شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
سياسة الإنكار والانتحار الجماعي
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

في كتاب التاريخ للبكالوريا الفرنسية، يوجد فصل في الصفحة ١٣٨ بعنوان "نشأة دولة إسرائيل". لكن الغريب أنه ينتقل من الصفحة ١٣٧ إلى الصفحة ١٤٠، حيث تلتصق صفحتا الفصل المذكور. بهذه الطريقة، سيُجنّب أطفالنا تعلم قصة نشأة دولة يرفض بلدنا الاعتراف بها، وبالتالي لا وجود لها رسميًا... تخيّلوا نتائج امتحان البكالوريا لو طُرح هذا الموضوع يومًا ما. في هذه الأثناء، يُدمّر جيش هذه الدولة الوهمية كل ما يعترض طريقه أو خلال تحليقه الجوي. قد يستنتج المرء أننا نتعرض لهجوم من الأشباح أو الأرواح. لسنا بحاجة إلى قوات نظامية أو ما يُسمى "مقاومة" شبه عسكرية، بل إلى طارد أرواح شريرة. على صعيد آخر، أعلن مصرف لبنان المركزي عن زيادة في حدود الإنفاق بموجب التعميمين 158 و166، بمقدار مئتي دولار ومئة دولار على التوالي. ستكون هذه المبالغ افتراضية وليست ملموسة (أي تُدفع ببطاقة الخصم فقط). أجرت قناة تلفزيونية مقابلات مع عدد من الأشخاص الذين أبدوا سرورهم، بل وابتهاجهم، بهذا القرار، بهذه الهدية عشية الأعياد، متناسين على ما يبدو أنهم سُلبوا أموالهم في البداية، راضين بفتات أموالهم الذي تعيده إليهم البنوك. بهذه الهدية الرائعة، تُقدم البنوك لهم صدقة من مالها الخاص. هنا مرة أخرى، ترفض الدولة والبنوك الاعتراف بمسؤوليتها. في الظروف العادية، كان هذا الوضع ليكون كارثيًا على المؤسسات العامة والمالية، ولكن عندما يتذكر الجمهور بعناد سمكة ذهبية ويرفض الاعتراف بأنها سُلبت حرفيًا، وداعًا للمسؤولية ومرحبًا بالإفلات من العقاب. وفيما يتعلق بالإفلات من العقاب والنسيان، فإن أفضل مثال على ذلك هو الرابع من أغسطس/آب. ترفض السلطات مجددًا الاعتراف بأي تورط، أو حتى بخطأ إداري بسيط، ونحن أنفسنا نميل إلى نسيان ما كان من أسوأ الكوارث التي حلت بالبلاد: يجب أن يستمر العرض... سياسة الإنكار انتحار جماعي. إذا كُتب تاريخٌ لبلدنا يومًا ما، فمن المرجح أن تتوقف الأجيال القادمة عند الاستقلال... وبالنسبة للبقية، ستكون صفحة بيضاء. بقبولنا وضعنا بخنوع، باسم ذلك الغباء المذهل الذي يُسمى المرونة، أصبحنا خبراء في محو أنفسنا حتى قبل أن تُكتب...

