شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
رسالة إلى سائر بلاد المشرق
بقلم
ريكاردو كريستيانو
نُشر

عاد البابا ليون إلى اللبنانيين ما هو لهم: الاعتراف بصمودهم الكبير. لكن إذا قرأنا كلماته حول المشكلة العالمية الخطيرة التي أشار إليها من خلال نظرة لبنانية — دعونا نقول نظرة لبنانية بحتة، مع أنه خاطب العالم بأسره — فسندرك أن هذا الصمود يحتاج إلى تفكير معمّق. فقد قال: «يبدو أن نوعًا من التشاؤم والشعور بالعجز قد ترسّخ، ولم يعد الناس قادرين على التساؤل عمّا يمكنهم فعله لتغيير مجرى التاريخ. القرارات الكبرى تبدو بيد قلّة قليلة، وغالبًا على حساب الخير العام، وكأن ذلك قدر لا مفرّ منه». وخلال الأسابيع الماضية في بيروت، شعرت بأن هذا الصمود — وهو فردي أكثر منه جماعي — يعكس انعدام الثقة بالسياسة. هناك جوّ من الإحباط يدفع نحو الانسحاب أو التكيّف. وهذا يدفع الزوار الأجانب إلى التساؤل عن جدوى التمسك بإطار سياسي ما زال يشير، إلى حدّ كبير، إلى زمن الحرب الأهلية. برأيي، لكي يستعيد لبنان الرسالة التي تحدّث عنها يوحنا بولس الثاني عام 1997، لا بدّ من مصالحة بين الطبقة السياسية والشعور العام لدى الناس. وهنا أيضًا، أقرأ كلمات البابا بعيون لبنانية: «لا يمكن أن تكون هناك مصالحة دائمة من دون هدف مشترك، أو من دون انفتاح على مستقبل ينتصر فيه الخير على المآسي التي عشناها أو تسببنا بها. ثقافة المصالحة لا تنشأ فقط من إرادة وشجاعة البعض؛ إنها تحتاج أيضًا إلى سلطات ومؤسسات تعترف بأن الخير العام يتقدّم على المصالح الخاصة. فالخير العام أكبر من مجموع المصالح الفردية، لأنه يقرّب أهداف الجميع ويوجّهها بحيث يربح كل فرد أكثر مما قد يربحه وحده. إن السلام ليس توازنًا هشًا بين من يعيشون تحت سقف واحد من دون أن يعيشوا معًا. السلام هو القدرة على العيش المشترك، في شركة، كشعب متصالح. مصالحة لا تتيح فقط العيش معًا، بل تعلّمنا أيضًا العمل سويًا من أجل مستقبل مشترك.» إذا كان هذا، ولو جزئيًا، هو معنى كلامه، فيمكن التفكير بأن زيارته إلى بيروت لم تكن مخصّصة لبيروت وحدها، بل لكل المشرق — القديم أو الجديد — الممتد من المتوسط إلى بلاد الرافدين، والذي تعرّض لامتحانات قاسية وعنيفة. هذه أراضٍ معروفة، لكنها مثقلة بتاريخ مؤلم مليء بالعنف والإنكار والوصايات والاغتيالات. لكن بصفته أسقف روما، الملمّ بالتجربة الأوروبية، يعلم ليون جيدًا أن دولًا أوروبية، بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد قرون من الصراعات، اكتشفت أنها جيران، ثم رفاق درب، ثم أصدقاء، وأسهمت في تأسيس الاتحاد الأوروبي. فلماذا لا يحاول لبنان وسوريا والعراق خوض تجربة مماثلة؟ هذه هي، في النهاية، المناطق التي تقع تحت سلطة بطاركة أنطاكية المختلفين. والتاريخ قادر على فتح صفحة جديدة، إذا شاء — وأحيانًا يشاء. بالطبع، التحديات هائلة: ثقل الماضي، الجراح غير الملتئمة، الاعتراف الناقص، وعدم الثقة المنطقي. لكن لو تبنّت كنائس أنطاكية، وكثير منها قائم في بيروت، هذا العمق الاستراتيجي، لخفّفت من عبء الحنين، وضيق الآفاق، والانغلاق، ولأصبحت الكنائس «المنطلقة» التي تحدّث عنها البابا فرنسيس، أو الكنيسة «الرسولية» التي يتحدث عنها ليون. مخاوف التراجع تنبع أيضًا من زاوية النظر. فمن ينظر فقط إلى جبله أو واديه، سيشعر حتمًا بالانكماش. أما من يوسّع أفقه، ومن يتخيّل غابات وسهولاً وهو يسير في حديقته الخاصة، فسيبدأ أولًا برفض الانكماش داخل نفسه. وهنا يمكن لبيروت أن ترى نفسها مجددًا قاطرةً لقطار مؤلف من عربات مختلفة، لكل منها هويتها وتاريخها، لكنها متصلة بخطاف واحد: الحاجة إلى الارتباط بالفضاء المتوسطي، وبالتبادل، وبالأفكار