شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
دول الخليج العربي ونهضتها الثقافية

تُظهر نظرة سريعة على المشهد الثقافي والفني المتنامي في دول الخليج الموارد الهائلة المُخصصة لمجموعة واسعة من المشاريع، التي غالبًا ما تكون فخمة ورائدة، وتهدف إلى تعزيز الفن والثقافة، على أسس قد تختلف من دولة لأخرى. ويتجلى حماس مماثل في جميع المجالات، مما يعكس رغبة مشتركة في الانفتاح والتبادل مع عالم الثقافة والفن. لا شك أن جميع هذه المشاريع تُسهم في تعزيز نوع من "الدبلوماسية الثقافية" - إن صح التعبير - وتعزيز التأثير الثقافي لهذه الدول على الصعيد الدولي. ومع ذلك، من الخطأ اختزال الإنجازات التي تحققت بالفعل وتلك المُخطط لها إلى مجرد عملية تسويقية. فإلى جانب الحجم الهائل للمشاريع الجارية، هناك دوافع أخرى أكثر أهمية. في المجتمعات التي تشهد تحولات عميقة، يُعدّ الفن والثقافة محركين للتحول الاجتماعي والسياسي. لكنها في الوقت نفسه وسيلة لحماية ونقل معارف البلاد وتقاليدها وإرثها الثقافي. كما أنها تُسهم بشكل كبير في تعزيز الفخر الوطني وترسيخ الشعور بالانتماء. ويدرك قادة دول الخليج هذا الأمر تمامًا. ويتجلى حرصهم على الحفاظ على هذه الهوية الثقافية وتعزيزها جليًا في جميع المشاريع المنفذة أو قيد التطوير. وبعيدًا عن القضايا التي يمكن وصفها، على نطاق أوسع، بالجيوسياسية، يُعد الفن، في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، حارسًا للذاكرة. كما أنه يسمح بتغيير سلس وعميق في المجتمع. إنه الخيط الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. ولتحقيق هذه الغاية، يشجع القادة المشاريع الفنية والثقافية الطليعية، مع التركيز في الوقت نفسه على الحفاظ على التراث الثقافي والتقاليد والخبرات المتوارثة وتعزيزها. في سلسلة من المقالات المخصصة لهذا الموضوع، تناولت "ليفانت تايم" المشاريع الرئيسية التي تعكس بوضوح رغبةً في تحويل دول الخليج إلى مركز ثقافي وفني عالمي، ومكانًا للتبادل بين مختلف الفاعلين الثقافيين في مجالات متنوعة كالرسم والموسيقى والرقص والسينما والأدب. هذه المشاريع طموحة ومتعددة، لكن المخاطر كبيرة بنفس القدر. في ظل السياق الحالي السائد في هذا الجزء من العالم وعلى الصعيد الدولي، هل ستنجح هذه المجتمعات سريعة التغير في إيجاد توازن مناسب بين التراث العربي الإسلامي من جهة، وواقع القرن الحادي والعشرين من جهة أخرى؟ هل ستتمكن من دخول عالم الغد ببراعة وبدء عصر نهضة فنية وثقافية، على غرار عصر النهضة الإيطالية مثلاً؟ هل ستنجح في تحولها دون أن تفقد هويتها وروحها على طول الطريق؟ هذه بعض الأسئلة التي ستحاول "ليفانت تايم" الإجابة عليها في سلسلة مقالاتها المخصصة للمشاريع الثقافية والفنية الكبرى في مختلف دول الخليج. المقال التالي: دار الأوبرا السلطانية في مسقط

المشرق: فلنجرئ ونأمل بالسلام
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

