مفهوم العقل الفعّال. فإذا كان العقل البشري قادراً على “الاتصال” بعقل إلهي كوني، كما اقترح الإسكندر الأفروديسي، فإن الفلسفة لا تعود مجرد منطق؛ بل تصبح رحلة صوفية. وفي هذا النسق الهجين، لا يعود الإلهي مجرد “ما يحرّك من دون أن يتحرّك”، بل يصبح المصدر المطلق الذي تنبثق منه جميع مراتب الواقع. وفي قلب التأثير الأفلاطوني المحدث تقف صورة الواحد عند أفلوطين: مبدأ يتجاوز الوجود، ويتجاوز الفكر، ويتجاوز كل حملٍ أو إسناد. فالواحد ليس موضوعاً للمعرفة، بل شرط كل قابلية للفهم. وهو “محتجب” داخل العقل كما يحتجب المنبع داخل نهر جارٍ، ولا يمكن بلوغه إلا عبر تجريد تدريجي من التعيّنات العقلية، يبلغ ذروته في نوع من العودة الوجدية التي تتجاوز الفكر الخطابي. وقد بدت هذه المفارقة الجذرية جذابة إلى حد بعيد للفلاسفة، لأنها قدّمت نموذجاً للتوحيد يجمع بين الطابع الفلسفي والمطلق، ويبدو قادراً على تأسيس الوحدة فيما وراء حدود الميتافيزيقا الأرسطية. وفي الحقل الفكري الإسلامي، ولا سيما عند تقاطع الأفلاطونية المحدثة والفكر الإسماعيلي، ازدادت هذه البنية تكثيفاً من خلال مفردات شبه غنوصية. وأصبح الواقع منظّماً تراتبياً في مستويات من الإشراق والاحتجاب، حيث يرتبط الخلاص بالمعرفة (الغنوص). من الواحد إلى الإغراء الغنوصي في أكثر أشكالها جذرية، قسّمت الكوسمولوجيا الغنوصية البشرية إلى فئات، لم يكن قادراً على بلوغ التحرر الحقيقي منها سوى “الروحانيين” (Pneumatics)، أي أولئك الذين يتمتعون ببصيرة روحية. وكثيراً ما صوّرت الغنوصية الكلاسيكية العالم المادي كسجن خلقته قوة ديميورغية ناقصة أو جاهلة، كانت تُماهى أحياناً مع إله الكتاب المقدس العبري. وفي مثل هذه الأنساق، تكون المادة فاسدة في ذاتها، ويتمثل الخلاص في الإفلات من النظام المادي. أما النسخة الأكثر اعتدالاً و“استيعاباً” من الغنوصية، التي استوعبها لاحقاً اللاهوت الآبائي المسيحي، فتعيد تفسير العالم المادي لا باعتباره شراً في ذاته، بل نظاماً مخلوقاً شوّهته الخطيئة. وهنا تحتفظ المادة بدور إيجابي: إذ تصبح موضع التجسّد، وتشارك بذلك في العناية الإلهية. وفي قلب هذا التوتر تحديداً، بين التعالي الأفلاطوني المحدث والبنية الأرسطية والثنائيات الغنوصية المتبقية، تتشكّل “الفلسفة”. فهي ترث رؤية للواقع يكون فيها الإلهي متعالياً بصورة جذرية، وتنتظم الخلقة عبر فيض ضروري، ويُعاد تفسير الخلاص بوصفه ارتقاءً عقلياً. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى الحفاظ على الاتساق التوحيدي من خلال رفض الثنائية الصريحة، مع الإبقاء على كون شديد التراتبية والتدرّج. وبهذا المعنى، ليست “الفلسفة” مجرد ترجمة للفلسفة اليونانية إلى العربية، بل إعادة تشكيل خلاقة لجملة من الأنساب الفكرية، الأرسطية والأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة والدينية العائدة إلى العصور القديمة المتأخرة، ضمن بنية ميتافيزيقية واحدة قوامها الفيض والعقل والعودة. “الفلسفة” بوصفها ديناً فلسفياً منذ سنوات عديدة، تتركّز أبحاثي على نقطة التقاطع بين الفلسفة السياسية وما يمكن أن أسمّيه الدين الفلسفي. وأنا آخذ هذه المقولة على محمل الجد. وبهذا المعنى، فإن “الفلسفة”، بوصفها تقليداً، هي، simpliciter ، دين فلسفي. ولا ينبغي اختزالها