كما البضائع. في شوارع الجميزة والأشرفية، شعرت بوجود مسيحي واضح، يتعرّف إليه الأوروبي بسهولة. لكن هذا الوجود يحتاج إلى التنفّس، وإلى أن ينتمي إلى خطاب أوسع. ومدينتكم تتيح ذلك، وتجعله مفهومًا لهذا البابا الذي، مثل فرنسيس، يؤمن بـ«توتر الأقطاب». فالأقطاب لا تلغي بعضها، بل تكمل بعضها وتحتاج بعضها. قطبا بيروت هما الجبل القريب، بما يحمل من تقاليد يجب الحفاظ عليها، والبحر، بما يقدّم من آفاق للتبادل واللقاء والأفكار الجديدة الضرورية للتغيير والنمو معًا. وهذا هو، في نظر كثيرين، «طريق القطار» الذي يمكنكم مساعدتنا على رؤيته من جديد. ريكاردو كريستيانو هو متخصص في شؤون الفاتيكان في الإذاعة الإيطالية «راي»؛ ومؤلف لعدة أعمال حول الحوار بين الأديان و البابا فرنسيس

البابا فرنسيس و مبدا "البيئة المتكاملة"

بمناسبة زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، ومع اختتام مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين لتغير المناخ في مدينة بيليم في البرازيل، دون نتائج تُذكر، من المفيد التذكير بمفهوم البيئة المتكاملة ونص رسالة البابا فرنسيس "كُن مُسَبَّحًا" (Laudato Si’)، الصادرة عام ٢٠١٥، والتي تُحدّد معالم بيئة إنسانية وشاملة تدعو إليها الكنيسة.. يُشير مصطلح البيئة المتكاملة إلى رؤية شاملة ومتعددة التخصصات للبيئة، تُقدّم رؤية كاملة للبشرية والعالم. ومن خلال نشر هذا المفهوم، تهدف الكنيسة الكاثوليكية إلى التأكيد على "أنّ التغيير البيئي الجوهري لا يقتصر على القضايا البيئية البحتة"، وأنّ "الديناميكية الروحية للبيئة المتكاملة تتغذى من الرجاء المسيحي، وتُدمج الحياة الروحية، وتحديات احترام كرامة جميع الكائنات الحية وكل شخص، ومقتضيات الأخوة والعدالة الاجتماعية"، وفقًا لموقع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا. يذكر الموقع الإلكتروني أيضًا أن الكنيسة الكاثوليكية تعتبر نفسها مسؤولة عن رعاية الخليقة. "ننسى أننا تراب" وعلى الرغم من أن مفهوم البيئة المتكاملة قد نوقش منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه اكتسب زخمًا خاصًا عقب نشر فرنسيس عام ٢٠١٥ الرسالة البابوية العامة »Laudato si’ » ، التي سُميت بهذا الاسم لأنها مشتقة من نشيد رنّمه القديس فرنسيس الأسيزي: "مُسَبَّحٌ لَكَ يا ربي". في هذا النص ، يتأمل البابا فرنسيس الراحل في حماية الطبيعة، التي تكمن في صميم الشعور الديني والإيمان بالخالق. "نشأنا معتقدين أننا أصحاب (الكوكب) وسادته، ومُخوّلون باستغلاله... ننسى أننا تراب (راجع تكوين ٢: ٧). أجسادنا مكونة من عناصر الكوكب، وهواؤه يُنعشنا، وماؤه يُحيينا ويُجددنا"، هذا ما جاء في مقدمة هذا النص. في مقاربته، يبدأ البابا فرنسيس بتقييم حالة البيئة في جميع أنحاء العالم، تحت عنوان "ما يحدث في بيتنا". إنه اتهامٌ دامغٌ للطبيعة بسبب التغيرات السريعة في الحضارة الإنسانية. وهكذا، يتناول النص القضايا الرئيسية التي تواجه البيئة اليوم، بما في ذلك التلوث وتغير المناخ، ومسألة المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، وأخيرًا، تدهور نوعية الحياة والانحطاط الاجتماعي. كتب البابا فرنسيس: "لأننا إذا أخذنا في الاعتبار أن البشر هم أيضًا مخلوقات هذا العالم، ولهم الحق في العيش والسعادة... لا يسعنا إلا أن نأخذ في الاعتبار آثار التدهور البيئي، ونموذج التنمية الحالي، وثقافة الإسراف على حياة الناس"، مشددًا على التفاوت العالمي الذي يميز هذا الوضع وضعف الاستجابة لمثل هذه الكارثة. الحوار بين العلم والدين في رسالته "كن مسبحًا"، يُخصص البابا فرنسيس فصلًا كاملاً لإظهار كيف يُلقي الإيمان ضوءًا جديدًا على ما يكشفه العلم عن أزمة