سوريا، بين التحديات والفرص: بداية جديدة (1/4)

في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، سقط نظام بشار الأسد في سوريا. بعد أكثر من خمسين عامًا من الدكتاتورية الدموية، وثلاثة عشر عامًا من الحرب الأهلية التي خلّفت أكثر من 600 ألف قتيل وشردت أكثر من ربع السكان، تهب رياح جديدة على سوريا، حاملةً معها موجة من التفاؤل. كما هو الحال في كل بلد تُدمّره الحرب الأهلية، في سوريا، كل شيء بحاجة إلى إعادة بناء. بفضل موقعها الجغرافي، وثروتها الطبيعية، ودعم دول الخليج، تُقدّم سوريا الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، فرصًا عديدة. لكن في الوقت نفسه، تواجه البلاد تحديات عديدة، لا سيما فيما يتعلق بالأمن والاستقرار الاجتماعي والسياسي. ثروة التربة تكمن إحدى أهمّ ثروات سوريا في ثروتها الترابية. تمتلك البلاد احتياطيات كبيرة من الهيدروكربون. تُقدّر احتياطيات سوريا من النفط بحوالي 2.5 مليار برميل، أي ما يعادل استهلاك دولة مثل المملكة المتحدة لخمس سنوات. علاوة على ذلك، يُعتقد أن سوريا تمتلك حوالي 700 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في مياهها الإقليمية. هذا يضعها في المرتبة الثالثة بين الدول المنتجة للغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بعد مصر (2,130 مليار متر مكعب) وإسرائيل (1,090 مليار متر مكعب). مع ذلك، لم تُحسم هذه الأرقام بعد، إذ يتطلب تأكيدها مزيدًا من الاستكشاف والتحليل. تمتلك سوريا أيضًا رواسب معدنية مهمة، مثل الحديد والحجر الجيري والرخام، ولكن ربما الأهم من ذلك، احتياطيات كبيرة من الفوسفات. قبل اندلاع الحرب الأهلية، كانت سوريا تحتل المرتبة الخامسة عالميًا بين مُصدّري هذا المعدن. موقع جغرافي استراتيجي من مزايا البلاد الأخرى موقعها الجغرافي. في الواقع، يمتلك مينائي طرطوس واللاذقية على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ​​القدرة على ترسيخ مكانتهما كمركزين إقليميين للتجارة العالمية. علاوة على ذلك، يمكن لسوريا، بموقعها على مفترق طرق بين آسيا وأفريقيا والعالم العربي وأوروبا، من خلال إعادة تأهيلها واندماجها في التجارة الدولية، أن تُكمّل طرق التجارة الرئيسية. وبذلك، ستُصبح سوريا مركزًا للدائرة التجارية التي تربط دول الخليج والأردن وسوريا وتركيا وأوروبا. سيمهد هذا الطريق الطريق لتزويد أوروبا بالهيدروكربونات، مُقدّمًا بذلك بديلًا للغاز الروسي. كما سيسمح بنقل البضائع برًا، إذ يُعدّ النقل البري خيارًا أكثر اقتصادًا من الشحن الجوي وأسرع من الشحن البحري. سيسمح هذا الطريق الجديد لسوريا أيضًا بتجاوز مضيق هرمز، المضيق الذي يشهد توترات جيوسياسية بين إيران وجيرانها، وكذلك خليج عدن جنوب اليمن، حيث تتعرض السفن العابرة بانتظام لهجمات الحوثيين والقراصنة الصوماليين. وبذلك، ستصبح سوريا الحلقة المفقودة في طريق تجاري جديد يربط الهند والمملكة العربية السعودية وأوروبا. في هذا السياق، من شأن التطبيع المحتمل للعلاقات مع إسرائيل أن يُنشئ طريقًا تجاريًا جديدًا بين تركيا وسوريا وإسرائيل ومصر وأفريقيا، مما يُتيح فرصًا اقتصادية وتجارية جديدة للدول المعنية. زراعة