في الجناح العلماني من العالم الفكري الإسلامي الحضاري، ولا سيما عند مقارنتها بعلم الكلام المدرسي أو بالاستدلال الفقهي. ومع أن الفلاسفة كانوا ملتزمين ظاهرياً بالعقلانية الأرسطية، فإنهم ورثوا إطاراً “ملوَّثاً” دفعهم نحو إغراء غنوصي متأصل. وعلى الرغم من رفضهم التصور الغنوصي الجذري للمادة بوصفها شراً في ذاتها، ظلّت تطاردهم صورة النفس بوصفها عقلاً منفياً. لكن لا ينبغي هنا إغفال التناقض بين الأفلاطونية المحدثة والغنوصية. فقد رأى أفلوطين أن العالم المادي جميل لأنه صورة للإلهي. ورفض الفكرة الغنوصية القائلة إن العالم خلقه “ديميورغ شرير”. ومع أن أفلوطين شارك الغنوصيين اهتماماً “مناخياً” مشابهاً بارتقاء النفس، فإنه كان صاحب مؤلَّف جدلي بعنوان ضد الغنوصيين، هاجم فيه انتقاصهم “غير اليوناني” من شأن الكون وادعاءهم “المتعجرف” بأنهم يمتلكون خلاصاً خاصاً غير عقلاني. ومع ذلك، ومن مفارقات الأمر، أن التوليف البورفيريوسي جرّد هذه المجادلة من جزء كبير منها. وما بقي كان أرسطية “ملوَّثة” أدّت، على الرغم من مقاصد أفلوطين، دور الجسر الذي عبرت من خلاله إلى التقليد العربي الوسيط موتيفات غنوصية تتصل بمنفى العقل والعودة إلى الإلهي. النفس في المنفى: الغنوص والنبوّة والعقل الفعّال على الرغم من تعريف أرسطو للنفس بوصفها “صورة” الجسد، وفقاً لمذهب الهيولى والصورة، فإن الفلاسفة، بتأثير من أثولوجيا أرسطو المنحولة، غالباً ما تعاملوا مع النفس بوصفها غريبة سماوية. ويظهر ذلك بأوضح صورة في قصيدة النفس لابن سينا، أي العينية، حيث تبدو النفس “حمامةً كثيفة الريش” تهبط من الأعالي إلى “قفص خَرِب”، هو الجسد. وهذا موتيف غنوصي خالص مكسوّ بلغة فلسفية. ويؤدي العقل الفعّال دور “المعرفة-المخلِّصة”. ومن خلال الاتصال به، يخوض الفيلسوف تجربة غنوص تحرّر العقل، ولكن ليس، في العادة، من “ظلمات” المادة. فبدلاً من أن يكون العالم المادي سجناً ينبغي الفرار منه، كما في الغنوصية القديمة، ينظر الفارابي إلى المدينة الفاضلة بوصفها الموضع الذي يُنظَّم فيه ارتقاء النفس. وهكذا يصبح “الغريب” الغنوصي “الفيلسوف-الملك”. وبدلاً من معارضة الدين بصورة مباشرة، تقدّم “الفلسفة” شكلاً بديلاً من التديّن: أقل فقهية وأكثر تأملاً؛ أقل تمحوراً حول الشريعة وأكثر تمحوراً حول الحكمة. وعلى خلاف الفلسفة العلمانية الحديثة، لا تتخلّى “الفلسفة” عن النبوّة، بل تعيد تأويلها. ويصبح الأنبياء أصحاب المعرفة العليا، الذين تترجم ملكتهم المتخيّلة الحقائق العقلية إلى صورة رمزية في متناول العامة. وترث “الفلسفة” تقاليد لم تكن فيها الفلسفة والدين منفصلين بحدود حادة، ولا سيما في العصور القديمة المتأخرة، وتعيد تشكيلها. وحتى حين تتحدى عقيدة الخلق من العدم ( creatio ex nihilo ) بالدفاع عن الأطروحة الأرسطية القائلة بأزلية العالم، والمصوغة ضمن إطار أفلاطوني محدث يقوم على الصدور والفيض، فإنها تختار، مع ذلك، أن “تعمّد” ميتافيزيقاها باسم “الإلهيات” ( al-ilāhiyyāt )، ولا سيما في مصطلحات ابن سينا. وينظّم مخطط الفيض الأفلاطوني المحدث الواقع في نظام هابط وصاعد. وتوفّر هذه الكوسمولوجيا معادلاً ميتافيزيقياً للروايات الدينية عن الخلق والعودة. ومن ابن سينا إلى المفكرين اللاحقين، تُفهم الفلسفة بوصفها حركة متدرجة من