المناخ هذه. إدراكًا منه أن الكثيرين يعتبرون الأمرين متناقضين، يدعو البابا فرنسيس إلى "حوار مكثف ومثمر" بينهما. ويوضح أنه لبناء بيئة إصلاحية، "لا يمكن إهمال أي فرع من فروع العلم أو أي شكل من أشكال الحكمة، ولا حتى الحكمة الدينية". وامتدادًا لهذا النهج الفكري، يُشدد البابا فرنسيس على ما يُسميه "الجذور البشرية للأزمة البيئية"، وفقًا لاستنتاجات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (Giec)، وهي أعلى هيئة علمية تابعة للأمم المتحدة تُعنى بالمناخ، والتي حددت مسؤولية الأنشطة البشرية عن تغير المناخ. وأشار بذلك إلى التكنولوجيا وما تُضفيه من شعور القوة عند البشر، بالإضافة إلى عواقب العولمة ونموذجها الموحد الذي يُطبق بالقوة على الجميع. لا يُمكن خوض معركة البيئة في قضايا منفصلة. لتعريف البيئة المتكاملة، يُقدم البابا فرنسيس ملاحظة حاسمة: أزمة القرن الحادي والعشرين ليست أزمة مزدوجة - بيئية من جهة، واجتماعية من جهة أخرى - بل هي أزمة واحدة عالمية ومترابطة بعمق. هذا هو المبدأ الأساسي لعلم البيئة المتكاملة، الذي يدعونا إلى النظر إلى العالم كنظامٍ مُنسجمٍ من العلاقات، حيث تُشكل الخيارات الاقتصادية والسياسية والثقافية كلاً من المناظر الطبيعية ومصائر البشر. ويُصرّ على الترابط بين الأنواع، حيث يُشكّل البشر جزءًا لا يتجزأ من النظم البيئية. ومن هذا المنظور، لم يعد من الممكن مكافحة تدهور الحياة من خلال قضايا مُنفصلة، ​​لأن التلوث والفقر والإقصاء واستغلال الموارد... كلها فصولٌ من أزمةٍ واحدة. ويجادل البابا فرنسيس بأن الاستجابات يجب أن تكون شاملة، تدمج الديناميكيات الطبيعية والهياكل الاجتماعية. ويضيف البابا فرنسيس أن علم البيئة يجب أن يكون "ثقافيًا" أيضًا، مؤكدًا على أهمية التراث والذاكرة الجماعية. ويرى أن علم البيئة الثقافية يقوم على مبدأ واحد: يجب أن تتفاعل الاستجابات للتحديات البيئية مع الثقافات المحلية، وتأخذها في الاعتبار، وتتجاوز نموذج التنمية الواحد. ويؤكد المؤلف أن اختفاء ثقافة ما قد يكون أشد خطورة من اختفاء نوع حيواني. في استكشافه لعلم البيئة المتكاملة، لم ينس البابا الراحل الحياة اليومية. بل جعل علم البيئة أقرب إلى الوجود البشري، إلى الأفعال والعلاقات. لم تعد القضية عالمية أو مؤسسية فحسب: بل تؤثر على الأحياء السكنية، والمساكن، والأماكن العامة - كل ما يُشكل جودة الحياة الملموسة. أي عالم سنترك لهم؟ يضع البابا فرنسيس علم البيئة المتكاملة في صميم مفهوم "الصالح العام"، الذي يُعرّف بأنه مجموعة من الشروط التي تسمح لكل فرد وكل مجموعة بتحقيق كامل إمكاناتهم. من هنا تأتي ثلاثة ركائز: كرامة الإنسان، وحيوية الهيئات الوسيطة، ولا سيما الأسرة، والسلام الاجتماعي القائم على عدالة توزيعية كفيلة بمنع العنف والإقصاء. ومن هذا المنظور، تُذكّر الدولة بدورها: حماية هذا الصالح العام وتعزيزه، وهو الأساس الذي لا غنى عنه لمجتمع متوازن. لكن الكاتب يضع هذا المبدأ في سياق واقع العالم الحالي، المثقل بتنامي عدم المساواة و التفرقة. وأخيرًا، تأخذ البيئة المتكاملة في الاعتبار حقوق الأجيال القادمة، ويطرح النص سؤالًا جوهريًا: أي عالم نريد أن نترك لهم؟ هذا تحدٍّ، بالنظر إلى الأزمة الأخلاقية والثقافية في مواجهة ما يعتبره البابا فرنسيس تنامي الفردية، وضعف الروابط الأسرية والاجتماعية، وعدم القدرة على التفكير فيما يتجاوز المصلحة الذاتية المباشرة. ومن بين المبادئ التوجيهية التي حددها البابا فرنسيس، الحوار حول البيئة في السياسة الدولية، وتجديد السياسات الوطنية والمحلية للحد من التفاوتات الاجتماعية في البلدان، وتعزيز الشفافية في صنع القرار، والحوار بين الأديان والعلوم.