طُرح السؤال التالي على أحد برامج الذكاء الاصطناعي: هل شهدت بلاد المشرق فترة سلام حقيقية منذ نشأتها؟ الإجابة قاتمة. لقد شهدت المنطقة فترات من الهدوء، لكنها لم تنعم بسلام دائم. الفترة الوحيدة التي يمكن وصفها بالاستقرار هي فترة السلام الروماني (باكس رومانا)، من القرن الأول إلى القرن الثالث. سلام فُرض بحد السيف، سلامٌ عسكريٌّ بالقوة. سلامٌ بثمن دماء، حتى الذكاء الاصطناعي يعجز عن تقدير ثمنه. كانت الصراعات المختلفة مدفوعةً في المقام الأول بدوافع دينية، مرتبطة باعتبارات سياسية أو إقليمية أخرى. ومن المفارقات أن المفهوم الوحيد القادر على توفير السلام الحقيقي اليوم هو اسم السلف المشترك الوحيد للأديان التوحيدية الثلاث التي تعاقبت، والتي سُفكت من أجلها دماءٌ كثيرة، ولا تزال تُسفك: إبراهيم، إبراهيم. باسم يهوه، أو الله، يتقاتل الناس. ومع ذلك، يتوق الكثيرون إلى سلام دائم، لكن هذا السلام له ثمن: التسامح. كم جيلاً سيستغرق الأمر حتى يُمنح هذا التسامح أخيرًا، ويصبح السلام الحقيقي ممكنًا بين شعوبٍ تتقاتل فيما بينها منذ قرون، على نفس الأرض وفوقها؟ ومع ذلك، في الديانات الإبراهيمية الثلاث، تُردد نفس الوصية وتُردد: "أغفر تمامًا لكل من آذاني أو أساء إليّ". "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن لمن أساء إلينا". "جزاء الشر شرٌّ مساوٍ. ومن يغفر ويُعيد السلام، فأجره على الله". هذه الأبيات الثلاثة تنتمي إلى الديانات الثلاث، حسب ترتيب ظهورها. الجرائم التي ارتكبها كل طرف ضد الآخر شنيعة. ومحاولة العودة إلى العصر الحجري لتحديد الشعوب التي احتلت أي أرض هي محاولة عقيمة ولا طائل منها. على سبيل المثال، امتد الفينيقيون حتى جبل طارق. هل نطالب إذن بالدول التي استعمرها أجدادنا؟ بالتأكيد لا، خاصةً وأننا نكافح بالفعل لإدارة مساحة 10,452 كيلومترًا مربعًا من بلدنا الصغير. من الصعب نسيان الجروح التي لا تزال مفتوحة والأنقاض المشتعلة للحروب الأخيرة. ولكن هل حُكم على الأجيال القادمة بتحمل عبء أخطائنا؟ في مرحلة ما، يجب أن نعالج الماضي ونفكر في المستقبل: مستقبل أطفالنا، وأطفالهم، ومن سيأتون بعدنا. ألفي عام من التاريخ والصراع مقابل بضع مئات من أعوام السلام: المعادلة تتحدث عن نفسها. نحن لا نختار عائلتنا، ولا البلد الذي نولد فيه. ولكن يمكننا التأثير على مجرى الأحداث. كل ما يتطلبه الأمر هو التخلي عن كبريائنا والتسامح. ولعل التسامح هو أصعب خطوة على الإطلاق. كتب الفيلسوف المعاصر جوناثان لوكوود هوي: "سامح الآخرين، ليس لأنهم يستحقون التسامح، بل لأنك تستحق السلام". لقد غرق جيلنا في سكون الحرب طوال حياته، ولم ينل سوى قسط من الراحة لمدة خمسة عشر عامًا تقريبًا. ولعل لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي كان مسرحًا لحروب الآخرين: حروب الكتل، وحروب الدعم، والحروب بالوكالة. حتى حربه الأهلية لم تكن حربًا أهلية في جوهرها. لقد حان الوقت لتجنيب بلادنا حروبها، وخاصة حروب الآخرين. لعلّ من السذاجة أن نأمل في سلام دائم، وأن نعتقد أننا قادرون على إثبات خطأ مقولة "بوبي": "أردت، وتمنيت أن يسود السلام... لكن كل شيء استمر، لا، لم يتغير شيء." في الوقت الحاضر، يبدو أن كل شيء يتجه نحو تسوية للصراع، نحو أمل السلام؛ ولعلّه من السذاجة التشبث بهذا الأمل. كما كتب فيرجيل غيورغيو في "الساعة الخامسة والعشرون"، فإن الجحيم يفقد كل أمل. نحن بالفعل نعاني من جحيم مادي كل يوم؛ فلا حاجة لإضافة جحيم أخلاقي إليه. لذلك، فلنجرؤ على صنع السلام...