متنوعة وقادرة على الصمود على الرغم من أن ما يقرب من ثلثي أراضي سوريا قاحلة، إلا أن البلاد تمتلك العديد من المناطق الخصبة الصالحة للزراعة. من بينها منطقتا حلب وبردى (بالقرب من دمشق)، بالإضافة إلى الساحل السوري، وخاصة طرطوس واللاذقية، اللتان تتمتعان بمناخ البحر الأبيض المتوسط، وهو مثالي لزراعة الزيتون والحمضيات ومختلف الخضراوات. في شمال شرق البلاد، تُوفر الجزيرة السورية ووادي الفرات، وكلاهما يُروى بالنهر الذي يحمل الاسم نفسه، إنتاجًا كبيرًا من الحبوب (القمح والشعير). كما تُنتج البلاد محاصيل صناعية، مثل القطن والتبغ. قبل الحرب، كانت الزراعة تُمثل حصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا (حوالي 15%)، وبلغت قيمة الصادرات الزراعية أكثر من 400 مليون دولار سنويًا. إن إعادة تأهيل الأراضي الزراعية وتحديث البنية التحتية من شأنهما زيادة الغلات الزراعية والدخل بشكل ملحوظ. على ذلك علاوة، والأهم من ذلك، أن إعادة اندماج سوريا في العالم العربي ستفتح أسواقًا تصديرية جديدة. صناعة متعددة الأغراض إلى جانب ثراء تربتها، لا تكتفي سوريا باستخراج الموارد الطبيعية فحسب، بل تقوم أيضًا بمعالجتها. تُمثل الصناعة جزءًا كبيرًا من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. تُوظف مصافي الهيدروكربون ومصانع تجهيز الأغذية شريحة كبيرة من السكان. جزء كبير من الإنتاج مُخصص للتصدير. علاوة على ذلك، تُعدّ الصناعة السورية لاعباً رئيسياً في إنتاج مواد البناء، مثل الإسمنت، بالإضافة إلى المنسوجات والقطع الميكانيكية. في قطاع مختلف تماماً، كانت سوريا، قبل الحرب، مركزاً رئيسياً لإنتاج الأدوية، حيث كانت تُوفّر 85% من احتياجات السكان المحليين من الأدوية. من خلال تحديث بنيتها التحتية وإقامة شراكات مع كبرى شركات الأدوية، يُمكن لسوريا أن تُصبح لاعباً إقليمياً، بل وحتى عالمياً، في إنتاج الأدوية. في الختام، بفضل تربتها الغنية وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، تتمتع سوريا بمزايا عديدة. مع تحسّن الوضع الأمني، وعودة الكفاءات والعمالة الماهرة، ورفع العقوبات، واستثمارات العديد من الدول، وخاصة دول الخليج، يُمكن لسوريا أن تُصبح بسرعة لاعباً اقتصادياً إقليمياً رائداً.

رفع العقوبات عن سوريا و بوادر إعادة إعمار البلاد

في السادس من تشرين الثاني الماضي، صوّت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بدفعٍ من الولايات المتحدة الأميركية، على رفع العقوبات الأممية المفروضة على الرئيس السوري أحمد الشرع. وقد سبقت هذه الخطوة، في مطلع الصيف، عملية مماثلة تمثلت برفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على سوريا في عهد بشار الأسد خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011. هذه الخطوة الشاملة لرفع العقوبات ستتيح إعادة دمج البلاد في الحضن العربي وفي التجارة الدولية، ممهدةً لطريق لعودة الاستثمارات وبدء عملية إعادة الإعمار. قانون قيصر من أبرز التدابير على صعيد العقوبات ضد سوريا في عهد الأسد كان إقرار "قانون قيصر" من قبل الولايات المتحدة عام 2019. يستمد القانون اسمه من مصوّر عسكري سوري هرّب