تجمع الشيعة اللبنانيين إلى البابا: من أجل احتكار الدولة للسلاح

وجّه «تجمّع الشيعة اللبنانيين» رسالة إلى البابا ليون الرابع عشر أكد فيها أن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية «يشكّل الأساس الجوهري لبناء دولة قوية وعادلة». ولدى تأكيده دعمه للسلام «وفق المبادرات العربية والشرعية الدولية»، شدّد التجمع على التزامه بـ«العمل حصرياً تحت سلطة الدولة والقانون، ودعم كل ما يعزّز حضورها». يضمّ «تجمّع الشيعة اللبنانيين» أكاديميين، وصحافيين، وكوادر عليا، ومواطنين شيعة معروفين بموقفهم السيادي المعارض، بطبيعته، للمشروع السياسي لحزب الله. ننشر فيما يلي نصّ الرسالة التي وجّهها التجمع إلى الحبر الأعظم قداسة الحبر الأعظم، البابا لاون الرابع عشر، تحيّة إجلال وتقدير، يتشرّف لقاء اللبنانيين الشيعة بأن يوجّه إلى قداستكم هذه الرسالة بمناسبة زيارتكم المباركة إلى لبنان، الزيارة التي نعدّها محطة أساسية تعكس حرصكم الدائم على دعم ثقافة السلام، وتعزيز الحوار بين أبناء العائلة الإنسانية الواحدة، والوقوف إلى جانب الدول التي تمرّ بظروف دقيقة كتلك التي يعيشها وطننا. إننا، في هذا اللقاء، نرى في لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، ونؤمن بأن قوّته تتجسّد في دولته ومؤسساتها الشرعية، وفي ترسيخ العيش المشترك، والالتزام بالشرعية الدولية. ومن هذا المنطلق، نودّ أن نضع بين يدي قداستكم بيانًا لمواقفنا الثابتة: 1. نحن نؤيد تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، بما يحفظ سيادته، ويعزّز استقراره، ويعيد الانتظام إلى مؤسساته. 2. نؤمن بأن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية هي الركيزة الأساس لبناء دولة قوية وعادلة، قادرة على حماية جميع مواطنيها دون استثناء. 3. نلتزم بالعمل تحت سقف الدولة والقانون، وبكل ما يعزّز حضورها وهيبتها ومرجعيتها الجامعة. 4. نؤيد مسار السلام وفق المبادرات العربية والشرعية الدولية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السلام العادل والشامل هو الطريق الوحيد إلى مستقبل مستقر لشعوب المنطقة، وذلك تأكيدًا لشعار زيارتكم: «طوبى لصانعي السلام». قداستكم، إن أبناء الطائفة الشيعية في لبنان يعتزّون بدورهم الوطني التاريخي، ويؤكدون رغبتهم الصادقة في أن يكونوا جزءًا فاعلًا في مشروع الدولة، وفي بناء مجتمع يقوم على العدالة والمساواة والاحترام المتبادل بين جميع المواطنين. وإننا نرى في زيارتكم دعمًا روحيًا ومعنويًا لمسار التعافي الوطني، وتشجيعًا للحوار الذي يمثّل جوهر الشراكة اللبنانية. نثمّن عاليًا اهتمامكم بلبنان، ونسأل الله أن يمنحكم الصحة والقوة لمتابعة رسالتكم السامية في تعزيز كرامة الإنسان وترسيخ ثقافة السلام في عالمٍ تعصف به الأزمات. وتفضلوا، قداسة الحبر الأعظم، بقبول فائق الاحترام والتقدير. عن لقاء اللبنانيين الشيعة جاد الأخوي

سوء تقديــر فــي نبـوءة توينبـي
بقلم
نبيل منوال يونس
نُشر

في عام 1957، ألقى المؤرخ وفيلسوف التاريخ أرنولد توينبي محاضرةً في «الندوة اللبنانية» بعنوان «لبنان تعبير عن التاريخ». فبعد أن استعرض تعقيدات تاريخ لبنان وتفاعله مع الحضارات المحيطة، وحلّل كيــف شكّل فيها الموقع الجغرافي للبنان وتكوينه المتعدد الطوائف نقطة التقاء وصدام بين الديانات والهويات المختلفة، ختم توينبي محاضرته بتحذير استشرافي إذ قال: "إذا رُسمت، في المشرق، الحدود بين الإمبراطوريتين العالميتين، الأميركية والروسية، على قمّة جبال السلسلة الشرقية، فإن الجمهورية اللبنانية قد تواجه