أوروبا في مواجهة شياطينها
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

لا — لا يمكن التعامل مع الحرب التي أطلقتها روسيا ضد أوكرانيا بوصفها اضطرابًا هامشيًا، ولا باعتبارها نزاعًا بسيطًا على الأرض، مهما حاول البوتينيون، على اختلاف أطيافهم، تسويق ذلك. إن العدوان الروسي يكشف شرخًا أعمق: صدامًا بين رؤيتين للعالم. من جهة، الحرية وسيادة القانون؛ ومن جهة أخرى، الحنين إلى نظامٍ إمبراطوري يُبعث من جديد تحت لافتة «عصرٍ ذهبي» مُؤسطر، مشيَّد على الهيمنة والرعب. إن ما يتكشف اليوم فوق التراب الأوكراني هو محاولة متعمدة لإحياء المنطق الإمبراطوري الروسي وفرضه بوصفه النموذج السياسي لهذا القرن. فمعركة دونباس ليست مناوشة محلية. إنها اختبار لأوروبا بأسرها — لشجاعتها، لذاكرتها، ولمستقبلها ذاته. لا أقل من ذلك. إن نظام فلاديمير بوتين لا يسعى إلى ضم أرض وحسب؛ بل يطمح إلى إعادة تشييد بنيةٍ إمبراطوريةٍ واضحة المرجعيات: بطرس الأكبر، كاترين الثانية، وفكرة «الفضاء الحضاري» المُقدَّس بأسطورة «العالم الروسي»، حيث لا يُنظر إلى الشعوب كذوات سياسية، بل كمادةٍ إثنية قابلة للامتصاص، أو لإعادة التشكيل، أو للمحو. وكل إمبراطورية تقوم على نفي القانون. فلا سيادة شعبية، ولا تعددية، ولا حرية فردية. الحرية غريبة عن بنائها — مفهوم دخيل لا مكان له فيها. ولذا، فهذه الحرب موجّهة إلى جوهر الفكرة التي تمثّلها أوروبا. فأوروبا ليست، في حقيقتها، مساحة جغرافية؛ بل هي، في تصور مؤسسيها، طريقة للوجود في العالم: تصور مخصوص لكرامة الإنسان، للشرعية، للجدل، ولمساواة الحقوق. إنّها ابنة الأنوار، وابنة الرفض الحاسم للرعب. نشأت من رحم التعاون، لتعيد بناء ما دمّرته ثقافة الإقصاء والفناء — ثقافة الحربين العالميتين. ولا وجود لها إلا في فضاء يكون فيه الفرد سيدًا في مواجهة الدولة. أما المشروع الإمبراطوري الروسي فهُو نقيض ذلك تمامًا: استبداد يتذرّع بـ«حيّز حيوي»، هو نفسه المنطق الذي نهضت أوروبا من رماده بعد هاوية أوشفيتز وبوخنفالد. ولهذا غدت كييف حدودًا لا تفصل بين دولتين، بل بين نموذجين حضاريين. فإذا سقطت أوكرانيا، فلن ينهار بلد فحسب؛ بل ستتهاوى معها إمكانية قيام عالمٍ تحكمه الشرعية الدولية — تمامًا كما يحدث أيضًا في ما يرتكبه نتنياهو في غزة والضفة الغربية. وكما يكتب نيكولا تانزر في حربنا: إن الغزو الروسي يُشكّل «هجومًا شاملًا على النظام الشرعي». ليست هذه أزمة إقليمية؛ بل هجوم مباشر على الديمقراطية الليبرالية ذاتها. والكرملين يدرك ذلك: فإذا سُحقت أوكرانيا، أثبت أنّ القانون مجرد واجهة، وأن الحقيقة لا تصنعها إلا القوة. وستكون النتائج كونية: ارتداد العالم إلى منطق الإمبراطوريات — المحميات، الدول التابعة، الحدود المتغيرة، والشعوب المكمّمة. عودة إلى أوروبا ما قبل وستفاليا. ومع ذلك، فثمة ما هو أشد خطورة: التآكل الموازي للركن الغربي الذي شكّل، منذ 1945، العمود الفقري للعالم الحر. فالولايات المتحدة — التي كانت يومًا مهندسة وضامنة لنظام دولي، مهما بدا ناقصًا أو ساخرًا، لكنه كان مُنظِّمًا — تنسحب اليوم من خشبة التاريخ. وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أكدت هذا التحول الزلزالي: عالم يُختزل في معاملات، ومردودية فورية، وفراغ أخلاقي مطبق. ترامب، كما عهدناه، كان ليُفاوض هتلر في ميونيخ باسم «البراغماتية المحاسبية»، وليوبّخ وارسو على «نكران الجميل» تجاه الرايخ الثالث، وليشير على تشرشل بـ«صنع السلام» عبر إعادة رسم بعض الحدود. ولربما صفق لكيسلينغ على «براغماتيته». الجبن متنكرًا في ثياب الواقعية — لا شيء أقدم من ذلك؛ لكنه نادرًا ما