أكثر من خمسين ألف صورة توثّق انتهاكات النظام البعثي خلال سنوات الحرب الأهلية. استهدفت العقوبات المنبثقة عن هذا القانون قطاعات اقتصادية حيوية وشاسعة مقارنة بسائر العقوبات الأممية أو الأوروبية، إذ كانت تعاقب أي شخص أو شركة تقدم دعماً مباشراً أو غير مباشر لنظام الأسد، خصوصاً في قطاعات الأسلحة والطاقة والخدمات المالية. خنق قانون قيصر نظام بشار الأسد مالياً بالإضافة إلى المقربين منه الذين يسيطرون على جزء كبير من الاقتصاد. إلا أن القانون، وإن عجّل في تهاوي النظام، ساهم في عزل سوريا تماماً عن العالم، وأدى إلى مزيد من انهيار الليرة السورية وتدهور الاقتصاد وازدهار التهريب وشبكات الاتجار بالمخدرات. وفي 30 حزيران 2025، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بإلغاء قانون قيصر، إلا أن القرار ما زال بانتظار مصادقة مجلس النواب. سيبقى القانون سارياً على بشار الأسد والمقربين منه افراد نظام البعث، ولن يُرفع إلا بالنسبة لنظام أحمد الشرع. إعادة التأهيل الاقتصادي أولى خطوات إعادة تأهيل البلاد ستكون العودة إلى نظام "سويفت (Society for Worldwide Interbank SWIFT " Financial Telecommunication)، المنصة التي تستخدمها غالبية المصارف حول العالم لإجراء التحويلات المالية العابرة للحدود. على الرغم من وجود بدائل أخرى، فإن معظم العمليات المالية الدولية ما زالت تتم عبر "سويفت". في حزيران الماضي، أجرت سوريا أول عملية تحويل على المنصة منذ أكثر من أربعة عشر عاماً. فبعد استبعادها من "سويفت" عام 2011 مع اندلاع الحرب الأهلية، أصبحت التحويلات المصرفية عبر الحدود مستحيلة، ما جعل التعامل النقدي المباشر الوسيلة الوحيدة، وعرقل إمكانية تتبع مصدر الأموال ووجهتها. إعادة دمج سوريا في "سويفت" ستمكّن من تحقيق قدر أكبر من الشفافية في التحويلات المالية، نظراً لاعتماد المنصة على شبكة من المصارف المراسلة الخاضعة لأنظمة إمتثال (Compliance)تمنع، على سبيل المثال، التحويلات من وإلى المقربين من بشار الأسد. عودة النشاط الاقتصادي بدأت آثار رفع العقوبات التدريجي تظهر بوضوح. فمنذ الصيف الماضي، عُقدت مؤتمرات ومنتديات عدة في عواصم عربية مختلفة لجذب المستثمرين المهتمين بالسوق السورية. وبحسب الرئيس السوري أحمد الشرع، تمكنت البلاد من جذب نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات، تأتي بمعظمها من السعودية والإمارات وقطر. في هذا السياق، إن سرعة الإفراج عن الأموال اللازمة، والمشاركة المبكرة من دول الخليج، وتوقيع الاتفاقيات الخاصة بتنفيذ المشاريع الكبرى، كلها عوامل من شأنها أن تجتذب مزيداً من المستثمرين وتنعش عملية إعادة الإعمار وتعيد دمج سوريا في التجارة الدولية. إن الرفع التدريجي للعقوبات يمثل حجر الزاوية في مساعي إعادة الإعمار. لا يزال الطريق طويلاً والعمل كثيراً، والتحديات كبيرة، لكن الفرص واعدة بالقدر نفسه. لذلك، من الضروري في هذا السياق تحليل وعرض التحديات والفرص التي تواجه السلطة السورية الجديدة اليوم. والحديث يطول... المقال القادم: سوريا بين التحديات والفرص: أمل جديد (1/3)

!...البابا ليون الرابع عشر: إنّ بلاد الأرز قد تبنّتكم