الارتقاء، من المحسوس إلى المعقول، ومن الكثرة إلى الوحدة، وفي نهاية المطاف من التشتت إلى الحضور. وفي “الفلسفة”، لا تكون المعرفة محايدة أبداً أو مجرد تأمل نظري، بل هي تحويلية في جوهرها: أن تعرف يعني أن تبلغ بالنفس كمالها. وبهذا المعنى، تؤدي المعرفة وظيفة مماثلة بنيوياً لوظيفة الدين، حيث لا ينفصل الغنوص عن الخلاص. من الدين الفلسفي إلى الكوسموبوليتيقا تظل حدود تقليد “الفلسفة” مائعة، من دون أن تكون محددة بصورة لا لبس فيها إزاء “شبه الفلسفة”، أو حتى إزاء “مناهضة الفلسفة”. ومع ذلك، ينبغي فهمها بوصفها ديناً فلسفياً. فقد تطورت كبديل داخلي ضمن العالم الإسلامي الحضاري؛ غير أن هذا البديل لم يكن موجهاً إلى “نخبة” بالمعنى الاجتماعي فحسب، بل إلى “القلّة” بالمعنى النوسي. والتجاوب مع المقولات الغنوصية، وتحديداً التقابل بين الروحانيين (Pneumatics) والنفسانيين (Psychics) أو الهيوليين (Hylics)، لافت وينطوي على تشابه بنيوي شديد. في التقليد الغنوصي في العصور القديمة، كان الروحانيون أولئك الذين يمتلكون الشرارة الإلهية والقدرة على الغنوص. وبالمثل، في “الفلسفة” والتقاليد الفلسفية الإسماعيلية، يتحدد هؤلاء “الإسلامو-روحانيون” من خلال عقلهم المتحقق بالفعل. وتتيح لهم هذه الملكة إدراك إما الضرورة فيما وراء الإمكان والأزلية فيما وراء دراما الخلق، وإما المعاني “الباطنة” للبليروما (Pleroma) والنظام البدئي، وهي حقائق تظل “محجوبة” عن العامة ( al- ʿ awāmm ) وعن بُنى الإسلام الظاهري على السواء. والأهم أن هذا الدين الفلسفي هو، في جوهره ذاته، فلسفة سياسية يمتد نطاقها إلى ما هو أبعد بكثير من فصولها السياسية الصريحة، ليبلغ صميم بنيتها الكوسمولوجية. وقد ظل سؤال العلاقة بين الفيلسوف والنبي، وهو سؤال طُرح للمرة الأولى في العصور القديمة على يد فيلون الإسكندري، محورياً لدى مفكرين مثل الفارابي وابن سينا والكرماني وابن رشد وموسى بن ميمون. واستعارةً لمصطلح من كريستيان جامبيه، وإن مع شيء من إزاحة دلالته الأصلية، يظل هذا السؤال مرتبطاً بشكل من أشكال الكوسموبوليتيقا: رؤية كلية يعكس فيها نظام المدينة ( polis ) نظام الكون ( cosmos )، وينعكس هو بدوره فيه. وبالنسبة إلى الفلاسفة، تشكّل الكوسموبوليتيقا الترياق الأقصى لـ“حكم الاعتباط”. ففي حين ينطوي الاعتباط على فراغ من العقل، أي “إرادة قوة” تفتقر إلى أساس أنطولوجي، يؤكد النظام الكوسموبوليتيقي ضرورة ثابتة كامنة في نظام الوجود. وفضلاً عن ذلك، إذا كانت الحكمة لا تُنال إلا من “القلّة”، فعند نقطة التقاطع التي يظهر فيها الفلاسفة بوصفهم أنبياء مستترين، والأنبياء بوصفهم فلاسفة على نحو آخر، لا يسعى روحانيو الإسلام إلى مجرد الإبحار خارج العالم، كما كان غنوصيو العصور القديمة يطمحون إلى ذلك. بل تصبح مهمتهم أن “يديروا سياسياً” الفئتين الأخريين: النفسانيين والهيوليين. ويتمثل هدفهم الأول في حماية النظام النوسي من أولئك الذين يصبح الاعتباط لديهم إلهاً أقصى، في هوس يتجلى في تشبث صارم وقانوني. وفي الوقت نفسه، تتمثل مهمتهم في إيجاد سبل لنشر، لا الفلسفة نفسها، بل آثارها المتمدِّنة، بما يضمن أن يظل نور البليروما قادراً على تنظيم حياة الكثرة من دون أن تطفئه حرفيتهم. ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.