ظهر بهذه الصفاقة، وبهذا القدر من الصراحة والاستهتار. ما حدث بين ترامب وزيلينسكي في شباط الماضي لم يكن زلة دبلوماسية؛ بل كان قطيعة تاريخية، بل أقرب إلى تخَلٍّ أخلاقي — حتى لو حاولت واشنطن، لاحقًا، جمع شظايا خطئها الاستراتيجي. الرسالة التي وصلت إلى بوتين كانت لا لبس فيها: تقدّم، فالطريق سالك. سوديتنلاند ثانية، بنسخة القرن الحادي والعشرين. هذا الانسحاب الاستراتيجي الأميركي منح روسيا نافذة خطرة: فإذا تقهقرت واشنطن، تسنّى لموسكو تصعيد هجومها، وهي واثقة بأن أوكرانيا ستنهار تحت وطأة اللامبالاة الغربية. وما يلوح ليس هزيمة دولة، بل تآكل الفكرة الغربية نفسها — لصالح تحالفٍ من الإمبراطوريات: موسكو، بكين، طهران، وزبائنها وأذرعها السياسية في أوروبا والولايات المتحدة. لكان جورج شتاينر قد ارتجف رعبًا: فها هو آخر باب من أبواب «قلعة اللحية الزرقاء» يُحطّم أمام أعين عالم يكاد ينزف آخر ما فيه — كما في فلسطين. نهاية الثقافة. وقد تنبّأ بذلك عام 1971 حين كتب: «إنني أعتبر أي نظرية في الثقافة، وأي تحليل للظرف الراهن، سطحيًا إن لم يضع في صلبه آليات الرعب التي قادت، في أوروبا وروسيا، من بدء الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الثانية، إلى موت سبعين مليون إنسان جوعًا أو ذبحًا منهجيًا». إن كلمة «سطحي» باتت واهنة. و«دنيء» أقرب كثيرًا إلى الحقيقة اليوم. لقد كشف الانسحاب الأميركي عمّا سمّاه كيسنجر يومًا «إغراء الانفصال». فالWest يرزح تحت إرهاق وجودي: لم يعد يؤمن بحكايته الخاصة. لم يعد يجرؤ على الدفاع عمّا يزعم أنّه يُمثّله. لم يبتكر ترامب شيئًا: إنما هو تضخّم عرضيّ لحضارةٍ تشكك في ذاتها، في بوصلة قيمها، في بنيانها الأخلاقي الذي شُيّد كي لا يعود هتلر آخر إلى الواجهة — حضارة انزلقت إلى نَفْيٍ مفيستوفيلي. وحين تنسحب الحضارة، يتقدم البرابرة. اسأل رومولوس أوغوستولوس وأودواكر… أوروبا اليوم وحيدة، وليس ذلك محض صدفة. فقد رأى ديغول منذ الستينيات أن «القوة العظمى لا أصدقاء لها، بل مصالح». والارتهان خطأ قاتل. واليوم، غدت التضامنات الأطلسية رهينة نزوات رجل يتأرجح بين الإعجاب ببوتين وازدراء حلفائه. وأوروبا تتردّد، وترتجف، وتحسب — تمامًا كما فعلت في زمن تشامبرلين، رغم بصيرة قلّة من قادتها. فماذا يبقى إذن؟ خيار واحد: أن تستيقظ… أو أن تهلك؛ أن تختار الوجود بوصفها قوة سياسية ذات سيادة، أو أن تعود إلى مرتبة المحمية؛ أن تدرك أنّ الحرية تُدافع كما دافع عنها تشرشل — لا كما اختار بيتان–أوربان، وسالفيني، وأشباههم. إن أوكرانيا تجسّد اليوم ما نسيته أوروبا بعد قرابة قرن من السلام: أن الحرية ضرورة حيوية، لا زينة خطابية. وأن رجالًا ونساءً يموتون لكي تبقى فكرة القانون حيّة. حضارة لا تعترف بهذا… حضارة ميتة سلفًا. لقد فقدت ذاكرتها، ومعها فقدت سبب وجودها — روحها. إن حربنا — وهي حرب كل واحد منا، كواجب أخلاقي — هي الحفاظ على الحدّ الرمزي والسياسي الذي يفصل عالم القانون عن عالم الإمبراطورية. فإذا انهار هذا الحد، انهارت معه الإنسانية السياسية. ولن يبقى شيء يميّز أوروبا عن مجرد مساحة جغرافية. إن أوكرانيا، في جوهر معناها، هي الـ ليمِس الذي يحمي أوروبا من الظلمة. فإذا انكسر القفل، اختفت معه رؤية للعالم بأسرها. يجب أن نقول «لا» لبوتين ولنسخه الممتدة في أوروبا — ما داموا يسعون إلى تحويل العالم إلى أحواش هوياتية خاضعة لقلب الإمبراطورية وسلطانها. فبهذا الرفض الجماعي للطغيان وحده قامت الحضارات — رغم عيوبها — أكثر تقدمًا، وأكثر إنسانية. إنه، ببساطة بالغة، ثمن تطوّرنا جميعًا.

سقوط آخر التابوهات: لبنان ليس آخر الموقّعين على السلام!