صاحب القداسة، لقد تفضّلتم باختيار هذا البلد في المشرق ليكون أوّل محطّة لكم بعد انتخابكم على رأس الكنيسة الكاثوليكية، فلكم منّا كل الشكر والتقدير. إنّ مروركم بيننا أشبه بظلّ غيمةٍ بيضاء تعبر سماءً داكنة، ملبّدة منذ زمن طويل، لتسمح لأشعة النور بأن تتسلّل إلى هذا الفضاء الجغرافي الذي وصفته كتب التاريخ بأنّه أرض اللبن والعسل، أرض الضيافة والألفة، أرض الأرز الأبدي، المهيب، القويّ والراسخ. أرض اللقاء والتفاعل بين الثقافات والمجتمعات المتنوّعة؛ وأرض الحياة والحبّ والسلام الذي يتعرّض باستمرار للاعتداء والانتهاك. ولكن، وللحظة قصيرة، جاءت زيارتكم لـ “تفتح قوسًا” وتنير فجأة حياة شعبٍ بأكمله، منهكٍ ومهدود من ثقل المآسي التي تلاحقه منذ عقود، والناجمة أساسًا عن حروب الآخرين على أرضه. بموقفكم الهادئ والحازم، بلطفكم وتحفّظكم، بنظرتكم الوادعة المفعمة بالحكمة، بكلماتكم البسيطة ونبراتكم القوية العميقة، تمكّنتم سريعًا من الدخول إلى قلوب الجميع: الكبار والصغار، الشباب والشيوخ، المرضى والأصحّاء، الشرفاء والفاسدين، الوطنيين وهادمي الجمهورية—باختصار، إلى قلب هذا الشعب اللبناني الذي ما زال يعيش حتى اليوم في غرف الطوارئ بين الحياة والموت، وسط حالة من الفوضى المرهقة، والقلق الدائم، وانعدام الأمان، وعدم الاستقرار الخانق. تحدّثتم عن السلام والوئام، وطمأنتم القلوب، وذكّرتم الجميع بضرورة الوعي بهذه التضامن الإنساني الذي يُغني ويُقوّي الإيمان والعلاقات بين مواطني البلد الواحد—مجتمع النور، والتكافل، ودعم الأكثر عوزًا جسديًا وماديًا. وقد شهدتم عاليًا وواضحًا، من دون أن تجرحوا أو تهاجموا يومًا شعبًا مُنهكًا ومُتألّمًا. صاحب القداسة، أنتم الذين نفختم جرعة من الأوكسجين في صدور مواطنين تائهين، اسمحوا لهم بأن يستندوا إلى نصائحكم وصلواتكم، وأن يطلبوا منكم الاستمرار، حتى بعد مغادرتكم وطننا الصغير، في التشفّع لدى السيدة العذراء، كي يستتبّ السلام بيننا، وتُفتح طرق التعافي أمام هذا البلد، ولعلّه قريبًا يتمكّن من بلوغ “حياده الدائم”، الضامن الوحيد لاستقراره، وسيادته، واستقلاله، وازدهاره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

بيت إبراهيم في أبوظبي: صرح للسلام والتسامح

في عام 2019، شكلت زيارة قداسة البابا فرنسيس الرسمية إلى أبوظبي حدثًا تاريخيًا، إذ كانت المرة الأولى التي يزور فيها حبر أعظم هذه المنطقة من العالم. البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر للأزهر الدكتور أحمد الطيب صنعا التاريخ خلال هذه الزيارة، حيث وقّعا معاً "وثيقة الأخوة الإنسانية"، وهي نص تاريخي يدعو إلى التسامح والسلام العالمي والمصالحة بين جميع الأديان. لإحياء ذكرى هذه الزيارة التاريخية، وتماشيًا مع روح ميثاق الأخوة الإنسانية، اتخذت حكومة الإمارات العربية المتحدة قرارًا ببناء "بيت إبراهيم" على جزيرة السعديات، وهو صرح معماري تبلغ مساحته نحو 6000 متر مربع مكرّس للديانات الإبراهيمية الثلاث. وقد افتُتح بيت إبراهيم في عام 2023، ويضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا يهوديًا، بالإضافة إلى مساحات مخصصة للحوار والتبادل الفكري عبر منتدى