مصير دولة إسرائيل. فلبنان، مثــل إسرائيل، غير قابل للحياة إذا وجد نفسه في حالة عداء دائمة مع جيرانه في الشرق." لقـد أُلقيت هذه المحاضرة في ظل المناخ الثقيل للحرب الباردة، بما حملته من توترات جيوسياسية وصراعات أيديولوجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وكتلتيهما. فخلال تلك الحقبة، أسـدلَ «الستار الحديدي» السوفياتي على تسعِ دول أوروبية وجعل حدودها متوترةً وعدائيَّـةً واندلعت حروبٌ على الحدود بين الكوريتين، وعلى الحدود المتحركة في الهند الصينية. فكمـا خشــي توينبــي، تثبّت خطّ التماس بين الإمبراطوريتين الأميركية والروسية على قمّة السلسلة الشرقية لجبـال لبنــان أي على الحدود اللبنانية ـ السورية. إزاء هذا الوضع المعقّد، اختار لبنان التموضع في الفلك الأميركي، فأعلن في 16 آذار 1957 انضمامه إلى "مشـروع أيـزنهـاور" بعد أن كان، في إطار التحالفات الدولية للمعسكر الغربي خلال الحرب البارد، قـد درس لبعض الوقــت إمكانيَّــة الانضمام إلــى «حلف بغداد». وفي المقابل، وعلى الجهة الأخرى من الحدود الفاصلة بين منطقتــي النفوذ، فلقـد دفع رفض الغرب مساعدة الدول العربية — وفي مقدّمها سوريا — والدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، بسوريا، ذات التوجّه اليساري آنذاك، وكذلك بـ«الجمهورية العربية المتحدة» التي أُعلنت عام 1958 بنتيجــة اتحاد مصر وسوريا، إلى الارتماء بأحضان الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. لم يُعر اللبنانيون اهتمامًا كبيرًا لتحذير توينبي بسبب اطمئنانهم إلى التفوّق العالمي للولايات المتحدة وإلــى تفوّقها العسكري على الاتحاد السوفياتي. وهكذا، أصبحت الحدود اللبنانية ـ السورية، كما هي محدّدة ومكرّسة في الدستور اللبناني — وهو الدستور الوحيد في العالم الذي يُصــف الحدود فــي نص دستوري — أكثر من مجرّد خط إداري أو نـص قانوني، إذ اكتسبت تلك الحدود طبيعتين في آن واحد، فهــي حدودٌ بين دولتين، وهي خطٌّ فصل سياسي واقتصادي وأيديولوجي بين منطقتَي النفوذ الأميركيَّـة والسوفياتيَّة. فعندما التقى الرئيس فؤاد شهاب الرئيس جمال عبد الناصر تحت خيمة نُصبت على الحدود، تمسّك كلُّ منهما بالبقاء على أرض بلاده، وقـد هـدف الرئيــس شهاب مـن اختيــار مكان الاجتماع وإخراجــه إلــى إبراز الأهمية الوطنية والإقليمية لهذه الحدود. لكنـه تبيَّــن أن نبوءة توينبي كانـت غير صحيحة، إذ أنَّ خطّ التماس هذا بين مجالَي النفوذ، حمى لبنان لمدّة من الزمن من الطموحات السورية التوسعية السياسية والأمنية والاقتصادية والأيديولوجية، وكان نعمةً حقيقيةً للبنان طوال أكثر من ربع قرن. فالكارثة حلّت بلبنان عندما بدأت الولايات المتحدة، فـي إطار البراغماتيــة وبنتيجـة قابليتهــا لمقايضة تحالفاتها بـ«صفقات» — من بينها الصفقة مع سوريا الأسد — بطمــس هذا الخط قبل أن تمحوه شبــه كليًا، وذلك عبر تنظيـم دخول الجيش السوري إلى لبنان في نيسان 1976 ومــن ثم، أوكلت عمليًا واشنطن إلى دمشق الوصاية على لبنان بمناورات مستوحاة من هنري كيسنجر. إن إلغاء هذا الخط الفاصل، الذي كان ثمرة اتفاق أميركي ـ سوري انعقـد من دون أدنى اعتبار للبنانيين الذين كانوا لا يزالوا يؤمنــون أن التحالفات الأميركية تقـوم على مبادئ، أتاح لسوريا فرض هيمنتها على لبنان وتبين أن التحالف بين الولايات المتحدة ولبنان لم يكن سوى اتفاقٍ عابرٍ وظرفي، تحكمه مصالح واشنطن خلال الحرب الباردة. كما أخطأ توينبي أيضــاً فــي أنَّ البديل للحدود المتوترة ليس بالضرورة السلام — بل قد يكون الهيمنة.