بدأت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل للوصول إلى اتفاق سلام. الشرط الأصلي: نزع سلاح حزب الله. النقاط الأخرى المطروحة على الطاولة، أساسية وفرعية، منها: تعاون اقتصادي يحقّق حاجات الجانبين وتطلّعاتهما لناحية عودة التعافي وإعادة الإعمار في جنوب لبنان وتثبيت الاستقرار والأمن لإسرائيل على حدودها الشمالية. وقبل المزيد من التفسير والتفكير، وقبل جلاء رأي هذا وذاك واستعادة شريط الأحداث التي جعلت لبنان يدفع الفاتورة الأغلى في الصراع العربي الإسرائيلي منذ ما ينيف على نصف قرن... سؤال يفرض نفسه ببداهة: ما البديل عن السلام مع إسرائيل والتعافي للبنان وإعادة الإعمار؟ لا جواب على السؤال. فالدولة مغيّبة على امتداد عقود. والميليشيا الإيرانية المزروعة في لبنان هي التي تقرّر: متى تفتح حربًا، ومتى تعقد هدنة، ومتى تبرم صفقة، ومتى تشاغل إسرائيل، ومتى تساند غزّة، ومتى تعبث بالأمن الوطني للدول العربية الشقيقة للبنان، ومتى تراوغ ومتى تهادن... وماذا تبني من أنفاق لمواصلة الحروب، لا الملاجئ والمستشفيات للآمنين وللضحايا... إلى أن دار الزمان دورته وذهب حزب الله برجليه إلى مقتلته. جولة الحرب التي فتحها إنفاذًا للمشروع الإيراني المسمّى وحدة الساحات، لم يعد بيده قرار إنهائها! رفعت إيران الغطاء عنه تدريجيًا لتشتري وقتًا إضافيًا لعمر نظامها وأبقته غبّ الطلب. وإسرائيل لن تقبل ببقاء التهديد الذي يمثّله حزب الله. أبعدَته بالقوة من جنوب الليطاني. وكان ذلك أسهل من نقل مجرى الليطاني إلى الحدود مع إسرائيل، كما كان يروّج نبيه بري أمام زواره الذين حذّروه من تسارع الأحداث وانزلاقها بشكل غير محسوب. وحصل ما حصل ولم يعد يتحرّك حزب الله بحسب قواعد الردع. بل لم يعد يتحرّك البتة. أعلنها هدنة؛ ولكن الهدنة غير كافية لأنها استراحة بين حربين. تملّكت الحيرة المسؤولين اللبنانيين الذين استفاقوا بعد طول تغييب على إلزامات المسؤولية والواقع المفروض! بادروا وتردّدوا. وعملوا فقصّروا. وما لم يكمله المسؤولون اللبنانيون، ستؤدّيه إسرائيل بالنيابة عنهم ولكن بثمن أغلى! عند هذا يكمن التحول الجذري في المشهد. حدثٌ تاريخيّ تمثّل بزيارة استثنائية ببعد سياسي طاغٍ للبابا لاوون الرابع عشر، عنوانها: "طوبى لفاعلي السلام!" لم تكد تمضي ساعات على انتهاء الزيارة ودعوة البابا اللبنانيين إلى السلام، حتى تحوّلت لجنة مراقبة الخروقات إلى لجنة مفاوضات مباشرة بين لبنلن وإسرائيل. مفاوضات السلام التي انطلقت بين لبنان وإسرائيل تحققّ المصلحة الوطنية للبنان ولأمنه و... لرسالته التي يكتسب معنى وجوده منها: الوطن – الرسالة لا الوطن – البرميل المتفجّر. بالنتيجة، تظهر من الرميم سردية بديلة عن سردية حزب الله القائمة على الحرب بلا هدف والمقاومة للمقاومة لتحقيق مصلحة النفوذ الإيراني في المنطقة. المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تعني قابلية الوصول إلى توقيع اتفاق سلام. ولطالما كانت المفاوضات المباشرة بمثابة التابوهات الأكثر حرجًا في لبنان، دون أدنى تفكير أو مساءلة او أخذ وردّ. فإذا لم يكن لبنان يفاوض إسرائيل عن نفسه وبنفسه؛ فمن كان يفاوض عنه؟ حزب الله نيابةً عن إيران واقتداءً بمصلحة مشروع ولاية الفقيه المتمدّدة. إذًا، تجسّد المفاوضات المباشرة استعادة دور سيادي للبنان وهي بداية تحجيم النفوذ الإيراني عنه. المفاوضات بدأت على جانب رسمي جدّي وفعّال. فريق إسرائيلى من مجلس الأمن القومي كلّفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالانضمام إلى لجنة الميكانيزم ولقاء المسؤولين الحكوميين اللبنانيين، فيما أعلنت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس جوزيف عون كلف السفير السابق سيمون كرم بتمثيل لبنان. المفاوضات المباشرة غير معنية فقط بالخروقات، بل ستبحث في أسس العلاقات الاقتصادية والتعاون بين لبنان وإسرائيل. سفارة الولايات المتحدة في بيروت ظلّلت ببيان رسمي ما يحدث. "التقدم المستدام لا يمكن أن يتحقّق إلا عندما يشعر الجانبان اللبناني والإسرائيلي أن مخاوفهما محترمة وآمالهما معترف بها"، كما ورد في البيان. ورحّب السفير ميشال عيسى بقرار الحكومة اللبنانية باعتماد الحوار بعد عقود من عدم اليقين، واعتبر المفاوضات المباشرة خطوة بناءة نحو رسم مسارات قد تسمح يومًا ما لكلا البلدين بالتعايش بسلام واحترام وكرامة، مجدّدًا التزام بلاده بدعم جميع الجهود التي تعزّز السلام والاستقرار والأمن. بدء المفاوضات المباشرة لا يشكل في ذاته الحلّ. بل بداية انفراجة مهمة، ستكتمل عاجلاً أم آجلاً بالتوازي مع استمرار الاستهدافات التي تقدم عليها إسرائيل لتصفية الجناح العسكري لحزب الله وأنشطته الاقتصادية وربما الاجتماعية أيضًا. بالمقابل، المواجهة الأكبر قد تدفع إليها إيران إذا أيقنت أن أدوار حزب الله انتهت أو أيام نظامها أصبحت معدودة، أو هي ستقدم على رفع الغطاء بشكل كامل عن حزب الله مقابل ما أمكن من مكاسب مستقطعة. جميعها سيناريوهات ممكنة في كواليس المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

المشرق في خضم الاضطرابات: آفاق لبنانية وسورية (٢/٣)

شهدت منطقة المشرق خلال العامين المنصرمين تحولات عميقة ودراماتيكية أعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة. يبدو أن الأحداث المتعاقبة منذ الهجوم الدموي الذي شنّه حماس على إسرائيل من قطاع غزة في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ قد مهدت الطريق لظهور شرق أوسط جديد، كما لا يفتأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤكد. مع نهاية عام ٢٠٢٥، ما هو المشهد العام لهذه المنطقة، وما هي الآفاق المتاحة، وكيف يمكن تقييم الوضع السياسي والأمني فيها؟ من خلال أخذ مسافة كافية واعتماد رؤية أشمل، يصبح من الأسهل متابعة التطورات الجارية عن كثب ورصد التغييرات الجذرية التي شهدتها لبنان وسوريا وإسرائيل وقطاع غزة (والأراضي الفلسطينية)، فضلاً عن إيران. وقد كان لبنان، الذي تَزَعْزَعَ من جرّاءِ الانفجار المأساوي في مرفأ بيروت في ٤ أغسطس ٢٠٢٠ وبسبب الانهيار الاقتصادي والمالي في ٢٠١٩، يواجه في نهاية هذا العام تداعيات متعددة للحرب العبثية – وغير المبررة – لدعم حماس، التي شنّها حزب الله في ٨ أكتوبر ٢٠٢٣. وقد أسفر هذا الصراع المسلّح، الذي بدا أنه مدفوع من قبل نظام الملالي الإيراني، عن اغتيال قائد حزب الله حسن نصرالله، والقضاء على القيادة العسكرية للحزب الشيعي، وتدمير العديد من القرى في جنوب لبنان، واحتلال إسرائيل لخمس مواقع استراتيجية على الأراضي اللبنانية. التزامات الرئيس في ظل هذا السياق، أصبح من الضروري الضغط على إسرائيل لوضع حد لميولها في التصرف بحرية في الأراضي والمجال الجوي اللبناني، سواء أصابت أم أخطأت. غير أن لهذا التوجّه جانبًا مقابلاً: على الدولة اللبنانية، مدعومة من شعبها، أن تقرر تنفيذ القرارات الأممية وكل الالتزامات التي أعلنها الرئيس جوزيف عون في خطاب القسم يوم انتخابه لرئاسة الجمهورية في ٩ يناير ٢٠٢٥. ويجب على الشعب اللبناني أن يدعم جهود الدولة في هذا الإطار، كلّ ذلك وهو واعٍ تمامًا بأن تفكيك الجهاز العسكري لحزب الله ونزع سلاحه