الشرق الأوسط في قلب التحولات
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

تشهد المنطقة الممتدة من العراق إلى لبنان وسوريا وإسرائيل، مروراً بالولايات المتحدة، تحوّلاً عميقاً في طبيعة وظيفة السلاح داخل الدولة. فالمسار العام يتجه نحو إعادة تعريف دور القوة المسلحة، سواء عبر نزع السلاح أو دمجه في ترتيبات أمنية تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية التقليدية، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق السيادة الصلبة إلى منطق الأمن المُدار. في المقابل، تتبلور ملامح تكتل عسكري–استراتيجي جديد في المنطقة، يتقاطع فيه الدور السعودي مع التركي، ويمتد تأثيره إلى باكستان النووية، في ظل إعادة تموضع إيراني حساس. هذا التشابك لا يمكن قراءته كتحالفات ظرفية، بل كجزء من إعادة هندسة أوسع للإقليم، تُدار بمنطق “التخطيط الإمبريالي الجديد”، حيث تُعاد صياغة التوازنات عبر ربط الأمن بالطاقة والاقتصاد ضمن شبكة مصالح مترابطة. ضمن هذا الإطار، يُعاد توزيع الأدوار الإقليمية بشكل متدرج. فالعراق يُدفع نحو ضبط الفصائل المسلحة وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة غير النظامية. وسوريا تدخل مرحلة إعادة هيكلة أمنية ضمن ترتيبات دولية وإقليمية جديدة، فيما يواجه لبنان سؤال احتكار الدولة للسلاح في ظل أزمة بنيوية عميقة. أما إسرائيل، فتعمل على إعادة تعريف تفوقها العسكري بما يتلاءم مع بيئة إقليمية أكثر تشابكاً، في حين تنتقل الولايات المتحدة من إدارة الحروب المباشرة إلى إدارة التوازنات عبر أدوات غير مباشرة وشبكات نفوذ متعددة المستويات. إيران بدورها تعيش انقساماً استراتيجياً داخلياً بين تيار يعتبر المواجهة ضرورة للحفاظ على النفوذ الإقليمي، وآخر يرى أن الاندماج في الترتيبات الجديدة أقل كلفة وأكثر استدامة. هذا الانقسام يعكس أزمة أعمق في تعريف الدور الإقليمي الإيراني، بقدر ما يعكس ضغط البيئة الدولية والإقليمية المتغيرة، خصوصاً في ظل محيط إقليمي يعاد تشكيله عسكرياً وسياسياً. اقتصادياً، يبرز غاز شرق المتوسط كعنصر حاسم في إعادة تشكيل التوازنات، من إسرائيل إلى قبرص ومصر، مع احتمالات امتداد نحو لبنان وسوريا. هذا المورد يتحول تدريجياً إلى أداة جيوسياسية لإعادة رسم خرائط النفوذ، خصوصاً في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن روسيا. هذا التحول يعزز في الوقت نفسه موقع الدولار، إذ إن تسعير الطاقة يتم ضمن النظام المالي الغربي، ما يربط قوة العملة الأمريكية بإعادة توجيه تدفقات الطاقة نحو فضاءات خاضعة لنفوذها. في المقابل، تواجه روسيا تراجعاً تدريجياً في قدرتها على استخدام الطاقة كأداة نفوذ داخل السوق الأوروبية. بذلك، يتداخل الأمن بالطاقة ضمن منظومة واحدة يمكن وصفها بـ”الإمبريالية الشبكية”، حيث لا تقوم السيطرة على الاحتلال المباشر، بل على إدماج الدول في شبكات مصالح معقدة تحد من استقلال قرارها، وتعيد تعريف مفهوم السيادة نفسه. إقليمياً، لم يعد الشرق الأوسط ساحة صراع تقليدية، بل عقدة مركزية في شبكة توازنات عالمية متداخلة، حيث يرتبط كل تحالف عسكري بمسار اقتصادي، وكل مشروع طاقة ببعد أمني، وكل تحول داخلي بتأثير إقليمي أوسع. في هذا السياق، يمثل لبنان نموذجاً مكثفاً لهذا التشابك، لارتباطه بغاز شرق المتوسط وبالتوازنات الدقيقة بين إسرائيل وسوريا ومحور إيران. ويشكّل العراق نقطة توازن حساسة بين إيران والعالم العربي، فيما تتحول سوريا إلى ممر جغرافي–استراتيجي للطاقة والنفوذ. أما إسرائيل، فتبرز كمركز تكنولوجي–طاقوي صاعد في شرق المتوسط. في المقابل، تعمل الولايات المتحدة كمنظّم بعيد المدى، لا يتدخل دائماً بشكل مباشر، لكنه يحدد الإطار العام عبر النظام المالي العالمي، والتحالفات الأمنية، وشبكات الطاقة. وهي بذلك تنتقل من إدارة الصراعات إلى إدارة البنية الكلية للنظام الإقليمي. في المحصلة، تعكس المرحلة الراهنة انتقالاً من إدارة القوة إلى إعادة توزيعها، حيث تتقاطع مسارات نزع السلاح مع صعود التحالفات الجديدة، وتحول الطاقة إلى عنصر حاسم، وتراجع بعض القوى التقليدية عن أدوارها التاريخية. وهكذا يتجلى منطق التشابك الإمبريالي كإطار جامع، لا تتحرك فيه الدول بمعزل عن بعضها، بل ضمن شبكة مترابطة تتداخل فيها الجغرافيا بالطاقة، والأمن بالاقتصاد، والسياسة بالتحالفات، في مسار يعيد تعريف مفهوم القوة في النظام الدولي المعاصر.