دل تورو: تطهيرُ الإنسانِ من وحشه
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

هل صحيح فعلاً أن المخرج السينمائي يستكشف في جوهره موضوعاً واحداً فقط – أو عالماً واحداً فقط – عبر مجمل أعماله، بمعنى أن كل شيء ينتهي به الحال إلى تشكيل كل متماسك، كما كان يلمّح جان لوك غودار؟ يبدو أن غيليرمو ديل تورو يتطابق تماماً مع هذه النظرية. المخرج المكسيكي، الذي أطلق للتو (على نتفليكس) نسخته الخاصة من أحد الشخصيات الأكثر استغلالاً في السينما – كائن فرانكنشتاين من تأليف ماري شيلي – يبدو أنه مدفوع بحدس أساسي، شبه هاجس، بل حتى نبوي، يمكن العثور عليه بالفعل في كل أفلامه وهو ما يمنحه تماسكاً نادراً. عند ديل تورو، الوحش لا يكون أبداً وحشاً. الاختلاف المشوّه، اللحم المنقوش بالندوب، التشريح غير الطبيعي، لا تعني أبداً عنده الوحشية الحقيقية. بل على العكس تماماً: عند المخرج المكسيكي، الوحش هو الشخصية الأكثر إنسانية من بين الجميع، تلك التي تحمل وزن المعاناة والوحدة والرفض والإذلال، وأيضاً الحب. صحيح أنه بعيد كل البعد عن أن يكون الأول الذي يغامر في هذا المجال. لكن، في عالم يزداد تجريداً من الإنسانية، مساعيه أكثر صراخاً بالحقيقة. الوحش الحقيقي؟ إنه الإنسان، عندما ينبذ إنسانيته الخاصة، عندما يسمح لنفسه أن يسيطر عليه الرغبة في الهيمنة، النرجسية، العلم البارد، الحرب أو الخوف من الموت والرغبة في التعويض عن الخالق. في هذا الصدد، يبدو العمل الكامل لديل تورو كاتهام طويل ضد صانعي الوحوش: الأنظمة والجيوش والمختبرات والعلماء والآباء الطغاة والأخلاقيون المتجمّدون الذين يدّعون أنهم بجانب الخير أو العقل أو الحداثة العلمية – لكنهم في النهاية لا ينتجون إلا الدمار. لا توجد وحوش، يقول لنا ديل تورو. لا يوجد سوى جلادين يعتقدون أنهم مكلفون برسالة ضخمة، لكنهم في الواقع مجرد شخصيات هلوسة تبحث عن إصلاح جرحهم النرجسي. في متاهة بان (2006)، وهو بلا شك أحد أجمل الأفلام في القرن الحادي والعشرين، الوحش المفترض – حورية الغابة المقلقة، نصف ظل نصف نور، رسولة من عالم بدائي – لا تكون في الواقع سوى استجابة روحية البربرية الفرانكية. الوحش الحقيقي هو الكابتن فيدال، النموذج الأولي للفاشي البارد والآلي والخالي من الشك والمهووس بالسلالة وأسطورة الأب. ترد الكابتن فيدال بقسوة منهجية على براءة أوفيليا وخيالها الخلاصي. يصبح الوحش الأسطوري ملاذاً وشخصية منظمة وآخر حصن ضد الدمار الأخلاقي. ما يحاول ديل تورو قوله هنا أساسي: الوحش ليس الرعب، بل هو الترياق للرعب؛ آخر ملاذ للبراءة لتجنب واستحضار الرعب. المقدس المنقذ حيث لا تزال الروح تستطيع التنفس. نفس المنطق يخترق شكل الماء (2017)، هذا العمل الرائع حيث مخلوق مائي، سجين في مختبر عسكري، يتعرض للتعذيب باسم العلم، يثبت أنه قادر على الحب بحب أنقى وأكمل وأكثر مطلقية من البشر الذين يشرحونه. هنا أيضاً، الوحش الحقيقي ليس ما يعرض في الحوض: إنه العالم بلا تعاطف، أمريكا البارانويا في الحرب الباردة، الحالة الطبيعية المهووسة بالمظهر والامتثال والسيطرة. هذا الفيلم هو في الأساس بيان من ديل تورو، حسب رأيه أن الإنسانية لا تكمن في الإنسان، بل في القدرة على الحب. الحب هو المحرك الوحيد للبقاء، كما قال ليونارد كوهين في أغنيته عن المستقبل الوحشي الذي توقعه في أوائل التسعينيات، مع نهاية الاستقطاب الثنائي. لكن الحب، في كثير من الأحيان، الإنسان عاجز عنه. هذا ما يجعله وحشاً. الوحش، من جهته، في ديناميكية معاكسة، يقبل أصعب درس تعليمي، وأيضاً الأجمل – تعلم الحب. يتم حمل هذا الموضوع إلى درجة الاحتراق في فرانكنشتاين ، مشروع ديل تورو الحلم منذ ثلاثين سنة، والذي وجد أخيراً شكله. هذا سرد الأصل للعديد من الوحوش: المخلوق الذي لم يطلب أبداً أن يأتي إلى العالم، الذي ولد من نزوة خالق نرجسي، من أب تاه في غرور القوة، من رجل يريد سرقة سر الحياة من الله دون تحمل المسؤولية الأخلاقية. فرانكنشتاين هو المدان المطلق: ذلك الذي لا مكان له ولا هوية ولا لغة. ذلك الذي رغبته الوحيدة هي الحب وأن يكون محبوباً. أنا وحيد، يقول في رواية ماري شيلي. فرانكنشتاين ليس غير هذا الوحش الموجود في كل واحد منا، الذي يبحث عن الحب، ليتمكن أخيراً