متخصص. أصبح هذا المشروع ممكنًا لأن القيم التي تروّج لها وثيقة الأخوة الإنسانية هي نفسها القيم التي تتبناها دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتعايش أكثر من 200 جنسية في وئام وسلام. وانطلاقًا من إيمانها الراسخ بأن هذا التعايش السلمي ممكناً من خلال الحوار والمعرفة المتبادلة والممارسة السلمية للعبادة، أرادت حكومة الامارات العربية المتحدة أن توفر للمؤمنين (ولغير المؤمنين) من جميع أنحاء العالم فرصة المشاركة في حوار بين الأديان، سواء من خلال منتديات للنقاش او دورات تدريبية متخصصة، أو حتى زيارة أماكن العبادة الثلاثة والتعرف الى مختلف الشعائر الدينية او ممارسة هذه الشعائر بكل طمأنينة وحرية. ويُذكر أن البرنامج التعليمي الشامل الذي يقدمه بيت إبراهيم قد تم تطويره بالشراكة مع أرقى المؤسسات التعليمية والجامعات في العالم. إن قيم التسامح هذه التي يجسدها بيت إبراهيم ليست وليدة اللحظة، بل هي متجذرة في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة العريق. فمنذ القرون الأولى للإسلام، وتحديدًا في القرنين السابع والثامن الميلاديين، نجد آثارًا لأديرة وكنائس في جزر صير بني ياس في أبوظبي وجزيرة سينية في أم القيوين، مما يثبت وجود مجتمع مسيحي نشط في المنطقة. كما نجد آثارًا تدل على وجود جالية يهودية، منها اكتشاف قبراً منقوشاً عليه بالعبرية: "هنا يرقد داود بن موسى". أما من الناحية المعمارية، فإن بيت إبراهيم من تصميم المهندس المعماري البريطاني الغانيSir David Adjaye Omobeالحائز على الميدالية الذهبية من المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين. وله في رصيده العديد من المشاريع العالمية البارزة، منها مركز جائزة نوبل في أوسلو، و Smithsonian National Museum of African American History and Culture في العاصمة واشنطن، ومؤسسة عايشتيFondation Aïshtiفي بيروت. يشتهر السير ديفيد بأسلوبه الانتقائي المميز واستخدامه لمواد مبتكرة، ومهارته في استعمال الشفافية والإضاءة في مشاريعه، فضلاً عن إبداعه في تصميم صروح رمزية يروي كل منها قصة فريدة تجمع بين البُعد الفردي والجماعي للصرح. ولكي ينجح في تجسيد رسالة بيت إبراهيم والقيم السامية التي يحملها، بدأ أولاً بتحديد المواد المشتركة المستخدمة تقليديًا في أماكن العبادة للديانات الثلاثة، وهي الحجر الجيري والخشب والبرونز. وقد استخدم هذه المواد في بناء دور العبادة الثلاث، مع التأكيد على الخصوصية الدينية والروحية لكل منها. كما أصرّ على أن تكون المباني الثلاثة متساوية في الجمال والفخامة والحجم، وذلك لإزالة أي ايحاء لوجود تراتبية بين الديانات الثلاث. مسجد أحمد الطيب اطلق هذا الاسم على المسجد تكريمًا لفضيلة الإمام الأكبر لجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي وقّع مع البابا فرنسيس على وثيقة الأخوة الإنسانية في عام 2019. اتجاه المسجد نحو القبلة في مكة المكرمة، ويحتوي على عناصر معمارية نموذجية من الفن الإسلامي، كالأقواس السبعة الخارجية التي ترمز لأهمية الرقم سبعة في الإسلام وهو الرقم الذي يشير إلى الكمال الروحي والسمو الإلهي، فضلاً عن القباب التسع التي