الشامل قد لا يمرّ من دون صدامات، لكنه سيعود بالنفع في كل الأحوال على جميع طوائف لبنان، وعلى الشيعة اللبنانيين أولًا. ويجب أن يُعبّر عن هذا العزم الراسخ دون مواربة. وفي هذا السياق، يجب على سوريا وإيران وإسرائيل أن تعترف بأن هذه المبادرة اللبنانية هي خطوة متعمدة ستُستكمل حتى نهايتها، وأنها في نهاية المطاف تصب في مصلحة المنطقة برمتها. وفي مواجهة السلوكيات الأنانية والضيّقة لأهم الفاعلين في المشرق، لا بد من التأكيد على أن لبنان يمكن، ويجب، أن يلعب دور المحفز لإطلاق دينامية إنقاذية شاملة. أما في الداخل اللبناني، فالعلاقات التي تربط مختلف الطوائف اللبنانية بحاجة إلى إعادة بناء النسيج الاجتماعي، ولا يمكن أن يقوم بذلك إلا الرئيس جوزيف عون. ولتحقيق ذلك، عليه أن يوضح بجلاء، من خلال أفعاله، أن انتخابه للرئاسة كان ليكون قائدًا بكل ما للكلمة من معنى. فبدون عزيمة راسخة وإرادة واضحة وحازمة، وبدون الشجاعة التي أظهرها طوال مسيرته، لن يستطيع لبنان استعادة دولته المزدهرة والمستقرة، الدولة التي كانت تعيش في سلام، كما في السابق. الزلزال السوري يبقى أن التحوّل الذي ترك الأثر الأشد على لبنان خلال الأشهر الماضية هو بلا شك سقوط نظام بشار الأسد. فقد فرضت هذه الدكتاتورية السورية على بلاد الأرز طوال نصف قرن احتلالًا وهيمنةً غيّرت بعمق المشهد السياسي للبلاد. وقد ظهر النظام الجديد في سوريا في ظل الفراغ المفاجئ، وإن كان متوقعًا، الذي أحدثه انهيار نظام الأسد. وقد تسارع السقوط المفاجئ للسلطة البعثية نتيجة غياب الرد الفعلي والمفاجئ من قاعدتها الشعبية، إلى جانب التفكك والاضطراب داخل صفوف الجيش. ومع ذلك، فإن النظام الجديد، على الأقل في المرحلة الراهنة، لا يملك أسسًا صلبة على الصعيد الداخلي. فالتجاوزات التي ارتُكبت بحق الأقليات، دون تدخل حازم من السلطات الجديدة، تزيد من هشاشة السلطة. حظي الرئيس أحمد الشرع، بجميع مىاسيم الاستقبال والاحترام الواجبين لمقامه من قبل الرئيسين دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون. هو اليوم، مدعو لإثبات أن هذا التكريم كان مستحقًا بالفعل. فمستقبله ومستقبل سوريا – على الأقل الجزء الذي يسيطر عليه – مرتبطان بالمسافة التي سيحرص على الحفاظ عليها بين بلاده، من جهة، وحماس وإيران من جهة أخرى. بقائه يعتمد على ذلك. المقال التالي: المشرق في خضم الاضطرابات: إيران في قلب العاصفة.

لبنان، أرض اللقاء، أرض الوحدة المسيحية

لعلّ عبارة "شكرًا على قدومكم" من أكثر العبارات التي سمعها ليو الرابع عشر خلال إقامته في لبنان. وقد فاجأ الترحيب الشعبي بالبابا الكثيرين. أشاد ليو الرابع عشر بـ"بساطة" إيماننا. لا بد أنه أعاد في لبنان اكتشاف شيء من إيمان فلاحي بيرو، إيمان شعب لم يتأثر بالرقي الفكري الغربي. "رائع! شكرًا لبيرو، وخاصةً لتشيكلايو، على صقل شخصية هذا الرجل الصالح، المفعم بالحماسة والرحمة"، كتب مهندس متقاعد على فيسبوك، قضى ثلاثة أيام ملتصقًا بالتلفزيون. لا شك أن الأم ماري مخلوف، رئيسة راهبات الصليب، والسيدتين اللتين غمرتاه بدفء عناقه، في بكركي وفي الميناء، ستوافقان على ذلك. من الآن فصاعدًا، يعرف ليو الرابع عشر لبنان عن كثب، وقد رأى الناس فرحة اللقاء على وجوههم. على متن الطائرة التي أقلته إلى روما يوم الثلاثاء الماضي، شارك البابا بعض التأملات الشخصية التي كانت بمثابة تعليق على زيارته. وتحدث عن كتابه المفضل، "ممارسة حضور الله"، للأخ لورانس القيامة، الراهب الفرنسي المتواضع من القرن السابع عشر. قال البابا فرنسيس ذات مرة، متحدثًا عن