من الوصول بشكل كامل إلى الاختلاف والارتباط والإنسانية. لكن، مع ذلك، العالم يكتفي بتسميته وحشاً، بغض النظر عن الحقائق وأحلامه وإرادته وقلبه. إنه محكوم بالرفض، دون استئناف. لكن ديل تورو ينقلب هنا على التقليد السينمائي بأكمله. كان جيمس وايل العظيم قد أعطى الوحش بالفعل بعداً مأساوياً، شبه مسيحي، في الأفلام الأولى حول هذه الشخصية التي أُحضرت إلى الشاشة الكبيرة – فرانكنشتاين (1931)، ثم عروس فرانكنشتاين (1935) الرائعة، قبل أن تصبح الشخصية عنصراً أساسياً في أفلام الرعب من شركة هامر؛ تمت محاكاتها بذكاء من قبل ميل بروكس ( يونغ فرانكنشتاين ، 1974) أو تم تمثيلها بشكل سيء من قبل كينيث برانا في 1994، مع خطأ فادح في الاختيار – دي نيرو في الدور الرئيسي! لكن ديل تورو يبتكر: يقدم منظور الوحش وذاتيته وصرخته المكبوتة. يعطيه صوتاً أخيراً. المخلوق يصبح مرآة – مرآة يرفض الإنسان أن ينظر إليها. لأنه سيرى فيها الحقيقة – أن الوحش، هو هو. هذا اللحن الأساسي موجود في كل مكان عند ديل تورو. في هيلبوي (2004)، حيث المسار الحتمي لطفل الشيطان هو قيادة العالم إلى دماره، لكنه يختار التمرد ضد قدره البيولوجي – وفتح حريته. في زقاق الكوابيس (2021)، حيث الوحش ليس وحش المعرض، بل الرجل الذي ينجرف في وهم القوة المطلقة ويشوه نفسه نفسياً حتى يصبح ما كان يعتقد أنه يهيمن عليه: الوحش. في حافة المحيط (2013)، المخلوقات الضخمة القادمة من الشقوق السحيقة ليست هي التي تكون وحشية، بل الغرور التكنولوجي لعالم يعتقد أنه يمكنه السيطرة على كل شيء. حتى بينوكيو (2022)، عند ديل تورو، لا يهرب من هذا القانون. كما في الذكاء الاصطناعي لستيفن سبيلبرغ، طفل الخشب أكثر إنسانية من البالغين من حوله. الأب، من ناحية أخرى، أسير حزنه – مجروح لكنه متسلط – والمجتمع الفاشي يستخدم الطفل كلحم مدفع. يبقى عمود الشيطان (2001)، فيلم طيفي ومحطم القلب، حيث شبح طفل تم اغتياله يأتي ليطارد ملجأ للأيتام أثناء الحرب الأهلية الإسبانية. الشبح ليس طيفاً من الرعب، بل حارس الذاكرة، صوت العدالة ضد الوحشية: البراءة المقتولة حرفياً. الشبح هنا شاهد. إنه لا يشكل تهديداً. وسواس ديل تورو واضح: الوحش هو عرض من أعراض العنف الإنساني. وإذا جاء إلى العالم، فلأن طاغية أو عالماً أو جندياً أو أباً – قد خلقه. من المستحيل عدم قراءة هذا العمل في ضوء التحليل النفسي، في الواقع ما يصوره ديل تورو ليس سوى الابن المرفوض، الابن المضحى به، الطفل المستحيل، المحكوم بسوء الفهم الدائم. نفكر بالطبع في لاكان وقمع اسم الأب. إنها شخصية الطفل بلا مكان، المسحوق بالقانون الأبوي القاتل، ذلك الذي لا يعرف الحب بل فقط الأداء أو الانضباط أو الإرث. من الصعب أيضاً عدم التفكير في كهف أفلاطون. يجرؤ المخلوق على الخروج من الظلال للبحث عن الإنسانية، لكن أولئك الذين ينظرون إليه يقتلونه. ديل تورو في السينما الخيالية، لكنه مرتبط عميقاً بعصره وبالواقع. يخبرنا، بصوره الرائعة، الرعب الذي نعيش فيه يومياً – كما لو أنه لا يسلمنا أقل من تأمل مأساوي في عصرنا. أكثر من أي وقت مضى، العالم مليء بمصنعي ومهربي الوحوش: الشعبويون والفاشيون ومهندسو الخوف والعلماء بلا أخلاق والغنوصيون من جميع الأنواع والدعايتيون الذين يحولون الشعوب إلى آلات كراهية. الوحش، الآن، حتى لا يحتاج إلى أن ينشأ في المختبر: يتم تصنيعه من خلال الخطاب والتلاعب والشبكات الاجتماعية والهويات المغلقة والاستياء والخيال التطهري. حتى بشكل مصطنع، الآن، وكالعادة مع موافقتنا وتشريعنا ومشاركتنا. من الغريب أن الموضوع نفسه يبدو أنه يتطور في الموسم الأخير من مسلسل أشياء غريبة … جيليرمو ديل تورو هو، بهذا المعنى، أكثر بكثير من كونه مخرجاً، وهو مفكر سياسي ونبي مظلم، مشابه لما كان يعلنه كوهين بالفعل في المستقبل عام 1990، وهو أن الإنسانية في خطر. لكن ليس بسبب الوحوش، بل بسبب أولئك الذين يعيشون من احتياج صنع الوحوش بالكراهية والعنف والإذلال والاستبعاد. ديل تورو يهمس لنا حقيقة عاجلة: حان الوقت لمشاهدة الوحوش في العيون. أي أن نجري على أنفسنا فحص الضمير، قبل فوات الأوان، لخوض أهم معركة في داخلنا: آخر فرصة لنا لنظل بشراً. حتى لا ننتهي جميعاً، مثل الصغيرة أوفيليا من متاهة بان .