تلتقي في الداخل لتشكّل سقف المسجد. كما تزيّن المسجد مشربيّات منحوتة يدويًا بدقة متناهية وفق التقاليد الحرفية العربية الأصيلة، تسمح لضوء النهار بالنفاذ إلى داخل المسجد وفي الوقت عينه تحافظ على خصوصية المصلين. هذا بالإضافة إلى الألواح الزخرفية المصنوعة من الفيبر والتي استخدمها للفصل بين الرجال والنساء. كنيسة القديس فرنسيس كما يوحي اسمها، الكنيسة مكرّسة للقديس فرنسيس الأسيزي، قديس القرن الثالث عشر المعروف بمحبته للفقراء والذي يُعتبر الشفيع الروحي للبابا فرنسيس. اتجاه الكنيسة نحو الشرق، صوب شروق الشمس، اذ يرمز النور إلى الله في المسيحية. وتزيّنها "غابة" من الأعمدة وجهتها أيضًا الشرق. انعكاس الضوء على هذه الأعمدة يعزز الإحساس بالارتقاء الروحي ، ويرمز في آن واحد إلى تجسّد السيد المسيح (النور المنحدر من السماء) وإلى قيامته المجيدة (النور الصاعد الى السماء). وقد استُخدم في بناء سقف الكنيسة المقبب أكثر من 13 ألف متراً من الخشب. أما الالواح الخشبية المجموعة على شكل حزَم فوق المذبح، فهي مستوحاة من أشعة الشمس، وتذكّر بتصميم مذبح كاتدرائية القديس بطرس في روما. كنيس موسى بن ميمون اما اتجاه الكنيس فهو نحو القدس الشريف، وقد سُمي كذلك تكريمًا للفيلسوف واللاهوتي اليهودي الكبير في القرن الثاني عشر، الحاخام موسى بن ميمون. صُمم الكنيس كمَلاذ روحي للصلاة. واجهته على شكل شبكة مفرّغة مستوحاة من سعف النخيل التي يستخدمها المؤمنون لبناء "السوكا" (soucca ou cabane) خلال عيد سوكوتSukkot احتفالاً بذكرى منفى بني إسرائيل في صحراء سيناء ونهاية استعبادهم في مصر. وتسمح هذه الواجهة على شكل شبك بالحماية من أشعة الشمس نهارًا، وبرؤية النجوم ليلاً. أما في الداخل، فيزيّن الكنيس هيكلاً برونزياً على شكل شوبا (chuppa ou dais nuptial) اي المظلة التي يقف تحتها العروسان خلال الاحتفال بمراسم الزواج التقليدية لدى اليهود. اخيراً لا يسعنا سوى القول انه في عالمٍ تفتقر فيه البشرية إلى التسامح والسلام، مثل هذه المبادرة الرائدة تستحق كل الإشادة والتقدير والاحترام.

نوسترا أيتات، حجر الزاوية في الحوار بين الأديان – الجذور (1)

يحتفل الفاتيكان والعالم الكاثوليكي، بما في ذلك لبنان، بالذكرى الستّين لإصدار البابا بولس السادس لوثيقة نوسترا أيتات حول علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالأديان غير المسيحية. وفي لبنان، عُقدت ندوة في بكركي في 8 تشرين الثاني لإحياء المناسبة. غالبًا ما وُصفت الوثيقة بأنها نبوية ، وهذا في محلّه. فقد كُتبت في مرحلة كان العالم يشهد فيها، رغم تقارب الشعوب بفضل وسائل النقل والاتصال الحديثة، ازديادًا في استخدام الدين كوسيلة للعنف في القارات الخمس. وبلغت ثقافة الكراهية الدينية والعرقية ذروتها في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، مع الهولوكوست وإبادة ملايين اليهود على يد النازيين. "أشعّة من الحقيقة" ترتكز نوسترا أيتات على مبدأ أساسي: أن في كل دين "شعاعًا من الحقيقة". وتقول الوثيقة: «إن الكنيسة الكاثوليكية لا ترفض ما هو صادق ومقدّس في هذه الديانات… وتدعو أبناءها، بحكمة ومحبة، إلى الحوار والتعاون مع أتباع