الشعوب التي تُسمي نفسها مسيحية: "إذا لم يكن هناك لقاء شخصي مع يسوع المسيح، فستكون هناك عرقية مُتنكرة في زي المسيحية". اللقاء الشخصي مع يسوع المسيح ليس شائعًا كما قد يظن المرء. رحلة محتملة إلى الجزائر تحدث ليون الرابع عشر أيضًا عن الجهود التي يبذلها لتخفيف التوترات مع إسرائيل والولايات المتحدة، سواءً شخصيًا أو من خلال دبلوماسية الفاتيكان، حيث تُواجه المنطقة خطر اندلاع صراع محتمل بين إسرائيل وحزب الله. كما أكد أنه قرأ الرسالة المفتوحة التي وجهها إليه الحزب الموالي لإيران، والتي رد عليها بشكل أساسي بحثّهم على نبذ السلاح واختيار الحوار. من المرجح أن يكون هذا الرد قد نقله الشيخ علي الخطيب، رئيس المجلس الشيعي الأعلى، الذي التقى به في لقاء الأديان يوم الاثنين، والذي عقد معه، وفقًا للسفير البابوي باولو بورغيا، لقاءً خاصًا لاحقًا. وأكد البابا ليون الرابع عشر خلال القداس على واجهة بيروت البحرية: "السلام غاية ووسيلة". وعلاوة على ذلك، أعرب البابا عن رغبته في زيارة الجزائر، موطن القديس أوغسطينوس وأرض اللقاء المسيحي الإسلامي، بعد لبنان. لذا، يبدو أنه يعتز بهذه الرغبة، كما فعل جميع أسلافه. منذ المجمع الفاتيكاني الثاني وإعلان "نوسترا إيتاتي"، بذلت الكنيسة الجامعة جهودًا دؤوبة لتعزيز الحوار بين العالمين المسيحي والإسلامي. وقد أثمر هذا الجهد أخيرًا في الإعلان المشترك حول الأخوة في أبوظبي (2019) وفي الرسالة العامة "فراتيلي توتي" (Fratelli Tutti)، التي أكدت على جوهره وتوسعت فيه. المنظور المسكوني وأخيرًا، تحدث البابا عن المنظور المسكوني الذي تتشاركه رحلته إلى نيقية القديمة، مهد قانون الإيمان، وإلى لبنان. وهنا أيضًا، يسير ليون الرابع عشر على خطى أسلافه، وخاصةً بنديكتوس السادس عشر، الذي، في عام ٢٠١٢، بتقديمه الإرشاد الرسولي الصادر عن سينودس الشرق الأوسط إلى الكنائس الشرقية من لبنان، مُوكَلاً إلى أرض الأرز، معقل جميع المسيحيين في الشرق الأوسط، مهمة "جمع أبناء الله المشتتين في وحدة واحدة". "إنها كنيسة المسيح الوحيدة التي تُعبّر عن نفسها في تنوّع التقاليد الليتورجية والروحية والثقافية والانضباطية للكنائس الكاثوليكية الشرقية الست الموقرة ذات القانون الخاص، وكذلك في التقليد اللاتيني"، هذا ما قاله في القداس الافتتاحي للمجمع في روما عام ٢٠١٠. "هذا المنظور الداخلي هو الذي أرشدني في رحلاتي الرسولية إلى تركيا والأراضي المقدسة - الأردن وإسرائيل وفلسطين - وقبرص، حيث تمكنت من تجربة أفراح المجتمعات المسيحية وهمومها بشكل مباشر". ومنذ ذلك الحين، كانت هناك رحلات فرنسيس إلى القاهرة والعراق والبحرين. ولكن في لبنان الذي دُمّرت سيادته على يد حزب الله الخاضع تمامًا لإيران، وسُلّم إلى أيدي أوليغارشية عديمة الضمير وتنافسات داخلية لا معنى لها بين القادة المسيحيين، وُضعت الكنيسة المارونية في ذلك الوقت أمام مهمة أثقلت كاهلها ولم تتمكن من تحقيق الرسالة الموكلة إليها. علاوة على ذلك، فإن الكنائس التي ميّزها البابا بنديكتوس السادس عشر، بسبب عجزها عن أداء وظائفها، لا تزال بحاجة إلى أن تتعلم اليوم احترام بعضها البعض، وتمييز مواهبها، والإنصات لبعضها البعض، والعمل معًا. وكما قال الكاردينال بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، ببراعة، في ضوء ما يحدث في غزة، والذي أُشير إلى وجوده في لبنان خلال الزيارة البابوية: "لم نعد مدعوين لبناء الهياكل، بل لبناء العلاقات". لبنان، أرض العلاقات الطيبة والتعايش المسيحي الإسلامي، يجب أن يصبح أيضًا أرضًا رائدة للوحدة المسيحية.