لاون الرابع عشر يجعل من الوحدة المسيحية فعل ايمان

شكّلت مدينة إزنيك (نيقية القديمة) محطةً بارزة في زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى تركيا، حيث اجتمع كبار رجال الدين الأرثوذكس والبروتستانت في صلاة مهيبة عند أنقاض كاتدرائية غارقة تعود إلى القرن الرابع الميلادي. القداس الذي أُقيم على ضفاف بحيرة إزنيك خُصِّص للاحتفال بالذكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية المسكوني، أحد أهم الأحداث التأسيسية في تاريخ الإيمان المسيحي منذ عام 325 ميلاديًا، والذي اعترفت به الإمبراطورية الرومانية بعد ذلك باثني عشر عامًا. خلال المراسم، تلا الأساقفة فعل الإيمان النيقاوي – النص الذي لا يزال ملايين المسيحيين حول العالم يستخدمونه في صلواتهم – وسط أجواء رمزية أثارت مشاعر الوحدة والانتماء. وفي كلمته، شدّد البابا ليو الرابع عشر على "السعي إلى الأخوّة"، مضيفًا بالإنجليزية: "جميعنا مدعوون إلى تجاوز فضيحة الانقسامات التي لا تزال قائمة، وتعزيز الرغبة في الوحدة." الاحتفال، الذي تخلّلته صلوات بعدة لغات وتراتيل بيزنطية وأخرى إنجيلية دون مصاحبة موسيقية، ترأسه البطريرك برثلماوس الأول، بطريرك القسطنطينية، أبرز شخصيات العالم الأرثوذكسي. لا لاستخدام الدين "لتبريرالعنف" وشهدت المناسبة حضور ممثلين عن كنائس قبطية ويونانية وأرمنية وسريانية وأنجليكانية، دعاهم البطريرك إلى "اتّباع طريق الوحدة المسيحية" رغم الانقسامات التاريخية. كما دعا البابا إلى "رفض استخدام الدين لتبرير الحرب والعنف"، مشددًا على نبذ جميع أشكال الأصولية والتعصب، دون أن يذكر زعماء دينيين بالاسم. كنيسة غارقة تروي بدايات الإيمان تُعتبر كنيسة إزنيك الغارقة، التي تقع على عمق مترين تحت الماء وعلى بُعد خمسين مترًا من الشاطئ، من أبرز الاكتشافات الأثرية المسيحية في تركيا. كان عالم الآثار مصطفى شاهين، رئيس قسم الآثار في جامعة أولوداغ بمدينة بورصة، قد اكتشفها عام 2014 عبر صور جوية. ويقول: "أدركتُ فورًا أننا أمام كنيسة مجهولة، مغمورة منذ قرون". الكنيسة الحالية، المعروفة باسم كنيسة الآباء القديسين، شُيّدت عام 380 ميلاديًا في الموقع نفسه الذي استُشهِد فيه شاب في السادسة عشرة من عمره يُدعى نيوفيتوس عام 303 ميلاديًا، بعد أن جُلِد ورُجم وقُطع رأسه لرفضه عبادة الأصنام، وفق ما يوضحه المتحف الصغير المقام إلى جوار الموقع. كنيسة الشهداء الكنيسة الأولى التي بُنيت تكريمًا لنيوفيطوس كانت قد احتضنت مجمع نيقية المسكوني عام 325، قبل أن يُدمّرها زلزال عنيف عام 358. وعلى أنقاضها، شُيّدت كنيسة الآباء القديسين تكريمًا للأساقفة الـ318 الذين صاغوا قانون الإيمان النيقاوي بعد نقاشات استمرت شهرين. خلال أعمال التنقيب الأخيرة، عُثر على رفات مئات الشهداء، بينهم 11 طفلًا دُفنوا في قبور صغيرة من البلاط. يقول البروفيسور شاهين: "اكتشفنا نحو 300 قبر، ونبشنا حتى الآن 27 منها فقط. ووجدنا آثار تعذيب واضحة – عظام وأطراف مكسورة وجماجم مثقوبة – ما يدل على أن المدفونين هنا أُعدموا بسبب إيمانهم." العظام التي استُخرجت خضعت لتحليل دقيق من قِبل علماء الأنثروبولوجيا قبل أن تُعاد إلى مثواها الأخير في ما يُعرف اليوم بـ مقبرة الشهداء. يرى شاهين أن تركيا تحتل مكانة محورية على خريطة المسيحية، إذ تضم عددًا كبيرًا من المواقع المقدسة المحفوظة التي تعود إلى القرون الأولى. ويقول: "ظهرت المسيحية حول القدس، لكن لولا الأناضول لما استمرت وانتشرت كما نعرفها اليوم." ويُشير إلى أن رسائل الرسول بولس، المدرجة في العهد الجديد، كُتبت خلال رحلاته عبر مدن الأناضول القديمة، مؤكدًا أن "أرض تركيا هي ذاكرة المسيحية الأولى".