الديانات الأخرى، لتعزيز القيم الروحية والأخلاقية والثقافية الموجودة لديهم.» الأصول والتطوّر ترتبط جذور نوسترا أيتات ارتباطًا وثيقًا بالهولوكوست، إحدى أكثر مآسي الحرب العالمية الثانية ألمًا. ففي عام 1947، اجتمع مفكرون يهود ومسيحيون في سيليسبيرغ بسويسرا بدعوة من "مجلس المسيحيين واليهود" البريطاني، لمناقشة أسباب العداء المسيحي لليهود واللاسامية العرقية والسياسية. كان من بينهم المؤرّخ اليهودي الفرنسي جول إيزاك، الذي فقد زوجته وابنته في الترحيل. وكان قد أنهى عام 1946 كتابه يسوع وإسرائيل ، الذي درس فيه جذور العداء الديني لليهود وطالب بحوار يهودي–مسيحي. وفي عام 1960، التقى إيزاك بالبابا يوحنا الثالث والعشرين وقدّم له ملفًا يطالب بتعديل التعليم المسيحي حول اليهود، الذين كانت بعض الطقوس لا تزال تصفهم بـ"شعب قاتل الإله". فكلف البابا الكاردينال أوغستين بيا بإعداد نص حول اليهود ضمن تحضيرات المجمع الفاتيكاني الثاني. كان المشروع الأول يقتصر على علاقة المسيحية باليهودية ( مرسوم عن اليهود ). لكن أساقفة ملكيين وموارنة أعربوا عن تخوّفهم من سوء فهم الوثيقة في البلدان ذات الغالبية المسلمة. من بينهم البطريرك مكسيموس الرابع صايغ والمطران جورج حكيم. وقد شددوا على أن العلاقات بين الأديان في لبنان وسوريا ومصر تدور أساسًا بين المسلمين والمسيحيين، وأن حصر الوثيقة باليهودية سيبدو غريبًا وربما ذا طابع سياسي داعم لدولة إسرائيل الناشئة عام 1948. وقال البطريرك مكسيموس الرابع: «نحن نعيش في قلب العالم الإسلامي. وليس من الحكمة أن تتحدث الوثيقة فقط عن الشعب اليهودي من دون ذكر المسلمين، إخوتنا أبناء إبراهيم… نطلب أن يشار أيضًا إلى الإسلام.» وبالفعل، تم توسيع النص ليشمل الأديان غير المسيحية، وخاصة الإسلام. ورغم قصرها، أصبحت نوسترا أيتات حجر الزاوية للحوار الديني المعاصر. كما رفضت بوضوح فكرة المسؤولية الجماعية لليهود عن موت المسيح، مؤكدة أن ما جرى في الآلام «لا يمكن تحميله لجميع اليهود آنذاك ولا ليهود اليوم». إشارة تختصر التاريخ اختصر البابا يوحنا بولس الثاني تاريخًا طويلًا من التوتر بين الكنيسة واليهودية خلال زيارته jubilaire للأراضي المقدسة عام 2000. ففي حائط المبكى، وضع ورقة صلاة بين الحجارة كما يفعل المصلّون اليهود. وقبل أيام، كان قد زار ياد فاشيم، حيث أدان معاداة السامية وكرّم ضحايا الهولوكوست. وجاء في صلاته: «يا إله آبائنا… نشعر بحزن عميق على ما تعرض له أبناؤك من آلام عبر التاريخ، ونطلب مغفرتك، ونتعهد بعيش أخوّة حقيقية مع شعب العهد.» ليس اعتذارًا دبلوماسيًا أقرّ البابا بآلام اليهود منذ تدمير الهيكل عام 70، طالبًا المغفرة أمام الله. وبوصفهم بـ"شعب العهد"، أكد أن عهد الله مع إسرائيل غير منقوض، وهو عهد يتجاوز الزمن. وقد اعتبر الحاخامية الإسرائيلية والجاليات اليهودية هذه الخطوة نقطة تحوّل في العلاقات اليهودية–المسيحية. وهكذا رفضت الكنيسة "لاهوت الاستبدال" القائل إن وعود الله لإسرائيل انتقلت إلى الكنيسة، وأكدت أن الرابط الروحي الدائم بين اليهود والمسيحيين يقوم على الأمانة المشتركة لإرادة إله إبراهيم. المقال القادم: الحوار مع الإسلام.